معلومات عن العصور الوسطى

معلومات عن العصور الوسطى

تاريخ أوروبا

يغطّي تاريخ أوروبا الأشخاص الذين يعيشون في أوروبّا من عصور ما قبل التاريخ حتّى الوقت الحالي، وقد شهدت أوروبا خلال فترة العصر الحجري الحديث وفترة الهجرات الهندية الأوروبية تدفقات بشرية من الشرق والجنوب الشرقي وما أعقبه من تبادلات ثقافية ومادية مهمة، وقد بدأت الفترة المعروفة باسم الفترة الكلاسيكية القديمة مع ظهور مُدن اليونان القديمة، ولاحقًا جاءت الإمبراطورية الرومانية للسيطرة على حوض البحر الأبيض المتوسط بأكمله، وتقليديًا يُمثّل سقوط الامبراطورية الرومانية عام 476م بداية العصور الوسطى، وخلال المقال سيتم التعرف على العصور الوسطى بشكلٍ أعمق.[١]

العصور الوسطى

العصور الوسطى هي الفترة من التاريخ الأوروبي، والتي بدأت منذ سقوط الحضارة الرومانية في القرن الخامس الميلادي حتى فترة عصر النهضة -يتم تحديد تاريخ نهاية العصور الوسطى بشكلٍ مختلف اعتمادًا على المنطقة في أوروبا وعوامل أخرى، فقد يحدّد في القرن الثالث عشر أو الرابع عشر أو الخامس عشر-، وقد تمَّ تقديم المصطلح ومعناه التقليدي من قبل الإنسانيين الإيطاليين، وقد انخرط الإنسانيون في التعليم والثقافة الكلاسيكية، ومفهوم الألف عامٍ من الظلام والجَّهل التي تفصلهم عن العالَمَيْن اليوناني والرُّوماني.[٢]

والظّاهر أن الإنسانيين اختلقوا العصور الوسطى لغاية تمييز أنفسهم، وبالعودة في عجلة التاريخ إلى 410م فقد كان لنَهب روما من قبل ملك القوط الغربيين ألاريك الأول أثر هائل على البُنية السياسة والمُناخ الاجتماعي للعالم الغربي؛ ذلك لأن الامبراطورية الرومانية وفّرت أساس التماسك الاجتماعي لمعظم أوروبا، فبعد تفكك الامبراطورية الرومانية نشأت فكرة أوروبا كدولة كنيسة -العالم المسيحي-، والفقرة الآتية ستُبيّن وضع المجتمع الديني في ذلك العصر.[٢]

تقسيم العصور الوسطى

كم دامت العصور الوسطى في القارة الأوروبية؟

بدأت العصور الوسطى بحسب التقسيم الغربي لها عندما سقطت الإمبراطورية الرومانية بيد الجرمان خلال القرن الخامس ميلادي، وامتدت إلى نهاية القرن الخامس عشر ميلادي، وتعد العصور الوسطى الفترة الثانية من تقسيمات تاريخ القارة الأوروبية، وذلك بعد العصور الكلاسيكية التي تضم الحضارات الإغريقية والرومانية وقبل العصر الحديث الذي يضم عصر النهضة و عصر الحداثة.[٣]


تسمى هذه الحقبة من تاريخ القارة الأوروبية أيضًا باسم عصور الظلام، وذلك بسبب التخلف وظواهر الفقر والجهل والاقتتال الدائم بين الدول والممالك والإمبراطوريات الأوروبية وظهور النظام الإقطاعي، وقد تم تقسيم هذه المرحلة من التاريخ إلى ثلاثة أقسام متتالية تعكس كل فترة مميزات محددة جعلت منها فترة بحد ذاتها.[٣]


العصور الوسطى المبكرة (500م - 1000م)

بدأ هذا العصر مع سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب نهاية القرن الخامس ميلادي 476 م، وانتهت خلال القرن العاشر ميلادي، وتم إطلاق مصطلح عصور الظلام على هذه الفترة تحديدًا، وذلك بسبب التراجع الحضاري في القارة الأوروبية والذي تزامن مع سقوط روما وقلة عدد السكان وضعف الإنتاج الاصناعي والزراعي بالتزامن مع وضع بيئي سيء في عموم القارة الأوروبية.[٤]


أدت سيطرة القبائل الجرمانية "الألمانية" على روما إلى تقسيم الإمبراطورية بين أمراء القبائل وانتشار الفوضى والقتل بسبب عدم وجود سلطة مركزية، وفي ظل هذه الفوضى بدأت الديانة المسيحية بالانتشار بين هذه القبائل بشكل كبير وقوي في مقابل الوثنية القديمة في أوروبا الغربية، وهذا ما قاد تدريجيًا إلى قدرة الكنيسة في النهاية على قيادة القارة الأوروبية في نهاية القرن العاشر للميلاد، فقد كانت هذه القبائل في صراع دائم على السلطة وعدم اعتراف بالدولة أو السلطة المركزية بسبب طبيعتها القبلية الرثة منذ مئات السنيين.[٤]


وقد استمد هذا العصر خصائصه السياسية من خلال تقاليد الإمبراطورية الرومانية القديمة ومن القبائل الجرمانية ومن المسيحية وذلك بدايةً من القرن السابع والقرون التي تلته، هذه الأعمدة السياسية والفكرية الثلاث للفترة المبكرة للعصور الوسطى أثرت بشكل كبير على واقع هذه المرحلة من خلال الصراعات الداخلية الدينية والسياسية، وقد أسهمت في استدامة الصراع الداخلي في أوروبا مما أدى إلى زيادة التخلف والجهل والأوضاع الاقتصادية الصعبة، كما بدأت السيطرة العربية الإسلامية على مناطق جنوب أوروبا في شبه الجزيرة الإيبيرية (الأندلس) بفصل جزء من أوروبا عن القارة ثقافيًا وسياسيًا. أما أهم الأحداث والمميزات في هذه المرحلة هي:[٤]


السيطرة الجرمانية

أسهم سقوط الإمبراطورية الرومانية على يد القبائل الجرمانية في نهاية القرن الخامس الميلادي بانتشار الفوضى في ظل عدم وجود سلطة مركزية، وفي ظل حكم روما من قبائل الجرمان تفشت ظواهر القبلية والتخلف بعد عقود من سقوط روما بسبب تخلف القبائل الجرمانية، وهنا نجد الأمية والتخلف وأنظمة التبادل الاقتصادي القديمة غير المنظمة والوثنية البدائية التي كانت الديانة الأكثر انتشارًا داخل القبائل الجرمانية قد أسهمت في تراجع أوروبا الحضاري، وقد تزامنت هذه الأوضاع مع تقدم العرب المسلمين في مناطق سيطرة القوط وسيطرتهم على التجارة البحرية في البحر الأبيض المتوسط وتوقف إمدادات المواد الخام من المشرق العربي وغرب آسيا.[٥]


الديانة المسيحية

انتشار الديانة المسيحية بطرق مختلفة في أوروبا أدى إلى اندثار الديانة الوثنية وتنصر أغلب القبائل الجرمانية والغولية "الفرنسية" في أوروبا، هذه الظاهرة شكلت التاريخ الأوروبي الحديث واستمرت معه إلى يومنا هذا، فقد كانت المسيحية بمثابة الهوية الجديدة للقارة الأوروبية منذ القرن السابع للميلاد، فقد شكلت المسيحية الهوية الثقافية والسياسية لأغلب الدول الأوروبية خلال فترات مختلفة، وباسم المسيحية استطاعت الكنيسة السيطرة على الممالك الأوروبية من خلال النظام الإقطاعي وعبر الخزعبلات وقوة رجال الدين وتحالفهم مع رجال السياسة، وهذا ما ولد الإمبراطورية الرومانية المقدسة في نهاية القرن العاشر ميلادي.[٦]


غزوات الفايكنغ

يسمى سكان منطقة اسكندنافيا في أوروبا بالفايكنغ وقد بدأ الفايكنغ في غزو مناطق أوروبا وتحديدًا بريطانيا وفرنسا في القرن الثامن الميلادي وصولًا إلى القرن الحادي عشر الميلادي، وقد أثرت هذه الحرب الطويلة بين الأوروبيين والفايكنغ إلى استدامة الفوضى وتغيير كبير في تاريخ أوروبا، فقد تحول الفايكنغ من الديانة الوثنية إلى المسيحية واختلطوا بالسكان المحليين وأسسوا العديد من المدن مثل: دلبن في إيرلندا، ويورك في إنجلترا، وهذا ما أدى إلى بداية زيادة عدد سكان أوروبا بشكل تصاعدي بسبب الهجرات الكبيرة من مناطق الدنمارك والنرويج إلى وسط وشمال أوروبا.[٧]


النظام الإقطاعي

أسهمت سيطرة القبائل الجرمانية على الإمبراطورية الرومانية بتثبيت أقدام الإقطاعيين في أوروبا وانتشار النظام الإقطاعي كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي في القارة الأوروبية، وهو النظام القائم على السطيرة على مساحات كبيرة من الأرضي لصالح طبقة الإقطاعيين الذين مارسوا العبودية ضد عامة الناس أو ما يسمى بالأقنان أي العمل والإنتاج مقابل الطعام والمسكن فقط، تسبب هذا النظام بتراجع الإنتاج والثقافة وتقوية الكنيسة وسيطرتها وذلك بسبب: التحالف بين الكنيسة والإقطاع وهو أحد أهم مميزات العصور الوسطى وسبب التخلف الرئيسي فيها.[٥]


العصور الوسطى المتوسطة (1000م - 1347م)

استمرت هذه الحقبة لمدة ثلاثمائة عام تقريبًا، وشهد هذا العصر بداية التطور والتنظيم السياسي للقارة الأوروبية من خلال التكتلات السياسية عبر طبقة النبلاء وظهور الدول التي كانت نواة الدولة الحديثة في أوروبا، فقد ثبتت جماعات الفرنك والنرومنديون أقدامهم في مناطق بريطانيا وجزرها،[٥] كما استطاعت جماعات الموروين تثبيت حكمهم في أجزاء من إسبانيا بالتزامن مع نجاح الممالك المسيحية بالانتصار على العرب المسلمين في الأندلس حيث سيطروا على طليطلة والكثير من المناطق الأخرى على حساب أمراءالأندلس العرب.[٨]


تميز هذا العصر بزيادة أعداد السكان بشكل كبير جدًا ربما لم تشهده القارة الأوروبية سابقًا مما أدى إلى زيادة في الإنتاج مع توفر الأيدي العاملة، وبالتالي أدت هذه الزيادة إلى زيادة الصراعات بالرغم من أنها أصبحت أكثر تنظيمًا أي أنها أصبحت صراعات على المراكز الاقتصادية في أوروبا، كما شهدت القارة الأوروبية في هذه الفترة بداية الحروب الصليبية باسم المسيحية ضد المسلمين في المشرق العربي وذلك في نهاية القرن الحادي عشر للميلاد، مما أدى إلى تجنيد الفقراء باسم الدين وصكوك الغفران وإلى تصدير الأزمات الداخلية في الممالك الأوروبية إلى المشرق.[٩] وأهم الأحداث التاريخية في هذه الفترة هي:


الحملات الصليبية

بدأت الحملات الصليبية ضد المشرق العربي والدول الإسلامية خلال القرن الحادي عشر ميلادي، وقد كان اسم هذه الحملات في التاريح بالحروب الفرنجية، وقد كان أحد أهداف الحرب هو تصدير أزمات الممالك الأوروبية خارج القارة وذلك بسبب زيادة أعداد المسلحين فيها بعد إنهيار الإمبراطورية الكارولنجيه خلال القرن التاسع ميلادي، وانتشار الفايكنغ في أوروبا، كما ساهم القتال الدائر بين السلاجقة والبيزنطيين في الشرق إلى تدخل الغرب المسيحي لإنقاذ بيزنطة وإنقاذ نفسه في نفس الوقت، خصوصًا مع تأزم الوضع الاقتصادي بسبب النظام الإقطاعي واحتكار الثروة في طبقة النبلاء والاقطاعيين.[١٠]


حروب الاسترداد

بدأت هذه الحروب بشكلها الحقيقي والقوي خلال القرن الحادي عشر الميلادي وانتهت بسقوط غرناطة عام 1492م، وقد بدأت هذه الحروب باسم المسيحية وأصبحت حربًا منظمة باسم الدين بالتزامن مع الحروب الصليبية في المشرق، وكانت مدعومة من قبل البابا والمجتمع المسيحي، وقد أنجزت هذه الحروب العقائدية استعادة كامل الأندلس في غضون أربعمائة عام تقريبًا.[٨]


النظام الإقطاعي والنبلاء

في هذه الحقبة من العصور الوسطى أصبحت قوة الإقطاعيين والنبلاء بسبب سيطرتهم على القلاع كبيرة جدًا بحيث أنهم تحدوا سلطة الملك ومن ثم تحالفوا معه ومع رجال الدين بشكل كبير وذلك من موقع قوة، وقد ساهموا في تشكيل سلاح الفرسان الثقيلة الذي شكل ميزة عسكرية كبيرة خلال هذه الفترة، وقد ظهرت الفروقات الطبقية والتفاوت في توزيع الثروة في أغلب مناطق أوروبا.[٦]


بداية النهضة

عززت زيادة الإنتاج في أوروبا من أوضاع طبقة النبلاء وبالتالي بداية حركة أدبية في أوروبا، وقد تطورت وسائل الإنتاج نوعًا ما مع تشكل المدن التجارية في إيطاليا، كما أسهمت الثورة المعمارية في أوروبا الحاجة لتطويرعلوم الهندسة والرياضيات، كما أسهمت الحروب الصليبية في جلب الكثير من الكتب والمخطوطات من المشرق إلى أوروبا، ونقلت المعرفة وجزء من الحضارة الشرقية إلى الغرب بشكل غير مباشر، وعزز ذلك سماح المدن العربية في الأندلس للطلاب الأوروبيين الدراسة فيها والنهل من علومها.[١١]


العصور الوسطى المتأخرة (1350م - 1500)

بدأت هذه الفترة بتغير مناخي كبير سمي بالعصر الجليدي القصير، وقد سبب زيادة كبيرة في نسبة الأمطار تسببت في فساد المحاصيل الزراعية وغرق الأراضي، مما انعكس على الناتج الاقتصادي وانتشار المجاعات في أغلب مناطق أوروبا الغربية والشرقية، هذه المجاعات أدت إلى ثورات شعبية مختلفة أشهرها كانت ثورة الفلاحين في إنجلترا، ومما زاد الأوضاع سوءًا هو انتشار الطاعون الأسود في القارة الأوروبية في فترات مختلفة حيث قتل المرض خلال أقل من عقد حوالي 35 مليون إنسان في القارة الأوروبية.[٤]


تميز هذا العصر ببداية قاسية اقتصاديًا ولكنه أدى في النهاية إلى ضعف الإقطاع وزيادة نسبة الوعي والثقافة بين عامة السكان وإلى تطور العلوم الطبية والطبيعية والإنسانية، وذلك بسبب إنتشار القراءة والكتابة بين رجال الدين وطبقة النبلاء ونسبة قليلة من عامة الناس، كما حاولت الممالك الأوروبية السيطرة على طبقة النبلاء والإقطاعيين، وانتشرت طبقة الحرفيين والصناعيين كطبقة اقتصادية رئيسية في أوروبا بسبب قدرتها الإنتاجية العالية، ومن أهم مميزات هذه المرحلة:[٥]


صعود القوميات

بدأت في هذه المرحلة صعود النزعات العرقية والقومية في أوروبا وأصبحت الممالك الأوروبية كفرنسا وألمانيا بمحاولات السيطرة على طبقات النبلاء وأراضيهم باسم الدولة والسلطة المركزية، وأثرت المجاعات في عامة الناس بشكل كبير حيث لجأ الكثير منهم إلى التدين من جهة وإلى حضن الدولة من جهة أخرى هربًا من طمع وتغول الإقطاعيين وذلك بالإنضمام للجيوش الرسمية، وهذا ما أدى إلى بداية الصراعات القومية بين الدول الأوروبية فيما بعد، وأدت هذه النزعات إلى تفاقم النزعات الدينية أيضًا مما ساهم في ظهور محاكم التفتيش ضد المسلمين "الموريسكيين" واليهود.[٣]


ضعف الإقطاع

بسبب تدهور المناخ انقطع الكثير من سكان أوروبا عن العمل في الزراعة، وهذا ما تسبب في نقص عدد الأيدي العاملة ومن ثم أدى إلى التقليل من عدد الأقنان أو العبيد في أوروبا الغربية بشكل خاص، وقد أدى الظلم الواقع على عامة الناس ببداية الوعي بمصالحهم وحقوقهم ورفضهم العمل بالسخرة والتركز في المدن المركزية، إضافة إلى ذلك وبسبب الحركة التجارية النشطة في الفترة اللاحقة للطاعون الأسود صعدت المدن الإيطالية كمراكز مالية تعتمد على البنوك والمصارف والربا كأساس للربح، وتحولت المدن الإيطالية في هذه الفترة إلى مراكز النهضة الاقتصادية والثقافية والفكرية.[٥]


عصر النهضة

أدى سقوط القسطنطينية في عام 1453م، إلى هجرة عدد كبير من العلماء والمثقفين والمترجمين إلى المدن الأوروبية وخصوصًا إلى إيطاليا، بالتزامن مع بداية حركة الترجمة في أوروبا، كما ساهم سقوط الأندلس في أيدي الغرب المسييحي إلى السيطرة على كنوز المعرفة والعلم، وهذا ما اعتبر استمرارية لحركة بناء الجامعات في أوروبا في القرن الثالث عشر ميلادي، جميع هذه العوامل أدت إلى بداية حركة وثورة ثقافية كبيرة بدأت في إيطاليا وانتشرت لاحقًا في كل مناطق القارة الأوروبية وهي المرحلة الفاصلة بين عصور الظلام وعصور التقدم والثورة الصناعية في أوروبا.[١١]


العصور الوسطى خارج أوروبا

هل كانت العصور الوسطى خارج أوروبا عوصر ظلام؟

تميزت العصور الوسطى خارج القارة الأوروبية بالتقدم والنهضة الثقافية التي جلبت العلم والتقدم المعرفي للبشرية، وقد كانت بغداد العباسية وقرطبة الأموية منارتا هذا التقدم في العالم، فقد شهدت هذه العصور في منطقة المشرق العربي والأندلس بناء المدارس والمكتبات والجامعات في المغرب العربي، وصعد فيها نجم العلماء العرب والمسلمين وخصوصًا في بغداد الرشيد عاصمة بني العباس.[٨]


شهدت هذه الفترة من التاريخ خارج القارة الأوروبية أوضاعًا اقتصادية مزدهرة ونتاجات علمية وأدبية كبيرة، حيث ترجمة الكتب القديمة لليونان والسريان والفرس، وظهر الطب كأحد أهم العلوم التي نجحت في التقدم بخطوات كبيرة للأمام، وأصبحت بغداد هدف علماء الفلك والرياضيات، كما ازدهرت حركة الشعر العربي في الأندلس والمشرق العربي، وكان المدارس والكتاتيب تنتشر في كل مساجد المشرق والمغرب العربي والأندلس، كما ازدهرت وكثرت المستشفيات العامة في المدن الرئيسية في العراق ومصر والأندلس، وبالرغم من ذلك فقد أسهمت الحملات الصليبية والغزو المغولي في تدمير الكثير من هذه المنجزات كتدمير مكتبة بغداد.[٨]

سلطة الكنيسة في العصور الوسطى

من هي الكنيسة التي سيطرت على النظام السياسي في أوروبا؟

وحدت الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا الناس تحت راية المسيحية منذ القرن السابع عشر ميلادي، وأصبحت هي القوة الرئيسية في أوروبا، أدت هذه السلطة إلى تجنيد عشرات آلالاف الشباب الأوروبي لغزو المشرق العربي، وقتال العرب المسلمين في الأندلس، كما أسهمت في تعزيز الإقطاع في أوروبا لحساب طبقات النبلاء هناك وسيطرت على عمليات جمع الضرائب وتجنيد الجيوش. [٦]


أسهمت الكنيسة في أوروبا في تثبيت النظام الإقطاعي وتقوية طبقة النبلاء، كما عززت من نفسها من خلال بناء الكنائس والكتدرائيات في شتى أنحاء أوروبا مما ترك لنا تحف معمارية خالدة إلى الآن، وعملت الكنيسة على تقوية سلطتها من خلال الرهبنة وبناء الأديرة في كل القرى والمدن، إضافة إلى ذلك كانت سلطة الكنيسة تعتمد على تحالفاتها السياسية مع الملوك والنبلاء معًا من أجل فرض هيبتها الدينية والمدنية، وهذا ما انعكس على عامة الناس بشكل سلبي أدى إلى حروب ضد الدين فيما بعد ورفض سلطة الكنيسة التي مثلتها الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي كانت القوة الأكبر في كل أوروبا.[١٠]


نظام الإقطاع في العصور الوسطى

كيف سيطر النظام الإقطاعي على الشعوب الأوروبية؟

ظهر النظام الإقطاعي في أوروبا خلال القرن الرابع الميلادي، ولكنه انتشر بشكل كبير خلال القرن التاسع للميلاد، وذلك بسبب توزيع ملوك أوروبا للأراضي للفئات التي تدين بالولاء لهم وتعمل لحمايتهم، ومن ثم أصبحت هذه الأراضي ملكًا وراثيًا للإقطاعيين وبالتالي فإن الأرض ومن يسكن عليها من قرويين هم ملك للإقطاعي، وقد عرف النظام الإقطاعي كأحد أبشع الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية في التاريخ ويعتبر من أشد الأنظمة تخلفًا ورجعية.[٤]


تميز هذا النظام بعبودية سكان هذه الأرض ومن يعملون فيها لمالك الأرض، يدفعون له النسب الأكبر من المحاصيل كما يفرض عليهم الاستجابة لكل ما يمليه عليهم صاحب الأرض فهم أيضًا ملك له، ويجب على الفلاحين دفع ضريبة أخرى للكنيسة غير التي تدفع للإقطاعي، ويجب عليهم القتال تحت راية الإقطاعي في المعارك والحروب، ويملك هذا الإقطاعي حق طلب أبناءهم للعمل لأجله أو القتال لأجله أين ومتى ما شاء، وقد تسبب هذا النظام بانتشار الفوضى والثورات في كل مناطق أوروبا وساهم في استدامة التخلف والجهل في أناء القارة الأوروبية.[٤]

القوانين والتشريعات في العصور الوسطى

كان في العصور الوسطى المبكرة عدد من القوانين التي تم تطبيقها في أوروبا الغربية والتي عالجت عددًا من الحقوق الاجتماعية، بما في ذلك الميراث والزواج والطلاق، وقد سيطرت الامبراطورية الرومانية على معظم أوروبا حتى عام 500م تقريبًا، وظلَّ نظام قانون الامبراطورية مؤثرًا لفترة طويلة لأنها خدمت مبدأ قانون الكنيسة، وبالإضافة لقوانين الامبراطورية الرومانية فإن المناطق التي لم تسيطر عليها روما بالكامل مثل: إيرلندا وشبه الدُّول الإسكندنافية وألمانيا، كانت لها قوانينها الخاصة والتي عرضت على المرأة حقوقًا قانونية مختلفة قبل سيطرة نظام قانون الكنيسة، وعلى سبيل المثال: كانت يُسمح للنساء في أوائل إيرلندا المسيحية 400م - 700م بالحصول على الطلاق من أزواجهن، كما سمح للرجال بتطليق زوجاتهم أو حتى تعدد الزوجات، وعلى الرغم من أن الرجال كانوا أعلى قيمةً من النساء، إلا أنه يمكن تقدير النساء ذوات المنزلة العالية أكثر من الرجال ذوي المنزلة المنخفضة، خاصةً إذا كانت النساء في سن الإنجاب.[١٢]

عمومًا، كانت النساء أقل قيمةً من الرجال، لكن في المقابل كان يتم تقدريهُن، وعادةً ما كان الزواج المحترم مصحوبًا بتبادل الحاجيات، وللتوضيح، كان مهرًا من عائلة الزوجة إلى الزوج، أو هدية الزواج من الزوج إلى الزوجة، أو نصيب المرأة من ورث زوجها حيث يكون من الزوج إلى عائلة الزوجة والذي قد يكون القليل من الأدوات المنزلية أو قد يشمل المال أو الأرض، وكان نصيب المرأة من الورث خاصًا بالزوجة، إلا أن الزوج كان هو من يسيطر عليه عادةً أثناء الزواج، ولم يكن الزوج يستطيع التصرف به إلا بعد موافقة زوجته، وبمجرد أن تنجب المرأة الأطفال من زواجٍ صالح كان يحق لها الحصول على الدعم من زوجها وعائلته، وعمومًا كان يفرض القانون تزويد الأرملة بثلث ممتلكات زوجها لدعمها أثناء حياتها أما الثلث الباقي فيذهب للأبناء ويبقى تحت وصاية الأم حتى بلوغهم سن الرشد، وقد كانت الأرملة تفقد هذه الحقوق في حال زواجها، وإلى حدٍ ما كانت هذه القواعد ثابتة في جميع أنحاء أوروبا وخاصةً في نهاية العصور الوسطى.[١٢]


المجتمع والاقتصاد في العصور الوسطى

اضطراب المجتمع في جميع أنحاء أوروبا بسبب الرُّعب الناجم عن الموت الأسود في فترة العصور الوسطى المتأخرة، فقد تمَّ التخلي عن الأراضي قليلة الخصوبة والإنتاج، وتمكَّن الناجون من الحصول على أراضي أكثر خصوبة، وعلى الرَّغم من أن القنانة انخفضت في أوروبا الغربية إلّا أنها أصبحت أكثر شيوعًا في أوروبا الشرقية، حيث فرضها مُلَّاك الأراضي على هؤلاء المستأجرين الذين كانوا أحرارًا في السابق، ونجح معظم الفلاحين في أوروبا الغربية من تغيير العمل الذي كانوا مدينون به في السابق لملّاك الأراضي في الإيجارات النقدية، وانخفضت نسبة الأقنان بين الفلاحين من 90% إلى 50%، وأصبح المُلّاك أيضًا أكثر وعيًا بالمصالح المشتركة مع المُلّاك الآخرين واتحدوا معًا لانتزاع الامتيازات من حكوماتهم، وإلى حدٍ ما وبناءً على إلحاح المُلَاك حاولت الحكومات سن القوانين للعودة إلى الحالة الاقتصادية التي كانت قائمة قبل الموت الأسود.[١٣]

وقد أصبح الناس من غير رجال الدّين وبشكلٍ متزايد من المتعلمين، وبدأ سكان المدن بتقليد اهتمامات النبلاء بالمروءة، وقد تمّ طرد الجماعات اليهودية من إنجلترا عام 1290م ومن فرنسا عام 1306م، وعلى الرغم من أن البعض سُمحَ لهم بالعودة إلى فرنسا إلّا أن مُعظمهم لم يُسمح لهم، وهاجر الكثير من اليهود باتجاه الشرق واستقروا في بولندا والمجر، وفي عام 1492م طُرد اليهود من إسبانيا وانتشروا في تركيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا، وفي إيطاليا استمر صعود الخدمات المصرفية خلال القرن الثالث عشر واستمر طوال القرن الرابع عشر، والذي تغذّى جزئيًا من خلال الصراع المتزايد في تلك الفترة واحتياجات البابوية لنقل الأموال بين الممالك، وقد قامت العديد من المصارف بإقراض الأموال إلى الأُسر الملكية والذي تسبب في إفلاس بعضها بسبب تخلُّف الملوك عن سداد قروضهم.[١٣]


الفن والعمارة في العصور الوسطى

كانت الكاتدرائيات أكبر مباني أوروبا في العصور الوسطى ويمكن ملاحظتها في وسط المدن في جميع أنحاء أوروبا، ففي الفترة بين القرن العاشر والثالث عشر تمّ بناء الكاتدرائيات على الطراز الرومانسكي، وكانت الكاتدرائيات الرومانسكية صلبة ومتينة ومن الأمثلة على هذا الفن من العمارة: كاتدرائية بورتو في البرتغال وكاتدرائية شباير في ألمانيا، وفي عام 1200م تقريبًا بدأ المعماريين بتبني نمط معماري جديد والمعروف باسم العمارة القوطية، وتحتوي هياكل العمارة القوطية مثل: كنيسة سانت دينس أو سان دوني في فرنسا وكاتدرائية كانتربوري في إنجلترا والتي أُعيدَ بناؤها على نوافذ ضخمة من الزجاج الملوَّن وقبوٍ بارز وأقواس تقنية -تمَّ تطويرها في العالم الإسلامي- ودعَّامات معلقة وقممٍ منحوتة، وقد اتخدت الرسومات التي رسمها الفنانيين الطالع الديني وهي رسومات تعبدية لمريم العذراء ويسوع والقديسين، وقبل اختراع آلة الطباعة ابتكر الحرفيون مخطوطاتٍ مُضيئة والتي كان يستخدم فيها الذهب والفضة.[١٤]


الأطفال والمعمودية

إن مفهوم الطفولة وأهمية الطفل في مجتمع العصور الوسطى لا ينبغي تجاهله من التاريخ، فمن الواضح تمامًا من القوانين المصممة خصيصًا لرعاية الاطفال أن الطفولة قد تمَّ الاعتراف بها كمرحلة متميزة من التَّطوُّر، وأنَّه على عكس الفلكلور الحديث بأن الأطفال لم يعاملوا معاملةً حسنةً كما لا يُتوقَّع منهم بأن يتصرفوا كراشدين، وتُعد القوانين المتعلقة بحقوق الأيتام من بين الأدلة أن الاطفال كان لهم قيمة في المجتمع أيضًا، فمن الصَّعب تصوّر أنه في المجتمع الذي وضع قيمةً كبيرةً للأطفال، والأمل الكبير من الزَّوجين لإنجاب الأطفال أن يعاني فيه الأطفال من قلَّة الاهتمام أو العاطفة، وهذه الاتّهامات التي غالبًا ما وُجّهَت ضد عائلات العصور الوسطى، وقد كان هناك حالات سوء معاملة وإهمال للأطفال في المجتمع الغربي في تلك الفترة إلا أن اتخاذ حوادث فردية كمؤشر على ثقافة كاملة سيكون استهتارًا بالتاريخ، والسطور الآتية ستبّن كيف نظر المجتمع بشكلٍ عام إلى معاملة الأطفال.[١٥]

لأن السبب الرئيس للزواج في أي مرحلة من مجتمع العصور الوسطى هو إنجاب الأطفال، فعادةً ما تكون ولادة الطّفل سببًا للبهجة، إلا أنه كان أيضًا عاملًا للقلق، وبما أن أن معدَّل وفيات الولادة قد لا يكون مرتفعًا كما يكون في الفلكلور، إلّا أن هناك احتمالات لحدوث مضاعفات مثل: العيوب الخلقية أو ولادة الجَّنين بشكلٍ مقعَدي، بالإضافة إلى وفاة الأم أو الطفل أو كليهما، وفي أفضل الظروف لم يكن في ذلك الوقت مُخدّر فعَّال لإزالة الألم، وفي تلك الفترة كانت الغُرف المُجهَّزة للولادة شبه حصرية للنساء، إذ لم يتم استدعاء الطبيب الذَّكَر إلا في الحالات التي تتطلَّب جراحة ضرورية، وكانت عملية الولادة تتم من خلال القابلات سواءً كانت الأم من الفلاحين أم النُّبلاء.[١٥]

وغالبًا ما كانت القابلات تتمتَّعن بخبرة تفوق العَقْد، وكان يرافق القابلات مُساعِدات تلقَّينَ التَّدريب، وعادةً ما كان الأقرباء والأصدقاء من الإناث يتواجدون في الغُرفة المُعدَّة للولادة لتقديم العون، أما الأب فيكون قَد تُرك بالخارج ليقوم بالصَّلاة من أجل ولادة آمنة، وتشير بعض المصادر إلى أن بعض الأمهات أنجبنَ في وضعية الجلوس لتخفيف الألم وتعجيل عملية الولادة، وفي حين تأخرت الولادة عن المعتاد كان يحاول كلّ فرد من أفراد الأسرة المساعدة من خلال فتح الخزائن أو الأدراج أو فتح الصناديق أو من خلال إطلاق سهم في الهواء، وكل هذه الأفعال كانت رمزية للتَّعجيل من عملية الولادة، وقد أوصت طبيبة من القرن الثاني عشر بغسل اللسان بالماء الساخن لضمان أن يتحدَّث الطفل بشكل سليم.[١٥]

وبعد ولادة الطفل بفترة قصيرة تأتي المرحلة التالية وهي المعمودية، وكان الغرض الرئيس من المعمودية هي تغسيل الطّفل للتخلُّص من الخطيئة وإبعاد كل الشَّر من المواليد الجدد، وكان هذا السّر المُقدَّس مهمًا جدًا للكنيسة الكاثوليكية ذلك أن المعارضة المعتادة للنساء اللواتي يؤدّين واجبات مقدسة تمَّ التَّغلب عليها خوفًا على الطفل غير المُعمَّد، وفي حين توفيت الأم أثناء الولادة كان على القابلة استخراج الطفل لتعميده، وكانت مراسم الاحتفالات الرسمية في الكنيسة تبني العلاقة بين الطفل والعرَّاب مدى الحياة -العرَّاب في العديد من الطوائف المسيحية الشخص الذي يشهد تعميد الطفل وهو مستعد للمساعدة في التعليم المسيحي وقد يكون رجلًا أو امرأة-، لذلك كان للطفل في العصور الوسطى علاقة مع المجتمع.[١٥]

طبيعة حياة المراهقين

تمتّع عددٌ قليلٌ من أطفال العصور الوسطى بالتعليم الرسمي؛ لأنه كان نادرًا في ذالك الزمان، ونتيجةً لذلك لم يذهب جميع الفتية إلى المدارس، وكان المراهقون من أسر الفلاحين يعملون بدلًا من الذهاب للمدرسة، وفي الأعمال المنزلية يمكن أن يكون المراهقين الذين عملوا كعمّال منتجين في الزراعة جزءًا لا يتجزأ من دخل الفلاحين، أو قد يعمل المراهق كخادم مدفوع الأجر لدى أسرٍ أخرى وكثيرًا في بلدةٍ أخرى، حيث يمكن للمراهق الإسهام في الدخل الإجمالي للأسرة أو ببساطة التوقف عن استهلاك موارد الأسرة وبالتالي تحسين الوضع الاقتصادي لهؤلاء الذين تركهم وراءه، وفي الأسر الرّيفية قدَّم الأطفال مساعدات قيمة لعائلاتهم في سن الخامسة أو السادسة، وتتمثَّل هذه المساعدات في أعمال بسيطة لم تأخذ الكثير من وقتهم مثل: جلب الماء ورعاية الإوز أو الدَّواب أو جمع الفاكهة والحطب.[١٦]

أما الأطفال الأكبر سنًا فقد تمَّ توظيفهم لرعاية إخوتهم الصّغار، وفي المنزل كانت الفتيات يساعدنَ أمهاتهن في رعاية الحديقة وصنع الملابس أو إصلاحها والمساعدة في الطهي، وفي الحقل كان الصبية الذين تتراوح أعمارهم من 9 سنوات وعادةُ 12 أو أكثر يساعدون آباءهم عن طريق استفزاز الثور بينما يتعامل الأب مع المِحراث، ومن أصعب الأعمال التي كانت تواجه الأطفال في سن المراهقة هي التعامل مع المنجل، ومن الأعمال الخارجية التي كان يقوم بها الأطفال بعد قليلٍ من التدريب، صناعة الملابس والحدادة والخبر وما إلى ذلك، كما كان هناك تسلسلٌ هرمي وعلاقات في الخدمة، إذ كان هناك خدمٌ من أصولٍ نبيلة وخاصةً أولئك الذين عملوا كخادمٍ خاص، والفتيات اللواتي خدمنَ كوصيفات للسيدات، وعند انتقال أحد الأقرباء الأكبر سنًا من الخدمة كان يحل مكانه قريبه الأصغر سنًا، ومن المفاهيم الخاطئة والشائعة عن العصور الوسطى هي أن الحياة كانت كئيبة ومملة، وأن من يتمتَّع بالأنشطة الترفيهية هم فقط من النبلاء.[١٦]

وبالتأكيد أن الحياة كانت صعبةً مقارنةً بالعصر الحديث إلا أنها لم تكن كلها ملئيةً بالظلام والكدح، فقد عرف الناس ومنهم المراهقين في العصور الوسطى كيفية قضاء وقتٍ ممتع، فقد كان المراهقون يقضون يوميًا أوقاتًا طويلةً في العمل والدراسة، لكن في معظم الحالات كان لديهم القليل من الوقت للاستجمام في المساء، إلّا أنهم كانوا يحظون بوقت الفراغ الوفير في العطلات مثل أيام القديسين والتي كانت متكررةً إلى حدٍ ما، ومن وسائل الترفيه التي اكتشفها علماء الآثار بين بقايا القلاع مجموعة من لعبة الشطرنج والطاولات المنحوتة بشكلٍ معقَّد، مما يشير إلى بعض الشعبية لألعاب الطاولة بين الطبقات النبيلة، ومن المرجَّح أن الفلاحين لم يقتنوا مثل هذه المنحوتات باهظة الثمن، حيث من الممكن أن يكونوا قد استمتعوا بالنُّسخ ذات التكلفة المنخفضة أو المصنوعة في المنزل إلّا أنه لم يتم العثور على ما يدعم هذه النظرية.[١٦]

المجتمع الديني في العصور الوسطى

كانت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية مركز الحياة في جميع أنحاء أوروبا في العصور الوسطى، وكانت الكنيسة أقوى مؤسسة في كل أوروبا والوحيدة التي امتدَّت إلى الممالك المنفصلة، كما كانت الكنيسة بمثابة الحارس على المعرفة والتَّعلم، حيث حافظت على الكتب ومحو الأمّية في الوقت الذي كان فيه معظم النّاس غير قادرين على القراءة، كما وكانت مؤسسة اقتصادية قوية جمعت الضرائب من جميع المواطنين، وقامت ببناء الكنائس والأديرة والكاتدرائيات الضخمة في جميع أنحاء أوروبا، وتمَّ الحصول على جميع المعلومات حول العصور الوسطى من منحوتات وسجلَّات الكنيسة، وقد لعبت الكنيسة دورًا محوريًا في الحروب الصليبية، وهي حملة من الحروب الدينية استمرَّت من 1090م إلى 1300م تقريبًا، وتلبيةً لنداء الكنيسة أرسل الملوك فرسانهم وجنودهم في رحلات طويلة إلى الشرق الأوسط في محاولة لاستعادة الأراضي المقدسة من الدولة الإسلامية، وقد عبَر الصليبيُّون مسافات شاسعة وتعلَّموا الكثير عن الأراضي الأجنبية بما في ذلك الامبراطورية البيزنطية التي كانت في ذروة تطورها، وقد جَلَب هؤلاء الصليبيون إلى بلادهم أفكارًا جديدة، ووصلوا إلى شركاء تجاريين جدد وأنماط جديدة من الملابس.[١٧]

وبالانتقال إلى الدولة الإسلامية فقد كان المسلمون يعيشون فترةً من الازدهار الثقافي والعلمي والاقتصادي، وهو العصر الذهبي الإسلامي، وقد بدأ العصر الذهبي الإسلامي من القرن الثامن الميلادي حتى القرن الرابع عشر، وقد بدأت هذه الفترة الذهبية في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد مع افتتاح بيت الحكمة في بغداد، حيث تم تكليف علماء من مختلف أنحاء العالم ومن خلفيات ثقافية مختلفة لجمع وترجمة كل أنواع المعرفة الكلاسيكية في العالم إلى اللغة العربية، وعادةً ما يرتبط نهاية العصر الذهبي الإسلامي بسقوط الدولة العباسية؛ بسبب غزوات المغول وحصار بغداد عام 1258م، ويرجّح بعض العلماء تاريخ نهاية العصر الذهبي إلى عام 1050م تقريبًا، بينما يحدد القليل من العلماء المعاصرين تاريخ نهاية هذه الفترة الإسلامية في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، والجدير بالذكر بأن لاتباع المسلمين القرآنَ والحديث اللّذَيْن يضعان قيم التّعليم، ويؤكدان ضرورةَ اكتساب المعرفة دورًا محوريًا في التأثير على المسلمين في هذا العصر، وذلك من خلال بحثهم عن المعرفة وتطوير بُنيَة العلم.[١٨]


العلماء والمثقفون في العصور الوسطى

خلال العصور الوسطى المتأخرة قاد اللاهوتيين مثل جون دَنْزْ سكوتش وويليام أوف أوكهام ردَّة الفعل ضد المدرسية -السكولاستية- الفكرية واعترضوا على تطبيق العقل على الإيمان، وقد هدمت جهودهم فكرة الأفلاطونية السائدة على المُسلّمات، وقد أصرَّ أوكهتم بأن العقل يعمل بشكلٍ مستقل عن الإيمان، وفي القَرنَيْن الرابع عشر والخامس عشر انتشرت الجامعات في جميع أنحاء اوروبا وارتفعت معدلات معرفة القراءة والكتابة إلّا أنها كانت لا تزال منخفضة، وبحسب التخمينات فإن معدل معرفة القراءة والكتابة في عام 1500م كان 10% للرجال بينما كان نصيب النساء من معرفة القراءة والكتابة 1%، وقد زاد انتشار الأدب مع دانتي وبترارك وجيوفاني وبوكاتشيو في إيطاليا في القرن الرابع عشر، وفي إنجلترا مع مع تشوستر وويليام لانجلاند، وفرانسوا فيلون وكريستين دي بيزان في فرنسا، وقد بقي العديد من الأدب ذات طابع ديني، وعلى الرغم من أن الكثير من هذا الأدب الديني استمرت كتابته باللغة اللاتينية إلا أن هناك أصواتًا نادت إلى تطويره للغة المحلية.[١٩]

الأدب والموسيقى في العصور الوسطى

كان التطور الأكثر أهميةً في أدب العصور الوسطى المتأخرة هو هيمنة اللغة المحلية، وكانت اللغة المحلية مستخدمةً في إنجلترا منذ القرن الثامن الميلادي وفي فرنسا منذ القرن الحادي عشر الميلادي، وكانت أكثر الأنواع الأدبية شعبيةً هي تشانسون دي جيست وهي نوع من أنواع القصائد الملحمية والشعر الوجداني تروبادور والملاحم الرومانسية، وقد دمجت الكوميديا الإلهية لداني أليغييري والتي كتبها في بداية القرن الرابع عشر نظرة العالم في العصور الوسطى مع المُثُل العُليا الكلاسيكية.[٢٠]

والجدير بالذكر بأن الشعراء الثلاثة دانتي وبوكاتشيو وبترارك أسسوا لهجة توسكان كمعيار للغة الإيطالية الحديثة، وفي إنجلترا ساعد جيفيري تشوستر في تأسيس الإنجليزية الوسطى كلغةٍ أدبيةٍ في عمله حكايات كانتربوري، أما الموسيقى فقد كانت جزءًا مهمًا لكل من الثقافة العلمانية والروحانية، وفي الجامعات كانت تشكل جزءًا من تعاليم الفنون المتحررة، وفي أوائل القرن الثالث عشر كان شكل الموسيقي المقدسة المهيمة هو الموتيت -نوع من أنواع الموسيقى الغربية-، كما وبرَزَ النظام الموسيقي متعدد الأصوات والمعروف باسم البوليفوني.[٢٠]


نماذج أدبية من العصور الوسطى

يُعدّ أدب العصور الوسطى موضوعًا شاملًا، وبشكلٍ أساسي يشمل جميع الأعمال المكتوبة المتاحة في أوروبا وغيرها خلال العصور الوسطى، من سقوط الامبراطورية الرومانية الغربية حتى عصر النهضة، وهو مجال مُركَّب وغني للدراسة من القداسة المُطلقة إلى البذائة الغزيرة، وغالبًا ما يتم تصنيف الأعمال الأدبية حسب مكان أصل العمل واللغة والنَّوع الأدبي، ومن الأعمال الأدبية البارزة خلال تلك الفترة:[٢١]

  • أليكسياد: وهو نص تاريخي كُتِب عام 1148م من قبل الأميرة آنا كومنين، حيث يصف التاريخ السياسي والعسكري للامبراطورية البيزنطية.
  • كانتيجاس سانتا ماريا: ويُنسب هذا العمل إلى ألفونسو العاشر وهو عبارة عن أناشيد دينية يتألف من 420 قصيدة مع تدوين موسيقي، ويتميَّز بالإشارة إلى مريم العذراء في كل أغنية.
  • حكايات كانتربوري: وهو عبارة عن مجموعة من 24 قصة تمتد إلى ما يزيد عن 17,000 سطر مكتوب بالإنجليزية الوسطى، وهذا العمل كتبه تشوستر بين 1387م - 1400م.
  • أغنية رولاند: قصيدة ملحمية لمؤلفٍ فرنسي مجهول تستند إلى معركة ممر رونسفال، رونسيفو في 778م خلال عهد شارلمان، وهو أقدم عمل رئيس متبقٍ من الأدب الفرنسيّ.

المراجع[+]

  1. "History of Europe", www.wikipedia.org, Retrieved 19-12-2019. Edited.
  2. ^ أ ب "Middle Ages", www.britannica.com, Retrieved 19-12-2019. Edited.
  3. ^ أ ب ت سعيد عاشور، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، صفحة 20-129. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج ح موريس بيشوب، تاريخ أوروبا فى العصور الوسطى، صفحة 9-45. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت ث ج عمرو منير، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، صفحة 10-110. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت أحمد عجيبة، البابوية وسيطرتها على الفكر الأوروبي في العصور الوسطى، صفحة 5-36. بتصرّف.
  7. "فايكنك"، المعرفة، اطّلع عليه بتاريخ 26/12/2020. بتصرّف.
  8. ^ أ ب ت ث إفاريست دبروفنسال، حضارة العرب في الأندلس، صفحة 70-160. بتصرّف.
  9. أحمد باقر، الحروب الصليبية، صفحة 19-23. بتصرّف.
  10. ^ أ ب محمد طقوش، تاريخ الحروب الصليبية، صفحة 5-56. بتصرّف.
  11. ^ أ ب نور الدين حاطوم، تاريخ عصر النهضة الأوروبي، صفحة 40-120. بتصرّف.
  12. ^ أ ب "Middle Ages", www.encyclopedia.com, Retrieved 20-12-2019. Edited.
  13. ^ أ ب "Middle Ages", www.wikipedia.org, Retrieved 20-12-2019. Edited.
  14. "Middle Ages", www.history.com, Retrieved 20-12-2019. Edited.
  15. ^ أ ب ت ث "Medieval Childbirth and Baptism", www.thoughtco.com, Retrieved 19-12-2019. Edited.
  16. ^ أ ب ت "Work and Adolescence in the Middle Ages", www.thoughtco.com, Retrieved 20-12-2019. Edited.
  17. "Europe in the Middle Ages", www.encyclopedia.com, Retrieved 19-12-2019. Edited.
  18. "Islamic Golden Age", www.wikiwand.com, Retrieved 19-12-2019. Edited.
  19. "Middle Ages", www.wikiwand.com, Retrieved 20-12-2019. Edited.
  20. ^ أ ب "Late Middle Ages", www.wikiwand.com, Retrieved 20-12-2019. Edited.
  21. "Medieval literature", www.wikiwand.com, Retrieved 20-12-2019. Edited.