العصور الذهبية للإسلام

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٢٨ ، ٧ يناير ٢٠٢٠
العصور الذهبية للإسلام

بيت الحكمة

يُشيرُ بيت الحِكمة إلى مَعهدٍ ومركزٍ فكريّ أو إلى مكتبةٍ خاصَّة كبيرة في بغداد تابعة للخلفاء العبَّاسيين خلال العصور الذهبية للإسلام، ويُعدّ بيت الحكمة موضوع جدالٍ نشط حول وجوده ووظائفه كمعهدٍ رسمي، وهو قضيَّةٌ معقَّدةٌ بسبب الافتقار إلى الأدلة المادية بعد سقوط الدولة العباسية والاعتماد على شواهد من المصادر الأدبية حول بيت الحكمة، وقد تمَّ تأسيس بيت الحكمة إما كمكتبة لمجموعة من الأعمال في عهد الخليفة هارون الرشيد ثمَّ تحوَّل فيما بعد إلى معهدٍ عام في عهد الخليفة المأمون، أو كان عبارة عن مركزٍ أنشأه المنصور لاستيعاب الكُتب النادرة ومجموعات الشّعر باللغتين العربية والفارسية، ومهما كان سبب الإنشاء فإن لبيت الحكمة الفضل في انطلاق العصور الذهبية للإسلام وهو موضوع هذا المقال.[١]

بداية العصور الذهبية للإسلام

تُشير العصور الذهبية للإسلام إلى فترة من الازدهار الثقافي والاقتصادي والعلمي في تاريخ المسلمين والذي يرجع تاريخه إلى القرن الثامن الميلادي وحتى القرن الرابع عشر الميلادي، ويتم تحديد بداية العصور الذهبية للإسلام في عهد الخليفة هارون الرشيد 786م - 809م عندما قام بافتتاح بيت الحكمة في بغداد لجمع وترجمة جميع الأعمال في العالم إلى اللغتين العربية والفارسية، وقد أوْكَل الخليفة هذه المُهمة إلى علماء من ثقافات ومناطق مختلفة بهدف جمع العلوم من شتَّى الثقافات، ومن الأسباب التي قادت المسلمين إلى العصور الذهبية للإسلام:[٢]

تقدير العلماء

فقد ناصرت الإمبراطورية الإسلامية العُلماء وقدَّرتهم بشدة، وتُقدَّر الأموال المُنقة على حركة الترجمة لبعض الترجمات ما يُعادل ضعف ميزانية البحث السنوية لمجلس البحوث الطبية في المملكة المتحدة، وكان أفضل العُلماء والمترجمين البارزين مثل: حنين بن إسحق يحصلون على رواتب تُقدَّر بما يُعادل رواتب الرّياضيين المُحترفين في الوقت الحاضر.[٢]

التكاتف لأجل العلم

خلال فترة العصور الذهبية للإسلام أبدى المسلمون اهتمامًا شديدًا في استيعاب المعرفة العلمية للحضارات التي تمَّ فتحها، حيث تمَّ ترجمة العديد من الأعمال الكلاسيكية العائدة للعصور القديمة من الحضارات اليونانية والفارسية والهندية والصينية والمصرية والفينيقية، والتي قد تكون فُقدت بطريقة ما وتمَّ ترجمتها لاحقًا إلى التركية والعبرية واللاتينية، كما ولا تُنكَر مساهمة المسيحيين في الحضارة الإسلامية في عهد الأمويين والعباسيين من خلال ترجمة أعمال الفلاسفة اليونانيين والعلوم القديمة إلى السريانية وبعدها إلى العربية، ومن المسيحين المساهمين في الحضارة الإسلامية حنين بن إسحق، والجدير بالذكر بأن تأسيس بيت الحِكمة كان على غرار جوندشابور،جندسيابور المركز الفكري للإمبراطورية الساسانية.[٢]

التقنيات الحديثة

مع إدخال الورق ونظام الكتابة الجديد والسَّهل فقد أصبح من الممكن كسب الرزق من خلال كتابة وبيع الكُتب فقط والتي قد تكون للمرة الاولى في التاريخ، حيث انتشر استخدام الورق من الصين إلى المناطق الإسلامية في القرن الثامن ووصل الأندلس في القرن العاشر، فقد كان الورق المُصنَّع يمتص الحّبر مما جعله مثاليًا لحفظ السجلات، وقد ابتكر المسلمون أساليب خط التجميع لمخطوطات نسخ اليد لإصدار الطبعات بشكل أكبر من أي نسخة متوفرة في أوروبا لعدة قرون، وقد تعلَّمت بقية البُلدان تصنيع الورق من الكتَّان من الدُّول الإسلامية.[٢]

التأثير الديني

حيث كان لأوامر القرآن والحديث دورًا رئيسًا في التأثير على المسلمين في هذه الفترة من تاريخهم، وذلك من خلال بحثهم عن المعرفة وتطوير بُنيَة العلم، فقد كان دستورهم القرآن الذي حثَّ على التَّعليم واكتساب المعرفة.[٢]

بغداد في العصر الذهبي

كان حُب المعرفة ظاهرًا في بغداد التي تأسست عام 762م كعاصمة للخلافة العباسية في العراق، فقد تجمَّع العلماء والفلاسفة والأطباء وغيرهم من المفكّرين في مركز التجارة والتنمية الثقافية، وتبادل هؤلاء العلماء والمفكرين -الكثير منهم كان طليقًا باللغة العربية واليونانية- الأفكار وترجموا النصوص اليونانية إلى العربية، وتُعرف فترة الخلافة العباسية وحُكم بغداد بالعصور الذهبية للإسلام التي ازدهرت فيها الدولة الإسلامية في شتَّى مجالات العلوم، فقد قام زعماء الدولة العباسية ببناء بغداد لتحل محل دمشق كعاصمة للإمبراطورية الإسلامية، وقام الخلفاء العباسيين ببناء بغداد من الصّفر مع الحفاظ على شبكة الطرق التي أنشأها الفُرس قبل تولى بني أمية الحُكم.[٣]

وكان موقع بغداد استراتيجيًا بين آسيا وأوروبا مما جعلها مكانًا رئيسًا لطرق التجارة البرية بين القارَّتَيْن، ومن البضائع التي كان يتم إتّجارها عبر بغداد العاج والصابون والعسل والألماس، وكان سكَّان بغداد يقومون بتصنيع وتصدير الحرير والزجاج والفخار والورق، كما أن موقع بغداد الاستراتيجي جعل منها مركزًا حيويًا للثقافة والتجارة وتبادل الأفكار.[٣]

فقد جذبت بغداد الكثير من الناس ومن ضمنهم العلماء للعيش داخل حدودها للتعرف عليها والعيش داخل المدينة الحديثة، وفي مقتطفاتٍ من كتاباته وَصَفَ المؤرّخ ياقوت الحموي في القرن العاشر بغداد قائلًا: شكَّلت مدينة بغداد نصف دائرتين كبيرتين على الضفة اليُمنى واليُسرى لنهر دجلة بقُطر اثني عشر ميلًا، وفيها العديد من الضواحي المُغطاة بالمتنزَّهات والحدائق الجميلة والقصور الأنيقة، والمزوَّدة بالكثير من البازارات الغنيّة والمساجد والحمّامات المبنية بدقّة والتي تمتد لمسافاتٍ كبيرة على جانِبَي النَّهر، وفي أيام ازدهارها بلغ عدد سكَّان مدينة بغداد وضواحيها أكثر من مليونَي شخص، وكان قَصر الخليفة في وسط حديقةٍ شاسعة تتزيّن أرضه بالنباتات والأزهار والأشجار وأحواض المياه والنَّوافير وكان مُحاطًا بالمنحوتات، وكان على جانب النّهر أيضًا قصور النُّبلاء العظماء، وكانت شوارع بغداد واسعة لا يقل عرضها عن أربعين ذراعًا، وتميَّزت المدينة بالنظافة والصَّرف الصحي وراحة المواطنين.[٣]

علماء العصور الذهبية للإسلام

كان العصر الذهبي للإسلام مليئًا بالعلماء الذين سطروا أسماءهم بالذهب في تاريخ العالم الإسلامي، وذلك لإسهاماتهم الكبيرة في كل مجالات العلوم والتي لا تزال خالدةً حتى اليوم مثل: الخوارزمي وابن رشد وابن الهيثم والبيروني والعديد من العلماء والمفكرين الذين لهم الفضل الكبير في وضع قاعدة العلوم للأجيال القادمة منهم ما يأتي.

أبو بكر الرازي 854م - 925م

رائد طبّ العيون متعدد الجوانب الثقافيّة، إلّا أن اهتمامته تركّزت على الطب والفلسفة والكيمياء وهو أول من أنتج أحماضًا مثل حمض الكبريتيك، وكتب ملاحظات عن أمراض مثل الجدري وجدري الماء، ومؤلف أول كتاب عن طب الأطفال وله إسهامات رائدة في الكيمياء العضويّة وغير العضويّة.[٤]

ابن النَّفيس 1213م - 1288م

اهتم ابن النَّفيس بالطّب وعلم التَّشريح حيث ميَّز في كتابه المُوجز الفرق بين حصى الكلى وحصى المثانة، وهو من العلماء القلائل في ذلك الوقت الذين تبنوا فكرة أن الدماغ هو العضو المسؤول عن التفكير والإحساس وليس القلب ومن أعماله الرئيسة كتاب تفسير تشريح القانون.[٥]

الفارابي 872م - 950م

اهتم الفارابي بالفلسفة السياسية والقانون والموسيقى والعلوم وعلم الأخلاق كما وكان عالمًا في الفلك والرياضيات، يٌنسب إليه تصنيف المنطق إلى مجموعتين منفصلتين الأولى فكرة والثانية دليل، وله كتاب بعنوان كتاب الموسيقى يقدم فيه مبادئ فلسفية حول الموسيقى وتأثيرها.[٦]

ابن سينا 980م - 1037م

أب الطب الحديث ويُعد أهم الأطباء والفلكيين والمفكريين والكتاب في العصور الذهبية للإسلام، من أبرز مؤلفاته كتاب الشّفاء، والقانون في الطب المؤلف من خمسة مجلدات وقد تمَّ استخدام هذا الكتاب كمنهاجِ تدريس في العالم الإسلامي وأوروبا حتى القرن الثامن عشر.[٧]

جابر بن حيَّان 721م - 815م

من اهتماماته الرّئيسة: الكيمياء وعلم الفلك والطب والصيدلة والفلسفة والفيزياء ، وهو مخترع الإنبيق وهو جهاز كيميائي للتقطير، ومن مؤلفاته كتاب المملكة وكتاب الزئبق الشرقي.[٨]

نهاية العصور الذهبية للإسلام

في القرن الثالث عشر عَزت الإمبراطورية المغولية معظم الأراضي البرّية لأوراسيا، بما في ذلك الصين في الشرق والكثير من أراضي الخلافة الإسلامية القديمة في الغرب، ويرى البعض أنّ تدمير بغداد وبيت الحكمة عام 1258م من قبل هولاكو كان نهاية العصر الذهبي الإسلامي، كما أن الغزو العثماني للشرق الأوسط الناطق بالعربية والذي يُعدّ قلب العالم الإسلامي وضع العالم الإسلامي تحت السيطرة التركية وكان ذلك في الفترة بين 1516م - 1717م، ورغم السيطرة التركية إلًا أن العلوم العقلانية استمرت في الشرق الأوسط، أما العوامل التي أدَّت إلى انهيار الحضارة الإسلامية فهي لا تزال نقطة جدال.[٩]

يرى المؤرّخ الاقتصادي جويل موكير بأن الفيلسوف الإسلامي أبو حامد الغزالي كان الشخصية الرئيسة في تدهور العلوم الإسلامية، حيث أسهمت أعماله في تصاعد التصوّف والمذهب الظرفي في العالم الإسلامي، ويرى آخرون أن سبب تراجع العلوم الإسلامية يعود إلى إحياء السُّنة في القرنَيْن الحادي عشر والثاني عشر والتي أسفرت عن سلسلة من التغيّرات المؤسسية والتي بدورها قلَّصت من الإنتاجات العلمية لصالح إنتاج المعرفة الدينية التي تُعدّ أكثر ربحًا، إلّا أنه تمَّ تفنيد هذه الآراء بسهولة حيث كان علماء العصور الذهبية للإسلام خُبراءً في المجالَيْن الديني والعلمي، كما أن العديد من مدارس الفكر الإسلامي تمَّ إنشاؤها في العصر الذهبي، والسؤال الذي يطرح نفسه دائمًا: هل ستعود العصور الذهبية للإسلام، وهل سيخرج المسلمون من سباتهم الذي طال؟ هذا ما ستُجيب عليه الأجيال القادمة.[٩]

المراجع[+]

  1. "House of Wisdom", www.wikipedia.org, Retrieved 30-12-2019. Edited.
  2. ^ أ ب ت ث ج "Islamic Golden Age", www.wikiwand.com, Retrieved 30-12-2019. Edited.
  3. ^ أ ب ت "The golden age of Islam", www.khanacademy.org, Retrieved 30-12-2019. Edited.
  4. "Muhammad ibn Zakariya al-Razi", www.wikiwand.com, Retrieved 30-12-2019. Edited.
  5. "Ibn al-Nafis", www.wikiwand.com, Retrieved 30-12-2019. Edited.
  6. "Al-Farabi", www.wikiwand.com, Retrieved 30-12-2019. Edited.
  7. "Avicenna", www.wikiwand.com, Retrieved 30-12-2019. Edited.
  8. "Jabir ibn Hayyan", www.wikiwand.com, Retrieved 30-12-2019. Edited.
  9. ^ أ ب "Islamic Golden Age", www.wikipedia.org, Retrieved 30-12-2019. Edited.