قصة السيدة مريم العذراء

قصة السيدة مريم العذراء

نذر أم السيدة مريم العذراء

ما هو المقصود بالنذر الذي نذرته أم مريم؟

جاء في كتب التفسير أن زكريا وعمران قد تزوجا من أختين فكانت أم مريم واسمها حنة عند عمران وأختها أم يحيى عند زكريا، فتوفي عمران وزوجته حنة تحمل ببطنها جنينًا كانت قد نذرته لله تعالى، حيث قال الله تبارك وتعالى في كتابه: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.[١][٢]


وقيل إن أم مريم كانت قد يئست أن تُرزق بالأولاد، وكانت ذات مرة تجلس تحت شجرة ورأت طيرًا من الطيوريُطعم صغاره فلهف قلبها لصغير تُربيه، فدعت الله تعالى أن يرزقها بولد، وبعد مرور الوقت توفي زوجها عمران، وعلِمت هي بحملِها فجعلت ما في بطنها نذيرة؛ أي كثير العبادة لله تعالى ليس له بأمر الدنيا شيئ سوى عبادة الله وطاعته.[٢]


ومعنى ما نذرت هو أنها جعلت ما في بطنها محررًا للعبادة، وقيل محررًا للكنيسة وخادمًا لها فقد كان آنذاك أُناس يعتزلون الناس ولا يعملون شيئًا سوى العبادة في الكنيسة وخدمةالتوراة فيها، وقيل أيضًا إنه في زمنبني إسرائيل كانت النساء عندما تلد الغلام تُربيه وتُرضعه حتى يكبر ويشتد عوده فتذهب به إلى من يعلمون الكُتب وتقول لهم بأنّه محررٌ لهم ليخدمهم، وقيل محررًا ليخدم الكنيسة سنة، وقال بعض المفسرون إنهم كانوا يحررون الغلمان دون الإناث.[٢]


ولادة السيدة مريم العذراء

هل أوفت أم مريم العذراء بما نذرت؟

فلما ولدت أم مريم أنجبت أنثى وهي السيدة مريم العذراء فعرفت عندها أنها لن تستطيع تنفيذ نذرها إذا أن الكنيسة لا يكون فيها إلا الرجال ولا يجوز للمرأة أن تجتمع معهم فلهذا لم تنفذ نذرها وتجعلها في الكنيسة وهذا ما جاء في ذكر الله تبارك وتعالى لولادة السيدة مريم حيث قال تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.[٣][٤]


وقالت ليس الذكر كالأنثى لأن الأنثى لا تقدر على خدمة الكنيسة كما ينبغي لاختلاف طبيعتها عن الذكر ولأنّه لا يصح أن تكون المرأة خادمة للأحبار في الكنيسة وفي قولها هذا اعتذار تقدمه لله تعالى وهو أعلم بها وبنيتِها وأعلم بما وضعت.[٤]


وأطلقت حنة على ابنتها اسم مريم وأعاذتها بالله تعالى هي وذريتها من مكر الشيطان وكيده، فتقبل الله تعالى من أم مريم ما نذرت وما أرادت من خير للكنيسة في نذرها وأعطاها أجر ذلك حيث قال الله تبارك وتعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا}،[٥][٤] واختارت اسم مريم من باب القربة لله تعالى والالتجاء إليه لكي يحفظها فتأخذ من اسمها نصيبًا وتكون أفعالها كالمعنى الذي يحمله الاسم؛ إذ أن اسم مريم معناه في لغتهم العابدة والخادمة لدينها.[٦]


ولهذا طلبت من الله تعالى أن يعيذها هي وذريتها من الشيطان الرجيم أي أنها جعلت ملتجئة عند الله ليعصمها من الشيطان وكان حمل أم مريم مقترن بالعديد من العبادات وولادتها كذلك حيث كان هذا الدعاء هو إحدى العبادات وكان الله تعالى قد استجاب لها وحفظها من الشيطان حيث جاء ذلك في سنة رسول الله فيما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- إنه قال: "ما مِن بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطَانِ، غيرَ مَرْيَمَ وابْنِهَا ثُمَّ يقولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: {وَإنِّي أُعِيذُهَا بكَ وذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}" .[٧][٦]


كفالة زكريا لمريم العذراء

لماذا كان زكريا عليه السلام هو من كفل مريم؟

ترعرت السيدة مريم العذراء في بيت العبادة وكفلها نبي الله زكريا -عليه السلام- ومعنى كفالته لها أي أنّه ضمها إليه وأصبحت في رعايته وكان زكريا هو من اختاره الله تعالى لذلك فقد حصل نزاع بين الصالحين في قومها لكفالتها فقاموا بإجراء قرعة بينهم وكان زكريا -عليه السلام- هو من فاز بالقرعة ولله تعالى حكمة وغاية في أن تنشأ في بيت نبي من أنبياءه وهذا ما اخبر به الله تعالى حيث قال: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}.[٨][٩]


محراب السيدة مريم العذراء

ما هو المحراب؟

تكفل الله تعالى لمريم برزقها فكانت تلزم المحراب وتعتكف فيه والمحراب هو مقدم بيت العبادة، فكانت منذ بلوغها تجلس فيه وهي تعبد الله تعالى وتتقرب إليه، وكان كلما دخل إليها زكريا -عليه السلام- وهو كافلها وجد عندها رزقًا وكان يعجب لذلك ويسألها عنه وما كان منها إلا أن تؤكد له أن الرزق من عند الله تعالى الذي يرزقه عباده من غير قدر ولا حد فكما قال الله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.[١٠][١١]


خروج السيدة مريم العذراء لقضاء حاجة

ما حصل مع السيدة مريم العذراء بعدما اعتزلت الناس؟

بعدما كانت السيدة مريم قد اعتزلت الناس وتفردت لعبادة الله تعالى وحده في محرابها وكان مكانه شرقي بيت المقدس، فخرجت مرة إلى جانب المحراب بسبب الحيض الذي أصابها،[١٢] وكانت قد اتخذت مكانًا شرقيًا قيل هو انفرادها في المحراب لأنها شرقي بيت المقدس وقيل هو اتخاذها مكانًا يلي مشرق الشمس؛ لأن الله تعالى جعل لها ظلًا وهو الذي يعزلها عن الناس، فبعدما انتبذت مريم مكانًا شرقيًا واعتزلت الناس وجعلت بينها وبينهم حجابًا أرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام.[١٢]


جبريل وبشرى الابن

لماذا تعجبت السيدة مريم من بشرى جبريل عليه السلام؟

أرسل الله تعالى جبريل -عليه السلام- إلى مريم العذراء متمثلًا بصورة البشر، فكان رجلًا سوي الخلقة وفي أحسن صورة، فلما تفاجئت بروئيته استعاذت بالله ولجأت إليه وبدأت ترجوه أن يتقي الله تعالى ويخافه فيها، فأخبرها بأنّه رسول من عند الله تعالى، وبشرها بالمعجزة الكبيرة التي اصطفاها الله بها من دون البشر وهي ولادة ابن لها من غير وجود أب له.[١٣]


فما كان منها إلا أن تتعجب بعد هذه البشرى فهي غير متزوجة ولم يمسسها رجل قط وكانت عفيفة طاهرة لا سبيل لأحد من الرجال عليها وكانت لا تريد مننهم أحدًا وهذا ما أخبر به الله تعالى حين قال: {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا}.[١٤][١٣]


اعتزال السيدة مريم العذراء الناس

لماذا اعتزلت السيدة مريم الناس؟

بعدما بشر جبريل -عليه السلام- السيدة مريم بحملها وشعرت به ما كان منها إلا أن تعتزل الناس وتبتعد عنهم وتختلي بنفسها عن جميع الخلائق، فذهبت إلى مكان بعيد عن أعين الناس لا يراها فيه أحد وذهبت وهي تعلم بحملها وتريد أن تخفيه عن الناس لكيلا يعلم به أحد.[١٥]


ولادة عيسى عليه السلام

ما هي الخوارق التي حصلت في ولادة عيسى عليه السلام؟

لما شعرت مريم عليها السلام بقرب ولادتها، وأتتها مقدمات الولادة خرجت من المكان القصي الذي اتخذته تبحث عن مكان يعينها في ولادتها وبسبب ألم الولادة اتخذت جذع نخلة لتتكئ عليه وتتعلق به ليعينها على الولادة، وقد كانت تقاسي ألآم الولادة وتفكر في العار الذي سيصيبها بعد الولادة حتى إنها كانت تتمنى الموت بسبب الموقف الذي كانت تعيشه إلا أن الله تعالى سّهل عليها ولادتها فأرسل إليها جبريل -عليه السلام- يخبرها أنّ الله تعالى جعل لها سريًا من تحتها،[١٦] قيل أن السري هو عيسى ويقال كذلك للرجل بسبب كماله وليبشرها بأنّه سيكون له شأن عظيم لكي لا تحزن وتهون عليها ولادتها.[١٧]


وقيل أن السري هو سيل من الماء يجري تحت المكان الذي تجلس به ومن الخوارق في ولادتها أن جذع النخلة الذي كانت تعتمد عليه يابسًا ولا يحمل الثمار فلما هزت الجذع أثمر وصار عليه رطبًا ليكون قد توفر عندها الماء والغذاء لتأكل وتشرب وتكون قريرة العين بولادة ابنها الذي سيكون غلامًا سويًا ورجلًا ذو قيمة وشأن، وأن لا تكلم الناس فأمرها الله تعالى بالاطمئنان والسكون ونبذ الأفكار والوساوس المخيفة وعدم توقع ما تكره فالله تعالى معها وهو خير حافظ لعباده المؤمنين.[١٧]


هل هنالك سبب لتسمية عيسى عليه السلام بالمسيح؟ لمعرفة ذلك قم بالاطلاع على هذا المقال: سبب تسمية عيسى ابن مريم بالمسيح


مقابلة السيدة مريم لقومها

ماذا فعلت مريم عند لقائها لقومها؟

كانت السيدة مريم العذراء تخشى الوقت الذي ستقابل به قومها وتخشى ما سيقولنه لها، لكن الله تعالى أمرها إن رأت أحدًا من قومها أن تبقى صامته فلا تكلمهم حيث قال الله تبارك وتعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}.[١٨][١٧]


تعجب واستنكار قوم السيدة مريم

لماذا كان الاستنكار على مريم عظيمًا؟

لما أتت السيدة مريم إلى قومها وهي تحمل ابنها بين يديها استنكروا عليها ذلك واستعظموه فيكيف يكون من هذه العابدة العفيفة ذات النسب الطيب أن تأتي بابن من غير زواج، فقالوا لها بأن أبها لم يكن إلا رجلًا طيبًا لا يعرف سوى وأن أمها لم تكن امرأة يبغونها الرجال، وقاموا بتذكيرها بكبار قومها فنادوها بأخت هارون وهو نبي الله وأخو موسى عليه السلام، ولم يتذكروا أن مريم العذراء كانت تعتكف المحراب وأنها تربت في بيت نبي وأنها لم تكن تبتغي الرجال وإنما لمّا رأوه استنكروا ذلك عليها واستعظموه ووصفوه بأنّه شيئ فري.[١٩]


عيسى يتكلم في المهد!

ماذا قال عيسى وهو في المهد؟

لمّا استعظم قوم مريم أمرها أشارت إلى الطفل الذي تحمله وهو عيسى -عليه السلام- فتعجبوا لفعلها وقالوا لها كيف نكلم طفلًا في مهده، فأنطقه الله تعالى فقال لهم بأنه عبد لله تعالى ونبي من عنده، ويصف كتاب الله تعالى هذا الموقف في قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}.[٢٠][٢١]


العبر المستفادة من قصة السيدة مريم العذراء

تتلخص العبر المستفادة من قصة السيدة مريم العذراء فيما يأتي:[٢٢]

  • أن الله تعالى إذا قضى أمرًا هيّأ له الأسباب وحثّه بعنايته، فالله تعالى لما كتب على مريم بنت عمران أن تحمل من غير زوج أحاطها بالرعاية والألطاف الإلهية حتى كانت قريرة العين.
  • أن الله تعالى كتب لكل إنسان في هذه الدنيا رزقًا محتومًا ومع ذلك يجب على الإنسان أن يسعى ليصل إلى رزقه فالله تعالى يسر لمريم جذع النخلة إلا أنّه أمرها أن تهزه لتحصل على الثم، وتكليف الإنسان في كسب رزقه هو من السنن التي جعلها الله تعالى في هذه الأرض.
  • أن الله تعالى لا يرضى لعباده بالحزن والاستسلام فقد أمر مريم العذراء بأن تبقى قريرة العين مطمأنة النفس وهي في أصعب الأحوال فأمرها أن تأكل وتشرب وتبتعد عن جدال الناس ونقاشهم لكيلا تحزن نفسها ويكدّر عيشها، وفيه عبرة.



المراجع[+]

  1. سورة آل عمران، آية:35
  2. ^ أ ب ت ابن المنذر، تفسير ابن المنذر، صفحة 173. بتصرّف.
  3. سورة آل عمران، آية:36
  4. ^ أ ب ت ابن المنذر، تفسير ابن المنذر، صفحة 176. بتصرّف.
  5. سورة آل عمران، آية:37
  6. ^ أ ب محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، صفحة 6615. بتصرّف.
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:34314، حديث صحيح.
  8. سورة آل عمران، آية:44
  9. محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، صفحة 1200. بتصرّف.
  10. سورة آل عمران، آية:37
  11. محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، صفحة 1200. بتصرّف.
  12. ^ أ ب أبو جعفر الطبري، تفسير الطبري، صفحة 483. بتصرّف.
  13. ^ أ ب محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، صفحة 4623.
  14. سورة مريم، آية:20
  15. محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، صفحة 4625. بتصرّف.
  16. محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، صفحة 4627. بتصرّف.
  17. ^ أ ب ت محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، صفحة 4630. بتصرّف.
  18. سورة مريم، آية:26
  19. محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، صفحة 4632. بتصرّف.
  20. سورة مريم، آية:29 32
  21. محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، صفحة 4633. بتصرّف.
  22. وهبة الزحيلي، التفسير المنير، صفحة 78. بتصرّف.