أسباب سقوط غرناطة

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:١٤ ، ١٧ يوليو ٢٠١٩
أسباب سقوط غرناطة

غرناطة

تعدّ مدينة غرناطة أو إلفيرا -حسب المسيحيّة- من أشهر المدن الأندلسيّة وعاصمة الخلافة الإسلامية فيها، فتحَها المسلمون بقيادة طارق بن زياد عام 711 م، بعد سقوط دولة المرابطين ومقاومتها للعدوان النصراني بالاستعانة بالموحدين، فحكمها الموحّدون وتوسّعوا فيها حتى تلال قصر الحمراء وحي البيازين، ولكنهم انهزموا بعدها في معركة العقاب وتشتت الطوائف الأندلسية فيها، فجمع شتاتها محمد ابن الأحمر، ولكنه ما لبث سلّمها بيده أمام الزحف النصراني. غرناطة الآن مقاطعة أندلسية ذاتية الحكم في إسبانيا، وتضم قصر الحمراء، إحدى القصور الإسلامية في الأندلس، وهو من أشهر المباني التاريخية الإسلامية الأندلسية بالإضافة للكثير من المعالم الثقافية التي تجعلها من الوجهات السياحية الإسبانية. ويقدم هذا المقال أسباب سقوط غرناطة آخر المدن الأندلسية.[١]

أسباب سقوط غرناطة

عمل بنو الأحمر على تأسيس أطول خلافة إسلامية في الأندلس في غرناطة 1238 م بوصفهم أمراء مستقلّين، بعد أن غادرها إدريس الموحّدي وسقوط الأندلس، واستيلاء بنو الأحمر على قرطبة عام 1238، وازدهرت غرناطة تجاريًّا لقرنين من الزمان، حتى تولّى الخليفة محمد الثاني عشر مقاليد الخلافة فيها 1492، وواجه الزحف النصراني فيها، ولكنه كان أضعف من التصدّي له فكان سببًا من أسباب سقوط غرناطة، فسلّمها لفرناندو الثالث ملك قشتالة والملكة إيزابيلا الأولى بموجب معاهدة مرسوم الحمراء، وبهذا يؤرّخ انتهاء حكم المسلمين للأندلس.[٢]


ضَمِنَ مرسوم الحمراء للمسلمين الذين عرفوا بالمدجنين ممارسة عباداتهم بحرية، والحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم دينهم بعد أسباب سقوط غرناطة. وفي عام 1499 انتهك غونزالو سيسنيروز شروط مرسوم الحمراء وقام بإصدار مرسوم ملكي قسري لتنصير غير المسيحيين من المسملين واليهود، بعدما فشل رئيس أساقفة غرناطة فريناندو دي تاليفيرا في تعميدهم في أسرع وقت ممكن وتحويلهم للمسيحيّة.[٢]

فظهر المورسكيين وهم المسيحيّون من أصول مسلمة والمارانوس وهم المسيحيون من أصول يهودية اليهود، وتالمسلمون تمردً مسلحًا على هذا القرار، خصوصًا في المناطق الريفية في جنوب غرب منطقة البشرات، مما دفع بولي عهد قشتالة عام 1501 بالإلغاء مرسوم الحمراء نهائيًّا، وإجبار مسلمي غرناطة على التحول للمسيحيّة أو الهجرة، فهاجرت نخبة من المسلمين إلى شمال أفريقيا، أما الغالبية من مدجنو غرناطة أجبروا على اعتناق المسيحيّة، وظلّوا ومن تحوّلوا من اليهود إلى المسيحية يعانون من الاضطهاد والإعدام والنفي، كما كانوا يمارسون شعائرهم في الخفاء.[٢]


بعد ثمانية قرون من الحكم الإسلامي في الأندلس وتعدد أسباب سقوط غرناطة، سقطت غرناطة آخر المدن الأندلسيّة بعد سقوط قرطبة وإشبيلية وبلنسية ومرسية أمام الغزو الصليبي، وكان من أسباب سقوط غرناطة:[٢]

  • تغيّر نمط الحياة الاجتماعية في غرناطة، فغرق أهلها في ملذّات الحياة، واتّباع الشهوات، وشهدت حياتهم الكثير من المجون والإسفاف.
  • الابتعاد عن المنهج الصحيح للدين الإسلامي كان سببًا من أسباب سقوط غرناطة، فابتعد المسلمون عن الجهاد في سبيل الله، وأسرفوا في اتّباع المعاصي.
  • قيام الطوائف، وتشتت المسلمين، وتسليم أمرهم لمن ليسوا أهلًا له، بحكم بني الأحمر لهم.
  • ضعف مدينة غرناطة التي عانت الحصار لسبعة أشهر، وانقطعت الصلات بينها وبين العالم الخارجي، بعد حصار فريدناند وزوجته ايزابيلا، فعزلوها، ومنعوا أي مساعدة خارجيّة لها، وحرقوا المزارع والمحاصيل حولها، فعاني أهل المدينة جوعا شديدًا، وتفشّت الأمراض بينهم.

تبعات سقوط غرناطة

يذكر في التاريخ في أسباب سقوط غرناطة، أنّ قِسًّا يدعى ويليام ويدمونهام كان ممّن حضروا حفل كنيسة سان بلو بسقوط غرناطة، كتب وثيقة تحدّث فيها عن أسباب سقوط غرناطة، وحالها عند سقوطها، وحال المسلمين بعد سقوطها، وكان ممّا ذكره فيها:[٣]

  • امتلاك الغرناطيّين الشيء الكثير من الأسلحة التي نهبت بعد سقوطها، ولكنّ عدد الجيش الغرناطيّ أقل بكثير من من القوات التي حاصرتها مما أضعفهم أمام الحصار، وتعّرضهم لمجاعة تحوّل حالهم فيها من الترف والأبّهة إلى اضطرارهم أكل لحوم الخيول الكلاب والقطط من الجوع.
  • حوت مدينة غرناطة كنوزًا هائلة، ففي مسجد غرناطة وحده كان هناك 300 مصباح من الذهب والفضة، بالإضافة لما في قصورها من جدران مرصّعة بالأحجار الكريمة، وعندما خرج المسلمون منها لم يسمح لهم بأخذ إلا ما يستطيعون حمله على ظهورهم، عدا السلاح والذهب والفضّة، فهاجروا المدينة وتركوا فيها مغانم كثيرة للإسبان.
  • قامت الحملة الصليبية على غرناطة بموافقة البابا إينوثينو الثامن وكانت من أسباب سقوط غرناطة، فساعد ملوكُ أوربا الجيش الإسبانِي بالفِرَقَ العسكرية التي أعانت على سقوط غرناطة، وعندما سقطت كان لسقوطها صدًى كبير، فأقيمت الاحتفالات وصلوات الشكر في مناطق كثيرة من أوروبّا ومنها صلواتٌ في إنجلترا في ساحة "سان بابلو" المقابِلَة للكاتدرائيَّة التي تَحْمل الاسم نفسه، وحضَرَها أُسْقُفُّ "كانتربري"، وأُسقفُّ "لندن"، ورئيس بلدية لندن، وأعضاء المَجلس البلدي لِتَقديم الشُّكر لهذه المناسبة.
  • دمّرت معالم الحضارة الإسلامية في غرناطة، فقام الكرينال خمنيس بجمع كل الكتب العربية التي ضمّت الفكر الإسلامي، وحرقها في ميدان باب الرملة، باستثناء 300 كتاب في الطب والعلوم، نقلها إلى جامعة قلعة هنارس، وتبعها عام 1612م الاستيلاء على محتويات المكتبة الزيدانية التي ضمّت ثلاثة آلاف سفر في الفلسفة والدين والأدب وعشرة آلاف مجلّد التي حملها مولاي زيدان الحسني في سفينته وهو مغادر مراكش، ونقلها إلى قصر الإسكوريال، الذي شبّت فيه نار عام 1671 والتهمت المكتبة، ولم يبق منها سوى ألفين، محبوسة إلى اليوم في أقبية القصر.
  • بدأت إسبانيا بعد سقوط غرناطة، باستكشاف العالم واستعماره، ففي عام 1492، بدأت رحلة كريستوفر كولومبوس لاستكشاف العالم الجديد/ أمريكا، ومن ثم توسيع حكم فرديناند الثاني وإيزابيلا في المملكة المتحدة، عن طريق الحملات البحرية، وقيام الإمبراطورية الإسبانية العظمى.

محاكم التفتيش

في ذكر أسباب سقوط غرناطة، تُذكر محاكم التفتيش التي قامت بعد سقوط المدينة، بحثًا عن أي مسلم اتّخذ النصرانية نقابا لممارسة شعائره الدينية بالخفاء، فكان كُلّ من وجد في بيته مصحفا، وهو يعلن نصرانيته، أو وجدوه يصلّي أو يغتشل من جنابة، أو لم يشاهدوه يشرب خمرًا سجنوه وعذّبوه، وملؤوا بطنه ماءً حتى الاختناق، ووضعوا السياخ المحمّاة في جسده، وسحقوا عظمه بآلات ضاغطة.[٤]


تعددت وسائل التعذيب التي مارستها محاكم التفتيش، فقد كانوا يمزّقون الأرجل ويفتحون الفك، وكانوا يضعون المسلمين المتخفّين في توابيت مغلقة بها مسامير حديدية ضخمة تنغرس في جسم المعذب تدريجيًا، كما وضعوهم في أحواض ماء يتساقط عليهم الماء فيها قطرة قطرة حتى يملأ الحوض ويموت من فيها، كانوا يُدفنون أحياءً، ويجلدون بسياط من الحديد الشائك، ويقطعون ألسنتهم بآلات خاصة، وكانوا يكشفون عورات الرجال، فإذا وجدوا الرجل مختونًا حَكَموا عليه بالموت هو وأسرته.[٤]


طال التعذيب في محاكم التفتيش النساء كما طال الرجال، فكانت المرأة التي تشتم رجال المحكمة؛ تعرّى ولا يبقى من سترها إلا ما يستر عورتها، وكانوا يضعونها في مقبرة مهجورة على قبر من القبور، يضعون رأسها بين ركبتيها ويشدون وثاقها، ويربطونها إلى القبر بسلاسل حديدية، ويرخون شعرها حتى يغطّيها، ويتركونها على هذا الحال إلى أن تجنَّ، أو تموت جوعًا ورعبًا.[٥]


وكان الاسم الرسميّ لمحاكم التفتيش هو ديوان التحقيق، فكان الديوان يجيز محاكمة الموتى والغائبين، وإيقاع العقوبات بهم كالأحياء، فتصادر أموالهم، وتعمل لهم تماثيل تنفذ فيها عقوبة الحرق، أو نبش قبورهم واستخراج رفاتهم؛ للتمثيل بها، ولحرقها في موكب الأوتودافي، وكان الحكم متوارثا، فمن صدر بحقّه حكم، نزلت الحقوبة به وبأهله، فحرموا من تولي الوظائف العامة وامتهان بعض المهن الخاصة. وظل هذا حال محاكم التفتيش إلى أن دخل نابليون إسبانيا بعد أربعة قرون 1808، وأصدر مرسومًا بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الإسبانية.[٥]


آخر أبطال غرناطة

عندما رابطت سفن الإسبان الصليبية في مضيق جبل طارق اشتدّ الحصار على غرناطة، ونال اليأس والجوع والفقر والأوبئة من قلوب المسلمين، وهم يرون مجدهم التليد يضيع من بين يديهم، ظهر موسى بن أبى الغسان، آخر أبطال غرناطة، محاولا مقاومة أسباب سقوط غرناطة، ورافضا لتسليم غرناطة إلى النصارى. فخرج في غير مرّة يشحذ النفوس، ويشجّع الناس على الجهاد في سبيل الله، وخاض العديد من الاشتباكات الدموية بينه وبين الإسبان والتي خرج فيها الملسلمون خلفه يجاهدون معه، فمات رفاقه عنه وظل حيّا يقاتل ويجاهد.[٦]


وكان موسى بن أبي الغسان، أول من نقل للجنود اليائسين خبر تسليم أبى عبد الله الصغير للمدينة، وصمت، ثم صمت موسى فردّ أبو عبد الله وصاح "الله أكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله" ولا رادّ لقضاء الله تالله لقد كتب عليّ أن أكون شقيا وأن يذهب الملك على يدي وصاحت الجماعة على أثره الله أكبر ولا رادّ لقضاء الله، وحمّلوا فشلهم وهزيمتهم لقضاء الله وقدره. وعندما شهد منهم موسى بن أبي الغسان ما شهد، وذهبت محاولات استنهاضهم سُدى، فقال مقولته الشهيرة: "لا تخدعوا أنفسكم ولا تظنوا أنّ النصارى سيوفون بعهدهم"، ثمّ ركب فرسه انطلق إلى حيث لا يدري أحد إلى أين، فكما جاء من حيث لم يَدْرِ أحد غاب آخر أبطال غرناطة، لم يعرف له قَبر في الأرض ولا سيرة واضحةً في التاريخ.[٦]

المراجع[+]

  1. "غرناطة"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 12-07-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث "غرناطة"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 12-07-2019. بتصرّف.
  3. "يوم سُرقت غرناطة"، islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 12-07-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب راغب السرجاني، الأندلس من الفتح حتى السقوط، صفحة 14، جزء 12. بتصرّف.
  5. ^ أ ب "محاكم التفتيش"، islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 12-07-2019. بتصرّف.
  6. ^ أ ب "آخر أبطال غرناطة"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 12-07-2019. بتصرّف.