معلومات عن الحروب النابليونية

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٤١ ، ١٩ يوليو ٢٠٢٠
معلومات عن الحروب النابليونية

نابليون بونابرت

نابليون بونابرت 1769-1821، وقد عُرف لاحقًا بالإمبراطور نابليون الأول، هو قائد عسكري فرنسي، وزعيم سياسي تاريخي، يعد أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ أوروبا الحديث، ولد في جزيرة كورسيكا وتلقى تدريبه ضابطًا للمدفعية في فرنسا، ولمع نجمه فترة الجمهورية الفرنسية الأولى، تميز كقائد عسكري ذو كاريزمية يقاتل في إيطاليا. وفي سنة 1799، قام بانقلاب عسكري ونصّب نفسه قنصلًا أول، وبعد خمس سنوات، تُوج إمبراطورًا، فوجه جيوش الإمبراطورية الفرنسية لقتال كل دول أوروبا وسيطر على معظمها، وذلك عبر سلسلة ناجحة من الانتصارات العسكرية، كما عزّز قوة فرنسا بتشكيل تحالفات دولية واسعة النطاق، وكذلك بتنصيب أصدقائه وأفراد أسرته في عروش الدول الأوروبية التي احتلها، وبدا كما لو أنه لن يوقفه شيء، وذلك بسبب عبقريته العسكرية وكاريزميته الآسرة، كما اشتهر بإجراء الكثير من الإصلاحات في فرنسا ومجمل أوروبا، ويعد نابليون بونابرت أحد أشهر القادة العسكريين في تاريخ فرنسا والعالم.[١]

الإمبراطورية الفرنسية الأولى

وتُعرف رسميًا باسم الإمبراطورية الفرنسية، وهي فترة سيطرة فرنسا عى معظم القارة الأوروبية في عهد حكم نابليون، فقد غير نابليون نظام الحكم من القنصلية إلى النظام الإمبراطوري سنة 1804، وتوُج كأول إمبراطور، واستمرت حتى هزيمته الكبرى في معركة لايبزج، ثم أعيد نظام الحكم الملكي في فرنسا من 1814 إلى 1848، حيث عاد النظام الجمهوري مجددًا، ورغم أن فرنسا كانت قبل نابليون قد أسست قبل ذلك امبراطورية استعمارية في ما وراء البحار، إلّا أنّ نظامها بقي ملكيًا تحت حكم البوربون، ثم أصبح نظامهما جمهوريًا بعد الثورة الفرنسية، ويميّز علماء التاريخ امبراطورية نابليون عن الإمبراطورية الفرنسية الثانية أو المتجددة 1852 - 1870، والتي كانت تحت حكم ابن أخيه المسمى نابليون الثالث، أسست الإمبراطورية الفرنسية الأولى للتفوق العسكري في معظم أراضي أوروبا عبر سلسلة من الانتصارات العسكرية العظمى، وخاصة في معركة أوسترليتز سنة 1805، كما استمرت الهيمنة الفرنسية في معارك أخرى سيأتي ذكرها.[٢]

اتسع نفوذ الإمبراطورية الفرنسية حتى بولندا شرقًا، وبلغت ذروة اتساعها سنة 1812، وذلك بسيطرتها على 130 إقليم و 44 مليون نسمة، وتمكنت من أن تحافظ على حكمها الواسع في ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا ومعظم أوروبا الغربية، وعملت على تصدير ونشر أفكار الثورة الفرنسية في أرجاء أوروبا، فألغيت محكمة العدالة والضرائب الإقطاعية، كما ألغيت امتيازات الطبقة الأرستقراطية ما عدا بولندا، كما أدت هذه التغييرات إلى زيادة نسبة المساواة في أوروبا، وتأسست أنظمة قضائية جديدة، وشُرّع الطلاق القانوني، ورغم نشر هذه الأيديولوجيا، فقد بقي نابليون ينصب أقرباءه على مختلف المناصب والعروش في الدول الأوروبية على عادة الأنظمة الملكية القديمة، كما قام بمنح العديد من الألقاب والأوسمة النبيلة، والتي لم يُعترف بها بعد سقوطه.[٣]

تاريخ الحروب النابليونية

الحروب النابليونية مصطلح في التاريخ الأوروبي يُطلق على عدد من الحروب والمعارك والتحالفات التي وقعت في أوروبا، وذلك في عهد حكم نابليون لفرنسا، وهي تعد امتدادًا للحروب الثورية الفرنسية على مستوى أوروبي، حيث بقيت مشتعلة معظم فترة الإمبراطورية الفرنسية الأولى. ولم يتم الإجماع بين علماء التاريخ على تحديد وقت بداية ونهاية هذه الحروب بشكل محدد، حيث يتراوح تاريخ البداية بين عام 1799 عند تولي نابليون الحكم وعام 1803 بتجدد إعلان الحرب بين بريطانيا وفرنسا، وهذا التاريخ الأخير هو الأكثر قبولًا، وقد أعلنت هذه الحروب نتيجة انتهاك اتفاقيات معاهدة أميان وتبادل الاتهامات بذلك، وقد انتهت هذه الحروب في 18 يوليو 1815، وذلك بهزيمة نابليون بمعركة واترلو وإجبار فرنسا على توقيع معاهدة باريس الثانية.[٤]

الحروب النابليونية

لأن الثورة الفرنسية كانت تحلم بتحويل جميع دول أوروبا للنظام الجمهوري، فقد اتحدت كل أوروبا ضدها بقيادة بريطانيا العدو اللدود لفرنسا، وقد اشتركت جميع دول أوروبا تقريبًا في هذه الحروب، سواءً كان مع فرنسا أو ضدها، أما الحرب الأخيرة فكانت جميع أوروبا ضد فرنسا بتحريض بريطاني مباشر.[٥]

التاريخ: 1799 - 1815م.

الموقع: دول أوروبا, المحيط الأطلسي, المحيط الهندي.

النتائج: قيام إمبراطورية فرنسا وسيطرتها لعدة سنوات على معظم أوروبا، ثم في النهاية هزيمة نابليون في معركة واترلو وعقد مؤتمر فيينا الدولي.[٦]

أبرز الدول المتحاربة: الامبراطورية الفرنسية، مملكة هولندا، مملكة ايطاليا، مملكة نابولي، دوقية وارسو، مملكة بافاريا، مملكة ساكسونيا، مملكة الدنمارك، الامبراطورية النمساوية، الامبراطورية البريطانية، مملكة بروسيا، مملكة إسبانيا، مملكة السويد، مملكة البرتغال.[٧]

حرب التحالف الأول

مثلت الثورة الفرنسية هاجس قلق عميق للدول الأوروبية عبر القارة بأكملها، فجميع أسباب الثورة التي حصلت في فرنسا تتوافر في جميع هذه الدول من وجهة نظر الثورة الفرنسية، من ضعف الأنظمة الملكية إلى اهتراء شعبيتها، إلى تسلط الطبقات الأرستقراطية، إضافةً إلى انبعاث عصر التنوير، الذي احتوى على أفكار تشكل تهديدًا للأنظمة القديمة، وعلى الرغم من كون كثير من هذه الأفكار الثورية غير واقعية ومبالغ فيها، في مقابل حقيقة استقرار أنظمة هذه الدول، إلّا أنّ الموجة الثورية على مستوى أوروبا كانت شديدة القوة، وجاءت على شكل إعلان فرنسا الحرب على الإمبراطورية الرومانية المقدسة في عام 1792، وهي تمثل نموذج رمزي لسلطة الكنيسة ووريثة الإمبراطورية الرومانية القديمة، فقامت عديد من الدول الأوروبية بتشكيل تحالف من جبهة عريضة ضمت كبرى الدول الأوربية مثل النمسا، وبروسيا، وبريطانيا، وإسبانيا، ومعها كذلك عدد من الدول الأخرى مثل البرتغال، ومملكة ساردينيا، ومملكة نابولي، وذلك للوقوف في وجه هذه الموجة الثورية العاتية.[٤]

كانت هذه الحرب ذات نتائج غير مستقرة، ففي البداية مُني الجيش الفرنسي بعدد من الهزائم، ثم عقد العزيمة على شن هجوم مضاد، فأحرز العديد من الانتصارات على جيوش التحالف، كما تم استبدال الجيش الفرنسي القديم بجيش جديد من المجندين، ثم أعلنت الحكومة الفرنسية حربًا شاملة على التحالف الأوروبي، وفي بضع سنوات، تمكنت فرنسا من احتلال الأراضي المنخفضة الجنوبية التي كانت تتبع للإمبراطورية النمساوية، إضافةً إلى غزو هولندا وتحويلها إلى الجمهورية الباتافية التابعة لفرنسا، وعملت على تحييد بعض الدول من الحرب مثل بروسيا، إضافةً إلى استمالة إسبانيا إلى جانبها، وفي هذه الحرب ظهرت بطولات نابليون كضابط مدفعية ألمعي، متميزًا في حصار طولون، حيث أمسك بزمام الجيش الإيطالي سنة 1796، وأخذ على عاتقه ضم إيطاليا لفرنسا، فتمكن بتكتيك سريع من عبور جبال الألب وألحق هزيمة ساحقة بالقوات لمشتركة بين مملكة ساردينيا والنمسا، مجبرًا ساردينيا على التماس السلام والانسحاب من الصراع، ثم استفرد بالنمسا محلقًا بها الهزائم المتوالية في معارك لودي 1796, وجسر اركوا 1796، وريفولي 1797.[٤]

ثم تمكن الجيش الإيطالي بقيادة نابليون من إجبار القلعة النمساوية على الاستسلام، وشرع بتهديد فينا، وتفاوض نابليون على معاهدة كامبو فورميو عام 1797، مجبرًا بذلك النمسا على فك تحالفها والاعتراف بدولة الجمهورية الألبية شمال إيطاليا والتابعة لفرنسا، وبهذا بقيت بريطانيا وحدها في الحرب ضد فرنسا، اقترح نابليون على الحكومة احتلال مصر لتهديد العلاقات من الهند أكبر مستعمرات بريطانيا، وذلك بعد تيقنه من صعوبة القيام بهجوم عسكري على بريطانيا نتيجة الفارق الكبير بين البحرية الملكية البريطانية المتطورة مقابل الأسطول الفرنسي الهزيل، ولكن الاحتلال الفرنسي لمصر فشل نهاية المطاف بعدد من الهزائم خاصة في معركة النيل بيد الأميرال البريطاني هوراشيو نيلسون.[٤]

حرب التحالف الثاني

ثم تحول الموقف من جديد في مجمل أوروبا ليعود ضد فرنسا من جديد، وتشكل ثاني تحالف من نوعه ضدها سنة 1799، حيث تشكلت كل من بريطانيا ومملكة نابولي والنمسا والدولة العثمانية وروسيا في حلفٍ جديد، وبدأ الهجوم على جيوش فرنسا في مصر وألمانيا وإيطاليا بشكلٍ رئيس، كما قام جيش روسي نمساوي مشترك، برئاسة المارشال "سوفوروف" بتحقيق انتصارات متلاحقة، وفي غضون أشهر كانت كثير من منجزات نابليون في مهب الريح، وزاد الأمر سوءًا بتزايد شعبية الأحزاب الملكية في فرنسا، فأرسل نابليون من جديد جيشه سرًا إلى مصر عام 1799، فرحب بذلك الشعب الفرنسي بشدة، ثم قام نابليون بإنقلاب عسكري ضد حكومة المديرين، مؤسسًا بذلك لنظام حكومة القناصل 1799 ـ 1804، وبذلك أصبح هو حاكم فرنسا السياسي، وبدأت الأمور تتحسن عسكريًا في هذه الأثناء لصالحه، فاضطر المارشال "سوفوروف" على التقهقر تاركًا سويسرا في معركة زيورخ الثانية، كما مُني الاحتلال الأنجلو روسي لهولندا بالفشل الذريع، وبذلك قرر القيصر بافل الأول التراجع عن التحالف وترك النمسا لحالها في الحرب مع فرنسا.[٤]

استطاع نابليون من جديد إعادة ترتيب الجيش الفرنسي على وجه السرعة، وبالجيش الاحتياطي في إيطاليا هاجم جيش الجنرال "ميشال ميلاس" النمساوي، وعهد إلى جنراله "جون مورو" بمهمة إبقاء الجيش النمساوري في ألمانيا، وقام نابليون بعبور جبال الألب إلى ممر سان بيرنارد في 25 أيار 1800، وشن غارة مفاجأة على حصن "بارد" مجبرًا إياه على الاستسلام، وعقب استيلائه على مدينة ميلانو سلمًا، تواجه مع الجيش النمساوي في معركة مارينجو، ومع أنّ المعركة خسر فيها في البداية بسبب عدم وصول تعزيزات الجنرال "لويس دوزيه"، لكنه نجح في تحطيم قوات الجنرال "ميلاس" في الجناح الأيمن النمساوي، ومع أنّ النتيجة أيضًا غير حاسمة، لكنها أجبرت النمساويين على مغادرة إيطاليا مرة أخرى، ثم انتصر الجنرال "جون مورو" نهائيًا وبشكل حاسم على النمساوين سنة 1800 بموقعة "هوهنليندن"، وبهذا انسحبت النمسا من الصراع بشكل نهائي بتوقيع معاهدة "لونفيل" في 9 شباط عام 1801.[٤]

معركة طرف الغار

وهي معركة بحرية كبرى، وقعت سنة 1805 بين الأسطولين الإسباني والفرنسي من جهة بقيادة فرنسا، والقوات البحرية البريطانية من جهة أخرى، وذلك في منطقة طرف الغار في قادش غرب إسبانيا، وقد انتصرت فيها بريطانيا، وأكدت بذلك أنها تسيطر على أعالي البحار،[٨] وحتى سنة 1805م، كانت القوى العسكرية التي سيطرت على أوروبا هي القوات الفرنسية، بينما كان الأسطول البريطاني المتطور هو المسيطر على البحار، فحاولت بريطانيا تطبيق حصار بحري على الموانئ الفرنسية بغية التأثير على الميزان التجاري الفرنسي، وإبقائها عاجزة، وبرغم تمكن العديد من حالات التهريب من النجاح، لكن فرنسا فشلت في كسر الحصار، وذلك لقدرة البحرية البريطانية الكبيرة، فقامت فرنسا بفرض سيطرتها على كثير من الموانئ الأوروبية الكبيرة ما عدا موانئ بروسيا، ما تسبب في المقابل بحصار على التجارة الأوروبية البريطانية، فاقتنعت بريطانيا باتخاذ قرار بالهجوم البري المباشر على فرنسا، وكان لدى بريطانيا الكثير من الضباط البحريين المحترفين، في حين أن فرنسا قد خسرت أفضل كفاءاتها العسكرية البحرية بسبب قرارات الثورة التعسفية.[٩]

كان الأميرال الفرنسي بيير شارل فيلنوف المتواجد في البحر الأبيض المتوسط هو الأكثر خبرة، لكنه لم يظهر حماسة لمواجهة البحرية الملكية عقب هزيمته في معركة أبي قير البحرية قرب مصر، فحاول نابليون أن يستدرج البحرية البريطانية إلى معركة في جزر الهند الغربية ليخلو له الجز لغزو بريطانيا، ولكن خطة الاستدراج فشلت، فتم الاستعاضة عنها بالهجوم بالتعاون مع الأسطول الإسباني، وعلى الرغم من أن ميزان القوة لم يكن في صالح بريطانيا التي تملك 27 بارجة، مقابل 33 بارجة؛ مجموع الأسطولين الإسباني والفرنسي، لكن الأميرال البريطاني نيلسون تمكن من مفاجأة السفن الفرنسية واختراق خطوطها، ومن دون أن يفقد البريطانيين سفينة واحدة استطاعوا السيطرة على نصف السفن المهامة أو تدميرها.[٩]

معركة أوسترليتز

وقعت هذه المعركة سنة 1805، وهي تعد أشهر معارك نابليون في التاريخ وقرة عينه، حيث تغلب فيها على الجيوش الروسية والنمساوية بقيادة القيصر ألكسندر الأول، والإمبراطور فرانسيس الثاني، كما سُميت أيضًا بمعركة الأباطرة الثلاثة، وهي أعظم انتصارات نابليون، وطبّق فيها أحد أعظم تكتيكاته الحربية، حتى أنه أوهم النمسا وروسيا بالنصر وتبادل التهنئة بالقضاء على نابليون قبل المعركة، لكن بالنتيجة؛ فقد أخرج النمسا من الحرب بمعاهدة برسبورج.[١٠]

بعد هزيمة معركة طرف الغار، قرر نابليون تدريب جيشه على سيناريوهات غزو بريطاني بري محتملة، وذلك في ساحل «بولوني» الواقع بين فرنسا وبريطانيا، كان الإنجليز يسخرون من هذه التدريبات، ولم يكن في حسبان بريطانيا في أول الأمر أخذ الموضوع بمحمل الجد، فكانت هذه نقطة في صالح فرنسا، ثم ما لبثت بريطانيا أن أفاقت من هذا الغرور، وأدركت حتمية هزيمتها إذا استطاع الجيش الفرنسي عبور القناة الإنجليزية، فقامت بمحاولة نقل المعركة إلى الداخل الأوروبي، حيث توقعوا أن نابليون لن يستطيع مهاجمة بريطانيا إذا هوجم من قبل الشرق، فقام ويليام بيت - رئيس الوزراء البريطاني - بالعمل على تحريض النمسا وروسيا على شن هجوم استباقي على جيوش نابليون، وذلك حسب شروط التحالف الثلاثي بينهم، وكان يهدف لتوجيه الضربة النهائية بعد أن يُهزم نابليون في الشرق، وهكذا تمت محاصرة أسطول «فيلناف» الفرنسي من قبل النمسا، فاضطر نابليون لتأجيل خططه بغزو بريطانيا، كما دفع الحماس النمسا للتمادي بغزو مملكة «بافاريا» المتحالفة مع نابليون، وهنا قرر نابليون أن لا بد من القضاء عليهم.[١١]

اتخذ نابليون قرارًا بشحن مئات آلاف الأحذية ووجبات الطعام والأموال للجيش الفرنسي في «ستراسبورج»، وذلك قبل بدء المعركة، حيث أراد نابليون أن يضمن شبع الجنود وشعورهم بالولاء، وكذلك حتى لا يضطروا لنهب أي طعام أو أموال في أثناء مسيرهم في بلاد محايدة أو متحالفة مع نابليون، وذلك بعكس الجيش الروسي، الذي اضطر لقطع مسافة 750 كيلومترًا سيرًا على الأقدام، ورغم أن روسيا لم ترد أن يصل نابليون قبلهم إلى بافاريا إلا أنه فعل، كما أن جيشه يمتلك دوافع أقوى لخوض هذه المعركة، حيث يقاتل جنوده لأجل رفعة الأمة الفرنسية والثورة، بينما كان خصومه يقاتلون لأجل المال، كذلك كان الضباط الفرنسيون يلهمون الجنود بسيرهم معهم جنبًا إلى جنب، بعكس جيوش الروس والنمساويين الذين كان ضباطهم من الطبقات الأرستقراطية قليلة الخبرة ومن راكبي العربات، وفي تشرين الأول، وصل الجيش الفرنسي إلى بافاريا إلى منطقة «أولم»، في الجهة المقابلة كان الجنرال النمساوي «ماك» متحرقًا للقتال رغبةً بالثأر لهزيمة النمسا مرتين قبل ذلك أمام نابليون.[١١]

بدأ نابليون تنفيذ أحد أقوى الخطط العسكرية في التاريخ، فقام بتسريب أخبار مغلوطة للجيش النمساوي، كما أرسل فرقة واحدة فقط من الجيش للهجوم على 60 ألف مقاتل نمساوي، وفي نفس الوقت كان معظم الجيش الفرنسي يدور خلف الجيش النمساوي ليُطبِق عليه الحصار ويهاجمه من الخلف، كانت هذه الخطة معروفة وبديهية، لكن رغم ذلك كان نابليون يعلم أن «ماك» لن يفطن لها، وهكذا فعلًا فوجئ الجيش النمساوي بالهجوم عليه من الخلف، وهذه المفاجأة لم تسمح لهم سوى بالهرب إلى «أولم» والتحصن فيها منتظرين وصول الجيش الروسي في وقت قريب، لكنه في واقع الأمر كان بعيدًا، وهنا استمر الجيش الفرنسي بمواصلة الهجوم على أسوار «أولم»، فبدأ اليأس يدب في قلوب النمساويين، فاستسلم «ماك» مع أربعين ألف جندي، فانتصر نابليون واسترد بافاريا بخسارة 1500 جندي فقط، ولم يكن الجيش الروسي قد وصل حتى الآن، مما جعل الجنرال الروسي «كوتوزوف» يقرر العودة حين وصلته أخبار هزيمة النمسا، حيث رآى أن جيشه من 50 ألف مقاتل لن يقف في وجه 200 مقاتل مع نابليون.[١١]

أراد نابليون تعقب الجيش الروسي ليلقنه درسًا كي لا يفكر مرةً أخرى بمحاربة فرنسا مهما تعرضت روسيا لإغراءات، لكن إحدى الكتائب النمساوية التي لم تستسلم كانت متحصنة في جسر خلف نهر الدانوب، فوضعوا متفجرات في جميع الجسور الموصلة إليهم، لجأ اثنان من قادة جيش نابليون إلى خدعة، فعبروا جسر «تابور» المفخخ لوحدهما، فظن قائد الكتيبة بأن أمرًا ما قد حدث فلم يأمر بتفجير الجسر، ثم طلبا لقاء قائد الكتيبة وأبلغاه بأنهم يريدون عقد صلح، فلم يصدقهما ولكنه في في نفس الوقت لم يكذبهما، وأثناء النقاش حول ذلك عبر الجيش الفرنسي الجسر، أرادت الكتيبة نفجير الجسر، لكن أخبره القائدان بأن ذلك سوف يقضي على أي أمل بالسلام، ولدى وصول الجيش الفرنسي عاد لإطلاق نداء الحرب، ففطنت الكتيبة النمساوية للخدعة بعد فوات الأوان، فلم يبق لهم إلّا الهرب.[١١]

بقي الجيش الفرنسي يتوغل داخل النمسا، والجيش الروسي يهرب بطريقة فوضوية، حتى احتل الجيش الفرنسي العاصمة فينا، وفي طول الطريق كان ينخفض تعداد الجيش الفرنسي، نتيجة القتل أو لترك أعداد منهم لتأمين حماية خطوط الإمداد الطويلة، بقي نابليون مصرًا على تعقب الجيش الروسي، إلّا أنّه وصلهم مدد من مئة ألف مقاتل من بروسيا، وهكذا تقابلت الجيوش في «أوسترليتز»، فاختار نابليون موقعًا مميزًا مرتفعًا يحيط به بحيرتان متجمدتان لكشف أعدائه بسهولة، ووزع كتائب الجيش في مختلف الأنحاء، وأمرهم بالتراجع إذا تمت مهاجمتهم، متظاهرين بالعجز والهزيمة، فتراجعت كتيبة الفرسان عندما ظهرت أمامهم طلائع الجيش الروسي، مما رفع من سقف طموحات أعداء نابليون، وهكذا سقطوا في الفخ، حتى أنّ نابليون أرسل لهم جنرالًا يطلب عقد هدنة، وتظاهر بالتراجع أكثر لخداع الجواسيس الروس، فاتجهت الجيوش إلى حيث أراد نابليون في هضبة « أوسترليتز»، وفي 30 شرين الثاني بدأ الهجوم الفرنسي، كان التحالف المعادي قد وضع خطة عسكرية رائعة ولكنها خيالية، عادت على الفور الكتائب الفرنسية المختبئة، وبدأوا الهجوم نحو أسفل المنطقة مختبئين خلف الضباب.[١١]

وهنا صُعق الجيش الروسي وفقد 500 قتيل في ثوانٍ، مما دفعهم للتراجع، كما أرسل نابليون حرسه الخاص للهجوم على حرس القيصر، أسفرت المعركة عن هزيمة كبيرة لجيوش التحالف، بعدد قتلى وأسرى كبير مقابل خسارة 1500 جندي فرنسي فقط، اضطرت النمسا لتوقيع اتفاقية سلام، وانسحب الروس بلا أمل بالعودة، مما أطلق نابليون يده في ألمانيا، وقضى على الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وعقد اتحاد الراين عوضًا عنها، وهكذا أصبح نابليون بعد هذه المعركة امبراطور أوروبا، ودخل التاريخ من أوسع أبوابه، لكن اعتماده على الحرب لصعوده جعله مضطرًا لخوض الحروب دائمًا، [١١]

معركة يينا

يينا-أويرشتيد وهي معركة في سنة 1806 على هضبة تقع إلى غرب نهر زاله في بروسيا في ما يسمى ألمانيا اليوم، وذلك بين قوات نابليون وفردريك وليام الثالث ملك بروسيا، انتهت بالهزيمة الحاسمة التي مُني بها الجيش البروسي، ما أجبر مملكة بروسيا على الاستسلام للإمبراطورية الفرنسية، وذلك إلى حين تشكيل الائتلاف السادس سنة 1812، وعندما قرر ملك بروسيا القتال، زحف إلى فرانكفور بميمنة جيشه وإلى وارتزبورج بوسطه وإلى بنبرج بوسطه، وكان قد أعد جميع فرق الجيش وتقسيماته لتنفيذ هذه الخطة، لكن الجيش الفرنسي انحرف عن ميسرته، [١٢] ثم تمكن الجيش الفرنسي من هزيمة البروسيين بهجوم سريع وخاطف واحتلت عاصمتهم برلين، فاضطر ملكهم فريدريش فيلهام الثالث للإنسحاب إلى الشرق للإنضمام إلى روسيا التي كانت قد أرسلت جيشًا لإنقاذه، إلا أن نابيلون زحف إلى الجيش الروسي وقطع تقدمه في بولندا وتغلب عليه.[١٣]

معركة لايبزج

وقد وقعت سنة 1813، بعد فشل نابليون باحتلال موسكو، وتسمى أيضًا بمعركة الأمم، وفيها حصلت الهزيمة الأشد وقعًا على نابليون، حيث وقعت في أرضٍ ألمانية، كما كان فيها جنود ألمان في كلا الطرفين المتحاربين، وكان الألمان في طرف نابليون من كونفدرالية الراين، وتعد أكبر معركة في تاريخ البشرية إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، حيث شارك فيها 600 ألف مقاتل، واجهت فيه بروسيا والنمسا وبريطانيا وروسيا نابليون، وانتهت بنفي نابليون بعد هزيمته، ثم بتوقيع مؤتمر فينا العالمي، ويعدها بعض المؤرخين هي الحرب العالمية الأولى،[١٤] ويذكر هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق في كتابه "النظام العالمي: أفكار حول طبيعة الأمم ومسار التاريخ"، أن هزيمة نابليون في المعركة ورفضه للتسويات التي كان من الممكن أن تحافظ له على بعض الأراضي التي احتلها في أوروبا، هذا الرفض أدى به لخسارة كل شيء، ولكن نابليون كان محصورًا بين خيارات ضيقة، فلو وافق على التسوية فسوف يفقد مصدر شرعيته داخل فرنسا، وبذلك يكون نابليون قد هزم نفسه بنفسه قبل أن تهزمه جيوش النظام الدولي.[٨]

في تشرين الأول اجتمعت الجيوش حول ليبزج، وهي مؤلفة من مئه وستين ألف مقاتل من الحلفاء بقيادة أكفأ الجنرالات مثل برنادوت وبلوخر وبنجسن، كما جمع نابليون جيوشه من جميع الأنحاء يقودهم، وقد سمى البروسيين هذه المعركة بـ "التحدي" وهي معركة الأمم، لكن نابليون اتخذ موقعًا مكشوفًا، وبدأ يوجه تحركات جيشه، وطوال ثلاث أيام ظل للفرنسيين التفوق، حتى تحول الجيش السكسوني إلى جانب القوات المتحالفة في وجه نابليون، فبدأوا بالقصف بمدافعهم ضد الفرنسيين، فأثارتهم الدهشة وعمت فيهم الفوضى وفقدوا مواقعهم، كما أنه في اليوم التالي كذلك، غيرت كتائب كونفدرالية الراين موقفها وانضمت إلى المتحالفين ضد نابليون، فأمر نابليون جيشه بالانسحاب، وفي طريق العودة قتل من جيشه عدد كبير، وخسر معارك جانبية عديدة ضد قوات نمساوية وبافارية، أما وضع فرنسا الداخلي فكان صعبًا بعد فقدانهم الحليف الإسباني، وبهذه المعركة انتهت أسطورة الحروب النابليونية.[١٥]

معركة واترلو

وهي معركة حاسمة غُلب فيها نابليون وهُزم شر هزيمة سنة 1815، وهي خاتمة معارك الإمبراطور نابليون بونابرت، فقد استطاع الهرب من منفاه في 26 فبراير 1815، ووصل إلى الساحل الفرنسي، فانضمت إليه كتيبة الجيش المكلفة بحراسته، وبسرعة البرق استرد الحكم في باريس، وبدأ يحاول استعادة مجد امبراطوريته السابقة، حيث صُدم الجيش البريطاني بشكل أسطوري أمام الهجوم الفرنسي الشرس بلا توقف، وذلك إلى حين وصول القوات البروسية التي خرقت الجناح الفرنسي وجعلته يتقهقر،[١٦] وتعد من أهم أسباب هزيمة نابليون هو قتاله بجيش واحد ضد جيشين في أرض رطبة وموحلة، بالإضافة إلى تراجع صحته وضعف حيويته، مما أضعف حضوره الكارزمي بين جنوده، ويقال بأن بعض قادته ربما خذلوه، وأخيرًا فإن معظم الجنود ذوي الخبرة الطويلة قد توفوا في طريق عودتهم من روسيا، فكان لهذا أثر سلبي في سير المعركة، فحتى انسحاب الجيش الفرنسي كان مليئًا بالفوضى والاضطراب، فأتاح ذلك للحلفاء العودة إلى فرنسا وتنصيب لويس الثامن عشر ملكًا عليها من جديد، وانتهت بذلك آخر الحروب النابليونية.[١٧]

المراجع[+]

  1. "من هو نابليون بونابرت؟"، www.arageek.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  2. "الإمبراطورية الفرنسية الأولى"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  3. "الامبراطورية الفرنسية الأولى"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-09. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج ح "الحروب النابليونية"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-10. بتصرّف.
  5. "الحروب النابليونية"، sites.google.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-11. بتصرّف.
  6. " الحروب النابليونية "، sites.google.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-14. بتصرّف.
  7. "الحروب النابليونية ونتائجها"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-14. بتصرّف.
  8. ^ أ ب هنري كيسنجر، النظام العالمي: أفكار حول طبيعة الأمم ومسار التاريخ، صفحة 55. بتصرّف.
  9. ^ أ ب "معركة طرف الغار"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-11. بتصرّف.
  10. "المعارك التاريخية الغربية"، مجلة الفيصل، العدد 103، صفحة 129. بتصرّف.
  11. ^ أ ب ت ث ج ح "معركة أوسترليتز.. تحفة نابليون العسكرية التي نصّبته إمبراطور أوروبا"، www.sasapost.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-10. بتصرّف.
  12. إلياس أبو شبكة، تاريخ نابوليون بونابرت، صفحة 192. بتصرّف.
  13. نجاة سليم محاسيس، معجم المعارك التاريخية، صفحة 391. بتصرّف.
  14. نجاة سليم محاسيس، معجم المعارك التاريخية، صفحة 450. بتصرّف.
  15. "معركة لايبزج"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-12. بتصرّف.
  16. "قصة معركة واترلو"، www.qssas.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-14. بتصرّف.
  17. نصري ذياب، تاريخ أوروبا الحديث، صفحة 89. بتصرّف.