معلومات عن الزيريين

بواسطة: - آخر تحديث: ١٥:١٤ ، ٢٦ يوليو ٢٠٢٠
معلومات عن الزيريين

شمال أفريقيا

يشيرُ مفهوم شمال أفريقيا إلى مجموعة الدّول التي تقع أقصى شمال قارّة أفريقيا وتطلُّ على البحر الأبيض المتوسط، وتمتدُّ من قناة السويس في الشرق إلى المحيط الأطلسي في الغرب، ويضمُّ شمال أفريقيا الدول الآتية: مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، وأحيانًا تكون جمهورية مصر خارج هذا المصطلح نظرًا لكثرة اندماجها مع الشرق الأوسط، بالإضافة إلى مدينتَيْ مليلة وسبتة، وهما مدينتانِ تابعتانِ لإسبانيا حتّى الآن، وتميَّزت دول شمال أفريقيا عن بقية أفريقيا تاريخيًّا وطبيعيًّا، وكانت لها ثقافة خاصّة بها منذ القرن الرابع قبل الميلاد لتتالي مختلف الحضارات القديمة كالفينيقية والإغريقية والرومانية عليها، بالإضافة إلى تأثرها الكبير بالإسلام بعد الفتوحات الإسلامية ما زادَ من ارتباطها بدول الشرق الأوسط، وهذا المقال سيتحدث عن الزيريين وتاريخهم في شمال أفريقيا.[١]

من هم الزيريون

يعدُّ الزيريون أو كما يُطلق عليهم أيضًا بنو زيري إحدى السلالات البربرية التي تنتمي إلى قبيلة صنهاجة إحدى قبائل الأمازيغ والتي حكمت في بلاد المغرب العربي الأوسط وشمال أفريقيا، وتحديدًا في الدول التي تشغلُ اليوم تونس والجزائر ويعض المناطق من ليبيا بالإضافة إلى بعض الأجزاء من بلاد الأندلس، وامتدَّ حكمهم زمنيًا من بداية الثلث الأخير من القرن العاشر الميلادي حتّى أواسط القرن الثاني عشر الميلادي، وذلك بعد أن نُقلَ مركزها إلى القاهرة آنذاك، حيثُ تنحدر هذه الأسرة من أواسط الجزائر، وقد أطلقَ عليه اسم الزيريين نسبةً إلى القائد والجدِّ الأول زيري بن مناد الصنهاجي الذي كان أحد أتباع الدولة الفاطمية والقادة المخلصين لها،[٢] ويعدُّ زيري بن مناد أول ملوك قبيلة صنهاجة الأمازيغية، فقد ولدَ في عام 900م تقريبًا وتوفّي في عام 971م، وقد كان قائدًا وواليًا فاطميًّا على شمال أفريقيا لأكثر من 26 عامًا، ويعدُّ مؤسس دولة الزيريين رغم أنَّه لم يكن مستقلًا عن الدولة الفاطمية، وقد وردَ نسبه عند ابن خلدون بالتفصيل كما يأتي: زيري بن مناد بن منكوش بن صنهاج الأصغر بن أوسفاك بن جبريل بن يزيد بن أوصلي بن سمليل بن جعفر بن إلياس بن عثمان بن سكاد بن ملكان بن كرت بن صنهاج الأكبر، وهو الذي بنى مدينة آشير المغربية فكانت موطنَ قبيلته والحصن الذي كان قد اتخذه لحكمه فيما بعد، وقد عيَّنه واليًا على شمال أفريقيا والمغرب الخليفة الفاطمي المنصور بعد أن استبسل وأظهر ولاءً وشجاعةً إلى جانب الفاطميين في قتال الخوارج ومغراوة وبني يفرن، وعندما قامت ثورة أبي يزيد الخارجي الزناتي قالته زيري إلى أن قتله، وبعد أن عيَّن الخليفة الفاطمي جعفر بن حمدون الأندلسي واليًا على أفريقيا بدَّل الأخير ولاءه إلى الدولة الأموية في الأندلس، فقاتله زيري محاولًا القضاء على ثورته لكنَّ زيري قُتل في هذه المعركة، وأُخذَ رأسه إلى الخليفة المستنصر بالله في قرطبة، فتولَّى ابنه بولوغين أو بلكين بن زيري الحكم وبسط سيطرته على المغرب وشمال أفريقيا.[٣]

تاريخ الزيريين

بعد الانتصارات والفتوحات التي حقَّقها القائد جوهر الصقلي في مصر، قرَّر الخليفة المعز لدين الله الفاطمي في عام 972م أن ينقلَ عاصمة دولته من مدينة المهدية إلى مدينة القاهرة، وقرَّر الاستقرار فيها ونقَل مراكز الدولة إليها بسبب الموقع الاستراتيجي لمصر بين المشرق والمغرب العربي، وحتى يتهرب من الثورات والتمرُّدات من القبائل الأمازيغية في أفريقيا والمغرب، فقرَّر الخليفة في البداية تكليف أبي أحمد جعفر بحكم ولاية شمال أفريقيا، لكنَّه تراجع عن ذلك القرار بعدما طالب جعفر بسلطات واسعة جدًّا، فاستقرَّ رأي الخليفة على القائد بلكين بن زيري بن مناد وذلك لسيرة والده الطيبة وشجاعته وإخلاصه للدولة الفاطمية عندما قضى على العديد من التمردات التي قامت ضدَّها، بالإضافة إلى أن بلكين كان من قبيلة تعدُّ من أقوى القبائل في المغرب العربي ولها نفوذ واسع وباستطاعتها أن تدافع عن المذهب الإسماعيلي وتصدُّ هجمات الأمويين من جهة الأندلس، وقد وافق بلكين على ذلك فورًا وأدَّى قسم اليمين بالوفاء والولاء للدولة الفاطمية، وحتَّى يتأكد الخليفة من ولاء القائد بلكين، عمدَ إلى تقطيع ولاية أفريقيا مثل إمارة طرابلس وصقلية ومناطق القبائل، فأصبح ولاية أفريقيا محاصرة بالكامل من جميع الجهات إلا باتجاه الغرب حيثُ قبائل زناتة حلفاء الأمويين في الأندلس، وقد هدَّد الخليفة بإطلاق قبائل كتامة على بلكين إذا حاول التمرُّد، في عام 973م قاد بلكين بن زيري حملة كبيرة ضدَّ قبائل زناتة في جهة الغرب، فاقتحم في البداية وسط المغرب أي الجزائر حاليًا، فحاصر مدينة تيارت التي كانت زناتة قد سيطرت عليها ثمَّ فتحها وسيطر عليها بالقوة وذبح الرجال فيها وسبى النساء واستعبد الأطفال، وبعد أن انتهى أشعل النار في المدينة وأرسل أكثر من 200 رأس من السكان إلى الخليفة في القاهرة، بعد ذلك توجَّه إلى مدينة تلمسان فاستسلمت مباشرةً لتسلَم من بطش بلكين بن زيري، فعفا عن أهلها لكنَّه هجرهم إلى مدينة آشير، وبعد هاتَيْن الحادثتَيْن، وهما تدمير تيارت بالكامل واستسلام تلمسان استسلمت كلُّ المدن في المغرب الأوسط خوفًا من مصير مدينة تيارت.[٤]

تابع بلكين بن زيري تقدَّمه إلى الغرب قاصدًا مدينة سجلماسة في أقصى المغرب وألحقَ الهزيمة بجميع قادتها الذين يناصرون الأمويين، وتابع ملاحقة قبيلة زناتة حتى وصل إلى مدينة سبتة، حيثُ وجدَ مدينة حصينة وفيها جيشٌ مجهَّز وقوي ومدعوم من قبل الدولة الأموية في الأندلس، فقاتلهم لكنَّه لم يستطع أن يسيطر على المدينة، وفي عام 983م عاد بلكين إلى آشير بعد أن سيطرَ على معظم مدن المغرب العربي، لكنَّه أقصى المغرب كان قد تمرَّد مباشرةً وطُرد الوالي الذي عيَّنه من مدينة سجلماسة، فأراد الرجوع من أجل إخماد ذلك التمرُّد لكنَّه مرض في الطريق ومات في عام 984م بعد أن أوصى بالإمارة لابنه المنصور من بعده، وقد كان المنصور في مدينة آشير عندما وصله نبأ موت والده، فاجتمع عليه أهل القيروان وبقية المدن المجاورة من أجل تعزيته وتهنئته، فشكرهم وأحسن إليهم قائلًا: "إن أبى يوسف وجدي زيري، كانا يأخذان الناس بالسيف، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، ولست ممن يُولَّى بكتاب، ويُعزل بكتاب"، وقد كان يقصد بقوله أنّض الخليفة الفاطمي لن يستطيع أن يعزله بقرار أو كتاب، واجه المنصور كثير من المشاكل منها تمرُّد قبائل زناتة في الغرب وتعرُّض جيشه للهزيمة أمامهم، وتمرُّد عمِّه في مدينة تيارت والقضاء على هذا التمرد.[٥]

وبعد المنصور تولَّى الحكم ابنه باديس بن المنصور، وقد أتاه الخلع والبيعة من الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، وأعلن أن بلاده تابعة للفاطميين، وبعده تولى ابنه المعز بن باديس الحكم، وقد استقلّ المعز عن الفاطميين وخلع طاعتهم، ودعا للعباسيين على المنابر وألغى مذهب الشيعة في البلاد، وبعده استلم ابنه تميم بن المعز بن باديس، وكان قد تولّى إمارة المدينة المهديّة في عهد والده، وحَصَلت في عهده ثورات كثيرة منها: ثورة العرب الهلاليين وسيطرتهم على مناطق واسعة، ثورة أهالي تونس، ثورة مدينة سوسة وغيرها، بعد تميم تولى ولده يحيى الحكم وكان عمره آنذاك 43 سنة، وكان حسن السيرة في الرعية وأعطى الناس مالًا كثيرًا، لكنَّه مات بشكل مفاجئ في عام 1115م ليتولى ولده علي بن يحيى الحكم، فقد حضر إلى المهدية بعد أن بلغه خبر وفاة والده، وقد استطاع أن يخضع حزيرة جربة وقضى على تمرّد واليه على قابس، وبعد تولى الحسن بن علي ولده الحكم وكان يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة فقط.[٦]

أبرز حكام بني الزيري

بعد الحديث عن تاريخ دولة بني الزيري لا بدَّ من المرور على أبرز الحكام فيها، فقد امتدَّت دولة الزيريين لأكثر من 180 سنة، من عام 971م وحتّى عام 1152م، فتعاقب على تولِّي الحكم ثمانية أمراء وحكام من أبناء زيري بن مناد، بداية بولده بلكين بن زيري، وفيما يأتي سيتمُّ إدراج أبرز حكام بني الزيري مع ذكر لمحة عن كل منهم:[٧]

بلكين بن زيري بن مناد

هو أبو الفتوح سيف الدولة بلكين بن زيري الصنهاجي، يعدُّ بلكين بن زيري مؤسسَ دولة بني الزيري الفعلي، فقد استخلفه الخليفة الفاطمي على ولاية شمال أفريقيا في عام 971م، وكان قد ورثَ الحكم عن والده، استطاع بفضل قوته وشجاعته أن يبسط سيطرته على معظم مناطق المغرب العربي، لذلك لقِّب بأبي الفتوح من قبل الخليفة، فتح سرت وطرابلس وبرقة، وسيطر على سلجماسة وفاس وصقلية وغيرها، وكان قد استطاع الحصول على استقلالية أكبر في الحكم، خصوصًا بعد أن قضى على التمردات والفتن والثورات القبلية، كان يستعمل سياسة الترهيبب والحكمة واللين أحيانًا لذلك استقرت الولاية خلال فترة حكمه بشكل كبير إلى أن توفي في عام 984م أثناء توجهه إلى أقصى المغرب للقضاء على تمرُّد في مدينة سلجماسة.[٨]

المنصور بن بلكين

تولَّى الحكم بعد وفاة والده بلكين في عام 984م، وهو ثاني أمراء دولة بني الزيري ومن أبرز حكامها، استلم زمام الأمور وعهد لشقيقه حمَّاد بن بلكين بحكم آشير ولعمِّه أبي البحار بحكم تيارت، أرسل المنصور أخاه على رأس حملة للسيطرة على سلجماسة وفاس ولكنَّه فشلَ وانهزم جيش المنصور، ما دفعه للتخلي عن مهاجمة الزناتيين مرة أخرى، وعندما أتى إلى القيروان وجد عبد الله بن القطب حاكمها بعد أبيه قد بدأ بالتمرد، وكان يقول لأتباعه أنَّه لن يقبل أن يُعزَل بجرَّة قلم، وكان الخليفة قد أرسل إلى المنصور أن يربط اسم عبد الله مع اسمه خلال الخطبة، وهذا يعدُّ تعيينًا لعبد الله خلفًا للمنصور في الحكم، رفض المنصور ذلك وقتل عبد الله وولده، فثارت قبيلة كتامة، وأرسل الخليفة رجلين يخبرا المنصور أن لا يقوم بأي شيء ضد كتامة، فذهب المنصور وأخذ معه الرجلين اللذين أرسلهما الخليفة ليشهدا معاقبة كتامة وإخماد ثورتها، بعد ذلك تمرَّد عمُّه في مدينة تيارت وعندما توجَّه إليه المنصور هرب وترك المدينة، توفي في عام 995م.[٩]

باديس بن المنصور

هو أبو مناد باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري ، وهو والد الأمير المعز بن باديس، ولد في مدينة آشير وتولَّى الحكم بعد وفاة والده في عام 995م، نيابةً عن الخليفة الفاطمي في القاهرة مثل آبائه، كان شديدَ البأس حازمًا،[١٠] وقام باديس بإعطاء مدينة آشير لعمِّه حماد بن يوسف وولاه عليها وأعطاه جيشًا وخيولًا وأسلحةً، وكانت هذه بداية انقسام بني زيري إلى أسرتَيْن حاكمتَيْن، إحداهما في المغرب الأوسط والثانية في المغرب الأدنى، واستقل بنو حماد بإقليم الجزائر بسبب ضعف سيطرة باديس على جميع البلاد، ما أدى إلى حدوث صراعات فيما بينهم لاحقًا، استمرَّ حكم باديس حتى وفاته في عام 1115م.[١١]

المعزُّ بن باديس

هو شرف الدولة المعز بن باديس، استلم الحكم بعد وفاة أبيه باديس بن المنصور، وأُخذَت له البيعة في مدينة المحمدية، وقد فرحَ الناس كثيرًا لتوليه الحكم لكثير من الصفات الحسنة التي يتصف بها ولمّا رأوا فيه من رجاحة عقل وكرم وتواضع ورقة قلب وسخاء، على الرغم من صغر سنِّه، كان أحد أبرز حكام بني الزيري، فقد ألغى المذهب الشيعي في الولاية التي يحكمُها، وأمر بالدعاء للعباسيين على المنابر وخلع طاعة الدولة الفاطمية، وعقد صلحًا مع أبناء عمومته بني حماد أو الحماديين في عام 1017م، وقد أكمل مسيرة أجداده في مطاردة قبائل زناتة، أصيبَ بمرض عضال في كبده، وتوفي بسبب في عام 1061م بعد أن مدةَ 47 سنة.[١٢]

تميم بن المعز

أبو الطاهر تميم بن المعز بن باديس، ولدَ في مدينة المنصورية في عام 1031م، وتولَّى إمارة المهدية على زمن والده في عام 1053م، وفي عام 1061م تولَّى الحكم خلفًا لوالده المعز، حصلت في عهده الكثير من الاضطرابات، أهمُّها سيطرة العرب الهلاليين على مناطق واسعة من شمال أفريقيا، وثورة أهل تونس التي أخمدها كما أخمد ثورة سوسة، وصدَّ هجمات الهلاليين على مدينة المهدية، هادن أولاد عمومته وزوج ابنته لأمير الجزائر الناصر بن علناس، توفي في عام 1107م.[١٣]

يحيى بن تميم

سادس حكام الزيريين، تولَّى الحكم خلفًا لوالده تميم بن المعزِّ بن باديس في عام 1108م، في بداية حكمه استعاد مدينة قليبية بعد أن تمرَّد واليها وأعلن إمارةً مستقلة، ثمَّ ولَّى ابنه علي على مدينة صفاقس، أعاد تحسين العلاقة مع الفاطميين خلال حكم الآمر بأحكام الله، أنشأ أسطولًا بحريًّا لمهاجمة المسيحيين، فأرسل حملات عديدة لمحاربة الجنويين والفرنسيين والسردينيين، فاكتسب سمعةً كبيرة، توفي بشكل مفاجئ في عام 1116م.

علي بن يحيى

هو سابع حكام بني الزيري، تولى الحكم بعد والده يحيى في عام 1116م، قام أولًا بقتال المتمردين في بداية حكمه، وأحكم سيطرته على مدينة قابس، وحسَّن علاقاته مع المرابطين بعد أن طلب منه قائدهم علي بن يوسف مشاركته في حملاته البحرية ضدَّ مملكة صقلية، ما أدى إلى ازدياد سوء علاقته مع الملك روجر الثاني ملك النورمان، لذلك قام النورمان بحملة بحرية مضادة كردِّ فعلٍ على حملات المرابطين في عام 1118م استهدفت مدينة قابس، توفي عام 1121م.

الحسن بن علي

هو أبو الحسن الحسن بن علي بن يحيى آخر حكَّام الزيريين، ويسمَّى أيضًا الحسن بن الزيري، تولَّى الحكم في عام 1121م بعد وفاة والده علي حتى وفاته في عام 1152م، كان عمره عندما تولى الحكم اثنتي عشرة سنة، فتولى إدارة الحكم صندل الخصي عنه وبعد وفاته تولى أبو عزيز موفق إدارة الحكم، استطاع صدَّ هجمات الروم في عام 1123م، وهزمَ جيش أمير بجاية يحيى بن عبد العزيز بن حماد الذي كان يريد الهجوم على المهدية والاستيلاء عليها، توفي في عام 1171م.[١٤]

عاصمة الدولة الزيرية

كانت مدينة آشير التي تقع في المغرب الأوسط أي في الجزائر حاليًا هي عاصمة الزيريين، أسسها كبير الزيريين زيري بن مناد لتكون مرزًا لإمارته، تقع على سفوح جبل التيطري على سهل شاسع، وتطلُّ على بلدة الكاف الأخضر، إلى الجنوب الشرقي من العاصمة الجزائر وتبعد عنها نحو 150 كيلو مترًا، وقد اختيرَ ذلك المكان لتأسيسها بسبب كثرة الماء فيه وبسبب إطلاله على السفوح المحيطة به، عندما بُنيت المدينة قدمَ لبنائها المهندسون والبنائون من المسيلة وأفريقيا، فبنيت فيها الإقامات والحمامات والقصور أشهرها قصر بنت السلطان، الذي ما تزال آثاره موجودة حتى الآن، وكنت قد أنشأت قبل كل من مدينة الجزائر ومدية ومليانة، ونظرً لموقعها الاستراتيجي كصلة وصل بين الشرق والغرب، حيثُ تصل بين الأوراس وتلمسان من جهة وطريق أفريقيا بمدينة تيارت، لكنَّها رغم ذلك كانت حصينة بسبب وعوة الطرقات والمسالك فيها، وقد بلغت ذروة مجدها في عصر الزيريين، فازدهرت علميًا وثقافيًا واجتماعيًا ودينيًا، وجاء إليها الشعراء والعلماء من كل البلدان، ولا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ بلكين بن زيري المؤسّس الفعليّ للدولة كان قد نقل العاصمة إلى مدينة القيروان، ثمَّ انتقلت في أواخر عهد الزيريين إلى مدينة المهدية المطلة على البحر الأبيض المتوسط.[١٥]

اقتصاد الدولة الزيرية

لقد اعتمدَ اقتصاد الدولة الزيرية على الزراعة بشكل أساسي، فكانت الزراعة الدعامة الرئيسة للحياة الاقتصادية في المنطقة التي سيطر عليها الزيريون، فتمتَّعت الحياة الاقتصادية تحت حكم الزيريين بالاستقرار والهدوء باستثناء الفترة التي بدأ فيها هجوم العرب الهلاليين على المنطقة، وبسبب التطور الذي شهده نظام الري في الدولة تطوَّرت الزراعة بشكل كبير، ومن أهمِّ الأصناف الي تمَّت زراعتها: قصب السكر والقطن والشعير، وازدهرت زراعة العديد من الأصناف الأاخرى مثل: الموز والعنب والتمر، وبالإضافة إلى الزراعة كان لتربية المواشي دور كبير في الحياة الاقتصادية للسكان، وكان للأسواق في المدن الزيرية دور مهم جدًّا في زيادة نشاط الحركة التجارية في البلاد، ومن أهم الأسواق فيها: سوق البزازين، الجزارين، الزجاجين، سوق الدجاج، سوق الغزل وغير ذلك، وبشكل خاص في مدينة القيروان التي لعبت دورًا كبيرًا في الحياة الاقتصادية آنذاك، وأصبحت بلاد المغرب الأوسط منطقة غنية، وصارت مركزًا للتجارة في المغرب العربي وشمال أفريقيا، واشتُهرت مدينة باجة بتصدير القمح، وتمَّ تصدير زيت الزيتون إلى أوروبا وبلاد المشرق عن طريق عدد من الموانئ منها: عنابة وسكيكدة، وأدى هذا بدوره إلى تطور الصناعة في عدة مجالات، فعُرفت في ذلك الوقت صناعات النسيج والأواني الفخارية والجلود وغيرها.[١٦]

المظاهر الفكرية في الدولة الزيرية

أدّى الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصاديّ في دولة الزيريين إلى ازدهار البلاد من النواحي الفكرية ازدهارًا كبيرًا ثقافيًا وعلميًا ودينيًا وأدبيًا، وبشكل خاص في المدن الرئيسة والكبيرة في البلاد وأهمها: آشير والمدية والمسيلة وبجاية وتلمسان وتيارت ووهران والقيروان، وقد أصبحت مدينة القيروان من العواصم الإسلامية الكبيرة والتي تركت أثرًا بالغًا في تاريخ الفكر الإسلامي، كما كان للمساجد في المغرب الأوسط دور بارز في ولادة مناظرات كثيرة كلامية وفقهية بين أهل السنة وخصوصًا المالكية منهم وبين الشيعة، ورغم كل ما لاقاه علماء المالكية من تنكيل وسجن وتعذيب على أيدي القاطميين إلا أنهم صبروا وتبعهم الناس وتعلقوا بمذهبهم أكثر، وصار المذهب المالكي هو المذهب الرسمي في البلاد منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، ونشطت الحركة الأدبية في الدولة وخصوصًا خلال حكم المعز بن باديس، إذ اشتُهر بتشجيع العلم والأدب وجمعَ حوله العلماء والأدباء وأحسن إليهم، وازدهرت في عهده كل من القيروان وتلمسان كثيرًا، حتى أنَّ ياقوت الحموي قال عنها: "وكانت تلمسان والقيروان في عهده وجهة العلماء والأدباء، يشدُّون إليها الرحال من كل فجٍّ، لما يرونه من إقبال المعز على أهل العلم والأدب وعنايته بهم"، وأسهمت سيطرة الهلاليين العرب على مناطق واسعة من شمال أفريقيا في تعريب أجزاء من سكان تلك المناطق، فاندمج الهلاليون بالسكان الأصليين وتزاوجوا، وانتشرت الثقافة العربية واللغة العربية في معظمم مناطق المغرب الأوسط والأقصى.[١٧]

الزيريون في الأندلس

لم تحكم الدولة الزيرية التي قامت في شمال أفريقيا بشكل مباشر في الأندلس، ولكنَّ منذ عام 995م بدأت تتفرَّع عن سلالة بني زيري سلالات أخرى، إحداها حكمت في غرناطة جنوب الأندلس لاحقًا، بالإضافة إلى بني حمَّاد أو الحماديين الذين حكموا لسنوات قليلة من عام 1007م وحتى عام 1015م،[١٨] حيثُ عبرَ الزيريون إلى غرناطة جنوب الأندلس وأسسوا في عام 1013م طائفة غرناطة وهي إحدى ممالك الطوائف هناك، أسسها زاوي بن زيري بن مناد وهو شقيق بلكين بن زيري أثناء سيطرة العامريين على الدولة الأموية في شبه الجزيرة الإيبيرية، وخلال الفتن الكثيرة التي عصفت بالأندلس، وكان الزيريون قد انضموا إلى جيوش الأندلس، وبسبب تنكيل محمد المهدي بهم، التحقوا بسليمان المستعين بالله ودعموه لمطالبته بعرش الأندلس، وبعد وصوله إلى الحكم أعطاهم منطقة إلبيرة في الجنوب، وعندما وجدوها ضعيفة التحصين بدأووا ببناء مدينة غرناطة، وفي عام 1020م تقريبًا قرَّر القائد زاوي بن زيري أن يعود إلى المغرب، فاجتمع البربر على ابن أخيه حبوس بن ماكسن بن زيري أميرًا من بعده، فاستطاع حبوس أن يضمَّ جيان وقبرة إلى إمارته، وأكمل بناء مدينة غرناطة، ووطَّد العلاقات مع الممالك المجاورة، واستمرَّ في الحكم حتّى وفاته عام 1038م وتولي ابنه باديس بن حبوس الحكم بعده، وبلغت الإمارة في عهده أوجَ قوتها وازدهارها وامتدَّت من بسطة شرقًا وحتى رندة غربًا وجيان شمالًا، وحقق العديد من الانتصارات وأكمل بناء غرناطة وبنى قصر الحمراء، وبعد باديس انقسمت إمارته بين حفيديه عبد الله بن بلكين وشقيقه تميم بن بلكين الذي كان واليًا على مدينة مالقة، وهاجم بنو عباد إمارةَ الزيريين واستولوا على جيان، وبعد سقوط طليطلة بيد الإسبان اجتمع ملوك الطوائف على دعوة المرابطين لإنقاذ الموقف، فانتهت إمارة الزيريين في غرناطة بأن ضمَّها المرابطون إلى دولتهم في عام 1091م على يد يوسف بن تاشفين ونُفي آخر أمرائها عبد الله بن بلكين بن باديس إلى أغمات حتى توفي هناك بسبب تحالفه مع ألفونسو لمقاومة المرابطين.[١٩]

سقوط الدولة الزيرية

تولَّى حكم دولة بني الزيري في عام 1121م الحسن بن علي بن يحيى الذي كان آخر حكام الدولة الزيرية، وكان عمره عندها 12 عامًا فقط، في البداية تولَّى إدارة الحكم صندل الخصي ثمّ القائد موفق أبو عزيز الذي استطاع صد هجوم الروم في عام 1123م، وفي تلك الفترة بدأت الدولة الزيرية تتعرض للكثير من الهجمات من قبل المناطق المجاورة أولها كانت من قبل أمير بجاية الذي قدم للسيطرة على مدينة المهدية عاصمة الزيريين وقتها ولكنَّ الأمير الحسن استطاع أن يصدَّ ذلك الهجوم، وبسبب انقسامات الدولة الزيرية الداخلية وصراع الزيريين مع أبناء عمومتهم بني حماد وسيطرة العرب الهلاليين على مناطق واسعة من المغرب الأوسط وإنشاء عدد من الإمارات في قابس وصفاقس وقفصة كما هو حال ممالك الطوائف التي انتشرت في الأندلس، بالإضافة إلى اجتياح القحط منطقة شمال أفريقيا بين عام 1142م وعام 1148م، حاول ملك صقلية مستغلًّا تلك الظروف السيئة أن يهاجم المهدية، وبالفعل أعدَّ جيشًا كبيرًا وتوجَّه به إلى مدينة المهدية، وفي عام 1148م هاجم المهدية التي لم يستطع حاكمها الحسن الدفاع عنها، وبعد أن دخل الروم إلى مدينة المهدية دون مقاومة أو قتال سقطَ حكم الزيريين في شمال أفريقيا إلى الأبد واضطرّ الحسن بن علي وعائلته إلى الهرب لاجئًا إلى أبناء عمومته بني حماد الذين وضعوه مع أهله تحت حراسة حذرة ولم يسمحوا له بالتصرف بأمواله، وكان آخر حكَّام الدولة الزيرية.[٢٠]

المراجع[+]

  1. "شمال أفريقيا"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  2. فرهاد دفتري، معجم التاريخ الإسماعيلي، صفحة 160. بتصرّف.
  3. "زيري بن مناد الصنهاجي"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  4. "زيريون"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  5. "زيريون"، oer2go.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-30. بتصرّف.
  6. "زيريون"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  7. "زيريون"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  8. "بلكين بن زيري"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  9. "المنصور بن بلقين"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  10. "باديس الصنهاجي"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  11. "زيريون"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  12. "الدولة الزيرية"، islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  13. "الدولة الزيرية"، islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  14. "أبو الحسن الحسن بن علي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-29. بتصرّف.
  15. "زيريون"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-30. بتصرّف.
  16. "زيريون"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-30. بتصرّف.
  17. "زيريون"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-30. بتصرّف.
  18. "زيريون"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-30. بتصرّف.
  19. "طائفة غرناطة"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-30. بتصرّف.
  20. "زيريون"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-30. بتصرّف.