الدولة الأيوبية: تأسيسها، حكامها، إنجازاتها وكيف سقطت؟

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٤٨ ، ٢٢ يوليو ٢٠٢٠
الدولة الأيوبية: تأسيسها، حكامها، إنجازاتها وكيف سقطت؟

الأيوبيون

بنو أيوب هم سلالة حاكمة مسلمة من أصول كردية، تولت الحكم في مصر والشام وأجزاء من العراق وكذلك في الحجاز واليمن، وذلك بين 1171م - 1260 م. ويعود نسب الأيوبيون إلى أيوب بن شاذي من قبيلة الروَّادية، وقد كان أول مقر هذه السلاسة الحاكمة في القاهرة على يد مؤسسها أيوب، والذي كان قائدًا عسكريًا في خدمة دولة الزنكيين، فكانت بداية أمره واليًا على تكريت، وبعد ذلك واليًا على دمشق. ثم أصبح أخوه أسد الدين شيركوه، ونجله صلاح الدين في خدمة الحكام الفاطميين في مصر. فصار صلاح الدين سنة 1169 وزيرًا لآخر خليفة فاطمي. ثم تمكن من القضاء على حكمهم سنة 1171، وقام بتوحيد مصر والشام، ثم امتد حكمه إلى مناطق شمال النهرين دجلة والفرات، ثم قاد الحرب ضد الصليبيين وتمكن من تحرير القدس عام 1187 بعد معركة حطين. ويعود لنور الدين الزنكي الفضل في صعود الأسرة الأيوبية.[١]


تاريخ تأسيس الدولة الأيوبية

في عصر ما قبل الدولة الأيوبية في مصر، سادت ظروف صعبة من الاضطرابات الأهلية والمجاعات، وذلك بعد عقود طويلة من الحكم الفاطمي القمعي، فاضطر الخليفة الفاطمي المستنصر بالله سنة 466 هـ 1073م إلى الاستعانة بوالي عكا بدر الجمالي واستنصاره ضد الثورة التي ظهرت في أركان قيادة جيشه وبين الجند، والتي فرّقت صفوفه وشتّتت جهوده، فاستجاب بدر الجمالي لطلب المستنصر، وتمكن من إعادة الحكم إليه بالقوة العسكرية والسياسة الحكيمة، لكن في مقابل ذلك، فقد آل الحكم فعليًا إلى يد بدر الجمالى، فعيّنه الخليفة المستنصر وزيرًا للدولة بصلاحيات واسعة، ليبدأ بذلك ما سُمي بـ “عصر الوزراء العظام”، فأصبح الوزراء في الدولة الفاطمية هم أصحاب السلطة الفعلية مقابل حكم شكلي للخليفة، وقد استمرت هذه الفترة الممتدة من حكم بدر الجمالي سنة 1073م، إلى أن أنهى صلاح الدين هذه الدولة نهائيًا، وكان عمه أسد الدين شيروكوه سنة 1169م هو آخر هؤلاء الوزراء.[٢]


وقد اتسمت هذه المرحلة بطابع من المؤامرات الداخلية والصراعات بين الحاشية، فانتشرت الخيانات بين الخليفة وأتباعه من جهة، والوزراء وجنوده من جهة أخرى، فوصلت البلاد إلى حالة متردية من الضعف والفرقة والانحلال، فاستغل الصليبيون حالة الضعف هذه في مختلف أركان الدولة، فتقدّموا بشكلٍ كبيرٍ باتجاه مصر، وقد بقي الحال على ذلك إلى انقراض سلطة الخليفة الفاطمي كليًّا، وذلك بعد حوالي سنتين من بدء صلاح الدّين الأيوبي تولي شؤون الوزارة، حيث بسط في مصر حكم الأيوبيين، وأعلن نهائيًا سقوط الدولة الفاطمية وانتهاء عصر حكم الفاطميين تمامًا عام 1171م. [٢]


نشأت الدولة الأيوبية في مصر، وامتدت على رقعة واسعة من الشام إلى اليمن ووصولًا إلى النوبة وشمال إفريقية، وكان صلاح الدين هو مؤسسها، بدأ وزيرًا للخليفة الفاطمي العاضد لدين الله ونائبًا للسلطان نور الدين محمود على مصر في آن واحد، تمكن من تركيز الصلاحيات في يده وصار المتصرف في الأمور، فتمكن من إعادة مصر لحضن الدولة العباسية، ثم أغلق مراكز التعليم الشيعية الفاطمية، وبدأ بنشر المذهب السني، وبعد وفاة خاله السلطان نور الدين زنكي، توجه إلى دمشق، ثم ضمَّ حمص وحلب، ثم قام بتحصين جنوب بيت المقدس، استعدادًا لأي هجوم أو اعتداء من أرناط حاكم قلعة الكرك، والذي اعتاد على مهاجمة الحجيج والأماكن المقدسة في مكة والمدينة، كما اعتنى صلاح الدين بميناءي القلزم وجدة، وقد استرد صلاح الدين مدينة القدس في 27 رجب 583 هـ 2 أكتوبر 1187م، بعد انتصار جيشه في معركة حطين، ثم تمكنت جيوشه من تحرير معظم موانئ الشام على طول ساحل فلسطين ولبنان، ثم جاءت الحملة الصليبية الثالثة فأعادت عكا إلى الصليبيين، واضطر صلاح الدين لتوقيع صلح الرملة مع ريتشارد قلب الأسد.[٣]


حرص صلاح الدين على بقاء الولاء للخلافة العباسية في بغداد ولو بشكل رمزي، مما ساعده على إضفاء الشرعية لتوسيع سيطرته، وأدى طموح صلاح الدين في تأسيس دولة كبيرة وقوية للمسلمين بأن يرسل حملة عسكرية إلى اليمن ليضمها إلى مصر والشام في مواجهته مع الصليبيين، وبخاصة لأن اليمن كانت من ولايات الدولة الفاطمية قبل سقوطها. وإلى جانب دافع الطموح لدى صلاح الدين في توحيد بلاد المسلمين، فقد وردت كذلك أخبار عن بعض رسائل جاءت إليه من أهل اليمن تشكو من ظلم ولاتها، وتطلب من الدولة الجديدة في مصر المجيء إلى اليمن لتحكمه،. فقام صلاح الدين بإرسال أخيه توران شاه في حملة إلى اليمن سنة 569هـ/ 1173م، حيث كانت اليمن تتقاسمها دويلات وقبائل متصارعة على السيادة والنفوذ، فأخذ الأيوبيون بعضها أحيانًا باليسر، وأحيانًا كثيرة ببعض الصعوبات في محاربة تلك الدول والقضاء عليها بدءًا بدولة بني مهدي في زبيد.[٤]


بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، تم تقسيم الدولة الأيوبية بين أخيه العادل أولاده الخمسة سنة 1193، ثم تمكن العادل من إعادة توحيد المملكة من 1200-1218، وبعد 1218 أعيد مجددًا تقسيم الدولة، فبقيت مصر في يد الملك الكامل من 1218-1238، واستقل في دمشق وحمص وحلب ملوك أيوبيون صغار. وبقيت مصر هي الفرع الأساسي حتى مقتل الملك المظفر بأيدي المماليك سنة 1250 م. ثم أنهى المغول السلالات الفرعية المتناثرة سنة 1260 م كما أنهى المماليك فرع الأيوبيين في حمص سنة 1262، ولكن بقي للأيوبيون فرع صغير يحكم في حماة حتى سنة 1341، كما بقي لهم فرع مستقل في اليمن.[١]

إعادة احتلال الصليبيين للقدس

من الشائع الاعتقاد أن صلاح الدين قد حرر القدس نهائيًا من الصليبيين، إلّا أنّ الحملة الصليبية الثالثة في آخر حياة صلاح الدين كانت قد أوشكت على استرداد القدس، فالخطر الصليبي لم ينتهي بمعركة حطين، كما توالت الحملات الصليبية الكبيرة حتى تمكنت إحداها من احتلال القدس من جديد، ولكنه كان احتلالًا مؤقتًا لفترة وجيزة، فلم تشكل إعادة التحرير معجزة في ضمير الأمة كما حصل أول مرة. ولعل هذا هو سبب عدم اشتهار هذه الحادثة، ففي سنة 637 هـ، تولى الحكم في مصر السلطان "الصالح نجم الدين أيوب" الملقب بالملك الصالح، ويعدّ بعد صلاح الدين أفضل السلاطين الأيوبيين، ولا يعرف الناس عادةً عن تاريخه كثيرًا حتى في مصر، وبدأ بعض الأمراء الأيوبيين الاستعداد للقتال معه على حكم مصر، فوقعت بينهم بعض المناوشات والحروب، حتى أنهم توحدوا بقوة واحدة ضده وتحالفوا مع الصليبيين في مقابل تنازلهم عن بيت المقدس للصليبيين![٥]


وبدأ زحف هذه الجيوش باتجاه مصر، فأعد الملك الصالح العدة، وولى على قيادة الجيش أحد أكفأ القادة ركن الدين بيبرس، ولكن اضطر للاستعانة بالجنود الخوارزمية المرتزقة بسبب قلة عدد جيشه مقابل جيوش الأمراء الأيوبيين، وكان هؤلاء مرتزقة يعرضون خدماتهم العسكرية مقابل الأموال، ودارت معركة هائلة عرفت باسم موقعة غزة في سنة 642 هـ، وقد انتصر فيها الملك الصالح انتصاراً مؤزرًا، كما قُتل من الصليبيين جند كثير وصلت أعدادهم حوالي ثلاثين ألفًا، كما وقع في الأسر عددٌ من أمرائهم وملوكهم، وكذلك من أمراء الأيوبيين. واغتنم الملك الصالح أيوب هذه الفرصة فتوجه من فوره إلى بيت المقدس، فاقتحم الحصون وأعاد تحريرها بجيشه المدعوم بالخوارزمية سنة 643 هـ، وبذلك تحررت مقدس نهائيًا، ولم يتمكن جيش صليبي مجددًا أن يدخلها بعد ذلك لمدة سبعة قرون متوالية. وذلك عندما دخلها الجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى. كما أكمل الملك الصالح طريقه في اتجاه دمشق، وأعاد توحيد مصر والشام، كما اتجه لتحرير بعض المدن الأخرى التي كانت لا تزال واقعة تحت السيطرة الصليبية، فحرر طبريا وعسقلان وغيرها.[٥]

أبرز حكام الدولة الأيوبية

أول من أسس الدولة الأيوبية هو البطل التاريخي صلاح الدين الأيوبي رحمه الله سنة 569 هـ، وظل على رأس هذه الدولة حوالي عشرين سنة، إلى أن وافته المنية سنة 589 هـ، فوحد مصر والشام، ونجح في الجهاد ضد الصليبيين محققًا انتصارات هائلة،[٦] ثم تلاه في الحكم أخوه وأبناءه وأحفادهم:[٧]


  • الملك الملقب بالعزيز عماد الدين أبو الفتوح عثمان بن صلاح الدين الأيوبي من 589 هـ/1192 م . إلى وفاته سنة 595 هـ/1198 م .
  • الملك الملقب بالمنصور ناصر الدين محمد بن العزيز بن صلاح الدين الأيوبي، حكم مصر من سنة 595 هـ/1198 م إلى 596هـ/1200 م، ولكنه كان طفلًا، فتولى المسؤولية باسمه الوزير بهاء الدين قراقوش الأتابك، ولكن عمه علي بن صلاح الدين سلب منه السلطات، إلا أنه هُزم أمام الملك العادل في دمشق .
  • الملك الملقب بالعادل سيف الدين أبو بكر، أعاد توحيد المملكة، وحكم مدة 19 عامًا، وتوفي سنة 615هـ/1218 م .
  • الملك الملقب بالكامل ناصر الدين محمد بن العادل، حكم في مصر من 615 هـ/1218 م إلى وفاته سنة 635 هـ/1238 م. وكان هو أول مقيم في القلعة التى بدأ ببنائها صلاح الدين قبيل وفاته.
  • الملك سيف الدين أبو بكر بن الكامل محمد، حكم في مصر من سنة 635 هـ/ 1238 م لسنتين حتى وفاته 637 هـ /1240 م.
  • الملك الملقب بالصالح نجم الدين أبو الفتح أيوب بن الكامل محمد، تولى حكم مصر سنة637 هـ/1240 م حتى توفي سنة647 هـ/1249 م .
  • الملك توران شاه بن الصالح نجم الدين، تولى الحكم مدة شهرين فقط سنة 648 هـ/ 1250 م.
  • المكلة شجرة الدر عصمت الدين أم خليل زوجة الصالح نجم الدين الأيوبى، وذلك من سنة 648 هـ / 1250 م، وذلك لحوالى ثلاثة شهور، كانت شجرة الدر سيدة أرمنية الأصل، أرسلها الخليفة العباسي "المستعصم بالله" إلى الملك نجم الدين أيوب فأعتقها وتزوجها بعد اعتلائه السلطة، اضطرت أن تتولى مقاليد الحكم بعد موت زوجها نجم الدين أيوب بسبب مقتل ابنه توران شاه.


سمات الحياة الثقافية والاجتماعية في الدولة الأيوبية

تميزت الحياة الثقافية والاجتماعية في الدولة الأيوبية بكثير من السمات التي ميزتها بشكل كبير وواضح عن غيرها من الدول والممالك الإسلامية في العصور الوسطى، حيث تأثرت كثيرًا بأجواء الحروب الصليبية ونهاية الحكم الفاطمي، مع التطلع إلى النهضة وتوحيد البلاد المسلمة.

الحياة الثقافية في الدولة الأيوبية

اهتم الأيوبيون كثيرًا بشوؤن الحياة الثقافية والفكرية، فكان لهم حظ كبير في دعم الشعر والأدب، وكذلك في تعليم الدين والفقه، فكان لهذا نصيب وافر بترسيخ أركان دولتهم، فضربت بجذور عميقة في التاريخ، وخاصة في الأوساط التعليمية الدينية التي هدفت لمحو آثار المذهب الفاطمي الشيعي، فقد كان مذهبًا باطنيًا متطرفًا بخلاف شيعة آل البيت، فعمل الأيوبيين على إعادة نشر المذهب السني في البلاد الإسلامية، فهو المذهب الأصلي لغالبية المسلمين والعرب، وذلك بعد عشرات من السنين من محاولة الفاطميين تشييع السنة بكل الوسائل القسرية وغير القسرية، فكان لهذه الظروف والأجواء أثر كبير وبالغ على إنتاج الأدباء والكتاب والشعراء في العصر الأيوبي، أما طريقة الأيوبيين في إعادة إحياء المذهب السني فكانت مبنية على الدعوة العلمية والتفكير والعلم، وليس على الإرهاب والسلاح. وبالرغم من نجاحهم الكبير؛ فقد بقيت آثار فاطمية في ثقافة المجتمع، وقد أدى ذلك لظهور مدرسة أدبية يظهر في كتاباتها وشعرها بعض بقايا من المصطلحات الفاطمية.[٨]


وقد تخلل ذلك أيضًا الكثير من الإجراءات الإدارية والسياسية والقضائية، مثل عزل القضاة من المذهب الفاطمي والإسماعيلي، وتعيين قضاة من المذهب الشافعي وغيره من المذاهب الفقهية السنية، كما نُفذت العديد من الإجراءات في محاولة التخلص من آثار المذهب الفاطمي، حيث يقال بأنه تم التخلص من خزائن ومكتبات كبيرة جدًا تعج بالآثار الأدبية والعلمية من العصر الفاطمي، مما أدى لضياع بعض آثار حقبة الفاطميين بما فيها من محتويات متنوعة بين ضارة ونافعة، وأخرى تاريخية مهمة، أما أحد أعظم وأهم الأعمال؛ فكان بناء المدارس لتدريس الفقه الشرعي وإعادة إحياء الإسلام في قلوب المسلمين، وذلك لإيقاظهم للجهاد في مواجهة الصليبيين، وقد نحجت الدولة الأيوبية في ذلك بشكل كبير مقارنة بغيرها، وذلك أن الجهاد هو رسالة وحاجة ذلك العصر، فتبناه صلاح الدين نهجًا للحياة.[٨]

العمارة الأيوبية

تميز فن العمارة في الدولة الأيوبية بالطابع الحربي، وذلك نتيجة كثرة الحروب مع الصليبيين، كما كان للأيوبيين الكثير من المراكز العسكرية والقلاع الحربية؛ وذلك بهدف قيادة الجيوش وتحصين المواقع الاستراتيجية، فكثر نتيجة ذلك بناء الأسوار والقلاع، وإعادة ترميم ما تهدم منها أثناء الحروب أو بتقادم الزمن. وتعد الدولة الأيوبية أحد أكثر الدول في بناء القلاع الحربية في مختلف مناطق العالم الإسلامي، حيث كان منها القلعة الشهيرة في القاهرة، والتي بدأ بناءها صلاح الدين في مصر قبيل وفاته، وتميزت بفنها المعماري المميز وما لها من ملحقات من مساجد وقصور وإسطبلات للخيل، كما مثَّل العصر الأيوبي اهتمامًا جيدًا بالعمران والبناء المدني، فقد بنى صلاح الدين العديد من المستشفيات والمدارس الوقفية والمساجد الكبرى، وكان من عادته فور أن يفتح مدينة أن يؤسس فيها المعاهد والمرافق، ويخط الطرق والجسور.[٩]

الحياة الاجتماعية في الدولة الأيوبية

لم يتم التركيز كثيرًا على تأريخ واقع الحياة الاجتماعية في الدولة الأيوبية، وذلك لأنها دولة عسكرية بشكل أساسي، إضافةً إلى قلة اهتمام المؤرخين في العصور السابقة بتوثيق الحياة الاجتماعية مقارنةً بتاريخ الملوك السياسي والعسكري. ومع ذلك يمكن العثور على لمحات متفرقة، وجمع شتاتها من أنحاء المؤلفات الأخرى في الأدب والجغرافيا وغيرها. وكان النظام الإقطاعي هو النظام الشائع في العصر الأيوبي، كما ازدهرت الحياة الاقتصادية نتيجة العناية بالزراعة والصناعة.[١٠]


ابتعد الحكام الأيوبيين عن حياة البذخ المترفة كما في العصر الفاطمي والمملوكي، كما كان السلطان صلاح الدين مشهورًا بالزهد والابتعاد عن ملاهي الحياة، وكان يحرص على تربية أبنائه على هذه الخصال، حتى أنه عزل ابنه الظاهر عن ولاية حلب لما رآى منه ميلًا وحبًا للمال والحكم، وذلك خوفًا عليه وعلى الدولة من مفاسد الترف وحب السلطة والجاه، فعزله وولى مكانه أخاه العادل. ومما اهتم به الأيوبيين الاحتفال بالأعياد الدينية، وكذلك الاحتفال بالمولد النبوي وغيرها، ولكنه ألغى الاحتفال في يوم عاشوراء باعتباره من طقوس الشيعة والفاطميين، وكانوا يحرصون على عدم الإسراف والبذخ، ومنع مظاهر التهتك والانحلال مراعاة للجوانب الأخلاقية والاقتصادية. أما في النواحي الترفيهية فقد فرض الجو الحربي والجهاد وسائل خاصة للتسلية والترفيه في المجتمع الأيوبي، فحظيت ألعاب الرمي والفروسية باهتمام الأمراء والملوك، كما كثر الخروج للصيد، وكان لصيد الحيوانات ترتيب معين يشابه المعارك الحربية. كما انتشرت ألعاب رياضية مثل الرمي بالبندق، واشتهرت لعبة الكرة والصولجان، حيث لعبها السلطان صلاح الدين رغم أن الفقهاء كانوا متحفظين عليها بعض الشيء.[٣]

الحسبة في الدولة الأيوبية

كانت الوظائف الدينية من الحسبة والقضاء في العصر الأيوبي تعد امتدادًا للعهود السابقة، إلا أنه بحسب التطورات السياسية والظروف الزمانية والمكانية، فإن هذه الوظائف الدينية قد تطورت في الصلاحيات والأداء، ومنها وظيفة الحسبة التي من المعروف أنها معنية بأمور مراقبة السوق والمعاملات اليومية ومنع التجاوزات. ولكن الأيوبيين اهتموا بشكل خاص بالحسبة، فأضافوا إلى صاحبها مهمات أمنية، مثل البحث عن المناوئين والمعارضين للسلطة الجديدة، وبخاصة من الشيعة وأنصار الفاطميين.[١١]


بهذا تمتع صاحب الحسبة بصلاحيات استثنائية، مما تعدّ صلاحيات قضائية أو شبيهة بها، وكجزء من خطة إعادة المذهب السني إلى مصر، قام صلاح الدين بتعيين قضاة من مذاهب السنة في جميع أنحاء البلاد. وهذا شكل المسمار الأخير في نعش المذهب الفاطمي المتطرف، والذي فشل في بناء جذور راسخة، فانمحى بذلك أثره وتطهرت عقيدة المسلمين من لوثته، وبالرغم من شح المعلومات في المصادر التاريخية حول الحسبة والمحتسبين خلال العصر الأيوبي، إلا أن هناك نصوصًا ضمن وثائق وكتب الحسبة تعود إلى هذه الحقبة، ومن الممكن استخلاص معلومات تاريخية بما يخص صلاحيات المحتسب، وما هي حقيقة التغييرات التي أضيفت إلى مهماته.[١١]

إنجازات الدولة الأيوبية

أنجزت الدولة الأيوبية العديد من الإنجازات التاريخية في عصرها، بحيث اشتهرت كثيرًا مقارنة بغيرها من الدول سوى الخلافة الأموية والعباسية. حيث يعدّ أهم منجزاتها إعادة توحيد كلمة المسلمين، وتأسيس دولة كبيرة لهم قادرة على مواجهة الغزو الصليبي، وذلك في الوقت الذي عجزت عن صده الخلافة العباسية، بينما تواطأت معه الدولة الفاطمية وبعض الممالك الصغيرة المتناثرة. وتعدّ معركة حطين وتحرير القدس والتصدي للحملة الصليبية الثالثة بقيادة ريتشارد قلب الأسد الذي انتهى بتوقيع صلح الرملة، قمة إنجازات الدولة الأيوبية في الناحية العسكرية. أما في الناحية الدينية والثقافية والسياسية، فيعدّ إنهاء الدولة الفاطمية ومذهبها الشيعي الباطني المتطرف أحد أهم المنجزات، فرغم أنه قد كانت الدولة الفاطمية فاسدة وفي طريقها للاضمحلال، إلّا أنّها كان لا يزال فيها بعض القوة وتحتاج إلى مزيد من الجهود والوقت لترتيب إنهائها، وهذا ما أنجزه صلاح الدين.[١٢]


كما كثرت المنجزات الأيوبية في الحضارة والثقافة والعمران في هذه الدولة، من ذلك كان دعم العلماء والمجالس الفكرية وتقريب الأدباء والمفكرين، ودعم المكتبات وجمع الكتب النادرة والثمينة، كما أنشئت دواوين للمكاتبات السلطانية ومدارس وقلاع وحصون عسكرية. كما ازدهرت الزراعة والصناعة وكثر إنتاج المحاصيل الزراعية والأشجار الحرجية، نتيجة الحاجة للأخشاب اللازمة لصناعة الرماح الحربية، ولتأمين إمدادت الطعام للجيوش، كما دعمت الدولة الأيوبية المخترعين الحربيين، مثل دعم اختراع بعض المتفجرات التي ساعدت كثيرًا في هدم قلاع وحصون الصليبيين، وازدهرت حركة التجارة مع التجار الأوروبيين رغم حالة الحرب، وذلك بسبب إعطائهم الأمان والسماح لهم بدخول البلاد العربية للتجارة.[١٣]

كيفية سقوط الدولة الأيوبية

رحل صلاح الدين الأيوبي تاركًا وراءه دولة قوية وعظيمة الهيبة، حيث بسطت سلطتها على كثير من البلاد، فوحدت مصر والشام والحجاز واليمن، وحتى أجزاء من ليبيا والنوبة، فانحصر الصليبيون في شريط ضيق على ساحل شرق البحر الأبيض المتوسط في الشام، ولكن وبوفاة صلاح الدين الأيوبي وبعد ضمان تحرير القدس، بدأ يتَقَلَّصَ هم الجهاد ضد الصليبيين، وضعفت الهمم نسبيًا، كما افتتن الناس بالدولة الكبيرة، لكثرة الأموال وانفتاح التجارة واتساع البلاد، ونتيجةً لهذه العوامل وضعف أسس نظام الحكم، بدأت انقسامات شديدة وصراعات دموية في الدولة الأيوبية، فتفككت الدولة بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي، ثم أعاد الملك العادل توحيدها، ثم تفككت مرة أخرى، وأعاد الملك الصالح أيوب الكرة بتوحيدها، ولكن لم يتمكن أحد من توحيدها بطريقة تكفل الحفاظ على ديمومة وحدتها، ثم فاجأها الغزو المغولي وساهم في نهايتها.[١٤]


كانت الأمة الإسلامية لا تزال بحاجة إلى شخصية كاريزمية مثل شخصية صلاح الدين الأيوبي، ومن المؤسف أنه لم يتم الاستعاضة عن ذلك بوضع نظام فعال لطريقة انتقال الحكم وتداول السلطة، كما لم يكن من أبناءه ملك بمستواه أو قريبًا منه، كذلك لم تصلح وصايا العلماء والقضاة ومواعظهم في استدامة وحدة الدولة، وإن نجحت في إبقاء الأمة موحدة، أما أسباب سقوط الدولة الأيوبية، فيعيدها البعض إلى انتشار الظلم والبعد عن تحكيم الشرع كما كان زمن صلاح الدين، إضافة إلى كثرة الخلافات والصراعات، وولوغ بعض السلاطين في الترف، مع توقف منهج التجديد والإصلاح الذي بدأ حتى قبل الدولة الأيوبية، ومن الأسباب كذلك عدم وجود تخطيط استراتيجي واضح لاستمرار النهضة على المدى البعيد، وضعف تقييم التجربة والأداء، إضافة إلى غياب العلماء الإصلاحيين.[١٥]


أما عن آخر الملوك الأيوبيين فكان توران شاه، وهو ذو شخصية غير ناضجة، وقد كانت جلّ اهتماماته كانت في اللهو، كما أنّه اتصف بالغدر وبسوء الخلق وكفران العشير، وفوق ذلك بالجهل بشؤون الإدارة والسياسة والحكم. إضافةً إلى ذلك، فقد منعه الغرور بعد النصر على ملك فرنسا لويس التاسع، عن رؤية مزايا وفضل من ساعدوه ممن حوله، فتارة يتنكر لفضل زوجة أبيه شجرة الدر، ويتهمها بنهب وإخفاء أموال أبيه، ويطالبها بإعادتها. وتارةً يقوم بتهديدها بقسوة حتى تكوّن داخلها خوف شديد منه، فلم يشكر لها جميل صنعها مع أبيه الملك بعد موته، وجهودها في الحفاظ على سير الأمور في غيابه، ثم بعد ذلك بدأ يتنكر لكبار قادة المماليك، من أمثال العظماء فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس، فلم يشكر للمماليك فضل جهودهم في تحقيق الانتصار الرائع في موقعة المنصورة، فبدأ يسخر منهم مقللًا من شأنهم، ثم بدأ يسحب صلاحياتهم، ومن جانب آخر شرع يُعَظِّمُ شأن بعض الرجال الهامشيين، والذين كانوا معه في حصن كيفا، ثم بدا واضحًا أنه ينوي القيام بتغييرات كبيرة وواسعة النطاق في رجال ومؤسسات السلطة في مصر، وكل ذلك فقط في أول ثلاثة أشهر له من الحكم في مصر.[١٤]


وهنا خشيت شجرة الدرِّ على الدولة وعلى على نفسها، فأَسَرَّت بما في نفسها إلى أمراء المماليك البحرية، وبخاصةً إلى فارس الدين أقطاي وركن الدين الظاهر بيبرس، حيث كانوا يُكِنُّونَ لها كل الاحترام والولاء، امتنانًا منهم لكونها أرملة سيدهم الملك الصالح رحمه الله، وقد كانت علاقة الاحترام هذه لها من القوة ما تجعل آثارها تبقى حتى بعد موت الملك، كما وجد المماليك البحرية في نفوسهم مثل ما تقول شجرة الدر، فاجتمع رأيهم على الإسراع بالتخلص من توران شاه، وذلك قبل أن يتخلص منهم. واتفقوا على قتله. وبالفعل فقد تم ذلك في 27 محرم 648 هـ، وذلك فقط بعد سبعين يومًا من اعتلائه عرش مصر، وانتهى بذلك عهد آخر ملوك الأيوبيين في مصر، ولم يبق منهم إلا فروع صغيرة في بعض مدن الشام الصغيرة إلى حينٍ من الزمن.[١٤]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب "أيوبيون"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-04. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "العصر الايوبي في مصر"، www.arageek.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-06. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "الدولة الأيوبية"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-04. بتصرّف.
  4. "الحكم الأيوبي 569- 626 هـ /1173-1229م"، yemen-nic.info، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-04. بتصرّف.
  5. ^ أ ب "الدولة الأيوبية"، islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-04. بتصرّف.
  6. "التتار من البداية إلى عين جالوت - لمحة سريعة عن الدولة الأيوبية رابط المادة"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-04. بتصرّف.
  7. "عهد الدولة الايوبية"، www.sis.gov.eg، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-05. بتصرّف.
  8. ^ أ ب "مكونات الشخصية الفنية للشعراء فى مصر فى العصر الأيوبى"، www.diwanalarab.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-04. بتصرّف.
  9. محمود أحمد درويش، التراث الإسلامي في مصر العصر الأيوبي، صفحة 2. بتصرّف.
  10. أبو أدهم عبادة بن عبد الرحمن رضا كحيلة، العقد الثمين في تاريخ المسلمين، صفحة 263. بتصرّف.
  11. ^ أ ب "الحسبة خلال العهد الأيوبي"، openedition.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-06. بتصرّف.
  12. "صلاح الدين الأيوبي ونشأة الدولة الأيوبية"، lite.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-04. بتصرّف.
  13. أ د أحمد مختار العبادي، في التاريخ الأيوبي والمملوكي، صفحة 100-113. بتصرّف.
  14. ^ أ ب ت "نهاية الدولة الأيوبية"، islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-04. بتصرّف.
  15. "الأيوبيون بعد صلاح الدين"، alsallabi.com، اطّلع عليه بتاريخ 22-07-2020. بتصرّف.