حروب البلقان: تاريخها، أطرافها، أسبابها، نتائجها

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٥٨ ، ٢١ يوليو ٢٠٢٠
حروب البلقان: تاريخها، أطرافها، أسبابها، نتائجها

البلقان

البلقان هي شبه جزيرة تقع في الجنوب الشرقي من قارة أوروبا،[١] وهي كلمة تركيّة معناها المنحدرات أو الجبال المغطاة بالأشجار والغابات، وتضمّ هذه المنطقة كلًّا من بلغاريا واليونان وألبانيا وكوسوفو ومقدونيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود -أو مونتينيغرو- على نحو كامل؛ أي: إنّ أراضي هذه الدول تقع بالكامل ضمن بلاد البلقان، وتضم دول البلقان كذلك حوالي نصف مساحة كرواتيا، وأجزاء صغيرة جدًّا لا تتجاوز 6.5% من رومانيا، ونحوًا من 72% من مساحة صربيا، ونحوًا من 26% من أراضي سلوفينيا ونحوًا من 3% من أراضي تركيا،[٢] وقد ورد ذكر أحد البحار التي تحد بلاد البلقان في كتاب البداية والنهاية وهو بحر إيجة،[٣] وتأخذ المنطقة اسمها من سلسلة جبال البلقان التي تمتدّ من شرق المنطقة إلى غربها فتقسم بلغاريا قسمين، وكانت المنطقة تقع تحت نفوذ السيادة العثمانيّة، ولكنّ هذه المنطقة تخلّصت من الحكم العثماني بعد حروب شديدة ستأتي فقرات المقال التالية على تفصيلها وذكرها بما يشفي الغليل.[٢]

تاريخ حروب البلقان

إنّ من سُنن الحروب أن يكون ثَمّ من يُذكي نار الفتنة بين الأطراف التي تتحارب لمصالح يرجوها لنفسه، فلا يسمح لنفسه أن يمرّ ذكر الحرب من دون أن يرمي عود ثقابه على فتيل الحرب لتنفجر الأرض كلّها بعد ذلك، وكذلك كان حال ما يُعرف بالدّول العظمى -آنذاك- في أثناء حروب البلقان؛ إذ كان لتلك الدول مكاسب ومطامع من أجلها شُنّت الحروب في بلاد البلقان، فحرّضت تلك الدول العظمى دول البلقان على مهاجمة الدولة العثمانيّة، فبدأت بذلك حروب البلقان التي تحوّلت فيما بعد لحروب بين هذه الدول نفسها،[٤] وقد كانت هذه الحروب بين عامي 1912م و1913م، وستحاول الفقرات القادمة الوقوف على تاريخ حرب البلقان الأولى والثانية بشيء من التفصيل.[٥]

أسباب الحرب البلقانية

إنّ الحرب البلقانيّة -كما مرّ آنفًا- تنقسم قسمين؛ حرب أولى بين دول البلقان من جهة والإمبراطورية العثمانيّة العظمى من جهة أخرى، وحرب ثانية بين دول البلقان المسيحية نفسها واشتركت فيها الدولة العثمانيّة لتسترد شيئًا مما سُلِبَتهُ في الحرب الأولى، وبالتالي فإنّ للحربين أسباب مختلفة، ولكنّها في جوهرها تصدر عن أسباب واحدة يمكن إجمالها فيما يأتي:

  • لعلّ حقد دول البلقان على الدولة العثمانيّة التي يرونها قد احتلّت أرضهم وشرّدت شعوبهم هو أحد أبرز الأسباب التي دفعت دول البلقان للنهوض من سباتها العميق وتوحيد الجهود والوقوف جنبًا إلى جنب من أجل دحر هذا العدو الغازي المشترك الذي قد احتلّ بلدانهم منذ ما يزيد على خمسمئة عام.[٦]
  • أيضًا يمكن القول إنّ الدول الكبرى قد أذكت نار هذه الحرب لتحصل على مبتغاها وتزيد أطماعها وممتلكاتها، ولاسيّما المملكة النمساويّة-المجريّة وروسيا القيصريّة؛ فكانت أعين الدول الكبرى على المضائق البحريّة الهامّة وعلى الدول الصغيرة التي تنوي ضمّها لحكمها، وبذلك فعند نشوب الحرب فإنّ تلك الدول ستحقق مآربها، وهو ما حدث إلى حدّ ما؛ فقد أخذت النمسا البوسنة والهرسك، وحاولت روسيا السيطرة على مضيقي البوسفور والدردنيل في تركيا الأوربية، وكذلك كان لإيطاليا مطامع في دول البلقان عقدت من أجل ذلك تحالفًا سريًّا مع روسيا للوقوف في وجه النمسا في حال استمرارها في التعدي على دول البلقان.[٧]
  • وكذلك يمكن القول إنّ الممالك البلقانيّة النصرانيّة أرادت أن تضمّ إليها كلّ دولة فيها شعب تعود جذوره إلى حيث تنتهي جذور هذه المملكة أو تلك.[٨]
  • ومن الأسباب التي فجَّرت الحروب البلقانيّة هو أنّ كلّ مملكة أو دولة من أعداء الدولة العثمانيّة كانت تطمح في إعادة مجدها التليد وبناء بلد يحمل إرثه الثقافي والحضاري، كاليونان الإغريق الذين كانوا يحكمون العالم في يوم من الأيّام، وغيرها كثير في ممالك البلقان.[٩]
  • وهنالك سبب كذلك يتعلّق بالدولة العثمانيّة التي كان يقع تحت حكمها كل دول البلقان تلك، وهو أنّ كبار موظّفيها قد تركوا شؤون دولتهم وانهمكوا بالتخطيط وكيد المكائد لبعضهم بعضًا والتناحر على السلطة والتنازع فيما بينهم، فأهملوا الدولة وسياستها، وأهملوا الجيش وأشربوه سمّ السياسة الذي لا ينبغي أن يكون في جيش من الجيوش؛ فالسياسة والجيش ضدّان لا يجتمعان، وإن اجتمعا كان لا بدّ لأحدهما أن يغلب على الآخر، وغالبًا تكون الغلبة للسياسة.[١٠]
  • ومن أسباب حروب البلقان كذلك عدم رضا مملكة من ممالك البلقان عن مكاسبها التي حققتها في الحرب الأولى، فجرّت المنطقة كاملة لحرب ثانية من أجل تحقيق أطماعها، فانتهت الحرب بأن صارت تلك المملكة عبرة لغيرها.[١١]

تاريخ حرب البلقان الأولى

لقد بدأت حرب البلقان الأولى سنة 1330هـ[١٢] الذي يوافق سنة 1912م يوم تحالفت صربيا واليونان وبلغاريا والجبل الأسود ضدّ الدولة العثمانيّة التي كانت تحتلّ أراضيهم، فكانت هذه الحرب بتحريض من روسيا بالدرجة الأولى كونها كانت العدو اللدود للسلطنة العثمانيّة، فكانت تلك الجيوش تطمع أن تأخذ بثأرها من الدولة العثمانيّة، وأن تحقّق استقلالها، وأن تأخذ كذلك أراضٍ ممّا يقع ضمن أملاك الدولة العثمانيّة، فبعد معاهدة برلين التي اعترفت باستقلال صربيا والجبل الأسود وبلغاريا ورومانيا رأت بعض دول البلقان أنّ تلك المعاهدة لم تسِر كما خُطِّط لها؛ إذ احتلّت بلغاريا بلادًا كبيرة من البلقان، فرأت تلك الدول أن توسّع سيطرتها هي الأخرى على حساب الدولة العثمانيّة، فتذرّعت دول البلقان أنّهم إنّما أرادوا الحرب لكشف الظّلم عن إخوانهم في النّصرانيّة في مقدونيا، وكذلك ادّعوا أنّ الدولة العثمانيّة العليّة لم تطبّق البند رقم 23 من معاهدة برلين الذي يقضي بأن ينفّذ الباب العالي في الدولة العثمانيّة العليّة النظام الأساسي الذي وضعه لجزيرة كريت، وكذلك أن ينفّذ الباب العالي أنظمة أخرى شبيهة بالنظام الذي وضعه لجزيرة كريت لكلّ الأراضي التركيّة التي تقع في قارة أوروبا ومن بينها دول البلقان؛ إذ كانت تخضع للاستقلال الاسمي ولكنّها تبقى تحت ظل الدولة العثمانيّة.[١٣]

إذًا قد ضمّت بلغاريا لها الروملي الشرقيّة، وكذلك النمسا ضمّت إليها البوسنة والهرسك، وبذلك تكون معاهدة برلين قد أصبحت من الماضي، ودارت حروب طاحنة بين دول البلقان منذ معاهدة برلين سنة 1878م وإلى ما قبل الحرب البلقانيّة الأولى، فاصطبغت جبال البلقان بدماء أبنائها، ودارت بينهم حروب وحشيّة راح ضحيّتها الكثير من البلقانيّين، وربّما هذا هو السبب الذي جعل الدولة العثمانيّة تعتقد أنّ الذين يزحفون إليها هم البلغاريّون فقط؛ لأنّه لم يكن ليدور بذهن أحد أنّ أولئك الذين سَقَوا جبال البلقان من دمائهم سيتّحدون ضدّ عدوّ مشترك، ولكن الحقد الذي عمره خمسمئة عام قد سار معهم جنبًا إلى جنب للقاء الدولة العليّة التي أخذت أرضهم وسبَت نساءهم ودمّرت إرثهم الحضاريّ، فأصبحوا يربّون أبناءهم على الحقد على الأتراك أينما كانوا، وفي يوم السابع عشر من شهر تشرين الأوّل من أكتوبر أرسلت دول البلقان إلى معتمديها -أي وزراء الخارجيّة- في الأستانة إعلان الحرب؛ لأنّها لم تشأ أن تضيّع الوقت بعد حشد الجيوش، ثمّ في اليوم التالي -أي اليوم الثامن عشر- أرسلت حكومات البلقان إلى وزارة الخارجيّة التركيّة بلاغًا يقضي بأنّ الأتراك قد بادروا إلى العدوان حين اعتدَوا على البواخر اليونانيّة واستَولَوا على الذخائر وغيرها ممّا يعود إلى دول البلقان، وختموا بلاغهم بقولهم: "نرانا مع الأسف مضطرّين إلى تجريد سيوفنا".[١٤]

وفي نفس يوم إيصال البلاغ للسلطنة العثمانيّة نشرَ ملوك صربيا وبلغاريا واليونان منشورات تثير عواطف الشعوب وتثير عندهم الحميّة تصف حالة إخوانهم النّصرانيّين في مقدونيا وممارسات الأتراك ضدّهم، ولقّبوا هذه الحرب بأنّها حربٌ "صليبيّة" لإكسابها طابعًا دينيًّا، بينما اكتفى الباب العالي بنشر منشورات تذكّر الجنود العثمانيّين بأجدادهم وأمجادهم، وذكّرهم بعدم المساس بالشيوخ والنساء والأطفال ممّن لم يشتركوا في الحرب، ولكن فات السلطان العثماني أن يضفي على حربه تلك طابعًا دينيًّا كما فعل البلقانيّون، ولكن الجيش العثماني كان مستعدًّا للقتال بروح عالية، وكان الجنود الأتراك ينتظرون نهاية الحرب للعودة مع السبايا البلغاريات إلى أنقرة وإسطنبول وغيرها من حواضر السلطنة العثمانيّة، فأفراد الجيش العثماني كانوا يرَون أنّهم "في نزهة حربيّة" سينقضي أجلها بعد شهرين على الأكثر،[١٥] وقد كان الجيش البلغاري هو الجيش الأضخم بين جيوش البلقان وبلغ عدده نحوًا من 459810 مقاتل من أصل 4300000 مواطن يشكّلون إجمالي المواطنين البلغار، بينما كان عدد الجيش الصربي نحوًا من 230000 مقاتل من أصل عدد السكّان البالغ 2912000 نسمة.[١٦]


وأمّا جيش اليونان فقد بلغ نحوًا من 125000 مقاتل، من أصل 2600000 نسمة يشكّلون عدد سكّان اليونان، وأمّا الجيش العثماني فقد كان من المتوقّع بلوغه 598000 مقاتل مع بدء الحرب، ولكن سوء الأوضاع والتنظيم التي رافقت الجيش العثماني -والدولة العثمانيّة عامّة آنذاك- لم يلتحق سوى 200000 مقاتل إلى ميدان الحرب، والباقي وصل ببطء شديد بعد فوات الأوان،[١٦] وقد انتهت الحرب بعد سبعة أشهر بهزيمة نكراء للدولة العثمانيّة إثر توقيع معاهدة لندن في 30 أيّار مايو 1913م، وقد خسرت الدولة العثمانيّة وقتها نحوًا من 80% من أراضيها في أوروبا، ما دفع نحوًا من مليونين ونصف مليون مسلم أن يهاجر أراضي البلقان إلى الأراضي العثمانيّة ربّما هربًا من بطش أو ظلم محتمل سيلحق بهم.[١٧]

الأطراف التي شاركت في حرب البلقان الأولى

لقد كانت حروب البلقان من الحروب التي أسست لنظام عالميّ جديد حينما غيّرت التوازنات في منطقة البلقان ثمّ أوروبا ثمّ العالم بما ترتّب عليها من حرب عالميّة أولى وضعت تخطيطًا جديدًا للعالم ولا سيّما العالم العربي، ثمّ كان من نتائج الحرب العالمية الأولى الحرب العالميّة الثانية التي نهضت بعد نهايتها دول وهبطت دول أخرى وساد العالم عدّة دول هي أقطاب العالم إلى اليوم، وفيما يأتي تتوقّف الفقرات القادمة للحديث على الأطراف التي شاركت في حربي البلقان الأولى والثانية، فأمّا حرب البلقان الأولى فقد كانت ملحمة عظيمة غيّرت وجه أوروبا والعالم كلّه فيما بعد، فقد كانت حربًا بين شعوب البلقان مجتمعة ضدّ عدوّ واحد وهو دولة الخلافة العثمانيّة، أو دولة السلطنة العثمانيّة، وتفاصيل الأطراف المشاركة في هذه الحرب فيما يأتي:[١٦]

الدولة العثمانيّة

لقد كان الجيش العثماني المقرر أن يشارك في هذه المعركة يبلغ عدده نحوًا من 336,742 مقاتلًا بين ضبّاط يبلغ عددهم 12,024 ضابطًا ومجنّدين يبلغ عددهم 324,718 جنديًّا بالإضافة لحوالي 2,318 مدفعًا و388 مدفعًا رشّاشًا، وقد كانت جيوش الدولة العليّة مقسومةً ثلاثة أقسام؛ فالجيش الأوّل الذي يسمّى أيضًا جيش تراقيا يضمّ سبعة فيالق من المشاة بين 12 فرقة نظاميّة و13 فرقة من الجيش الرديف، وكان هذا الجيش تحت قيادة ناظم باشا وكان مُعدًّا لمواجهة البلغار، وأمّا الجيش الثاني الذي يُسمّى جيش مقدونيا فقد كان مؤلّفًا من خمسة فيالق مكوّنة من 14 فرقة مشاة، وكان هذا الجيش تحت قيادة علي رضا باشا، وكان مُعدًّا لمواجهة جيوش بلغاريا واليونان والجبل الأسود، وأمّا الجيش الثالث فهو جيش فادار وكان يتألّف من خمسة فيالق مكوّنة من 18 فرقة مشاة، وكان هذا الجيش مجهّزًا لقتال الصرب، وكان من المخطّط له أن يصل عدد الجيش العثماني في المعركة نحوًا من 598,000 مقاتل، ولكن بطء التعبئة العامّة من الدولة العثمانيّة وسوء أوضاع السكك الحديديّة التي كان يعتمد عليها العثمانيّون حالت دون بلوغهم هذا العدد، بل على العكس فقد وصل عدد الجيش العثماني إلى 200,000 مقاتل فقط.[١٦]

المملكة البلغاريّة

كان لمملكة بلغاريا الجيش الأكبر والأضخم بين جيوش البلقان، فقد كان الجيش البلغاري النظامي يبلغ 61،967 مقاتلًا، بالإضافة للجيش الرديف الذي يبلغ عدده نحوًا من 343,343 مقاتلًا، بالإضافة إلى ذلك ثمّة مجموعتان للرجال الأكبر سنًّا تضمّ الأولى نحوًا من 52،752 مقاتلًا والثانية تضمّ 17،270 مقاتلًا، فبذلك يبلغ عدد الجيش البلغاري قرابة 459,810 مقاتلًا من أصل 4,300,000 نسمة -تقريبًا- يشكّلون مجموع سكّان بلغاريا آنذاك؛ أي: نسبة الجيش آنذاك كانت قرابة 11% من إجمالي عدد السكان، وكان الجيش البلغاري يمتلك 1،116 قطعة مدفعيّة بالإضافة إلى 6 زوارق طوربيد كانت مهمتها حماية المياه الإقليميّة المطلّة على البحر الأسود.[١٦]

المملكة الصربيّة

كانت جيوش صربيا تتألّف من ثلاثة جيوش، فالجيش الأوّل يتألّف من 132,000 مقاتل، والجيش الثاني يضمّ 74,000 مقاتل، والجيش الثالث يضمّ 76,000 مقاتل، بالإضافة لجيش ولواء على الحدود مع المملكة النمساويّة-المجريّة، وقوام ذلك الجيش 25،000 مقاتل، واللواء يتألّف من 12,000 مقاتل، وبذلك يكون مجموع الجيش الصربي 319,000 مقاتل من أصل 2,912,000 نسمة يشكّلون سكّان صربيا بالكامل؛ أي: إنّهم يشكّلون ما نسبته 10.9% من عدد السكان الكامل، ويضم الجيش الصربي 228 مدفعًا أيضًا.[١٦]

مملكة الجبل الأسود

جيش هذه المملكة صغير بالنسبة لجيوش باقي الممالك، ولكن عدد سكّان هذه المملكة لا يتجاوز 250,000 نسمة آنذاك، ومع ذلك فقد حشدت حكومة مملكة الجبل الأسود نحوًا من 44,500 مقاتل؛ أي: نحوًا من 17.8% من إجمالي عدد السكان الفعلي لهذه المملكة، وكان هذا الجيش يمتلك 44 مدفعًا رشّاشًا و118 مدفعًا.[مرجع]مملكة اليونان: كان جيش اليونان مقسومًا جيشين، الجيش الأوّل كان تعداده 100,000 مقاتل، واسمه جيش ثيساليا، وأمّا الجيش الثاني فهو جيش إبيروس، ويتراوح عدده بين 10,000 و13,000 مقاتل، بالإضافة لقوّة بحريّة ضاربة تعدّ الأقوى بين جيوش دول البلقان، وهي التي منعت الإمدادات من الوصول إلى الجيوش العثمانيّة.[١٦]

نتائج حرب البلقان الأولى

لا يمكن أن تمرّ حرب من دون أن يكون لها نتائج تلوح بوضوح لمن ينعم النظر قليلًا تجاه تلك الحادثة، ومن الطبيعي أن يكون للحروب البلقانيّة نتائج كثيرة وواضحة للعيان، ولعلّ في هذه الفقرة توضيح لبعض النتائج التي ترتّبت على الحرب البلقانيّة الأولى، فلقد استطاعت حرب البلقان الأولى أن تفرض نتائجها على أرض الواقع بقوّة، ولا سيّما على الدولة العثمانيّة العليّة، فقد كان للحرب نتائج داخلية ونتائج خارجية، فأما النتائج الداخلية فيمكن القول فيها إنّ بعض التحرّريّين العرب انتهزوا فرصة خروجها من حرب البلقان وهي على تلك الحال، فطالبوها بإجراء إصلاحات في الولايات العثمانيّة العربيّة؛ فقد عُقد في باريس مؤتمر لبعض العرب طالبوا الحكومة العثمانيّة فيه ببعض المطالب، ومنها:[١٨]

  • جعل التعليم في البلاد العربية في القسمين الابتدائي والإعدادي باللغة العربية، وأمّا في التعليم العالي فيكون بلغة الأكثرية.
  • أن يكون شرطًا في رؤساء المأمورين الذين يُعيّنون في البلاد العربية -عدا الولاة- ألا وهو معرفة اللغة العربية.
  • أن تكون خدمة العسكر في الولايات القريبة عليهم، وأمّا أولئك الذين ترسلهم السلطنة إلى حروبها -كحروب اليمن والحجاز- فيجب أن يكونوا مأخوذين بعدل من كل الولايات العثمانية.
  • أن يُعيّن ثلاثة -على الأقل- من أبناء العرب في هيئة الوزارة، ويؤخذ منهم أيضًا عدد مثله مستشارين أو معاونين في النظارات، وكذلك يجب أن يؤخذ منهم اثنان أو ثلاثة في محكمة التمييز وفي كل مجلس من مجالس شورى الدولة ودائرة المشيخة وسائر الدوائر، ويؤخذ أربعة منهم كذلك أو خمسة في مراكز مختلفة أخرى.
  • يجب تعيين خمسة من الولاة -على الأقل- وعشرة متصرّفين من العرب.
  • وكذلك فإنّه -مبدئيًّا- يُقبل أن تكون المعاملات الرسمية في البلاد العربية باللغة العربية.

أمّا القسم الآخر من النتائج التي نتجت عن حرب البلقان في السلطنة العثمانيّة فهي النتائج التي حققتها الدول الأعداء للسلطنة، وأكثر هذه النتائج هي في صالح الدول "العظمى" التي ترعى توازنات العالم، فقد تنبّهت تلك الدول إلى أنّ العالم يسير باتّجاه مرحلة جديدة، فدفع ذلك بعضها لتعزيز قوّته العسكريّة الضاربة، فرفعت ألمانيا تعداد جيشها من 600,000 إلى 900,000 مقاتل، ما جعل فرنسا تخشى ذلك وتعدّ العدّة لرفع عدد جيشها خوفًا من هجوم ألماني محتمل، وكذلك كان من نتائج هذه الحرب أن تنبّهت فرنسا وغيرها من الدول العظمى إلى أملاك الدولة العثمانيّة العربيّة في آسيا، فصارت فرنسا تنظر إلى سوريا بعين الطمع والاحتلال، فكانت فرنسا لا ترضى بأن تُحلّ مسألة آسيا -وتعني مشكلة سوريا التي عقدت من أجلها مؤتمرًا في باريس- إلّا بالاتفاق معها، كونها كانت ترى نفسها وصيّة على سوريا، وكذلك صارت بعض الدول تنظر بعين الطمع والاحتلال -أو الاستعمار- إلى الأستانة، وهذا ما زاد من خوف العثمانيين على بلادهم،[١٩] ومن نتائج هذه الحرب كذلك قيام دولة ألبانيا المستقلة عام 1912م، وقد اعتُرِف بها دوليًّا بعد الحرب العالميّة الأولى، وقد أُعلنت دولة مستقلّة عام 1925م.[٢٠]

تاريخ حرب البلقان الثانية

بدأت حرب البلقان الثانية على أنقاض الحرب الأولى، وسبب ذلك أنّ دول البلقان قد اختلفت فيما بينها في تقسيم الغنائم التي كسبتها من الدولة العثمانيّة، فقد أرادت بلغاريا أن تحوز نصيب الأسد من تلك الغنائم، بينما اعترضت اليونان وصربيا والجبل الأسود -مونتنيغرو- ورومانيا على ذلك، وبدأت الحرب حينما أرادت بلغاريا ضم مقدونيا إلى أملاكها، وكانت مقدونيا مقسومة بين صربيا واليونان، فهاجمت بلغاريا اليونان وصربيا من دون إعلان الحرب، وعندها أعلنت رومانيا الحرب على بلغاريا في العاشر من تموز يوليو عام 1913م، وبعدها بثمانية أيّام انضمّت السلطنة العثمانيّة للحرب على البلغار واشتركت في المعركة طمعًا في استعادة شيء ممّا خسرته في حرب البلقان الأولى، وقبل هجوم بلغاريا كانت اليونان قد وقّعت معاهدة دفاع مشترك ضدّ الخطر البلغاري المحتمل؛ ذلك أنّ نيّة البلغاريّين في شنّ هجوم على دول البلقان الأخرى كانت واضحة ربّما، أو ربّما كان هذا التحالف السريّ ضربًا من الاحتراز من المجهول.[٢١]


وفعلًا قد أثمر هذا التحالف وأدّى إلى دحر الهجوم البلغاري، وتوغّلت القوّات الصربيّة داخل بلغاريا محقّقة مكاسب جديدة، وأمّا قوات رومانيا فقد وصلت إلى صوفيا عاصمة بلغاريا، وأمّا العثمانيّون فقد رأوا في ذلك فرصة لا تعوّض لردّ بعضًا ممّا خسروه في الحرب البلقانيّة الأولى، وأمام هذا الضّغط على بلغاريا لم تجد بدًّا من طلب النجدة من الإمبراطوريّة النمساويّة-المجريّة فطلبت بلغاريا هدنة انتهت بتوقيع معاهدة بوخارست التي تنازلت بموجبها بلغاريا عن معظم مكاسبها في حرب البلقان الأولى لصالح رومانيا واليونان وصربيا والدولة العثمانيّة، وكذلك قد أجبرت المملكة النمساوية-المجرية صربيا على أن تُعيد لبلغاريا بعض الأراضي التي استولت عليها، ما أجّج الحقد في قلوب الصرب الذين هبّ رجلٌ منهم واغتال وريث عرش المملكة النمساويّة-المجريّة الأرشيدوق فرانس فرديناند في مدينة سراييفو في البوسنة والهرسك يوم 28 حزيران يونيو في عام 1914م، الأمر الذي أدّى لإشعال فتيل الحرب العالميّة الأولى، وأمّا بالنسبة للدولة العثمانيّة فقد استعادت أدرنة وشرقي تراقيا،[٢١] وكذلك انتهت هذه الحروب بظهور دولة ألبانيا آخر الدول البلقانيّة ظهورًا على الخريطة العالميّة.[٢٢]

الأطراف التي شاركت في حرب البلقان الثانية

بعد أن فرغت دول البلقان من حربها مع عدوّها المشترك الذي وحّدها في أعجوبة من أعاجيب ذلك الوقت بعد الحروب الطاحنة التي خاضها البلقانيّون بين بعضهم بعضًا، فبعد أن انتهت حرب البلقان الأولى اختلفت الدول البلقانيّة في مسألة تقاسم الأسلاب التي أخذوها من الدولة العثمانيّة، وعلى رأسهم كانت بلغاريا التي كان لها شأن عظيم في الحرب ضد العثمانيين فاعتقدت أنّها صارت دولة عظمى، فطالبت بأن تكون مقدونيا لها، وفجأة ومن دون سابق إنذار هاجمت بلغاريا اليونان وصربيا لتنتزع منهم مقدونيا التي كانت مقسومة بين صربيا واليونان،[٢٣] ولكن استطاع الجيشان الصربي واليوناني دحر الجيش البلغاري وصدّه والتوغل بعد ذلك داخل بلغاريا، وقد وجدت بعض الدول في هذه الحرب فرصة سانحة لتحقيق بعض المكاسب أو لاستعادة ما فُقِدَ منها، فدخلت رومانيا الحرب، وبعدها بأيّام قليلة أعلنت الدولة العثمانيّة دخول الحرب، وكلّهم كانوا ضدّ بلغاريا، وتفصيل الجيوش التي شاركت في الحرب فيما يأتي:[٢٢]

  • جيش مملكة بلغاريا: كان جيش مملكة بلغاريا يتراوح بين 500,000 و576,000 مقاتل تقريبًا.
  • جيش مملكة صربيا: كان عدد جيش مملكة صربيا يبلغ نحوًا من 348,000 مقاتل.
  • جيش مملكة رومانيا: بلغ عدد جيش مملكة رومانيا نحوًا من 330,000 مقاتل.
  • جيش مملكة اليونان: بلغ عدد جيش مملكة اليونان نحوًا من 148,000 مقاتل.
  • جيش مملكة الجبل الأسود: بلغ عدد المقاتلين في جيش مملكة الجبل الأسود نحوًا من 12,802 مقاتل.
  • جيش الدولة العثمانيّة: وأمّا الدولة العثمانيّة فقد بلغ عدد جيشها المشارك في حرب البلقان الثانية نحوًا من 255,000 مقاتل.

وقد كانت نهاية الحرب بخسارة ساحقة لبلغاريا التي بغت على إخوانها البلقانيين، وبلغ مجموع خسائرها ما بين جرحى وقتلى في الحرب وقتلى بسبب الأمراض والأوبئة نحوًا من 93,000 قتيل وجريح، بينما بلغ عدد القتلى والجرحى في صفوف الدول التي أعلنت الحرب عليها نحوًا من 91,000 مع أنّ عدد جيوشها قد بلغ قرابة المليون و93,000 مقاتل.[٢٢]

نتائج حرب البلقان الثانية

لقد كانت الحرب البلقانية الثانية بين دول البلقان أنفسهم من أجل تقاسم أسلاب الدولة العثمانيّة التي غنموها منها، فكان من نتائجها أن انتزعت الدول العظمى أجزاءً ممّا كان يقع تحت حكم بلغاريا -ممّا غنمته في حرب البلقان الأولى- وأعطته لصربيا واليونان[٢٤]، وكذلك أجبرت المملكة النمساويّة-المجريّة صربيا أن تعيد بعضًا من أراضيها لبلغاريا، وهذا الفعل أجّج الحقد في قلوب الصرب،[٢١] ولذلك فقد أقدم أحد الطلّاب الصرب في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك على اغتيال وريث العرش النمساوي الأرشيدوق فرانز فرديناند، وهذه الحادثة كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير وأشعلت الحرب العالميّة الأولى[٢٥]، تلك الحرب التي استمرّت أربعة أعوام من عام 1914م إلى عام 1918م وراح ضحيّتها أكثر من 9 ملايين إنسان[٢٦]، وقد أطلقت الدولة العثمانيّة على النفير العام من أجل الحرب العالمية الأولى اسم "سفر برلك"، وهذا باختصار ما يمكن قوله حول نتائج الحرب البلقانية الثانية، والله أعلم.[٢٧]

المراجع[+]

  1. مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف، الموسوعة التاريخية، صفحة 239. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "البلقان"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-06. بتصرّف.
  3. موقع الإسلام، تعريف بالأعلام الواردة في البداية والنهاية لابن كثير، صفحة 87. بتصرّف.
  4. ج.آ.س غرنفيل (2012)، الموسوعة التاريخية العسكرية الكبرى لأحداث القرن العشرين (الطبعة 1)، بيروت:الدار العربية للموسوعات، صفحة 101، جزء 1. بتصرّف.
  5. "حروب البلقان"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-06. بتصرّف.
  6. "أسباب الحرب البلقانية"، www.hindawi.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-08. بتصرّف.
  7. مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف، الموسوعة التاريخية الدرر السنية، صفحة 284. بتصرّف.
  8. "عبرة الحرين"، مجلة المقتبس، العدد 89، صفحة 11. بتصرّف.
  9. يوسف البستاني، تاريخ حرب البلقان الأولى بين الدولة العليّة والاتحاد البلقاني (الطبعة 1)، القاهرة:مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، صفحة 29. بتصرّف.
  10. يوسف البستاني، تاريخ حرب البلقان الأولى بين الدولة العليّة والاتحاد البلقاني (الطبعة 1)، القاهرة:مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، صفحة 32. بتصرّف.
  11. مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف، الموسوعة التاريخية الدرر السنية، صفحة 289. بتصرّف.
  12. كامل بن حسين الحلبي الشهير بالغزي، نهر الذهب في تاريخ حلب (الطبعة 2)، حلب:دار القلم، صفحة 414، جزء 3. بتصرّف.
  13. يوسف البستاني، تاريخ حرب البلقان الأولى بين الدولة العليّة والاتحاد البلقاني (الطبعة 1)، القاهرة:مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، صفحة 25. بتصرّف.
  14. يوسف البستاني، تاريخ حرب البلقان الأولى بين الدولة العليّة والاتحاد البلقاني (الطبعة 1)، القاهرة:مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، صفحة 35. بتصرّف.
  15. يوسف البستاني، تاريخ حرب البلقان الأولى بين الدولة العليّة والاتحاد البلقاني (الطبعة 1)، القاهرة:مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، صفحة 45. بتصرّف.
  16. ^ أ ب ت ث ج ح خ "حرب البلقان الأولى"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-06. بتصرّف.
  17. "حروب البلقان"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-06. بتصرّف.
  18. يوسف البستاني، تاريخ حرب البلقان الأولى بين الدولة العليّة والاتحاد البلقاني (الطبعة 1)، القاهرة:مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، صفحة 187. بتصرّف.
  19. يوسف البستاني، تاريخ حرب البلقان الأولى بين الدولة العليّة والاتحاد البلقاني (الطبعة 1)، القاهرة:مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، صفحة 190. بتصرّف.
  20. مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي (الطبعة 1)، صفحة 10، جزء 11. بتصرّف.
  21. ^ أ ب ت "حرب البلقان الثانية"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-06. بتصرّف.
  22. ^ أ ب ت "حرب البلقان الثانية"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-06. بتصرّف.
  23. يوسف البستاني، تاريخ حرب البلقان الأولى بين الدولة العليّة والاتحاد البلقاني (الطبعة 1)، القاهرة:مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، صفحة 199. بتصرّف.
  24. مجموعة مؤلفين، مئة عام على الحرب العالمية الأولى مقاربات عربية، صفحة 300. بتصرّف.
  25. "حادثة سراييفو "، sites.google.com. بتصرّف.
  26. "الحرب العالمية الأولى.. الأسباب والأطراف والخسائر"، www.aljazeera.net. بتصرّف.
  27. "ما هو السفر برلك (نفير عام 1914)"، www.arageek.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-20. بتصرّف.