من هم التتار

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٥٨ ، ٣ نوفمبر ٢٠١٩
من هم التتار

معنى كلمة تتار

كلمة تتار كلمة غير محدّدة الدلالة، فهي عند الصينيين تعني البدو والبداوة، وأحيانًا الفروسية، أما في اللغة التركية القديمة فتستخدمة كلمة تتراي، وتعني الفارس صاحب البريد، وتعني عند الأتراك أيضًا الأنفة والرفعة والإباء. وسواءً في الصينية أم التركية، فقد ارتبط معناها بالفروسية والشجاعة، التي تحتاجها حياة القبائل التي سمّيت بهذا الاسم، وتتناسب مع نمط حياتهم التي عاشوها في الفترات الأولى من ظهورهم كقبائل ذات سيطرة وسيادة في المسرح السياسي العالمي.[١] أما هذه المقالة، فستتناول التعريف بهم، من خلال الإجابة عن سؤال: من هم التتار.

من هم التتار

في الإجابة عن سؤال: من هم التتار، فيظهر أنهم عند العرب مجموعة من القبائل المغولية، التي غزت المشرق العربي، وبلادًا إسلامية أخرى خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وقد ورد ذكرهم عند ابن خلدون باسم التَّغزعز. أمّا من هم التتار في مفهوم الأوروبيين أو الصينيين، فالأوروبيون يسمونهم بالتَّارتار، والصينيون يسمونهم بالتَّاتا بحذف حرف الراء.[١] ويعرّف من هم التتار في التوركية القديمة بالتارتار؛ أي جماعة عرقية توركية تقطن شرق أوروبا وشمال آسيا. وهم السكان الأصليون في منطقة الفولكا في روسيا المعروفة باسم تتارستان وبشكورتوستان. ويعيش أغلب التتار في روسيا الاتحادية، بتعداد 5.5 مليون نسمة، منهم 2 مليون في جمهورية تتارستان، 1 مليون في جمهورية بشكورتوستان و 2.5 مليون في مناطق متفرقة من روسيا، وبعد فك الاتحاد السوفيتي، عاش التتار في دول مستقلة حديثًا، مثل أوزبكستان، وقزخستان وأوكرانيا.[٢]

السمات العرقية للتتار

عند الإجابة عن سؤال: من هم التتار، يجد الباحث أن هناك فرقًا بين التّتار والمغول، إلا أن التتار يمتازون بذات الملامح العرقية المغولية المتمثلة في القامة قصيرة حتى المتوسطة، وجذع أطول من الأطراف والعجز كبير. كما يمتاز التتار بأكتاف و‌رؤوس عريضة، ولهم وجوه مسطحة واسعة بأنف صغيرة وجباه كبيرة. تملأ خدودهم بروز ونتوء، أمّا الفم فلهم أضراسهم قليلة النتوء وقواطع مجرفية الشكل، والفك الأسفل واسع عريض. تمتاز عيونهم بالضيق والشكل الموزي، ولونهن الأسود في محاجر كبيرة، وفوقها أجفان شحمية ثقيلة. للتتار أجسام ووجوه ملساء تكاد تخلو من الشعر، وشفاه رقيقة، وبشرة بيضاء مصفرة مائلة للسمرة في المناطق الجافة والصحراوية الباردة. ولم يمنع هذا من اتسام بعضهم بسمات الأوربيين بعد سكنهم في مناطق جديدة من أوروبا، فأصبحت قامتهم أطول، وتلونت عيونهم، وتَلَوّن شعرهم من اللون الأسود إلى الشعر البني والأشقر والأحمر.[١]

كما يمكن قراءة في من هم التتار، تغير ملامح وجههم الأصلية، حتى بات من الصعب تمييزهم من الأعراق الأخرى. وقد تشكلت كل هذه السمات العرقية من امتزاج جماعات بشرية من سالف الزمان مع التَّتار بعد أن خضعوا لهم. ويرى ملبترون عندما يتحدث عن من هم التتار، أنهم أربع طوائف كبيرة تضم قرابة ست عشرة قبيلة ومن أهمها: أتراك تركستان، وتركمان شرق بحر الخزر "قزوين" و‌آسيا الوسطى و‌أرمينيا، والأوزبك، والبخاريون، وأتراك قرمان الذين أتوا من تركستان، والعثمانيون وأتراك الأناضول و‌قسطنطينة من تركستان، وتتار القرم الذين انضمت إليهم شعوب مجاورة للقرم مثل الكرج، وهم: الجيورجيون والأباضة و‌الشركس، الذين يشكلون مجموعة الشعوب القفقاسية الأصلية، ولا ينتمون بأي صلة لغوية أو إثنية إلى العنصر الطوراني المغولي. بالإضافة إلى قبار التتار القفجاق-قازان وتترأوفا و‌البلغار والبشكير، والقيرغيز، وأهل سيبيريا وكراسنارسك، والياقوت وغيرهم.[١]

الغة التتارية والديانة

عند التعريف بمن هم التتار، فهم قوم يتحدثون لغة الكيبجاك وهي لغة خاصة بهم، متفرعة من التركية المنتمية للعائلة الألتاوية التي تضم: المجموعة التّركية، والأوزبيك الأوربكية، والكازاخ الكازاخية، والتّتار التّترية، والأذربيجان الأذرية، والتّركمان التّركمانية، والقيرغيز القيرغيزية. أما الديانة التتارية قديما فهي الديانة البوذية، ودياناتهم الطوطمية، فقد عبد بعضهم الظواهر الطبيعة كالريح وصواعق والرعد، وعبدوا الحيوانات كالخنزير والذئب، كما عبدوا الشمس، وعبدوا النار، وبعضهم كانوا مسيحيين.[١] كما يظهر عند البحث عن من هم التتار وما ديانة التتار، أن جنكيز خان وضع للتتار دستورًا دينيًا عجيبًا سماه "الياسة" أو "الياسك" أو "الياسق"، وهو خليط من شرائع العبادات السابقة بالإضافة إلى الشرائع الإسلامية.[٣]

وبالإجابة عن من هم التتار، يقرأ القارئ أنه مع الفتح الإسلامي، واجتياح أعداد كبيرة منهم المشرق العربي، واحتكاكهم بالمسلمين، اعتنق الكثير منهم الإسلام وخاصة المذهب السني، وزادت نسبة اعتناقهم الإسلام بعد اعتناق بركة خان حفيد جنكيزخان الإسلام.[١]

حروب التتار

إن للقارئ حول من هم التتار أن يجد معنى اسمهم الشجاعة والفروسية، ولكن سيجد أن اسمهم قد ارتبط بالخراب والتدمير الدائم والدموية والوحشية، فقد عرف التاريخ غزو التتار لكثير من دول المشرق العربي وغيرها، وكان غزوهم غزوًا تخريبيًّا غير طبيعي، فأينما وجد الدمار والتخريب، عُرف من هم التتار، وقد امتاز غزوهم بسرعة انتشاره وانتشارهم الرهيبة، وأنه غزو عظيم محكم الترتيب والتنظيم، يضمّ أعدادًا هائلة من البشر، لديهم القدرة على تحمل الصعاب، وأنهم كانوا دائما يتحلون بقيادات عسكرية بارعة، ولا يملكون قلبًا ولا رحمة بالبلاد التي دخلوها ولا على عبادها؛ فكانوا كلما دخلوا مدينة دمروها عن بكرة أبيها، ولم يفرقوا بين محارب ومسالم، أو بين رجل أو امرأة أو رضيع. كما عُرف عنهم بنقض العهد والمواثيق من قيام امبراطوريتهم حتى سقوطها.[٤]

التتار وجنكيز خان

تذكر عددًا من المراجع عند الحديث عن من هم التتار، أن الاسم الأصلي لجنكيز خان الذي يعني قاهر العالم، هو "تيموجين"، ووالده هو "يسوغي أو يسوكاي"، وكان والده زعيم قبيلة "قيات" المغولية التي خاضت حروبًا عديدة مع التتار إلى أن قتل زعيمهم "تيموجين"، وعندما عاد "يسوغي" إلى قبيلته وجد زوجته قد أنجبت طفلا في يده قطعة من الدم، وفي ثقافة المغول يعني ذلك أن المولود سيصبح قائدًا مُنتصرًا في حروبه المُستقبيلة، فسمّى "يسوغي" ابنه "تيموجين" تيمنًا بزعيم التتار الذي قتله قبل عودته.[٥]

كانت هضبة آسيا الوسطى مُقسمة إلى عدد من القبائل، هي: التتار، والميركيت، والنايمان، وخاماق المغول، والكراييت"، وكانت قبائل متنازعة مُستقلة بذاتها. بدأ ظهور تيموجين في السلطة عندما أقام تحالفًا مع صديق والده "طغرل" زعيم قبيلة الكراييت، وفي عام 1206، عمل جنكيزخان على إصلاح الشؤون الداخلية في بلاده، فأقام مجلسًا للحكم عُرف "بقوريلتاي"، وفيه تحددت علامات ملكه، ونظّم إمبراطوريته، ووضع لشعبه دستوراً مُحكماً سُمّي "قانون الياسة" لتنظيم الحياة. فيما بعد انقطعت العلاقة بين تيموجين "وطغرل"؛ إذ رفض "طغرل" تزويج ابنته "لجوتشي" ابن تيموجين الأكبر، مما يدل على عدم الاحترام في الثقافة المنغولية، مما أدّى ذلك إلى قيام حرب بين الزعيمين، وتحالف طغرل مع جاموقا الذي كان يُعارض تيموجين.[٥]

فكر جنكيز خان في اسقاط الخلافة العباسية في العراق، فقرر التمركز في المنطقة الشرقية من الدولة الإسلامية المعروفة بالدولة الخوارزمية، ومنها أفغانستان وأوزبكستان، لتكون قواعد إمداد ثابتة للجيوش التترية. كان جنكيز خان قد عقد عهدًا مع محمد بن خوارزم شاه ملك دولة خوارزم على حسن الجوار، إلا أن جنكيز خان ما لبث أن نقض العهد، بعد أن استغل حادثة ساعدته على هذا النقض، عندما قام حاكم "أوترار" الإسلامية في دولة خوارزم شاه، بقتل تجار مغول وصلوا المدينة. وقيل أن هذا الفعل كان بقصد استثارة التتار للحرب -والحديث عم من هم التتار هنا فيقصد منهم المغول كما عرفهم العرب-، فدخل خوارزم شاه إلى تركستان، التي كانت في ملك التتار آنذاك. ومن المؤرخين من يقول أن جنكيز خان أرسل رجاله إلى أرض المسلمين ليقتلوا تجار التتار هناك، ليكون ذلك سبيلا لجنكيز خان ليجتاح بلاد المسلمين، خاصة بعد رفض خوارزم شاه تسليم القتلة إلى جنكيز خان.[٦]

وعند الإجابة عن سؤال من هم التتار، يقرأ القارئ قيام جنكيز خان بالغزو التتري الأول على الدولة الخوارزمية التي كانت بزعامة محمد خوارزم شاه، وكانت الدولة آنذاك ذات سيادة ذاتية منفصلة عن الخلافة العباسية في العراق، ولم تكن على وفاق مع الأتراك والسلاجقة ولا الغوريين في الهند، فساعدت تلك الفرقة على اجتياح الدولة الخوارزمية، فبدأ جنكيز خان ببخارى بلدة الإمام البخاري فسلب وحرق وقتل وسفك الدماء فيها حتى هلكت بخارى في سنة 616 هـ. وبعد ذلك اتجه إلى سمرقند وحاصرها، وبخدعة منه أخرج 70 ألفًا من أهلها المقاتلين له خارجها وقتلهم دفعة واحدة، ومن ثم عادوا لحصار سمرقند، وأعطوا الأمان الوهمي لجيش سمرقند النظامي، وبعد أن أمّن لهم الجيش، وفتح لهم أبواب المدينة، دخلوها وأعاثوا فيها الفساد والدماء وانتهكوا حرمة المسلمين في ديارهم، ونسائهم، وأموالهم، ومن ثم استقر جنكيز خان فيها، لما كانت تمتلكه هذه الدولة من ثروات طبيعية وغيرها، واستمرت جيوشه في اجتياح بلاد المسلمين، فاجتاحوا نيسابور ثم فارس وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا وخراسان حتى وصلوا خوارزم وأعاثوا فيها الفساد.[٧]

التتار ومعركة عين جالوت

تعدّ معركة عين جالوت من أهم المعارك التاريخية التي لا بد أم يتناولها الحديث عن من هم التتار؛ لأنها المعركة التي كسرت شوكة التتار في العالم الإسلامي في المشرق، فبعد أن اجتاح جنكيز خان دولة الخوارزميين وخرّب وقتّل فيها، حكم مونكو خان إمبرطورية المغول عام 1251 م وفعل الفعل نفسه في الدولة العباسية؛ فقد قاد هولاكو جيشا قوامه 120 ألف مقاتل نحو الشام مع حلفائه من أمراء جورجيا وأرمينيا، فاجتاحوا مدينة ميافارقين في ديار بكر، فقاومتهم ميافارقين مقاومة عنيفة استمرت لعامين أما حصار المغول، إلى أن استسلم أهلها بعد نفاذ المؤن وموت معظم السكان، فدخلها المغول، وارتكبوا مجازر في شعبها، وقبضوا على حاكمها الكامل محمد الأيوبي وقطعوا جلده وأعطوه له ليأكله إلى أن مات، فقطعوا رأسه وحملوه على أسنة رماحهم تشفيًا وانتقاما منه لصموده وبطولته.[٨]

وبإجابة سؤال: من هم التتارر، فقد اتجه المغول بعد ميافارقين إلى حلب فدخلوها وأفسدوا فيها، ثم توجهوا إلى دمشق 658هـ في الوقت الذي وصل فيه خبر موت الخاقان الأعظم للمغول منكو خان أخو هولاكو في قراقورم، فاستدعي أولاد جنكيز خان وأحفاده إلى مجلس الشورى المغولي لانتخاب الخان الأعظم الجديد للإمبراطورية؛ فرجع هولاكو الذي كان أحد المؤهّلين للعرش بمعظم جيشه إلى فارس، وترك خلفه جيشا في بلاد الشام دده يزيد على عشرين ألف جندي بقيادة ضباط اسمه كتبغا نوين النسطوري. دخل كتبغا دمشق في ربيع الأول 658 هـ بعد أن أعطى الأمان لأهلها، ولكنه وجيشه خربوها، وانتقلوا بعدها إلى بيت المقدس واستولوا عليها وعلى غزة والكرك والشوبك بعد أن تحالف حاكمها المغيث عمر مع المغول.[٨]

وعند الحديث عن من هم التتار، يُحكى عن المماليك الذين حكمهم المنصور نور الدين علي بن المعز أيبك في ذلك الوقت، وكان صغيرا يبلغ ال15 عشر من عمره، فقام السلطان المظفر سيف الدين قطز بخلعه تجهّزًا للتوحد ضد الخطر المحيط بالدولة المملوكية بشكل خاص والمسلمين بشكل عام، بعد أن كان الخوف من التتار مستشريًا في جميع طبقات المجتمع الإسلامي، فأدرك قطز ذلك وعمل على رفع الروح المعنوية لدى المسلمين، واستمالإلى جانبه بيبرس البندقداري مناصرًا سياسيا له من بلاد الشام فكان له دور كبير في قتال التتار فيما بعد. وكان هولاكو قبل عودته قد راسل قطز، وهدده وخوّفه وتوعّده، وطالبه بالاستسلام والتسليم للمغول، إلا أنّ قطز رفض ذلك، وقرر مواجهتمهم في معركة حامية الوطيس.[٨]

اقتتل المسلمون بقيادة قطز وقائد جيوشه الظاهر بيبرس، مع التتار بقيادة كتبغا في منطقة عين جالوت في فلسطين في 25 رمضان 658 هـ، وهُزم الجيش المغولي وسقط كتبغا صريعا مجندلا على الأرض، وكانت المعركة انتصارًا كبيرًا للمسلمين. وسجل التاريخ في هذه المعركة تمكن فرسان الخيالة الثقيلة للجيش المصري من هزيمة المغول في القتال القريب، واستخدم الجيش المصري المدفعية بشكلها البدائي لتخويف خيل المغول وارباك الخيالة وخلخلة التنظيم العسكري المغولي بالمعركة.[٨]

وفي الحديث عن من هم التتار، فقد كانت نهاية التتار ونهاية المغول في هذه المعركة؛ إذ لم يهزموا في معركة قط قبلها. كان بركة خان زعيم القبيلة الذهبية في روسيا قد أسلم أيام الغزو المغولي لبلاد المسلمين، وقد تأثر كثيرا لسقوط الدولة العباسية على يد ابن عمه هولاكو، وكان يتحين الفرصة للانتقام منه، فتحالف بركة خان الظاهر بيبرس وجهزز جيوشه واتجه إلى بلاد الشام، ولاقى هولاكو هناك وهزِمه، ذلك أن هولاكو لم يستطع إرسال كامل جيشه للشام للانتقام من هزيمتهم في عين جالوت بسبب بركة خان. وبعد ذلك دانت المناطق الشمالية في أغلبها من الإمبراطورية المغولية لبركة خان واستمرت سلالته وهي القبيلة الذهبية في حكم في روسيا واواسط آسيا لمدة تزيد عن الـ200 عاما، أما سلالة هولاكو وهي الخانات فحكمت 91 عامًا حتى سقوطها عام 1351 م.[٨]

التتار من غزاة إلى دعاة

في جواب سؤال: من هم التتار، يقرأ الباحث كيف نقل التتار الإسلام إلى شمال أوروبا، وروسيا الأوروبية وفلندا وبولندا وشبه جزيرة اسكندنافيا، ومن الدول التي تنسب إليهم تتارستان التي احتلها الروس عام 1552م وأَجْلوا أهلها من قازان العاصمة ليحلوا محلهم ، إلا أن التتار تمسكوا بعقيدتهم وصمدوا أمام قياصرة روسيا أربعة قرون، فبعد استيلاء السوفييت على الحكم واجه التتار المسلمون حربًا قاسية على دينهم ومعتقداتهم، وأغلقت مدارسهم، ودمرت مكتباتبهم ومطابعهم في قازان، إلى أن جاء سلطان علي أوغلي ونادي بتوحيد المسلمين في روسيا في دولة واحدة تتحد مع الاتحاد السوفيتي، فقبض عليه سنة 1923م، وأعدم 1927م. ويقول مفتي الديار التتارستانية غوسمان: "ينتشر الإيمان في دمنا وعظامنا، يمكنك أن تخلع عن الواحد منا ثيابه وأن تلقيه في غياهب السجون، لكنك لا تستطيع أن تنتزع منه إيمانًا يمارس من ألف عام". كما يقول: "الناس هنا ليسوا ملحدين، على رغم أن ثلاثة أجيال نشأت تحت الحكم السوفياتي، بل هم يجهلون دينهم واليوم يعود كثيرون منهم إلى الاهتمام بالإسلام".[٩]

وعند البحث عن من هم التتار، يجد الباحث أن العالم شهد صحوة إسلامية للتتار في عديد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي، ومنها جمهورية تتارستان التي تشهد أكبر تجمع للتتار فيها، فنصف سكانها من التتار المسلمين، وتكثر في الجمهورية المساجد، فزادت عدد المساجد من مسجد واحد في عهد البيرويسرويكا إلى ألف مسجد اليوم، بالإضافة إلى مسجد قولف شريف الكبير في ساحة الكرملين في قازان، على بعد خطوتين من الكاتدرائية الأرثوذكسية. كما أنشأ التتار العديد من المدارس الدينية التقليدية، التي يتعلمون فيها تعاليم الإسلام.[٩]

التتار من مجد المغول إلى قهر الروس

عند البحث عن من هم التتار حديثًا، فلا يظهر اسمهم إلا وقد ارتبط باسم آخر، وهو شبه جزيرة القرم؛ وهي جمهورية تتمتع بحكم ذاتي في حدود جمهورية أوكرانيا؛ حيث تقع جنوب أوكرانيا ويحيط بها البحر الأسود من الجنوب والغرب، ومن الشرق يحيطها بحر أزوف. يشكل الروس 50 % من سكان الجمهورية، و30% من الأوكرانيين، أما البقية، وهم 20% فهم من التتار المسلمين الذين أقاموا فيها من زمن بعيد. وكانت مدينة "بخشراي" عاصمة شبه جزيرة القرم في الوقت الذي كانت خاضعة فيه لحكم خانات التتار. وكلمة القرم باللغة التتارية تعني القلعة، وتمتاز بموقعها الاستراتيجي الذي يحوي الثروات الطبيعية، كالبترول، والغاز الطبيعي، والفحم الحجري، والنحاس، والمنغنيز، والحديد، والرصاص. بالإضافة إلى الثروة الزراعية كالقمح، والمياه المعدنية العلاجية، والفواكه.[١٠]

وبالحديث عن من هم التتار، فقد أقام التتار المسلمون في شبه جزيرة القرم، واكتسحوا مساحات واسعة من آسيا وأوروبا بزعامة المغول في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي. وقد أقام باطوخان حفيد زعيم المغول جنكيز خان القبيلة الذهبية التي أسست إمارة القبشاق إحدى ممالك المغول الكبرى، التي حكمت أجزاء واسعة من روسيا وسيبيريا، وكانت مدينة سراي في الفولكا عاصمة لها، وأجبروا دوقية موسكو على دفع الجزية، واستوطن التتار شبه جزيرة القرم وسيطروا عليها، واتخذت الجزيرة الديانة الإسلامية دينًا لها عام 1314هـ . وسيطر الأتراك العثمانيون على أجزاء من إمارة التتار؛ في حين سيطر القيصر الروسي إيفان الرابع على أجزاء أخرى، وتحولت الإمارة الكبرى إلى ثلاث إدارات هي استراخان وقازان والقرم.[١٠]

ويظهر اسم الحاج دولت خيري أو كيراي في الحديث عن من هم التتار، وقد حكم إمارة القرم عام 1428م، ثم خلَّفه ابنه الثاني في الحكم بمساعدة البولنديين، إلى أن قتله الأخ السادس منجلي واستولى على حكم الإمارة بمساعدة الجنيزوف، وحكم من عام 1466- 1515م، إلى أن خضعت الإمارة لحكم الدولة العثمانية عام 1521م. وعندما حكم محمد خيري حاصر موسكو، وأجبر حاكمها واسيلي على دفع الجزية، وفتح دولت خيري موسكو عام 1571م، إلى أن قام بطرس الأول بمحاصرتها عام 1678م وأسقطها في عهد الإمبراطورة آنا أوانوفنا عام 1736م، واحتلت الجيوش الروسية عاصمة القرم بخشراي، وأحرقت الوثائق التي كانت رمزًا لتاريخ الشعب التتري، وذبّحوا من فيها تحت شعار "من غير انتظار ولا عودة يجب محو التتار من هذه الأرض" في أبشع مذبحة وقعت عام 1771م، وقتل في تلك المذابح أكثر من 350 ألف تتري.[١٠]

استمرت أطماع الروس في القرم من بعد حرب القرم 1853، فعذّبت روسيا القيصرية الشعب التتري، وصادرت أراضيهم ومنحتها لمواطنيها، وصادرت المساجد والمدارس، وفرّ مليون وعشرين ألفا من التتار إلى تركيا، وهجّر البيقية منهم إلى المناطق الخاضعة لروسيا. في عام 1917 قامت الحركة الشيوعية بثورتها في موسكو، وعلى إثرها أعلن تتار القرم عن قيام جمهوريتهم المستقلة برئاسة نعمان حيجي خان، إلا أن الشيوعيين ما لبثوا أن أسقطوا الحكومة، وأعدموا نعمان خان وألقوا بجثته في البحر. وفي عام 1920م أعلن الاتحاد السوفييتي عن قيام جمهورية القرم بحكم ذاتي، وعندما حاول ستالين إقامة كيان يهودي في القرم عام 1928م، ثار عليه التتار فأعدم منهم 3500 شخصًا، وبالإضافة إلى أعضاء الحكومة المحلية ورئيس الجمهورية ولي إبراهيم. وفي عام 1929م نفي أكثر من 40 ألف تتري إلى منطقة سفر دلوفسك في سيبيريا، ومات منهم 60 ألف شخص في مجاعة القرم عام 1931م.[١٠]

اتبعت الحكومة الروسية سياسات التهجير والقتل والطرد مع التتار فيما عرف بمأساة تتار القرم في حكم القياصرة والبلاشفة، وجند ستالين 60 ألف تتري عام 1941 لمحاربة النازيين، وهجَّر النازيون عند استيلائهم على القرم 85 ألف تتري إلى معسكرات حول برلين؛ لاستخدامهم في أعمال السُخرة. كما اتهم ستالين التتار بالتعاون مع النازيين الألمان، فهجر 400 ألف تتري عام 1944م في قاطرات نقل المواشي إلى أنحاء متفرقة من الاتحاد السوفييتي خاصة سيبيريا وأوزبكستان. وبلغ به اضطهاد التتار المسلمين إلى حرق المصاحف والكتب إسلامية، وأعدموا أئمة المساجد، وحولت المساجد إلى دور سينما ومخازن. وفي 20 يونيو 1946م ألغى مجلس السوفييت جمهورية القرم ذات الاستقلال الذاتي، وذلك كما ورد في القرار لخيانة شعب القرم لاتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية، وفي عام 1967م ألغى مجلس السوفييت الأعلى قراره السابق باتهام شعب القرم بالخيانة، إلا أنه مع ذلك لم يسمح لهم بالعودة إلى وطنهم.[١٠]

عاد التتار إلى جزيرة القرم عام 1985، عندما أعلن غورباتشوف آخر زعيم للاتحاد السوفييتي برنامجه الإصلاحي، تحت شعار "إعادة البناء بريسترويكا"، ولكنهم عادوا دون أية حقوق، إلى أن نالت أوكرانيا استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991م، فعقد التتار مؤتمرهم الأول في 26 يونيو 1991م في مدينة سيمفروبل؛ وأعلنوا فيه تأسيس المجلس الأعلى لتتار القرم كممثل للشعب التتري، وانتخب "مصطفى جميل" رئيسًا للمجلس، فطالب بحقوق شعبه تحت شعار "لقد عادت إلينا شخصيتنا الإسلامية التي لا يمكن أن نفرط فيها، إننا مسلمون وسنبقى مسلمين، وسنعمل جاهدين على تعلُّم ديننا"، وبهذا يعرف من هم التتار بأنهم قوم متمسكون بدينهم، ساعون لرفعته، يبذلون الجهود لاستعادة مكانتهم وشخصيتهم التي حاولت روسيا القيصرية طمسها سابقا.[١٠]

الحضارة التترية

الحضارة التترية من أهم الأمور التي يمكن أن يطلع عليها القارئ في قراءته حول من هم التتار، فقد اعتمدت حضارتهم بداية على الرعي، إذاا كانوا بداة متنقلين، وبعد ذلك انتقلت معيشتهم للاعتماد على الزراعة، وإلى جانب ذلك اعتمدت الحضارة التترية على الصناعات البسيطة التي تلبي احتياجات الرعي والزراعة، ولكن مع الوقت، أخذت الحضارة الإسلامية التتارية بالنهوض، وصارت قازان من أبرز المعالم الحضارية والفكرية، التي استفاد منها الرّوس ومن ثقافتها، فأوفدوا رسلا من التّتار إلى البلدان الإسلامية التي احتلَّها الرّوس.

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ت ث ج ح "تتار"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 31-10-2019. بتصرّف.
  2. "تتار"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 31-10-2019. بتصرّف.
  3. راغب السرجاني (2006)، قصة التتار من البداية إلى عين جالوت (الطبعة الأولى)، القاهرة: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، صفحة 16. بتصرّف.
  4. راغب السرجاني، قصة التتار من البداية إلى عين جالوت، صفحة 17. بتصرف.
  5. ^ أ ب "جنكيز خان.. مؤسس الإمبراطورية المنغولية، أكبر إمبراطوريات التاريخ وحشية!"، www.arageek.com، اطّلع عليه بتاريخ 1-11-2019. بتصرّف.
  6. راغب السرجاني، قصة التتار من البداية إلى عين جالوت، صفحة 21-23. بتصرف.
  7. راغب السرجاني، قصة التتار من البداية إلى عين جالوت، صفحة 26- 59. بتصرّف.
  8. ^ أ ب ت ث ج "معركة عين جالوت"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2-11-2019. بتصرّف.
  9. ^ أ ب "جاء التتار غزاة وعادوا دعاة"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 31-10-2019. بتصرّف.
  10. ^ أ ب ت ث ج ح "التتار: من مجد المغول إلى قهر الروس!"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 31-10-2019. بتصرّف.