صلاة الرجل وصلاة المرأة: ما مواضع الاتفاق والاختلاف بينهما؟

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٠٢ ، ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٠
صلاة الرجل وصلاة المرأة: ما مواضع الاتفاق والاختلاف بينهما؟

الصلاة

ما هي الصلاة؟

الصلاة مصدر من صلى وجمعها صلوات،[١] وهي واحدةٌ من أركان الإسلام وهي الرُّكن الثاني بعد شهادة أنَّ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وهي أوَّل ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة، فإن حسنت حسن سائر العمل وإن ساءت فساء، وفُرِضت الصلاة فيمكة المكرمة قبل الهجرة في ليلة الإسراء والمعراج، وبذلك فإنَّ الصلاة واجبةٌ على كلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ راشد سواءٌ كان ذكرًا أم أنثى، قال تعالى في سورة المؤمنون: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}،[٢] وقد اجتمع أئمة أهل العلم على حكم من ترك الصلاة عامدًا متعمِّدًا بالكفر والردة.[٣]


مواضع اتفاق صلاة الرجل وصلاة المرأة

هل يتفق الرجل والمرأة في صلاتهما؟ أم لذلك بعض الاستثناءات؟


شروط الصلاة للرجل والمرأة

ما هي شروط صلاة الرجل وصلاة المرأة؟

وأمَّا شروط الصلاة في الإسلام فتتنوع ما بين شروط الوجوب وشروط الصحة، وهي متفقة ما بين المرأة والرَّجل، فمن شروط الوجوب الإسلام؛[٤] إذ لا بدَّ من تحقق شرط الإيمان؛ حتى تتم الصلاة، والبلوغ إذ لا تجب الصلاة على الصبيّ، والعقل إذ تسقط عن المجنون، والخلوّ من موانع الصلاة، وأمَّا شروط صحة الصلاة فهي دخول الوقت إذ لا تصح الصلاة قبل وقتها،[٥]وطهارة الجسم والثوب والمكان من الحدثين، وأن يتمَّ استقبال القبلة وستر العورة.[٦]


إمامة الرجل وإمامة المرأة في الصلاة

ما هو رأي الإسلام في إمامة الرجل والمرأة في الصلاة؟

لو حضرت المرأة الصلاة وكانت مع جمعٍ من النِّساء فلها أن تُصلي بهنَّ جماعةً ويُستحبُّ ذلك، فحكمها حكم الرَّجل في استحباب صلاة الجماعة، وكما يصحُّ للرَّجل أن يكون إمامًا في الصلاة فيصحّ ذلك للمرأة، واستندوا إلى ذلك بفعل عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- عندما كان يأمر جاريةً له أن تؤمَّ النِّساء في ليالي رمضان، غير أنَّ استحباب الجماعة للرجل أعلى من استحبابها للمرأة لقول الله تعالى في سورة البقرة: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}،[٧] والله أعلم.[٨]

وأمَّا إمامة المرأة للرجال أو إمامة المرأة للرجال والنِّساء معًا فهي لا تصح، سواء كانت الصلاة فرضًا من الفروض أو نافلة من النوافل، وفي ذلك توضيحٌ بأنَّه لا فرق بين إمامة الرجل وإمامة المرأة في الصلاة.[٩]


مواضع اختلاف صلاة الرجل عن صلاة المرأة

بمَ تختلف صلاة الرجل عن صلاة المرأة؟


صفة الجلوس في الصلاة للرجل والمرأة

بماذا يختلف جلوس المرأة عن جلوس الرجل في الصلاة حسب رأي الفقهاء؟

اختلف أئمة أهل العلم والفقه في صفة جلوس المرأة والرَّجل في الصلاة، وذهب الأحناف إلى أنَّه على الرَّجل أن يفترش في قعوده سواءٌ كان الأوَّل أم الثاني -أي في تشهده الأوَّل أو تشهده الثاني- وعلى المرأة أن تتوَّرك في القعودين، وأمَّا المالكيَّة فقد مالوا إلى تورُّك الرَّجل والمرأة في تشهدهما الأخير وهي هيئة الجلوس العامَّة لكليهما، وخالف الشَّافعية الأحناف والمالكية فقالوا إنَّه ما من هيئةٍ معينةٍ لجلوس الرجل والمرأة في القعود الأوَّل أو الثَّاني، فكيف ما كانت هيئة القعود أجزأت، ولكن من السُّنة أن يكون الافتراش في القعود الأوَّل والتَّورك في القعود الثَّاني سواءٌ كان ذلك للرَّجل أو للمرأة.[١٠]

ومال الحنابلة إلى رأي الشَّافعيَّة في جلوس الرَّجل بأن يكون افتراشًا في أثناء الصَّلاة وتورّكًا في آخرها -أي في القعود الأخير- إلا أنَّهم خالفوا الآراء الأخرى بالنِّسبة لجلوس المرأة فقالوا للمرأة خيارها في أن تجلس متربِّعةً واستندوا إلى ذلك بفعل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- في أنَّه كان يأمر النّساء أن يجلسنَ متربِّعاتٍ في صلاتهنَّ أو تسدل المرأة كلتا رجليها إلى جانبها الأيمن، وأمَّا ما نصَّ عليه أحمد بن حنبل هو أن تسدل المرأة رجليها إلى جانبها الأيمن؛ لأنَّ ذلك كان فعل عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- وجلسة السَّدل هي أقرب لجلسة الرَّجل في صلاته.[١٠]

وخالف بعض أهل العلم آراء الفقهاء ومنهم ابن باز -رحمه الله- فقالوا إنَّ جلسة الرَّجل مثل جلسة المرأة في الصلاة إذ لا اختلاف بينهما، واستندوا على ذلك بالحديث النبوي الشَّريف عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ارجعوا إلى أهليكم فكونوا فيهم، وعلِّموهم ومروهم، وصلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي"،[١١] وبذلك يتبيَّن أنَّ المرأة تجلس مثل الرَّجل في الصَّلاة، فتجلس على رجلها اليسرى في قعودها الأوَّل أو بين كلِّ سجدتين، وتتورَّك في قعودها الأخير. [١٢]


صفة اللباس للرجل والمرأة في الصلاة

بماذا يختلف لباس الرجل عن لباس المرأة في الصلاة؟

إنَّ الأصل في اختصاص ملابس للصلاة بالنسبة للرجل والمرأة هو تحقيقٌ لشرط صحة الصلاة وهو ستر العورة، فإن كان لباس الرَّجل ساترًا لعورته جازت الصلاة فيه وصحَّت، وأمَّا إن كان اللباس شافًّا بحيث تُرى بشرة العورة من ورائه فلا تصح الصلاة به مطلقًا وهي باطلة، ولو كان في ثياب الرَّجل ثقوبًا، ولكن يستر تلك الثقوب قميصًا أو ما شابه ذلك بحيث لا تُرى العورة فتصح صلاته على رأي أهل العلم والفقه.[١٣]

ولا بدَّ للمرأة أن تلبس ما يستر عورتها؛ إذ تختلف عورة المرأة عن عورة الرَّجل، والأصل أن تلبس في صلاتها ما يستر عورتها من رأسها حتى كامل جسدها، ويكون ذلك بعباءة أو خمارٍ أو ما شابه، وذلك لقول عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا يقبَلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلَّا بخِمارٍ}،[١٤]والحائض هنا تعني المرأة البالغة.[١٥]

وقد تُقدم المرأة على ثياب الرَّجل فتُصلي بها إذا رأت أنَّها فضفاضةٌ ولا تشفُّ ولا تصف وتُطابق صفة اللباس الشَّرعي، إلا أنَّه لا يصحُّ للمرأة أن ترتدي لباس الرَّجل لا في الصلاة ولا في غيرها لما في ذلك من حرمة وتشبهٍ للمرأة بالرَّجل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: {لعَن رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الرَّجُلَ يلبَسُ لِبسةَ المرأةِ والمرأةَ تلبَسُ لِبسةَ الرَّجُلِ}،[١٦] وبذلك فلا بدَّ للمرأة أن تبتعد عن لباس الرِّجال والتشبه بهم سواءٌ كان ذلك في الصلاة أو غيرها.[١٧]

ولا بدَّ للمسلم أن يعمد إلى أحسن لباسه في الصلاة فيتجمّل فيه للصلاة ويتحضَّر لها بأفضل ما عنده، وذلك لقول الله تعالى في سورة الأعراف: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}،[١٨] وذكر عبد الله بن عبَّاس -رضي الله عنه- أنَّ المُراد بالزينة في هذه الآية هي الثياب، إذ لا بدَّ من تخيّر اللباس الحسن للقاء الله تعالى في الصلوات.[١٣]


صفة صلاة الجماعة للرجل والمرأة

بماذا تختلف صلاة المرأة عن صلاة الرجل في الجماعة؟

وأمَّا الجماعة فهي التي تُطلق على الجمع من النَّاس،[١٩]ويختلف حكمها ما بين الرَّجل والمرأة، فهي واجبةٌ على الرِّجال غير واجبةٍ على النِّساء، ولكنْ إن أتت بها المرأة فلا ضير في ذلك بل هو من الأمور المُستحبَّة،[٢٠] إن أمنت المرأة الفتنة حسب رأي بعض أهل العلم، وانفرد الشَّافعيَّة بكراهة خروج المرأة التي تُشتهى إلى صلاة الجماعة؛ لأنَّها محل فتنة، ولا بدَّ للمرأة من أن تأخذ إذن وليِّها إن أرادت الذهاب لحضور صلاة الجماعة لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "لا تَمْنَعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللَّهِ."،[٢١] وبذلك فعلى وليها أن يأذن لها.[٢٢]

ولو صلت المرأة في جماعة فعليها أن تُصلي خلف الإمام ولا تصلي بجانبه سواءٌ كانت واحدة أو كنَّ أكثر من ذلك، ولو صلى الصبي مع الإمام -وقد بلغ السابعة من عمره- فإنَّه يُصلي جانب الإمام إلى يمينه شأنه شأن الرجال، أمَّا لو كانوا أكثر من صبيٍّ فيصلون خلفه، وأمَّا البنات فيصلين خلف الإمام دائمًا لا عن يمينه ولا عن يساره، وينطبق ذلك على المرأة إذا صلت مع الرَّجل سواءٌ كانت أمه أو زوجته أو ابنته أو أجنبيَّةً عنه.[٢٣]


المجافاة في الركوع والسجود للرجل والمرأة

ما هي أقوال الفقهاء في حكم المجافاة عند الركوع والسجود للرجل والمرأة؟

ورد عن بعض أهل العلم والفقهاء استحباب بعض الأفعال للرجال دونًا عن النساء، ومن ذلك مجافاة الرَّجل لبعض أعضائه عن بعضها مثل مجافاة البطن عن الرُّكبتين والمرفقين عن الإبطين وأن يُبعد رجليه عن بعضهما في أثناء الرُّكوع أو السجود، وأمَّا المرأة فيُستحب لها عكس ذلك؛ لأنَّ الله خلقها وجبلها على الستر فعليها أن تضمَّ بعضها إلى بعض وتُقرب من أعضاء جسمها، وقد قال في ذلك الشافعي -رحمه الله- في المختصر: "وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَضُمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ، وَأَنْ تُلْصِقَ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا فِي السُّجُودِ كَأَسْتَرِ مَا يَكُونُ، وَأُحِبُّ ذَلِكَ لَهَا فِي الرُّكُوعِ وَفِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ."[١٠]

وأمَّا الفقه المالكيِّ فهو كالشَّافعي من ناحية استحباب مجافاة الرَّجل لأعضائه عن بعضها وذلك من فضائل الصلاة، ومع ذلك فهو لا يفترش بذراعيه بل يُجافي بضبعيه عن جنبيه، وأن يرفع البطن عن الفخذين في السجود، والمرأة عكس الرَّجل في ذلك فعليها أن تكون مضمومةً لبعضها في جسدها كله،[١٠]

وأمَّا صفة الرُّكوع الصحيحة للمسلم سواءٌ كان رجلًا أم امرأةً هو أن يضع المصلي في أثناء ركوعه يده اليُمنى على ركبته اليُمنى ويده اليُسرى على ركبته اليُسرى، مع ثبات كلتا يديه وإبعاد أصابعه عن بعضها.[٢٤]

وأمَّا في أثناء السُّجود فعلى المصلّي -رجلًا كان أو امرأة- أن يستقبل القبلة بكلتا يديه ويضمَّ أصابعه إلى بعضها، ويكون سجود الرَّجل والمرأة على سبعة أعضاء مع بعضها وهي الجبهة والأنف وكلتا اليدين والأصابع مضمومة مستقبلةً القبلة وكلتا الرُّكبتين مع أطراف القدمين بحيث تكون الأصابع مستقبلة القبلة في أطرافها مُعتمدًا عليها في السجود، وفي ذلك بيان لأقوال الفقهاء التي تنصُّ على استحباب مجافاة الرَّجل لأعضائه بعضها عن بعض واستحباب ضم جسد المرأة على بعضه في الركوع والسجود.[٢٤]


عورة الرجل والمرأة في الصلاة

بم تختلف عورة الرجل في الصلاة عن عورة المرأة؟

وتختلف عورة الرَّجل عن عورة المرأة في جميع أمورها ومن بينها الصَّلاة، ومن ذلك قول أئمة أهل العلم أنَّ عورة الرَّجل هي من السُّرة إلى الركبة وهي المطلوب سترها في أثناء الصَّلاة، وأمَّا عورة المرأة في صلاتها فهي جميع بدنها ما عدا وجهها وكفَّيها، فلو صلَّى الرَّجل وما عليه إلا قماشة تستر ما بين السرَّة والركبة، فصلاته صحيحةٌ ولا شيء عليه إلا أنَّها ناقصة الأجر، ولو فعلت المرأة مثل ذلك في صلاتها لكانت صلاتها باطلةٌ باتفاق أئمة أهل العلم، وبذلك يجب عليها إعادة صلاتها مرة ًأخرى.[٢٥]

وذهب بعض أهل العلم ومن بينهم ابن باز -رحمه الله- إلى أنَّه يُستحب للمرأة أن تستر كفّيها في صلاتها، ومن السّنة أن تكشف المرأة وجهها في صلاتها إلا في حال وجود رجلٍ أجنبيٍّ في أثناء صلاتها، فبهذه الحالة عليها أن تستر وجهها، ومن الأجانب عن المرأة أخ زوجها أو عمه أو خاله وما إلى ذلك، ومن الواجب على المرأة ستر قدميها في أثناء صلاتها.[٢٦]


السر والجهر للرجل والمرأة في الصلاة

متى يكون السر في الصلاة ومتى يكون الجهر فيها للرجل والمرأة؟

الجهر في الصّلاة هو ارتفاع الصَّوت بحيث يُسمع القارئ نفسه ومن يليه، والجهر سنةٌ عن النبي -عليه الصلاة والسَّلام- والصلوات الجهرية هي الفجر والمغرب والعشاء، وأمَّا الصلوات السِّريَّة فهي الظهر والعصر، ويُسنُّ للمسلم أن يجهر في الرِّكعتين الأوليين من الفجر والمغرب والعشاء وذلك عامَّةٌ للرِّجال والنِّساء، وتفرَّد المرأة في بعض الأحكام عن الرَّجل تبعًا لخصوصيتها التي جعلها الله لها، فللمرأة أن تجهر في قراءتها في حضور محارمها من الرِّجال سواءٌ كان أخًا أم أبًا أم ابنًا أم غيرهم ممن يصحُّ لها كشف رأسها أمامهم.[٢٧]

وأمَّا لو صلَّت المرأة بوجود رجلٍ أجنبيٍّ عنها فمن السنة لها الإسرار في صلاتها وألَّا ترفع صوتها فيها، ولكنَّها لو رفعت صوتها بحضور الأجنبي فلا يُحكم على صلاتها بالبطلان، بل صلاتها صحيحة ولكن يُكره لها فعل ذلك، وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ المرأة لو كانت مع جمعٍ من النِّساء أو كانت بحضور محارمها فيُسن لها أن تجهر في صلاتها ولكن دون جهر الرَّجل، قال النووي في ذلك رحمه الله: "وأما المرأة فقال أكثر أصحابنا إن كانت تصلي خالية أو بحضرة نساء أو رجال محارم جهرت بالقراءة"، ومن ذلك جهر المرأة في لفظة "آمين" بعد سورة الفاتحة تأخذ الحكم السَّابق في حال حضور المحرم أو الأجنبي.[٢٨]

وأمَّا العلَّة في عدم جهر المرأة في صلاتها في حضور الأجنبيِّ فهو خشية فتنته بصوتها، ويأخذ ذلك الحكم تلبية المرأة فيالعمرة والحج فإن كان بجوارها رجال أجانب عنها فالأفضل لها هو عدم الجهر، ولكنَّها وإن جهرت في تلبيتها فلا حرج عليها في ذلك.[٢٩]


الأذان والإقامة للرجل والمرأة في الصلاة

كيف فرَّق الإسلام بين الرجل والمرأة في الأذان والإقامة؟

لقد شرَّع الله -تعالى- الأذان للرجل فهو يُؤذن للرجال والنِّساء[٣٠] واختلف الفقهاء وأهل العلم في أذان المرأة، فذهب ابن قدامة -رحمه الله- إلى أنَّه لا أذان ولا إقامة للمرأة وهذا ما عليه عامَّة أهل الفقه والعلم، وأمَّا لو رغبت المرأة في أن تؤذن لنفسها أو لجماعةٍ من النِّساء معها جاز لها ذلك شريطةَ أن لا تُسمع غير نفسها وصاحباتها.[٣١]

وأمَّا لو أرادات أن تُؤذن للرِّجال وتجمعهم للصَّلاة فلا يصحُّ لها ذلك وهو غير مشروع، وذهب بعض أهل العلم إلى تحريمه ومنهم من ذهب إلى كراهته، وقال الكاساني الحنفي بكراهة أذان المرأة؛ لأنَّها إن هي رفعت صوتها في الأذان فقد ارتكبت ذنبًا وإن هي خفضت صوتها فقد تركت سنة الجهر.[٣١]

وقال صاحب مواهب الجليل عن صاحب الطراز أنَّ ظاهرالمذهب المالكي يقول بكراهة تأذين المرأة للصلاة، وذكر عن صاحب القوانين حرمانية ذلك الفعل، وقال ابن حرفون إنَّ الأذان ممنوعٌ في حقِّ النساء، وقال الفواكه الدواني بحرمانية أذان المرأة في حضرة الرِّجال وقيل هو مكروه، وقال الشَّافعي لو أذنت المرأة في حضرة الرِّجال فلا يُجزئهم أذانها ولا يجوز عنهم، والرَّاجح عند فقهاء أهل العلم هو حرمانية أذان المرأة للرجال، فلم يرد ذلك عند أهل السلف وصوت المرأة عورةٌ وهو من المفتنات وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنه: "ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ علَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ"،[٣٢] والله أعلم.[٣١]

واختلف أهل العلم فيما لو أذنت المرأة مثل الرَّجل، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّه لا يصحُّ أذانها وقال آخرون بصحة ذلك الأذان ولكن مع الكراهة وهو ما قاله الحنفيَّة فلو أذنت المرأة في جمع الرِّجال حصل المقصد من الأذان وهو إعلامهم بدخول الوقت، وهو قول لبعض الحنابلة ووجهٌ من الوجوه عند الشَّافعيَّة وبعضٌ من المالكيَّة، ولكن الأرجح والأولى هو عدم أذانها؛ لأنَّ ذلك من المحدثات التي لم ترد عن أهل السلف.[٣١]

وأمَّا إقامة المرأة للصلاة فيُنظر الغرض منه، فلو أرادت المرأة أن تُقيم الصلاة للرِّجال فهذا محرَّمٌ باجتماع أهل الفقه والعلم دون خلافٍ في ذلك، وأمَّا لو كانت تُقيم لصلاتها هي أو لجمعٍ من النساء عندها، فلا مانع من ذلك بل هو مستحبٌّ عند جمهور أهل الفقه والعلم، ومنع من ذلك الحنفيَّة، ولو أرادات أن تُقيم لنفسها أو لجماعةٍ من النساء ولكن بحضور رجالٍ أجانب كره لها رفع صوتها، وقال ابن حزم الظاهري لو أذنت المرأة وأقامت لنفسها فهو أمرٌ حسنٌ وقد كانت عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- تُقيم لنفسها.[٣٣]

وقال آخرون في أذان المرأة وإقامتها لنفسها أنَّه فعل لا بأس به ولو تركته لجاز لها، وهو مذهب الحنابلة والجعفرية وقولٌ من أقوال الشَّافعيَّة، وقال المالكيَّة لو أذنت المرأة وأقامت لنفسها فهو حسن، وقالوا في الفرق بين الأذان والإقامة بالنسبة للمرأة أنَّ الأذان هو إعلامٌ بدخول وقت الصلاة -وهو غير مطلوبٍ من المرأة- والإقامة هي تحضيرٌ للنَّفس من أجل الصلاة، ولذلك شرع الله الأذان للرجال فقط واشترك النساء والرِّجال بالأذان والإقامة.[٣٣]

وقال الحنفيَّة إذا صلى مجموعةٌ من النساء مع بعضهنَّ فيُصلين دون أذانٍ أو إقامة محتجين على ذلك بفعل عائشة -رضي الله عنها- عندما أمت مجموعةً من النساء دون أذانٍ أو إقامة.[٣٣]


الصلاة في المسجد للرجل والمرأة

ما حكم الصلاة في المسجد للرجل والمرأة؟

إنّ حكم الصلاة في المسجد بالنسبة للرجل فقد تنوَّعت الأحكام ما بين السنة والوجوب وفرض الكفاية، وأصحُّ الأقوال هو وجوب صلاة الرَّجل في المسجد مع الجماعة والله أعلم،[٣٤] وأمَّا صلاة المرأة في المسجد مع الجماعة فغير واجبة عليهن، إلا أنَّ بعض العلماء استحبوا الصلاة في المسجد للمرأة، ولا بدَّ من تحقق بعض الشروط لذهاب المرأة إلى المسجد مثل أمنها للفتنة وألَّا تُشتهى وألا تلتمس زينةً أو طيبًا وكره الإمام الشَّافعي خروج المرأة التي تُشتهى إلى المسجد.[٣٥]

وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من الصلاة في المسجد مستندين إلى حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما روي عن عبد الله بن مسعود: "صلاةُ المرأةِ في بيتِها أفضلُ من صلاتِها في حُجرتِها وصلاتُها في مَخدعِها أفضَلُ مِن صلاتِها في بيتِها"،[٣٦] وبذلك فهي غير ملزمة في الجماعة،[٣٥] وأمَّا لو لم تلتمس المرأة زينةً ولا طيبًا ولم تخش على ضياع أسرتها وبيتها، وأمنت على نفسها من الفتنة فعليها ألا تُضيع بعضالصلوات في المسجد.[٣٧]


تنبيه الرجل والمرأة في الصلاة

ماذا يفعل الرجل أو المرأة إذا نابهما شيء في الصلاة؟

وأمَّا الرَّجل إذا نابه أمرٌ ما في الصلاة فعليه أن يرفع صوته بالتَّسبيح وبذلك يتنبَّه النَّاس إليه، وأمَّا المرأة فشرع لها التصفيق حتَّى يتنبَّه الناس إليها، ومن ذلك ما روي عن سهل بن سعد الساعدي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما لي رأيتُكم أكثرتُمُ التَّصفيقَ، من نابه شيءٌ في صلاتِه فلْيُسبِّحْ، فإنه إذا سبَّح التفتَ إليه، و إنما التَّصفيقُ للنِّساءِ"،[٣٨] وبذلك قال النووي -رحمه الله- أنَّ الرَّجل منهم كان إذا نابه شيءٌ ما أو أراد تنبيه الإمام أو ما شابه ذلك كان يسبح الرجل منهم وتصفق المرأة.[٣٩]


موضع وقوف الرجل والمرأة في الصلاة

ما هي صفة وقوف المرأة والرجل في الصلاة؟

وأمَّا صفة وقوف الرَّجل في صلاة الجماعة فعليه أن يقف خلف الأمام إن كانوا جمعًا من الرِّجال، أمَّا لو كان رجلًا واحدًا فيكون صفه على يمين الإمام، وأمَّا بالنِّسبة للمرأة فإنَّها تُصلي خلف الإمام سواءٌ كانت واحدةً أو أكثر وسواء كانت أجنبية أم من المحارم،[٢٣] ولو كان هناك صفوف رجالٍ ونساءٍ فإنَّ صفَّ النِّساء من السُّنة أن يكون خلف صفوف الرِّجال،[٤٠] وقد تحكم الضرورة في بعض الأحيان أن يكون صف الرِّجال خلف صفِّ النساء، وحكم ذلك هو خلافٌ للسنة، لكن قد يُحكم على المرء في بعض الأحيان بما لا يُريد، فلو أمن الرَّجل على نفسه من الفتنة جاز أن يُصلي خلف النساء إن حكمت عليه الظروف بذلك.

وقد ورد عن أهل العلم والفقه أنَّ خير صفوف الرِّجال الصفوف الأولى وشرُّها الأخيرة، وخير صفوف النساء الأخيرة وشرُّها الأولى كما ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- في حديثلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "خَيْرُ صُفوفِ الرِّجالِ أَوَّلُـها، وشَرُّها آخِرُها، وخَيْرُ صُفوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرُّ صُفوفِ النِّساءِ أَوَّلُـها"،[٤١][٤٢]


صلاة المرأة أمام الرجل

ما حكم صلاة المرأة أمام الرجل؟

وقد تحكم الظروف أن تصلي المرأة أمام الرَّجل الأجنبيِّ عنها، وهنا لا بدَّ لها أن تستر جميع بدنها حتى وجهها وكفيها، وأن تُبالغ في تسترها وضم جسدها إلى بعضه، ولا تُصلي وهي جالسة بل تقوم في صلاتها وتتم ركوعها وسجدوها؛ لأنَّ القيام في الصلاة هو ركنٌ من أركانها، ولا يصحُّ ترك ذلك الرّكن إلا في حال عدم القدرة على الوقوف، ولا تعمد المرأة إلى جمع صلاتين حتى لا يراها الرِّجال وهي تصلي، بل عليها أن تُقيم صلاتها في وقتها، وفي هذا توضيحٌ لحكم صلاة المرأة أمام الرَّجل، والله هو أعلى وأعلم.[٤٣]

المراجع[+]

  1. "تعريف و معنى الصلاة في معجم المعاني الجامع معجم عربي عربي"، معجم المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  2. سورة المؤمنون، آية:1-2
  3. "الصلاة في الإسلام"، ويكيبيديا، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-15. بتصرّف.
  4. "الصلاة في الإسلام"، ويكيواند، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  5. "الفَصلُ الثَّاني: شُروطُ صِحَّةِ الصَّلاةِ"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  6. "شروط الصلاة وأركانها"، ألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  7. سورة البقرة، آية:228
  8. "إمامة المرأة للنساء في الصلاة"، دار الإفتاء، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  9. "إمامة المرأة في الصلاة"، الإسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  10. ^ أ ب ت ث "مذاهب الفقهاء في هيئة جلوس التشهد للرجل والمرأة"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-16. بتصرّف.
  11. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن مالك بن الحويرث، الصفحة أو الرقم:893، حديث صحيح.
  12. "كيف تجلس المرأةُ في الصلاة بين السَّجدتين؟"، ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-16. بتصرّف.
  13. ^ أ ب "لباس الرجل عند الصلاة"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-16. بتصرّف.
  14. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:1711، أخرجه في صحيحه.
  15. "صفة اللباس الشرعي للمرأة في الصلاة"، ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-16. بتصرّف.
  16. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن أبي هريرةا، الصفحة أو الرقم:5751، أخرجه في صحيحه.
  17. "هل يجوز للمرأة أن تصلي بثوب الرجل؟"، ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-16.
  18. سورة الأعراف، آية:31
  19. سعيد بن وهف القحطاني، صلاة الجماعة، صفحة 8. بتصرّف.
  20. "مشروعية صلاة الجماعة للنساء"، ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-16. بتصرّف.
  21. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:442، حديث صحيح.
  22. "حكم خروج المرأة للصلاة جماعة"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-16. بتصرّف.
  23. ^ أ ب "مكان وقوف المرأة إذا صلت مع الرجل"، ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-16. بتصرّف.
  24. ^ أ ب "صفة ركوع المرأة وسجودها"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-16. بتصرّف.
  25. "عورة الرجل والمرأة في الصلاة"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-16. بتصرّف.
  26. "صفة اللباس الشرعي للمرأة في الصلاة"، ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-16. بتصرّف.
  27. "حالات جهر المرأة بالصلاة"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  28. "جهر المرأة بالقراءة أثناء الصلاة فيه تفصيل"، دار الإفتاء، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  29. "حكم جهر المرأة بالقراءة في الصلاة الجهرية"، ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  30. "أذان"، ويكيبيديا، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  31. ^ أ ب ت ث "مذاهب الفقهاء في أذان المرأة"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  32. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أسامة بن زيد، الصفحة أو الرقم:5096، حديث صحيح.
  33. ^ أ ب ت "إقامة المرأة الصلاة بصوت مرتفع"، إسلام أون لاين، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  34. "حكم صلاة الجماعة "، ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  35. ^ أ ب "حكم خروج المرأة للصلاة جماعة"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  36. رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن عبد الله بن مسعود، الصفحة أو الرقم:5074، حديث صحيح.
  37. "حكم صلاة المرأة في المسجد"، طريق الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  38. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن سهل بن سعد الساعدي، الصفحة أو الرقم:5667، حديث صحيح .
  39. "ما يشرع فعله للرجل والمرأة إذا نابهما شيء في الصلاة"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  40. "مكان وقوف المرأة في صلاة الجماعة مع الرجال"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  41. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم:7362، حديث صحيح.
  42. "هل يجوز للمرأة أن تصلي خارج المسجد بحيث يراها الرجال ؟"، إسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.
  43. "إذا صلَّت أمام الرجال فهل تصلي جالسة؟ وهل تجمع؟"، إسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-17. بتصرّف.