فلسفة ديكارت ومنهجه

فلسفة ديكارت ومنهجه
فلسفة-ديكارت-ومنهجه/

الإرهاصات الأولى للفلسفة الديكارتية 

ما هي مُنطلقات الفلسفة الديكارتية؟

يعدّ الفيلسوف الفرنسيّ رينيه ديكارت (1596م - 1650م)، أبا الفلسفة الحديثة، فقد وَضع أسس الفلسفة الحديثة، متأثّرًا بالعلوم الحديثة كعلم الفيزياء وعلم الفلك والرياضيات والهندسة التحليلية، ويعد من أهم فلاسفة الفلسفة الحديثة، كما أنه احتفظ بالإرث الفلسفي الذي خلّفه أفلاطون والفلاسفة المدرسيّون في العصور الوسطى، إلّا أنه غَيّرَ الأسسَ التي قامت عليها فلسفاتُهم، واستبدلَها بأسس أخرى. كان ديكارت يركز بشكل كبير على الإنجيل وكتب القديس توما الإكويني؛ وذلك لتوظيفهم في الفلسفة. [١]

يرى العديد من الباحثين في تاريخ الفلسفة أن فلسفة ديكارت كانت فلسفة لاهوتية بالدرجة الأولى، ويُقصد بذلك أنّ الهدف الرذئيس من فلسفة ديكارت هو الدفاع عن الديانة المسيحية، وتقديم الأدلة والبراهين لبيان مدى صحتها، كما قد استعان بفلسفة القديس أنسلم وكتبه.[٢]

حدد ديكارت الغاية القصوى للمعرفة الفلسفية متأثرًا بفلسفة فرنسيس بيكون أنّها تساعد الإنسان في التحكّم في الطبيعة، ويكون ذلك من خلال اكتشاف الآلات والأجهزة التي تساعد الإنسان في اكتشاف الطبيعة والسيطرة عليها، كما أن مفهوم الفلسفة عند ديكارت ارتبط إلى حدٍ كبير بمعرفة العلل والمعلولات، وتحسين ماهية الإنسان، متأثّرًا بذلك بفلسفة أرسطو.[٣]

أفكار ديكارت الفلسفية 

ما هي أشهر أفكار ديكارت الفلسفية؟

يعدّ كتاب مقال في المنهج من أشهر مؤلفات ديكارت وأهمّها، ومن أهم الأفكار التي طرحها فيه ما يأتي.

الميتافيزيقا

إنّ الميتافيزيقا هي دراسة لكلّ ما لا يقع تحت الحواسّ، وهي معرفة ماهية الأشياء بذاتها مقابل ما ظاهرها الذي يمكن لنا معرفته من خلال الحواسّ، وتعدّ الميتافيزيقا محاولة لدراسة الوجود المجرد "الأنطولوجيا" ومعرفة الأفكار التي أسّست للوجود الماديّ، أمّا مفهوم الميتافيزيقا عند ديكارت فيقصد به دراسة المبادئ المعرفة التي تمكنّنا من تفسير أهم صفات الله ولاماديّة نفوسنا، وجميع المعاني الواضحة فينا، وبهذا يكون تعريف الميتافيزيقا عند ديكارت يتصف بالصفة اللاهوتية الدينية.[٤]

المنهج العقلي

يعد العقل أساسَ تشكيل المعارف البشريّة، فمن دونه من المستحيل تحصيل المعارف البشرية، ويكون تحصيل المعر فة من خلال اتباع مجموعة من القواعد، صاغَها ديكارت على شكل منهج للوصول إلى الحقيقة، كما أنّ ديكارت أكّد أنّ الحواس تخدع الباحث، فلا بُدّ له أن يعتمد على العقل فقط، كما أن ديكارت يؤكد على أنّ الفلسفة العقلانية الديكارتية تُعطي الباحث حرية كبيرة، وتعتمد على منطق مختلفٍ عن المنطق الذي صاغه أرسطو، فمنطق أرسطو جامد ولا يخرج عن المقدّمتين، ممّا يجعلُه لا يسمح بالتقدم الفكريّ، ويجعل الباحث يقف عند نقطة معيّنة في عمليّة البحث بعيدًا عن التطوّر، يقول ديكارت: إنّ أكثر ما يُرضيني هو أنّني قمت باستعمال المنهج العقلي في أبحاثي، وإن لم أقم باستعماله على الوجه الكامل، فإنّني على الأقلّ قمت باستعماله على أفضلِ وجهٍ ممكن.[٤]

قواعد المنهج الديكارتي في البحث

لماذا قام ديكارت بوضع قواعد المنهج في البحث عن الحقيقة؟

ذكر ديكارت في كتابه المقال في المنهج أربع قواعد أساسيّة، يجب أن يتبعها العقل في البحث عن الحقيقة في العلوم المُختلفة، وهذا ينطبق على مختلف أنواع العلوم سواء إنسانية -أهمّها الفلسفة- أو علوم طبيعية كالفيزياء وغيرها، وتبرز أهميّة هذه القواعد بأنّه من غير الممكن التوصّل إلى الحقائق دون الاستعانة بها، ولهذه الأهمية قام ديكارت بوضعها، وهذه القواعد هي:

البداهة والوضوح

يجب على الباحث ألّا يقبل أيّة معلومة على أنّها حقيقة إلا إذا توفّرت فيه خاصّيَتَيْ البَداهة والوضوح، فهاتان الخاصيّتان تمثّلان أساس قواعد المنهج عند ديكارت، ومن خلاهما وصل ديكارت إلى معظم نتائجه الفلسفية، كما أنّ ديكارت رأى أن هناك نتائجَ مترتبة على هذه القاعدة، وهي:[٢]

  • استقلال العقل البشري عن أيّة سلطة يمكن أن تفرض أحكامها بشكلٍ مسبق عليه.
  • اهتداء العقل إلى الحقيقة بالبداهة، وذلك من خلال الحدس العقلي والنور الفطري.
  • ستزيد البداهة والوضوح من احتماليّة أن تكون الأفكار التي يتبنّاها الباحث أثناء بحثِه من أن تكون صحيحة.

التحليل

ويُقصد ديكارت بالتحليل أن يقومَ الباحث بتقسيم مشكلة البحث إلى أقسامٍ صغيرة، ويكون ذلك بالعودة إلى العناصر الأوليّة التي تتكون منها المشكلة، مع مراعاة الانتباه الشديد أثناء القيام بذلك؛ وذلك لكي لا يقع الباحث في أيّ خطأ، وعليه التأكّد من أنّه حلل المشكلة إلى عناصرها الأوليّة، وليس الثانويّة.[٢]

الترتيب أو التركيب

بعد أن قام الباحث بعمليّة التحليل، يقوم بترتيب الأفكار البسيطة، مراعيًا بذلك التدرج أثناء ترتيبه فعليه أن يبدأ من الأفكار الأكثر بساطة ويتدرج حتى يصل إلى الأفكار الأكثر تعقيدًا، ويجب على الباحث ألا يسهو في ترتيبه الأفكار، فلا يضيع ووقته في الأفكار المعقدة في بداية عملية الترتيب والتركيب، بل ينتقل إلى الأفكار المعقدة بالتدرج حتى لا يواجه صعوبات في ترتيبها وتركيبها.[٢]

الإحصاءات الكاملة

على الباحث أن يقوم بالإحصاءات الكاملة والمراجعات الشاملة؛ وذلك للتحقق من عدم نسيان أيّة فكرة ذات صلة بالبحث، وبهذا يكون على ثقة كبيرة من أنّه قام بكلّ المهام والتزم بكافة القواعد السابقة في أثناء عملية البحث، يؤكد ديكارت على أن هذه القواعد صالحة للاستخدم في حقول المعرفة كافة، وفي كلّ زمان ومكان.[٢]


نظرية المعرفة الديكارتية

ما المقصود بالأبيستسمولوجيا؟

إنّ الأبيستيمولوجيا هي أحد المباحث الرّئيسة في الفلسفة -وتعني علم العلوم أو الدراسة النقديّة للعلوم، ورَبَط الفلاسفة بينها وبين نظرية المعرفة- التي تختصّ بمحاولة التأسيس لمعرفة ما عن الوجود بمختلف أشكاله ومظاهره،[٥] وقد حاول ديكارت ابتكار فلسفة جديدة تهدف إلى صياغة نظرية في المعرفة، وبذلك نستنتج أنّ مبحث الأبيستيمولوجيا حديث نسبيًا مقارنةً بباقي المباحث الفلسفية.[٢]

الشك المنهجي

إنّ الشك هو بداية الفلسفة الديكارتية؛ وذلك ليحاول ديكارت تأسيس فلسفته على قواعد وأسس راسخة، ويُعرف الشكّ الديكارتي بالشك المنهجي؛ وذلك لأنه سار وفق منهجية محددة للوصل إلى الحقيقة، بمعنى أنه لم يكن شكًا مُطلقًا، وعندما يتم ذكر اسم ديكارت فإنّ أول ما يحضر الذّهن هو الشك المنهجي، وكأن ديكارت والشك المنهجي وجهان لعملة واحدة، وهذا حسب وصف الفلاسفة اللاحقين له، وهناك خاصيتان أساسيتان للشك المنهجي عند ديكارت، هما:[٦]


  • شكٌ إرادي: فالإنسان هو الذي يفرضه على نفسه.
  • شكٌ مؤقت: فهو ليس شكًا دائمًا.


يبدأ ديكارت شكه في كلّ وسائل المعرفة، وأكثر ما هو قابل للشكّ الحواس؛ فمن الممكن أن تخدعَنا، وأبرز مثال يضربه ديكارت هو القلم الموضوع في كأس فيه ماء، والذي يظهر للمشاهد على أنه قلم مكسور لكنّه في الواقع ليس مكسورًا، وكذلك يشك ديكارت في العقل فقد يخطئ العقل أحيانًا، ويضرب ديكارت مثالًا على ذلك، وهو احتمالية الخطأ في بعض المسائل الحسابية، لكنّ ديكارت في آخر الأمر يعزو الخطأ في ذلك للذاكرة، وبعد الشكّ في وسائل المعرفة، يبدأ ديكارت بالشك في العالم الخارجيّ، فيفقد العالم الخارجيّ كلّ الدّلالات التي يحملُها، وبعد عمليّة الشكّ في الفيزيقا ينتقل إلى الميتافيزيقا، فيفرضُ ديكارت وجود شيطان ماكر يعبث بالحقائق، وله القدرة على جَعل الصّدق كذبًا والعكس.[٦]


يذكر شارحو فلسفة ديكارت أنّ افتراض ديكارت لوجود الشيطان لم يكن سوى مجرد تطوّر درامي للأحداث، وغالبًا ما يقاربون بين فكرة افتراض وجود شيطان والعقدة الدرامية للأحداث، كما أن للشيطان طبيعةً غير ماديّة، وأراد ديكارت الانتقال إلى الميتافيزيقا مقابل الإنسان ذي الجسد الماديّ، فكان لا بُدّ من وجود قوة شريرة، فكانت متمثلة في فكرة الشيطان.[٦]


يؤكّد ديكارت أنّه مهما بلغ الشك مبلغًا، ومهما كانت قدرة الشيطان الماكر، فإنّه لا يمكن أن يجعل الإنسان عدمًا ، فما دام الإنسان يفكر فلا بُدّ من أن يكون موجود وهذا هو الكوجيتو الديكارتي الذي يرتبط بمفهوم الشخص في الفلسفة الديكارتيّة، والمقصود به "أنا أفكّر إذًا أنا موجود"، ويشبه ديكارت عملية الشكّ بإعادة ترتيب فاكهة التفاح في السلّة، بعدما تمّ إخراجها منها، وذلك لتمييز التفاح الجيد من غيره وملؤها بالتفاح الجيد فقط، والقصد منها أنّ على الإنسان أن يفرغ عقله من كلّ المعارف، ويشك فيها، وعندما يبدأ بترتيبها لا يثق إلا بالمعارف التي اختبرها وتأكّد من صحّتها.[٧]


المعرفة الديكارتية 

يتّخذ الفلاسفة العقلانيون نموذجًا خاصًا لنظرية المعرفة، وهذا النموذج يعتمد بشكل أساسي على علم الرياضيات، ويضرب ديكارت مثالًا على ذلك "العمليات الحسابية الرياضية" أو كأن نقول: إنّ مجموع زوايا المثلث يساوي مجموع زاويتين قائمتين، وتكون النتيجة أن مثل هذه القضايا تعد في علم المنطق قضايا صادقة بشكل حتميّ، وفي كل زمان ومكان، والتفكير الرياضي يسير وفق منهج استنباطي في عملية البحث، ويبدأ المنهج الاستنباطي بمقدمات مُسَلّم بصحتها، ثم يتم استنباط النتيجة منها، وبعد ذلك تصبح النتيجة مقدمة ويُستنبَط منها وهكذا تستمر السلسلة، وبهذا يكون المنهج الاستنباطي هو المنهج المستخدم في التفكيرالعلمي، ويمكن استخدامه في العلوم كافّة.[٨]


ويعتمد المنهج الاستنباطي على مقدّمات تتسق مع مبادئ العقل عند ديكارت، كما أن نظرية المعرفة الديكارتية ترفض ما جاء به الفلاسفة التجريبيون، فلا يقبل التجريبيون أيّ معرفة إذا لم تكن مصدرها الحواس، ويعدون كلّ فكرة لا يمكن ردها إلى عناصرها الأولى من الانطباعات الحسية فكرة باطلة، لكنّ الفلاسفة العقلانييّن -أهمّهم ديكارت- لا يرفضون بشكل قاطع ما تمدّنا به الحواس من معارف إنما يرون أنها ليست قطعية وبحاجة إلى برهان وتنقصها الضرورة والشّمول، لذلك اعتقدوا أن الحواس من الممكن أن تخدَع.[٨]

الثنائية الديكارتية

كانت فكرة الثنائيات هي من الأفكار المؤسِّسة للفلسفة الحديثة، ويعد ديكارت ثاني من أسّس لها في تاريخ الفلسفة، فقد قام أفلاطون بعرضها في فلسفته، ثم تلاه ديكارت في العصور الحديثة، ومن أشهر الثنائيات: ثنائية العقل والجسد، ثنائية الجوهر والعرض، وثنائية العقل والتجربة التي كانت سببًا في انقسام الوعي الأوروبيّ الحديث في مبحث أبيستيمولوجيا الفلسفي، فكان هناك التيار العقلي والذي يعد ديكارت رائدًا له إلى جانب العديد من الفلاسفة الآخرين، مثل: سبينوزا ولايبنتز، أما التيار الآخر فهو التيار التجريبي، ويعد كلٌّ مِن: جون لوك، وديفيد هيوم وباركلي من أبرز رواده في العصور الحديثة.[٢]

الله مصدر الكمال والحقيقة المطلقة 

يعد دليلُ الكمال الدليلَ الأول الذي قام ديكارت بصياغته؛ وذلك للبرهنة على وجود الله، ويبدأ ديكارت بصياغته من خلال تمييزه بين نوعين من الوجود: الوجود الموضوعيّ والوجود الفعليّ أو الواقعيّ، ويرتبط الوجود الفعلي بعالم المحسوسات المرئي، أما الوجود الموضوعي فهو الوجود الذي يتمتع بصفة الكمال، كما يؤكد ديكارت على أنّ مَن يتمتع بصفة الكمال هو الله وحده، وقام باستنتاج صفة الكمال من خلال الصفة المضادة لها، وهي صفة النقص التي يتصف بها الإنسان؛ لأنه كائن ناقص يبحث عن الحقيقة ويمارس عملية الشكّ.[٩]


وإذا كان الإنسان كائنًا ناقصًا، فلا بُدّ من وجود صفة الكمال، ويُستنتج من ذلك أنه لا بُدّ من وجود كائن يتمتع بهذه الصفة، والبرهان الديكارتي على الوجود الإلهي يستند على نحو رئيس إلى مبدأ العلّة الكافية، فالأفكار الموجودة في ذهن الإنسان عن الكمال واللاتناهي والقدرة الكاملة يجب أن تكون لها علّة كافية لحضورها في ذهن الإنسان، الكائن الكامل هو نفسه السبب الكافي لظهور فكرة الكمال في ذهن الإنسان.[٩]

التفكير النقدي في فلسفة ديكارت

لماذا لم تُنشر كتب ديكارت إلا بعد وفاته؟

انتقل ديكارت إلى هولندا، وكتب فيها رسالة قصيرة في وجود الله ووجود النفس، كان الهدف من هذه الرسالة إقامة أسُس علم الطبيعة، بعد أن عاد إلى الاشتغال في العلوم الطبيعيّة، وقام بتحرير كتابه "العالم" وتزامن هذا الأمر مع إصدار الكنيسة أمرًا بإدانة جاليليو لقوله بدوران الأرض، ويعد هذا الرأي جريئًا جدًا في ذلك الوقت، وكان بمثابة نقد للعلوم السائدة في ذلك العصر، وكان ديكارت من الداعمين لهذا الرأي، فقرر أن يمتنع عن نشر كتابه، وكان شديد الحرص على ألّا يخسر احترام الكنيسة، ونُشر الكتاب بعد وفاة ديكارت بسبعةٍ وعشرين عامًا، حاول ديكارت أن يمهّد الطريق إلى آرائه الفلسفية والعلمية بطريقة أخرى، فكتب رسالة أطلق عليها اسم "مشروع علم كليّ يرفع طبيعتنا إلى أعلاها، يليه البصريّات والآثار العلوية والهندسة".[١٠]


وقام ديكارت باستبدال هذا العنوان بعنوان آخر وهو "مقال في المنهج لإجادة قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم يليه البصريات والآثار العلوية والهندسة، وهي تطبيقات لهذا المنهج"، وفي هذا الكتاب يوحد ديكارت بين العلوم الطبيعية والرياضيات والفلسفة، وهكذا يكون ديكارت قدّمَ خطابًا جديدًا في تاريخ الفلسفة، يعتمد بشكل رئيس على مركزية العقل ونقد الاعتماد على الكتب القديمة، ومع ذلك فقد قدّم لاهوتيو السوربون اعتراضاتٍ كبيرة على كتب ديكارت.[١٠]

المعتقدات الدينية لديكارت 

كيف استطاع ديكارت إثبات وجود الله عقليًا؟

ينتقل ديكارت إلى إثبات وجود الله بعد الشك المنهجي، فالأنا التي تمارس عملية الشك كائن ناقص، والنقص لا يُعرف إلا مقابل الكمال، وبذلك نستنتج أن وجود فكرة الكمال فطريّ، بمعنى أنها فكرة واضحة وبسيطة وعرفها الإنسان عن طريق الفطرة، وبتحقق شرطَيْ البداهة والوضوح يبدأ ديكارت بصياغة اليقين الأول، فالكائن الكامل كليّ مقابل الإنسان الناقص الذي يُعبَّر عنه بالجزء، إذًا، الكل أكبر وأكمل من الجزء، وبعد الوصول إلى فكرة الكمال يصيغ ديكارت دليلً آخرَ على وجود الله، ويثبت فيه وجود الله انطلاقًا من وجود الذات المفكّرة، فيسأل ديكارت: من أين لهذه الذات أن تحصل على وجودها؟ يجيب ديكارت أنّه من المستحيل أن تكون الذات الناقصة سببًا في وجود ذاتها، فلا بُدّ من وجود مسبّب لهذا الوجود.[١١]

ومُسبب هذا الوجود هو الله، ويستنتج ديكارت دليلًا آخر على وجود الله وهو من أشهر تأملات ديكارت، وقد قام بتفصيله في كتاب عنوانه التأملات، وهذا الدليل هو الدليل الأنطولوجي، ويحتوي على مُسَلّمة منطقية تقضي بأنّ ما هو ممكن ومقبول منطقيًا يمكن وجوده واقعيًّا، ففكرة الله مقبولة منطقيًا ومُمكنة، وبذلك من الممكن أن يكون موجودًا واقعيًا، وقد سُمّي هذا الدليل بالدليل الأنطولوجي أو الدليل الوجودي لسببين، هما: أنه يستخلص فكرة وجود الله من فكرة الكائن الكامل، ويوحّد بين الفكر والوجود في حالة الإله، فما دامت فكرة الإله مُثبتة عقليًّا فإن وجوده سيكون واقعيًا، وكلاهما صحيح وصادق منطقيًّا.[١١]


نقد فلسفة ديكارت

لماذا انقسمت التيارات الفلسفية بعد أن انتشرت فلسفة ديكارت؟

تعدّ فلسفة ديكارت نقطة تحوّل في تاريخ الفلسفة، فالفلسفة قبله تختلف تمامًا عنها بعده، فديكارت يعدّ خالق الثنائية في الفلسفة الحديثة، وانقسم الفلاسفة اللاحقون برأيهم حول ديكارت إلى قسمين، هناك من أيّد فلسفة ديكارت ومنهم من عارضها واختلف معها.

موقف المؤيدين

بعد وفاة ديكارت وانتشار كتبه بين عامّة الناس تشكل مذهب في الفلسفة يسمّى بالمذهب الديكارتي، وهو مذهب أسّسه تلاميذ ديكارت وشارحو فلسفته، انتشر هذا المذهب في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا، خاصّة في فرنسا التي كانت موطنه الأصليّ، وانقسم هذا المذهب إلى تيّارين فلسفيّين، هما: التيار التقدمي الذي ينسب إلى ديكارت الفهم الآلي والمادي للطبيعة، ومن أشهر الفلاسفة الممثلين لهذا التيار: لامتري وكابانيس، أمّا التيار الثاني فهو التيار الميتافيزيقي الذي يؤيد ميتافيزيقا ديكارت المثالية، ومن أشهر ممثلي التيار الثاني الفيلسوف مالبرانش.[٣]

موقف المعارضين 

قدّم الفيلسوف الوجودي الفينومينولوجي -ويقصد بالفينومينولوجيا علم الظاهريات- هايدغر نقدًا مُهمًّا لفلسفة ديكارت، وذلك من خلال توجيه أسئلة راديكالية إلى فلسفة ديكارت، كما قام بتأويل الكوجيتو الديكارتي مُخالِفًا فيه الصورة التقليدية التي وصلتنا عن فلسفته، فهايدغر لا يرى فلسفة ديكارت على أنها نظرية في المعرفة، إنما يرى هايدغر أن فلسفة ديكارت تتمحور حول الكينونة، وقد أُسيء فهم فلسفة ديكارت عندما ظن الفلاسفة أنها أبيستيمولوجيا، فهي ليست كذلك، إنما هي استشكال للوجود، حتّى أن كتاب التأملات لديكارت من أعظم ما كتب حول الكينونة البشريّة بحسب وجهة نظر هايدغر.[١٢]



للاطلاع على أبرز كتب ديكارت، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: أشهر كتب ديكارت.

المراجع[+]

  1. برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية الجزء الثالث، صفحة 104-108. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث ج ح خ غادة الإمام وبدرالدين مصطفى (2012)، الميتافيزيقا، عمان الأردن:المسيرة، صفحة 90-93. بتصرّف.
  3. ^ أ ب مجموعة أكاديميين سوفياتيين، الموسوعة الفلسفية، موسكو:دار التقدم، صفحة 209-201. بتصرّف.
  4. ^ أ ب غادة الإمام وبدرالدين مصطفى، الميتافيزيقا، عمان الأردن:المسيرة، صفحة 92-93. بتصرّف.
  5. محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، صفحة 18-20.
  6. ^ أ ب ت غادة الإمام وبدرالدين مصطفى (2012)، الميتافيزيقا، عمان الأردن:المسيرة ، صفحة 93-95. بتصرّف.
  7. نايجل واربرتون (2019)، مختصر تاريخ الفلسفة (الطبعة 1)، بغداد العراق:دار الكتب العلمية، صفحة 98-101. بتصرّف.
  8. ^ أ ب زكي نجيب محمود (2018)، نظرية المعرفة، عمان الأردن:وزارة الثقافة الأردنية، صفحة 44-45. بتصرّف.
  9. ^ أ ب غادة الإمام وبدر الدين مصطفى ، الميتافيزيقا، عمان الأردن:المسيرة، صفحة 98-99. بتصرّف.
  10. ^ أ ب يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، صفحة 69-70. بتصرّف.
  11. ^ أ ب غادة الإمام وبدرالدين مصطفى (2012)، الميتافيزيقا، عمان الأردن :المسيرة ، صفحة 95-101. بتصرّف.
  12. محمد الشيخ ، نقد الحداثة في فكر هايدغر، صفحة 386-387. بتصرّف.

97128 مشاهدة