ما هي الراديكالية

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:١٢ ، ٤ فبراير ٢٠٢١
ما هي الراديكالية

أصل كلمة الراديكالية

ما هو جذر كلمة الراديكالية؟

تُعَرّف كلمة الراديكاليّة في معجم المعاني على أنّها إحدى الاتجاهات السياسيّة التي تسعى إلى الإصلاح الجذريّ والتام في المجتمع، ويقوم هذا الإصلاح على أساس إطلاق الحريات العامّة، سواء في الاقتصاد أم الحرية الفكرية، وتعود كلمة راديكالية إلى أصول يونانية، واصطلاحًا تعني: نهج تتبعه الحركات السياسية والأحزاب لإحداث تغيير جذريّ وشامل، وحديثًا أصبحت ترتبط بالجماعات المتطرفة، والمتشددة في مبادئها.[١]


تاريخ الفلسفة الراديكالية

من هم أشهر الفلاسفة الراديكاليين في تاريخ الفلسفة؟

بناءً على تعريف الراديكالية، فإن للراديكالية تاريخًا طويلًا يتزامن مع تأريخ الفلسفة، فمن الممكن اعتبار الفيلسوف سقراط فيلسوفًا راديكاليًّا، وذلك من خلال محاوراته التي كتبها أفلاطون ووصلت إلينا، مع أن سقراط نفسه لم يكتب كتابًا، والمعلومات عنه تكاد تكون محدودة، لكن، حاول سقراط من خلال محاوراته إعادة النظر في مفاهيم كثيرة، مثل: الخير والشرّ وغيرها، خاصة أنّ سقراط كان ثائرًا على السفسطائيين، والسفسطائيّة اتجاه فلسفي اعتقد نسبية المعرفة والأخلاق وذاتيّتها.[٢]

أفلاطون والراديكالية

قدّم أفلاطون رؤية للمجتمع الصالح في كتابه الجمهوريّة -والذي يعدّ أهم كتب الفلسفة السياسة على الإطلاق- وعمل على إعادة هيكلة للمجتمع؛ وذلك للوصول إلى المجتمع الفاضل أو ما يسمى بالمدينة الفاضلة، وتقوم المدينة الفاضلة على أساس العدالة، فما هي العدالة عند أفلاطون؟ قدّم أفلاطون تقسيمًا للمجتمع يتماشى مع نظرته إلى النفس البشريّة، ومن هذا المنطلق قام أفلاطون بتقسيم النفس إلى ثلاث قوى، وهي:[٣]

  • النفس العاقلة: وفضيلتها الحكمة.
  • النفس الغضبيّة: وفضيلتها الشّجاعة.
  • النفس الشهوانيّة: وفضيلتها العفّة.


فالنّفس العاقلة تمثلها طبقة الحكام في المجتمع وهم الفلاسفة، والنفس الغضبية تمثلها طبقة الحراس والجنود، أخيرًا، النفس الشهوانية وتمثلها طبقة عامة الناس في المجتمع، ويعتقد أفلاطون بأن العدالة تتحقق عن طريق الانسجام والتوازن بين الطبقات، فيجب على كل طبقة أن تلتزم بمهامها ولا تتعدى على مهام الطبقة الأخرى، وبذلك تتحقق السعادة، فالسعادة في المجتمع مرتبطة بالعدالة، كما يؤكد أفلاطون على دور التربية في تأهيل الفرد الصالح في الدولة، فيجب أن تلتزم الدولة بتأدية دورها في تربية الأطفال منذ نعومة أظفارهم.[٤]

فلاسفة العقد الاجتماعي والراديكالية

قامَت نظرية العقد الاجتماعي عند كلٍّ من الفلاسفة: جون لوك وتوماس هوبز وجان جاك روسو على عدّة أسس منها محاولة التأسيس للمجتمع المدني، وما هو المجتمع الأنسب والأكثر ملاءمة، فمثلًا يرى هوبز أن الإنسان كان في حالة الطبيعة -والحالة السابقة على تأسيس الدولة- يعيش في حرب الكلّ ضد الكلّ؛ وذلك لتأمين حاجاته نظرًا لقلة الموارد، فبالتالي فإنه يكون في صراع مع الآخرين، ما الحل؟ يتم عمل عقد بين الأطراف المتحاكمة وتدعو شخصًا ليحكمَها، وهذا الشّخص سيكون الملك، وينبغي أن يكون ذا سلطة كبيرة، ولذلك كان توماس هوبز يؤيّد الملكية المطلقة في الحكم؛ لإصلاح الحالة الطبيعيّة التي يكون الإنسان في صراع فيها.[٥]


لقراءة المزيد عن نظرية العقد الاجتماعيّ، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: معلومات عن نظرية العقد الاجتماعي.


مبادئ الفلسفة الراديكالية

لماذا تعد الراديكالية من الفلسفات الأكثر شهرة في التاريخ؟

تعرف الفلسفة الراديكالية بالتزامها اتجاه العديد من المبادئ التي جعلتها أكثر الفلسفات قبولًا وشهرةً، وهذه المبادئ هي:

  • تحقيق إصلاحات جذرية في المجتمعات: وهو هدف نفعيّ، حيث ارتبط مفهوم الراديكالية بمفهوم النفعية الذي أسسه جون ستيوارت مل وبنثام، وتطوّرت الراديكالية والبراغماتية باعتبار الإصلاح هدفًا نهائيًّا.[٦]
  • الحرية: كان للفيلسوف جان جاك روسو دور كبير في الثورة الفرنسية[١]من خلال كتابه "العقد الاجتماعي" وكانت نظرياته تخدم الديموقراطية، وروسو يؤمن بأن الإنسان يولِد حرًا، ويتم بعد ذلك تقييده بالأغلال السياسية والاجتماعية، وتظل الحرية هي الهدف الأسمى لفكر روسو، مع عدم تنازله عن أفكار أخرى مثل: المساواة والحرية والإخاء والعدالة الاجتماعيّة.[٦]

اتجاهات الفلسفة الراديكالية

هل تفرعت الراديكالية إلى مذاهب جديدة؟

هناك فروع عدة للراديكالية، ظهرت تبعًا لتوجهات الفلاسفة المختلفة في عملية الإصلاح الجذري، ومن أهم اتجاهات الفلسفة الراديكالية:

الراديكالية اليسارية

إن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع الأوروبيّ في العصور الحديثة أدّت إلى تطور مفهوم الراديكالية والتصاقه بالماركسية كتعبير عن الراديكالية السياسية، فعند منتصف القرن التاسع عشر كانت الرأسمالية قد حلت محل الإقطاع في عدد من الدول، وجلبت الرأسمالية معها تقدمًا كبيرًا في الإنتاج وتطورًا سريعًا في التكنيك والعلم والثقافة، كما وَلَدت الرأسمالية كذلك الطبقة التي قُدِّر لها أن تدمر نظام الرأسمالي، وأن تقوم بالتحويلات الاشتراكية، ونعني بها طبقة البروليتاريا أيْ: طبقة العمال، ودخلت البروليتاريا -التي تستغلها البرجوازية- في صراع عنيف ضد المستعمر بيديها، لتتفاقم التناقضات الطبقية في ظل الرأسمالية إلى درجةٍ كبيرة[٧]،الأمر الذي تجلّى في جملة من النّضالات السافرة للبروليتاريا ضدّ البرجوازية.


فقد تمرّد العمال الفرنسيّون في ليون وعمال النسيج في سيليزيا بألمانيا، وانتشرت الحركة الشُّرَطيّة في إنجلترا على نطاق واسع، وطالَبَ العمّال بظروف عمل أفضل وأجر أعلى ويوم عمل أقصر وهلمّ جرًا، لكن أعمالهم في تلك الفترة كانت تلقائية وغير منظمة، ولم يكن العمال بعد يَرَوْن بوضوح الأهداف النهائية التي يجب أن يناضلوا من أجلها، وظهرت حاجة ملحّة إلى نظرية علمية تُمكّن البروليتاريا من معرفه قوانين التطور الاجتماعي وإدراك حتميّة هلاك الرأسمالية، والوعي برسالتها كحافر قبر للبرجوازية، وبناء النظام الجديد الاشتراكي.[٨]


ويعدّ مفهوم العدالة الاجتماعية من أهم المفاهيم التي عملت الفلسفة الماركسية على صياغتها، فقد كان مفهوم الراديكالية مرتبطًا إلى حد كبير بالفكر الماركسي، بحيث تقوم فكرة الاشتراكية على أساس تأميم الملكية وإعادة توزيع لثروات، وتكون الملكية لعامة الناس، ولا ملكية خاصة لوسائل الإنتاج، إن تطور حركة البروليتارية في ذاتها قد واجهت العلم بمهمة بالغة الأهمية، وهي مهمة وضع نظرية ثورية، وقد جلب العلم -ممثلًا في شخصيّتَيْ ماركس وأنجلز- هذا المطلب التاريخي المُلحّ وتحقق وضع الماركسية التي تمثل الفلسفة الماركسية المادية الجدلية والمادية التاريخية جزءًا لا يتجزأ منها وأساسها النظري.[٩]


ولكي تتخلص البروليتاريا من الاستغلال، والتحرر من الاضطهاد القومي والبطالة والفقر، يجب عليها أن تحطّم النظام الرأسمالي وأن تُقيمَ دعائم المجتمع الاشتراكيّ، والثورة الاشتراكية هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف، فهي تلغي الاستغلال نهائيًّا وتدشن مرحلة بناء المجتمع، وإنّ الثورات السابقة على الثورة الاشتراكية لم تكن تهدف إلى إلغاء الاستغلال، بل عملت مجرد تحويرات في أشكاله، كما أنها لم تحل مهمة بناء اقتصاد جديد، وكل ما عملته هو أنها وضعت السلطة السياسية في خط يتفق مع العلاقات الاقتصادية الجديدة التي نشأت في أحشاء المجتمع القديم.[١٠]


إنّ من أهمّ واجبات الثورة الاشتراكية الأساسية بناء اقتصاد جديد "الاقتصاد الاشتراكي"، الذي لا يتكون في أحشاء الرأسمالية، وما يميز الثورة الاشتراكية هو النشاط الواسع للجماهير الشعبية في مجرى هذه الثورة التي جمعت البروليتاريا حولها والفئة العريضة من الشغيلة والقوى الديمقراطية لأجل النضال ضدّ الرأسمالية في سبيل الاشتراكية التي تقودها للبروليتاريا، بحكم كونها أكثر الطبقات تقدّمًا وثورية تحت زعامة الحزب الماركسي الذي فيه جميع الشغيلة والمناضلين ضدّ المجتمع الرأسمالي القديم.[١١]


وتنظّم الطبقة العاملة الهجومَ على رأسمالية المنطقة بالسلطة السياسية وتستولي على السلطة، وبعد ذلك تواصل قيادة جميع الشغيلة في الطريق لاشتراك أنّ المسألة الأساسية في الثورة الاشتراكية هي كشف البروليتاريا للسلطة السياسية، ثم تواصل جحيمها وتطويرها، ولا يمكن للطبقة العاملة أن تؤدي مَهمّتها إلا بتأسيس دولتها البروليتارية وقيامها بتحطيم جهاز الدولة البرجوازي، وإنشاء الدولة البروليتارية الجديدة من أكبر مهمات الثورة الاشتراكية.[١٢]


الراديكالية النسوية

تعدّ نظرية النسوية الراديكالية إحدى فروع نظريات كبرى وهي النظريات النسوية المقاومة "Resistance Gender Feminism"، وتشمل عدة توجهات منها: نظرية النسوية السحاقية، ونسوية التحليل النفسي"Psychoanalytic Feminism"، ونسوية وجهة النظر "Stand point Feminism"، ويعود سبب تسميتها بالراديكالية النسوية بسبب ما تتعرض له المرأة من قهر في العديد من المجتمعات يتقاطع مع أنواع أخرى من الاضطهاد مثل العرق والثقافة، وتهدف هذه النظرية إلى إحداث تغيير جذري في المجتمعات التي تعاني فيها المرأة من الاضطهاد والاستغلال.[١٣]

الراديكالية السلوكية

كان للفلسفة الراديكالية تأثير على علم النفس، فظهرت مدرسة جديدة في علم النفس تدعى بالراديكالية السلوكية، من أبرز روادها العالم سكينر، الذي يؤكّد أنّ السلوك البشريّ ليس عائدًا إلى تكهنات مجردة، بل يعود أسبابه إلى عوامل موضوعيّة قابلة للقياس، وهي في الغالب مؤثرات خارجية لا صلة لها بالعمليات العقلية الجوانية، والسلوك نفسه هو المحور الأول والأخير الذي ينبغي دراسته في علم النفس، ولا يجوز إدراج أيّة متغيّرات غير مادية في التحقيقات في علم النفس.[١٤]

تطور مفهوم الراديكالية

ما هي أبرز المحطات التي مر بها مفهوم الراديكالية؟

مفهوم الراديكالية من أكثر المفاهيم التي شغلت بال المفكرين العرب الذين عملوا على صياغة نظريّات إصلاحية جذرية خاصة بالمجتمع العربي، ومن هنا فإن أبرز المحطات التي مر بها مفهوم الراديكالية كانت على الصعيد العربيّ.


الراديكالية في مفهوم المفكرين العرب

إذا كانت الراديكالية في أحد مدلولاتها تعني الإصلاح، فإن الكثير من المفكرين العرب والمسلمين أخذوا على عاتقهم مَهمّة إصلاح المجتمع العربي، أهمّ أولئك العلّامة الراحل الكواكبي -رحمه الله- فلم يكن الكواكبي أول عربيّ يتصدى للاستبداد بالنقد والتجريح في العصر الحديث، فقد سبقه إلى ذلك مفكّرون كُثُر من أمثال: خير الدين وابن أبي الضياف التونسيين وجمال الدين الأفغاني، بالإضافة إلى عدد من المسيحيين السوريين الذين استقوا آراءهم السياسية من فلاسفة الثورة الفرنسية، الفيلسوف "مونتسيكيو" بصورة خاصّة.[١٥]


لكنّه من المؤكد أن الكواكبي كان أول عربيّ يتصدى للاستبداد بالتحليل والدراسة الجادّة، ومع أنه استقى عددًا من أفكار من كتاب الإيطالي في فيتوريو ألفييري في كتابه عن الاستبداد، وهو كتاب يرجح أن يكون الكواكبي قد عرفه من خلال ترجمته إلى التركية، التي قام بها عبد الله جودت، إلا أن إسهامه الذي لا يُنكَر يكمن بالصورة، خاصة كما يرى بعض الباحثين في أّنه قد عبّر عن هذه الأفكار بوضوح وشدّة في الوقت المناسب، أيْ: في أوج الاستبداد الذي وصل إليه الحكم الحميدي في مطلع القرن الرابع عشر الهجريّ، في حدود عام 1900م.[١٦]


ناقش الكواكبي -على وجه التّحديد- أفكارًا عديدة، وحاول الإجابة عن أسئلة مثل: ما هو الاستبداد؟ وما علاقته بالدين؟ ما هي آثار الأخلاقية والاجتماعية والنفسية؟ وكيف يمكن الخلاص منه؟ تلك هي أهم المسائل التي يثيرها الكواكبي، والتي لها مسافر عظيم في مشروعها السياسي الإصلاحي من حيث هو محرر قومي إسلامي رائد.[١٧]


يقول الكواكبي في كتابه المشهورطبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد: الاستبداد لغةًً هو: غرور المرء برأيه والأنَفَة عن قَبول النّصيحة أو الاستقلال في الرؤية وفي الحقوق المشتركة، ويُراد بالاستبداد -عند إطلاقه- استبداد الحكومات خاصة؛ حيث إنّ أعظم مظاهر أضراره أنّه جعل الانسان أشقى ذوي الحياة، وأمّا تحكم النفس في العقل وتحكم الأب والأستاذ والزوج ورؤساء بعض الأديان وبعض الطبقات فيوصف بالاستبداد مجازًا، أو مع الإضافة الاستبداد في اصطلاح السياسيين هو تصرّف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة أو بلا خوف تبعه، وقد تطرأ مزايدات على هذا المعنى الاصطلاحي فيستعملون في مقام كلمة استبداد كلمات مثل: استعباد واعتساف، مقابل كلمات أخرى مثل: مساواة وتكافؤ وسُلطة عامّة.[١٨]


ويعدّ الكواكبي واحدًا من أهم المفكرين الذين استند الدكتور فهمي جدعان في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث" على أفكاره، فقد ناقش العديد من الأطروحات للكواكبي، ويقول: الاستبداد فرع من فروع علم السياسة، حيث إنّ هذا العلم يدور حول إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكومة، ومن حيث أنّ الاستبداد "هو التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى".[١٩]


يرى الكواكبي أنه تضافرت آراء أكثر المحررين السياسيين من الإفرنج على أن الاستبداد السياسي متولّد من الاستبداد الديني، وبعضهم يقول إن لم يكن هنالك توليد، فلا شك أنهما أخوان صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان والمشاكل بينهما ظاهرًا من أن أحدهما حاكم في عالم القلوب والآخر متحكم في مملكة الأجسام، لكنه يؤكد أيضًا على أن هذا الحكم لا يُسقط على الدين الإسلامي، وكل من يقول إن "القرآن جاء بالاستبداد مؤيد الاستبداد السياسي أو مؤيَّد به" هو مخطئ مطلقًا، والحق أن الإسلام جاء بالحكمة والعزم هادمًا للتشريك -الذي يتضمنه الاستبداد- بالكلية ومحكمًا لقواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الديمقراطية والأرستقراطية.[٢٠]


وقام الكواكبي بصياغة مجموعة من القواعد للتخلص من الاستبداد ومقاومته، من حيث تكون ظاهره سياسية خالصة، أولها أن الأمة التي لا تشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية، ثانيها أن الاستبداد لا يقاوم بشدة، إنما يقاوم باللين والتدرج آخرها أنه يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة البديل الذي ينبغي أن يستبدل بالاستبداد.[٢١]

ظهور الراديكالية الإسلامية

ظهرت تيارات راديكالية إسلامية عملت على تغيير مفهوم الراديكالية -والذي كان يعني الإصلاح حتى القرن العشرين-، فما معنى الراديكالية الإسلامية بالمفهوم المعاصر؟ يرتبط مفهوم الراديكالية الإسلامية بمفهوم آخر وهو الإسلام السياسي، وتدّ الراديكالية الإسلامية بمثابة الخليفة لحركات وأحزاب الإسلام السياسي، والتي ظهرت في دولة أندونيسيا، ولها المرجعية الأيديلوجية خاصة بها، وكان ظهورها ناتجًا عن عدم انسجامها مع الثقافات الأخرى، مما جعلها تعتقد فقط بصحة وسلامة الثقافات والأنشطة الإسلامية، وكانت على عداء مع باقي الثقافات، وترى بضرورة الإصلاح وفقًا للرؤية الإسلامية، وعملت على تبني الفكر الثوري للإصلاح، كما أن الأسس الفكرية والأيديولوجية للجماعات الراديكالية الإسلامية، تعتمد بشكل أساسي على كتب التراث الإسلامي التي خلّفَها السّلَف.[٢٢]

العلاقة بين الراديكالية والليبرالية

ما هي الليبرالية؟

يعد الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أبا الليبرالية في العصر الحديث، والليبرالية اتجاه فلسفيّ سياسيّ يعبر عن حرية الفرد في المجالات كافة، وهي وليدة الفلسفة الحديثة، فنظرية العقد الاجتماعي عند جون لوك تقول بأن الحكومة المدينة نتيجة عقد، وهي شأن خالص من شؤون هذا العالم الدنيويّ، وليس شيئًا يتصل بالسلطة الإلهية، واعتبر بعض الكتاب أن نظرية العقد الاجتماعي حقيقة تاريخية، وعَدّها آخرون وهمًا مشروعًا.[٢٣]


والأمر المهم بالنسبة إليهم جميعًا أن نجد أرضيّة للسلطة الحكومية في الحفاظ على حقوق الأفراد، ومن ضمن هذه الحقوق هي الحرية وحق الملكية الخاصة، فكان البديل فكرة الحق الإلهي في العقد المفترض، وبحسب لوك كان الناس -ما عدا المتمردين- يحسّون بأنه لا بد من إيجاد سبب ما لطاعة الحكومات، ولم يكن يظن كافيًا القول بأن الحكومة مناسبة لمعظم الناس فلا بُدّ أن يكون للحكومة- بمعنى ما- حق اقتضاء الطاعة، وقد بدا أنّ الحق الذي يخول له عقد هو البديل الوحيد "الأمر الإلهي"، وبالتالي كانت النظرية القائلة بأن للحكومة تؤسس بعقد شائعة بالفعل عند كلّ معارضي الحق الإلهي.[٢٤]


وتعريف السلطة السياسية حسب جون لوك هي حقّ وضع القوانين مع عقوبة الإعدام، وبالتالي فإنّ كلّ العقوبات الأقل شأنًا أرادت تنظيم الملكية وصونها، واستخدام قوة الجماعة في تنفيذ مثل هذه القوانين في الدفاع عن كيان الدولة ضدّ الأذى من الأجنبيّ، وكل هذا من أجل الصالح العام وحده، كما يؤكد ذلك على أن الحكومة هي دواء المضايقات التي تنشأ في حالة الطبيعة؛ بسبب أن كل إنسان سيكون قاضيًا في قضيته، فلا بد من أن تكون الحكومة هي التي تحلّ النزاعات، ولا يجوز أن يكون الملك هو من يحل النزاعات بين الناس؛ وذلك لأنه سيكون قاضيًا ومدّعيًا في الوقت ذاته.


هذه الاعتبارات كلها تقودنا إلى نتيجة واحدة في وجهه نظر لوك القائلة بأن الحكومة ينبغي ألّا تكون مطلقة في يد السلطان، وهذا نوع من الحريات وأن السلطة القضائية ينبغي أن تستقل عن السلطات التنفيذية.[٢٥]


وتتضح لنا من خلال فلسفة لوك علاقة الديمقراطية بالليبرالية كفكر راديكاليّ إصلاحيّ، بعكس ما كان سائدًا في العصور الوسطى التي كانت تتميز بسيطرة وامتداد النفوذ الكنيسة، ويقول لوك: إنّ الغاية الكبرى لجميع الناس أن يتحدوا في مجتمعات ديمقراطية، وهم يخضعون للحكومة يحافظون على ما يملكون واتساقًا مع هذه النظرية يُعلن لوك أنه لا يمكن للسلطة العليا أن تأخذ من أيّ شخص أيّ جزء من ملكيته إلا برضاه، وبهذا تظهر الديموقراطية الراديكالية في فلسفة جون لوك، وكيف استطاع أن يطرح مفهوم الليبرالية الراديكالية.[٢٦]



لقراءة المزيد عن الفلسفة الليبرالية، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: ما هي الليبرالية.

المراجع[+]

  1. "تعريف وشرح معنى راديكالية بالعربية"، المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 22/12/2020م. بتصرّف.
  2. برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية الجزء الأول، صفحة 153. بتصرّف.
  3. أفلاطون، جمهورية أفلاطون، صفحة 83. بتصرّف.
  4. أفلاطون، جمهورية أفلاطون، صفحة 83. بتصرّف.
  5. برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية الجزء الجزء الثالث، صفحة 94. بتصرّف.
  6. ^ أ ب برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية الجزء الثالث، صفحة 302. بتصرّف.
  7. أفاناسيف، أسس المعارف الفلسفية، موسكو:التقدم، صفحة 19.
  8. أفاناسيف، أسس المعارف الفلسفية، موسكو:التقدم، صفحة 20.
  9. أفاناسيف، أسس المعارف الفلسفة، موسكو:التقدم، صفحة 20.
  10. أفاناسيف، أسس المعارف الفلسفية، موسكو:التقدم ، صفحة 330.
  11. أفاناسيف، أسس المعارف الفلسفية، موسكو:التقدم، صفحة 331.
  12. أفاناسيف ، أسس المعارف الفلسفية، موسكو:التقدم، صفحة 331.
  13. صالح سليمان عبد العظيم، النظرية النسوية ودراسة التفاوت الاجتماعي، صفحة 645. بتصرّف.
  14. "سكينر الحياة والعمل السلوكي الراديكالي"، سينات، اطّلع عليه بتاريخ 22/12/2020. بتصرّف.
  15. فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام، بيروت لبنان:الشبكة العربية للأبحاث والنشر، صفحة 324. بتصرّف.
  16. فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام، بيروت لبنان:الشبكة العربية للأبحاث والنشر، صفحة 324-325.
  17. فهمي جدعان ، أسس التقدم عند مفكري الإسلام، بيروت لبنان:الشبكة العربية للأبحاث والنشر، صفحة 325. بتصرّف.
  18. عبدالرحمن الكوتكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، صفحة 11. بتصرّف.
  19. فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام، بيروت لبنان:الشبكة العربية للأبحاث والنشر، صفحة 325.
  20. فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام، بيروت لبنان: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، صفحة 325-326.
  21. فهمي جدعان ، أسس التقدم عند مفكري الإسلام، بيروت لبنان:الشبكة العربية للأبحاث والنشر، صفحة 331.
  22. طه حميم، الوسطية إزاء الراديكالية في الإسلام، صفحة 404. بتصرّف.
  23. برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية الجزء الثالث، صفحة 206. بتصرّف.
  24. برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية، صفحة 206-207.
  25. برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية الجزء الثالث، صفحة 207-208.
  26. برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية الجزء الثالث، صفحة 210. بتصرّف.