العنف الأسري: المفهوم والتاريخ والأسباب والعلاج

العنف الأسري: المفهوم والتاريخ والأسباب والعلاج
العنف الأسري: المفهوم والتاريخ والأسباب والعلاج

العنف الأسري

ما المقصود بالعنف الأسري؟

يعدّ العنف الأسري Family Violence أحدَ أكثر أشكال العنف المرتبط بالنوع الاجتماعي بشكلٍ شائع، وهو أسلوب من الأساليب القسريّة، والذي يمكن أن يشمل الإساءة الجسدية والنفسية والجنسية والاقتصادية والعاطفية، التي يرتكبها شخص معيّن ضدّ شركاء حميميّين، بهدف إنشاء القوة والسيطرة والحفاظ عليها، وتُقدّر دراسات مختلفة أن ما بين 10% و 35٪ من البشر يتعرّضون له في مرحلة ما من حياتهم، ومع ذلك، فإنها مشكلة مهمَلة في كثير من الأحيان في المراكز الاجتماعية، فضلًا عن الوضع النفسي المرضي للضحايا.[١]

بالرغم من أن الدراسات المختلفة حوله تشير إلى عوامل خطر مختلفة، مثل العزوف عن الزواج، وانخفاض التعليم، والعنف الذي يحدث أثناء الطفولة وتعاطي الكحول والمخدرات للشريك أو الضحية نفسها، ويجد الأشخاص الذين يقعون ضحيّة صعوبةً في مشاركة تجاربهم وطلب المساعدة، وغالبًا ما يكون من الصعب على الطاقم الطبي الذي يواجه هؤلاء البشر التعرّف على العنف ومناقشة هذه المشكلة معهم، تمامًا كما يصعب تقديم المساعدة إليهم.[١]


تاريخ العنف الأسري

كيف كان يُنظر إلى العنف الأسري في السبعينيات؟

قبل مُنتصف القرن التاسع عشر، كانت معظم النظم القانونية تنظر إلى ضرب الزوجة كممارسة صالحة لسلطة الزوج على زوجته، ومع ذلك، أدّت الإثارة السياسية والحركة النسوية الأولى خلال القرن التاسع عشر إلى تغييرات في الرأي الشعبيّ والتّشريعات المتعلّقة بالعنف الأسريّ داخل المملكة المتحدة والولايات المتحدة وبلدان أخرى، في عام 1878، أتاح قانون القضايا الزوجية في المملكة المتحدة للمرأة طلب الانفصال القانوني عن الزوج المُسيء.[٢]

وبحلول نهاية سبعينيات القرن التاسع عشر، رفضت معظم المحاكم في الولايات المتحدة حق الأزواج المطالبين في تأديب زوجاتهم جسديًا، وبحلول أوائل القرن العشرين، كان من الشائع أن تتدخل الشرطة في حالات العنف المنزلي في الولايات المتحدة، لكن الاعتقالات ظلّت نادرة، وفي معظم النظم القانونية حول العالم تم التصدي للعنف الأسري فقط منذ التسعينات وما بعدها.[٢]

في الواقع، قبل أواخر القرن العشرين، كان هناك القليل من الحماية في القانون أو الممارسة ضد العنف المنزلي، كانت هناك الكثير من البلدان في جميع أنحاء العالم تحثّ على التعامل مع العنف المنزليّ على أنّه سلوك إجراميّ، وذكر أن الحق في الحياة الأسرية الخاصة لا يشمل الحق في الإساءة إلى أفراد الأسرة، لكن هذا العنف يتمّ تشجيعه في العديد من النظم القانونية ويسمح عدد كبير من الدولبالعقاب الجسدي المعتدل للزوجة والأطفال.[٢]


دوافع العنف الأسري

ما هي الأسباب التي تؤدي إلى ممارسة العنف الأسري؟

من الجوانب الشائعة لدوافع المسيئين أنهم شاهدوا الإساءة في طفولتهم، وبعبارة أخرى كانوا مشاركين في سلسلة من الدورات العنفية بين الأجيال، نهذا لا يعني أنه إذا شهد الأطفال أو تعرضوا لنوع من العنف الأسري، فسوف يصبحون مُسيئين، إذ تشير البحوث التي تركّز على الأطفال إلى أنّ التجارب طوال الحياة تؤثر على ميل الفرد للانخراط في العنف الأسري إمّا كضحيّة أو كجاني، ويُشير الباحثون الذين يدعمون هذه النظريّة إلى أنّه من المفيد التفكير في ثلاثة مصادر تؤدي إلى العنف الأسري وهي:

التنشئة الاجتماعية في مرحلة الطفولة، والتجارب السابقة في العلاقات الزوجية أو خلال فترة المراهقة، ومستويات الإجهاد وكذلك الضغط النفسي في حياة الشخص الحالية، وقد يعتقد بعض الأشخاص الذين لديهم معتقدات تقليدية جدًا في أن لديهم الحقّ في السيطرة على شريكهم، وأن النساء ليسوا مُتساويات مع الرجال، وقد يعاني آخرون من اضطراب الشخصية السادية غير المشخص، أو أيّ اضطراب نفسي آخر، ربما يكون آخرون قد تعلموا سلوكَ العنف الأسري من التنشئة الأسرية، حيث تم قبول العنف المنزلي كجزء طبيعيّ من تربيتهم في أسرهم، وهناك الأشخاص الذين يراقبون أبويهم وهم يسيئون معاملة بعضهم البعض، أو الذين تعرضوا للإساءة .وقد يدمجون الإساءة في سلوكهم ضمن العلاقات التي يقيمونها وهم بالغون.[٣]


نظريات العنف الأسري

ما هي النظريات التي تتطرق إلى تفسيرات العنف الأسري؟

تُعالج عدد من النظريات النفسيّة تفسيرات العنف الأسري، وتعترف جميع النظريّات الأكثر شيوعًا بإساءة استخدام السلطة والتحكّم من قبل المُسيئين، وعلى الرّغم من أنّ دور القوّة والتحكم يختلف باختلاف التوجّه النظري، إلا أنّ هناك أربعَ فئات نظرية رَئيسة تفسّره، وهي: نظريات التحليل النفسي للعنف الأسري، والنظريات الاجتماعية للعنف الأسري، والنظريات السلوكية المعرفية، ونظريات الأسرة والأنظمة.[٤]

وتركّز نظريات التحليل النفسي، مثل نظرية فرويد على العمليات النفسية الداخلية الفردية التي تخلق الحاجة إلى أن يكون الفرد مسيئًا أو يقبل السلوك المُسيء، بينما تركّز النظريات الاجتماعية على كيفية تعلم العدوان والإساءة والعنف من قبل أفراد الأسرة ونقلها إلى الآخرين داخل الأسرة، وتركّز نظريات علم النفس المعرفي أيضًا على كيفيّة تعلم العدوان وسوء المعاملة والعنف بين الأفراد، ولكن هذه النظريات تحاول أيضًا تفسير سبب انتقال السلوكيّات العنيفة من جيل إلى جيل أحيانًا بينما لا يتم ذلك في أحيانٍ أخرى، وأخيرًا، تركّز نظريات العائلة والأنظمة على التفاعل بين أفراد الأسرة والمسؤوليّة المشتركة عن الأحداث التي تحدث داخل نظام الأسرة، وفيما يأتي أمثلة عن النظريات في كلّ فئة:[٤]


التحليل النفسي: نظرية العلاقات الموضوعية

ما هي الأفكار التي تقع تحت نظرية العلاقات الموضوعية؟

تُشير نظريّة العلاقات الموضوعية إلى أن الإنسان مدفوع منذ طفولته المبكرة بالحاجة إلى علاقات مُهمّة مع الآخرين؛ ويقترح Fairbairn أنّ هذه العلاقات المبكّرة، بالإضافة إلى لعب دَور في التطور النفسي، تشكّل قوالب نفسيّة دائمة لجميع علاقات الفرد المستقبليّة، وتقترح نظريّة العلاقات الموضوعية أنّ الأفراد يطوّرون تمثيلات عقليّة لأنفسهم، والأفراد الآخرين، والعلاقات بينهم وبين الآخرين بَدءًا من الطفولة؛ هذه التّمثيلات العقليّة تنقل وتؤثر على العلاقات الشخصية طوال الحياة، يقترح العديد من مُنظّري العلاقات أنّ التجارب المبكرة للطفل في علاقته مع مقدّم الرعاية الأساسيّ قد مهدت الطريق لتطوير تمثيلات ذهنية مستقرّة ودائمة ومتداخلة مع الآخرين والتجارب العاطفية المرتبطة بالعلاقة بينه وبين الآخرين.[٥]

تعدّ السنوات الأولى من الحياة مهمة للغاية بالنسبة للأفراد لضمان تطوير الصحة العاطفية الكافية في الحياة اللاحقة، قد يجد الأفراد الذين يفتقرون إلى رعاية كافية خلال فترة الرّضاعة والطفولة صعوبة في الحفاظ علىاحترام الذات الصحيّ، وتنظيم استجاباتهم العاطفيّة، وإدارة القَلق في فترات الحياة، وتستمرّ احتياجات التبعيّة غير المُلبّاة في مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ، وغالبًا ما يصاحبُها شعور بالغضب من أنّ احتياجات المرء لم يتمّ تلبيتها، ونتيجة لذلك، يصبح البحث لتلبية احتياجات التبعية عندما يصبح الشخص البالغ يائسًا ومتطلبًا، مما قد يؤدّي إلى علاقات يكون فيها الشخص مُسيئًا أو ضحيّة، على سبيل المثال، تُشير الأدلة إلى أنه لم يحصل بعض الرّجال الذين يرتكبون عنفًا أسريًا -على الأقلّ- على رعاية كافية في السنوات الأولى من طفولتهم.[٦]


النظرية الاجتماعية: نظرية التحكم

ما هي الأفكار التي تتبناها نظرية التحكم؟

تعتمد نظرية التحكم على مفهوم أنّ العديد من النزاعات العائلية تنتج عن حاجة الفرد للحصول على القوّة والسيطرة والحفاظ عليها داخل العلاقة، والدافع الكامن وراء سلوك المعتدي هو القوة والتحكم اللذين يستطيع الفرد ممارستها على أفراد الأسرة الآخرين، وغالبًا ما يستخدم أفراد الأسرة الأقوياء، مثل الآباء والأزواج، التهديد أو استخدام القوة، أو التهديد بالعنف أو استخدامه للحصول على الامتثال من أفراد الأسرة الأقل قوة، على سبيل المثال، الأطفال والزوجات، وتهدف التهديدات والقوّة والسلوكيات العنيفة إلى منع أفراد العائلة الأقل قوّة من الانخراط في سلوك يقوم به ولا يريده الفرد المسيطر، أثناء إنشاء طلب على السلوكيات المرغوب فيها، بالإضافة إلى ذلك.[٧]

قد يشعر المعتدي بالحاجة إلى السيطرة على كيفية تفكير أفراد الأسرة الآخرين وشعورهم، والمسيئين، في محاولة للحفاظ على السيطرة على الآخرين أفراد الأسرة، قد يستخدمون العديد من أشكال التخويف، مثل الإكراه والعزلة والاعتداء الاقتصادي والإنكار واللوم الشخصي، ويتعلم الضحية عادةً كيفية الاستجابة لمختلف أشكال التخويف، على الرّغم من أن قد تصبح محاولة تحدّي الإساءة أو المُسيء مسألة خطيرة للغاية بالنسبة للمعتدى عليه، نتيجة لذلك، قد يبدأ الضحية في تعديل سلوكه، والتخلي ببطء عن السيطرة من أجل البقاء وتجنّب استمرار الإساءة، نتيجة التخويف الذي يستخدمه المسيء؛ لأنّ إمكانيّة الهروب تقلّ إلى حدٍّ كبير في غياب الدعم الاجتماعيّ، وقد تكون عزل الضحيّة من أيّ اتصالات اجتماعية هي الشكل الأكثر ضررًا للإساءة.[٧]


النظرية السلوكية المعرفية: التعلم الاجتماعي

ما هي الأفكار التي تتبناها النظرية السلوكية المعرفية؟

تؤكّد نظرية التعلم الاجتماعي أن الأفراد يتعلمون السلوكيات الاجتماعيّة من خلال مراقبة وتقليد الآخرين، أن تقليد النماذج هو أهم عنصر يفسّر كيفية تعلم الأطفال، ويمكن رؤية هذه العملية في تطوير اللغة والعدوان وصنع القرار الأخلاقي، وتفترض نظرية التعلم الاجتماعي أن الأفراد يصبحون عدوانيين تجاه أفراد الأسرة؛ لأنّ سلوكهم العدواني يتم تعلمه من خلال التكييف الفعال ومراقبة السلوك القدوة، ويتم تعزيز هذه السلوكيات من خلال التعزيز الإيجابي والسلبي، وكذلك قمع السلوكيات من خلال العقاب.[٨]

وفي الواقع، يمكن اختيار العقاب البدني كوسيلة للتأديب؛ لأنّه ببساطة يؤدّي إلى امتثال الأطفال لمتطلبات الوالدين، وإن البحوث النفسية تشير إلى كلٍّ من الآثار السلبية القصيرة والطويلة الأجل المرتبطة بالعقاب الجسدي، مثل زيادة العدوانية الجسدية والسلوك المعادي للمجتمع والعلاقات السيئة بين الوالدين والطفل أثناء الطفولة، والعدوان، والسلوك الإجرامي، ومشاكل الصحة النفسية، أو الإساءة للشريك أو الزوج في مرحلة البلوغ.[٨]


نظريات الأسرة والأنظمة: نظرية علاقات التبعية

ما هي الأفكار التي تتبناها نظريات الأسرة والأنظمة؟

تعتمد نظرية علاقات التبعية على مفهوم أنّ ضحايا الاعتداء يعتمدون على المعتدين عليهم، وتمّ العثور على دور التبعيّة في العنف الأسري لا سيّما في إساءة معاملة الأطفال وكبار السن والأزواج، إذ يظلّ الأطفال معتمدين على المُسيئين لأنّهم يَميلون إلى أن يكونوا أصغر وأضعف من البالغين وغير قادرين على الهروب من العائلة المسيئة أو حتّى من الحي العنيف أو قادرين على إعالة أنفسهم.[٩]

إنّ بعض كبار السن يصبحون ضعفاء ومرضى ومعتمدين ويصعب العناية بهم، مما يؤدّي إلى الضغط على مُقدّمي الرعاية والاعتمادية على المُعتَدين، وبالتالي فهم يصبحون مُسيئين تجاه أفراد أسرهم المسنين، بالإضافة إلى ذلك، وبعملية مُشابِهة لما يحدث لدى الأطفال، قد يصبح بعض كبار السن معتمدين على أفراد العائلة للحصول على الرعاية الأساسيّة، والتي قد تكون عامل خطر يؤدي إلى سوء المعاملة.[٩]

أمّا في الإساءة الزوجية، فقد تكون التبعية الاقتصادية سببًا يشرح النقاش حول سبب دخول العديد من النساء في زيجات مُسيئة، وقد يكون للزوجات اللواتي يتعرّضن لسوء المعاملة دخل ضئيل أو لا دخل لهن، وبالتالي قد يعتقدن أنهن لن يتمكن من إعالة أنفسهن أو أطفالهن إذا تركن العلاقة المسيئة، وقد يتفاقم الاعتماد لدى النساء المُهاجرات اللاتي قد يَخَفْن من البقاء بمفردهنّ في بلد أجنبيّ، وقد يَخَفْن أيضًا من إحساسهنّ بالعار لأسرِهنّ إذا تم إجبارهن على الطلاق.[١٠]


مراحل العنف الأسري

ما هي الدورة العنفية؟

يُمكن أن يحدث العنف الاسري على شكل مراحل، شكل دورة عنفية تتكرّر مئات المرات في العلاقة المُسيئة، وتستغرق الدورة العنف الإجمالية من بضع ساعات إلى سنة أو أكثر لإكمالها، وعادة ما يتناقص طول الدورة بمرور الوقت بحيث تختفي مَرحلتَا المُصالَحة والهُدوء [١١]، ويزداد العنف حدّة ويزداد توتر العلاقات، وهذه المراحل هي:[١٢]


بناء التوتر

ما علاقة التوتر بالعنف الأسري؟

ينشأ التوتر من ضغوط الحياة اليومية، مثل الصراع على الأطفال، أو القضايا الزوجية، أو سوء الفَهم، أو التجاهل، أو النزاعات الأسرية الأخرى، كما أنّه يبني نتيجة المرض أو المشاكل القانونية أو المالية أو البطالة أو الأحداث الكارثية مثل الفيضانات أو الاعتداء الجنسيّ أو الحرب، وخلال هذه الفترة، يشعر المعتدي بالتجاهل أو التهديد أو الانزعاج أو الظلم، ويستمرّ الشعور في المتوسّط من عدة دقائق إلى ساعات، على الرّغم من أنّه قد يستمرّ لعدة أشهر، ولمنع العنف، قد تحاول الضحية تخفيف التوتر عن طريق الالتزام والخضوع، وبدلًا من ذلك، قد تُثير الضحيّة المعتدي للتخلص من الإساءة أو الاستعداد للعنف أو تقليل درجة التوتّر.[١٣]


العنف الحاد

خلال هذه المرحلة يحاول المُعتدي السيطرة على ضحيته، وتحدث نوبات من العنف وإساءة المعاملة التي قد تشمل الإساءة اللفظية، والإيذاء النفسي، في هذا النوع من العنف، يتأثر كل من الشريك والأطفال سلبًا بالعنف أو برؤية العنف، وتتدهور العلاقة الزوجية أيضًا، وبالنسبة للمُعتدي فإن الإفراج عن الطاقة يقلل من التوتر، وقد يشعر المعتدي بالسيطرة على الضحية.[١٤]


المصالحة

قد يبدأ المُسيء في الشعور بالندم أو الشعور بالذنب أو الخوف من مغادرة الشريك أو الاتصال بالشرطة، وتشعر الضحيّة بالألم والخَوف والإذلال وعدم الاحترام والارتباك وقد تشعر بالمسؤولية خطأً، وتتميّز هذه المرحلة بالعاطفة، والاعتذار، أو بدلًا من ذلك، بتجاهل الحادِث، وتُشير إلى نهاية واضحة للعنف، مع تأكيدات بأنه لن يحدث مرة أخرى أبدًا، أو أنّ المعتدي سيبذل قُصارى جُهده للتغيير، وخلال هذه المرحلة، قد يشعر المُسيء أو يدّعي أنه يشعر بالندم والحزن الكبيرين.[١٥]

إن بعض المعتدين يبتعدون عن الموقف مع القليل من التعليقات، لكن معظمهم سيغمرون المُعتدَى عليهم بالحب والمودة، وقد يستخدم المسيء إيذاء النفس أو التهديد بالانتحار لكسب التعاطف أو منع المعتدى عليه من التهديد بالانفصال، وغالبًا ما يكون المسيئون مُقنعين جدًا، ويكون المعتدى عليهم حريصون جدًا على تحسين العلاقة، حيث يبقى الناجون في العلاقة.[١٥]


الهدوء

خلال هذه المرحلة، تكون العلاقة هادئة وسلميّة نسبيًا، وخلال هذه الفترة، قد يوافق المعتدي على المشاركة في الاستشارة وطلب الصلح وخَلْق جوّ طبيعيّ، وفي علاقات الشريك الحميمة، قد يشتري المُعتدي الهدايا أو قد يمارس الزوجان العلاقة الزوجية بشكلٍ عاطفيّ، وبمرور الوقت، تصبح اعتذارات المعتدي وطلبات المسامحة أقل صدقًا ويشار إلى إنها تهدف إلى منع الانفصال.[١١]

لكن الصعوبات الشخصية ستنشأ مجددًا حتمًا، ممّا يؤدي مرة أخرى إلى مرحلة بناء التوتر، قد يشمل تأثير الدورة المستمرة فقدان الحب، والازدراء، والضّيق، وقد يتطور الأمر إلى الإعاقة الجسدية، ويمكن للشركاء الحميمين أن ينفصلوا أو يطلبون الطلاق، أو قد يُقتل شخص ما في أقصى الحدود.[١١]


أنواع العنف الأسري

ما هي أشكال العنف الأسري؟

عندما يفكّر عامة الأفراد في العنف الأسري، فإنّهم يفكرون عادة في أنه اعتداء جسدي قد يؤدّي إلى إصابات واضحة للضحيّة، وهذا هو أحد الأنواع فقط من الإساءات، هناك عدة فئات من السلوك التعسفي والعنفي، لكلّ منها عواقبه المدمرة، فقد تؤدّي السلوكيات الحادّة التي يقوم بها شخص المتورط في الاعتداء الجسدي إلى تعريض الضحية لخطر أعلى.[١٦]

لكن التدمير طويل الأمد على العلاقة الشخصية التي تعاني من الإساءات كبير ولا يمكن التقليل منه، وهناك أنواع عديدة للإساءة، منها: المراقبة، والاعتداء الجسدي، والعنف الجنسي، والإساءة العاطفية، والترهيب، والعزل، والإساءة اللفظية: والتي تشمل الإكراه والتهديدات واللوم، أو استخدام الامتيازات الذكورية، أو الإساءة الاقتصادية.[١٦]


أثر العنف الأسري

كيف يقع تأثير العنف الأسري على الفرد والمجتمع؟

تُشير الدراسات الخاصة بالعنف الأسري إلى أنّه كلما زاد عدد الأطفال الذين يُعاقبون جسديًا، زاد احتمال تعرضهم للعنف تجاه البالغين من أفراد العائلة في المستقبل، بما في ذلك الأزواج أو الشركاء الحميميّون، وإنّ الأشخاص الذين تم ضربهم بكثرة عندما كانوا أطفالًا كانوا أكثر احتمالًا لأن يقوموا بضرب شريكهم عندما يصبحون بالغين، ويواجهون أيضًا المزيد من الصراع الزوجي ومشاعر الغضب بشكل عام.[١٧]

وقد وجد عدد من الدراسات أن العقاب البدني مرتبط بـمستويات أعلى من العدوان ضد الآباء والأشقاء والأقران والأزواج، حتى عند السيطرة على عوامل أخرى، وبالرغم من أن هذه الارتباطات لا تثبت وجود علاقة سببية، لكن تشير عدد من الدراسات الطولية إلى أن تجربة العقاب البدني لها تأثير سلبي مباشر على السلوكيات العدوانية اللاحقة، وقد أظهرت هذه الأبحاث أن العقاب البدني للأطفال مثل الضرب أو الصفع أو الردف يتنبأ بضعف الاستيعاب الداخلي لقيم مثل التعاطف والإيثار ومقاومة الإغراء.[١٧]

إلى جانب المزيد من السلوك المُعادي للمجتمع، بما في ذلك العنف في أثناء العلاقات الحميمة، ومع ذلك، لا يوجد سبب للعنف المنزلي يبرر تصرفات المعتدي، ولا يجب استخدامه كأساس منطقي لسلوكهم، هذه الأسباب المحتملة هي فقط لتوضيح اعتقاد المعتدي أنّه من المقبول إساءة معاملة شريكهم جسديًا أو جنسيًا أو نفسيًا أو عاطفيًا.[١٧]


الاستجابة المجتمعية للعنف الأسري

كيف يتفاعل المجتمع مع ظاهرة العنف الأسري؟

هناك عدّة مؤشّرات على دور المجتمع في توليد أو التخفيض من العنف الأسري، وقد تمّ تحديد دور العزلة الاجتماعية كمتغيّر متداخل مع الضغوطات وأحداث الحياة، وتفترض بعض التفسيرات النظرية الخاصة بدور استجابة المجتمع للأفراد والعزلة الاجتماعية أنّ إساءة معاملة الأطفال وإهمالهم ترتبط بالعلاقة بين الوالدين والطفل داخل أنظمة الدعم الاجتماعيّ، بناءً على هذا يتطلّب فَهم سوء المعاملة والعنف الأسري النظرَ إلى ما هو أبعد من الأُسَر، أيْ إلى الأحياء والأنظمة الاجتماعية الأكبر التي لديها معدلات أعلى من سوء المعاملة والعنف الأسري.[١٨]

وقد درس غاربينو وشيرمان المجتمعات التي تمّت مطابقتها على الوضع الاجتماعيّ والاقتصادي والعرقي، ولكن كان لها معدلات مختلفة من سوء معاملة الأطفال المبلغ عنها، ووجدوا أن المشاكل الأسرية في الأحياء عالية الخطورة كانت أسوأ بكثير عندما تم عزل العائلات بدلًا من كونها جزءًا من المجتمع، وأشارت دراسة لاحقة للمجتمعات في منطقة شيكاغو إلى أن المناطق التي لديها أعلى معدلات للعنف الأسري كان لديها اضطراب اجتماعي أكبر في شكل جريمة، إلى جانب عدم توفر الخدمات الاجتماعية وشبكات الدعم وقلة أو عدم المعرفة بشأن الموارد الموجودة.[١٩]


أمثلة من العنف الأسري في المجتمعات

تختلف التعريفات المحلية للإساءة والعنف على نطاق واسع، لذا يصعب تحديد الانتشار الفعلي للعنف الأسري في ثقافات معينة، ويتم منع الاعتراف الكامل بالعنف من خلال بعض البيئات الثقافية المتميزة بهيمنة الذكور، وأدوار الجنسين الثابتة، وعدم الإبلاغ عن الإساءة بسبب الخجل، والخوف من الانتقام، ففي العديد من المجتمعات الأبوية، من المقبول للرجل تأديب زوجته باستخدام الوسائل المادية، فقد ذكر غالبية القرويين الذين تمت مقابلتهم في غانا أنه من المناسب للرجل أن يعاقب زوجته جسديًا [٢٠]، وأظهرت المواقف التي تم الإبلاغ عنها بين اليابانيين أن الرجال والنساء من جميع الطبقات والمستويات التعليمية يقبلون أن للرجال الحق في ضرب زوجاتهم [٢١]. أما في البلدان الإسلامية، تعاني بعض النساء من العنف من أزواجهن أو أقاربهن الذكور، وهي ممارسة تسمح بها المعايير الاجتماعية [٢٢]، وفي الولايات المتحدة التي لديها الآن سياسة عنف أسري متقدمة، لم يمنع قانون -قاعدة الإبهام- الرجل من ضرب زوجته، لكنه حدد فقط سمك الأداة التي يمكن أن يضربها بها[٢٣]. تم توثيق العنف المنزلي الشديد والمستمر في كل ثقافة، باستثناء بعض المجتمعات النادرة والمعزولة وما قبل الصناعيّة وغير الأبويّة.[٢١]


علاج العنف الأسري

هل يمكن علاج العنف الأسري؟

هناك عدة طرق لعلاج العنف الأسريّ من أهمها تصديق الضحية وعدم لومه على سوء المعاملة، فالأشخاص المُعتَدون عليهو غير مسؤولين عن الإساءة ولا يستحقون الإساءة ويجب الاستماع إليهم عند الشكوى، فهم معرّضون لنوبات الغضب والخوف والخجل، وعند ملاحظة آثار كدمات وضرب على جسد الضحية يجب إبلاغ السلطات بذلك منعًا لتفاقم الأمر، كذلك من المهمّ إصلاح التشريعات من أجل ضمان أنّ العنف الأسري يقع ضمن نطاق القانون، وهذا قد يعني إلغاء القوانين القائمة التي تميز ضد المرأة والطفل وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.[٢٤]

فعندما يسمح القانون للأزواج بتأديب الزوجات جسديًا، فإن تنفيذ برنامج لمنع عنف الشريك قد يكون له تأثير ضئيل في قوانين الزواج، ويجب أن تكون النساء أيضًا قادرات على الدخول بحرية في الزواج أو تركه، والحصول على الائتمان المالي، وامتلاك وإدارة الممتلكات وإلغاء أو تقييد عرض وتلقّي المهر والتدقيق في أثر هذه المعاملات على القرارات التشريعيّة المتعلقة بالعنف الرقميّ مهمّ أيضًا.[٢٤]

وقد ذَكرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن التشريع يجب أن يضمن أن مرتكبي العنف المنزلي بما في ذلك الاغتصاب الزوجي، فلا يمكن للزوج استخدام حقيقة أنه دفع مهر العروس دفاعًا عن تهمة العنف الأسري، وقد تؤدي المعايير الجنسانية التي تعزز دونية النساء إلى إساءة معاملة النساء من قبل الشركاء الحميميّين، وذكر تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن تفكيك الهياكل الهرمية للرجولة والأنوثة التي تستند إلى سيطرة المرأة، والقضاء على العوامل الهيكلية التي تدعم عدم المساواة، من المرجّح أن تسهم إسهامًا كبيرًا في منع الشريك الحميم من العنف الأسري والعنف الجنسي.[٣]

وفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، فإنّ من الاستراتيجيات الرئيسة في منع العنف الأسري تعزيز العلاقات المحترمة واللاعنفية من خلال التغيير على المستوى الفردي والمجتمعي والاجتماعي وبرامج التدخّل المبكر، مثل البرامج المدرسية لمنع العنف الأسري.[٢]

قد تكون فعّالة أيضًا وقد تدفع الأطفال الذين ينشأون في منازل عنيفة إلى الاعتقاد بأن مثل هذا السلوك هو جزء غير طبيعيّ من الحياة، لذلك من المهمّ تحدّي مثل هذه المواقف عندما يكونون موجودين بين هؤلاء الأطفال، في نهاية المطاف، يحتاج المعتدي إلى الحصول على مساعدة لسلوكه غير الصحّيّ والمدمّر، أو أنه قد يجد نفسه يعيش حياة منعزلة وحيدة.[٢]


كيفية تقليل العنف الأسري مجتمعيًا

كيف يمكن الحد من ظاهرة العنف الأسري؟

هناك عدد من الإرشادات للعمل مع المجتمعات وداخلها لمنع العنف الأسري، وتغطي هذه الإرشادات عمليات بناء التعاون والاعتراف بالقيم الثقافيّة والتواصل وغير ذلك، ويجب الانتباه بشكل كبير إلى التعقيد الذي تتميز به المجتمعات، وبالتالي تنوع الدوافع والأسباب للعنف الأسري في البيئات التي قد تعاني بعض الأحيان ممّا يعد فقرًا كبيرًا أو من البطالة وإساءة استخدام العقاقير والإدمان، بالإضافة إلى العنف الأسري، وتشمل التوصيات ما يأتي:[٢٥]


  • مساعدة أفراد المجتمع على اعتبار العنف الأسري مسألة أولوية. لدى أعضاء المجتمع العديد من المشكلات في أذهانهم، قد يكونون أكثر استعدادًا للبدء بمناقشة تعاطي المخدرات أو العنف في الشوارع مثلًا، بدلًا من الحديث عن العنف في المنازل، والذي قد يُنظر إليه غالبًا على أنه قضية خاصة، ولكن بمجرد أن تشعر العائلات -بالإذن- للتحدث بصراحة ومعرفة أنها تستطيع فعل ذلك بأمان، ستبدأ في إقامة روابط قوية بين العنف في المنزل والمشاكل الأخرى التي يعاني منها المجتمع، ويمكن للمعالجين النفسيين والاجتماعيين توفير منتدى آمِن حيث يمكن للأشخاص التحدث عن تأثير العنف الأسري على المجتمع ككلّ كنوع من الحديث عن سلامة ورفاهية الجميع، والصلة بين العنف في المنزل وفي الشارع، وسجن الجناة، والزيادة الناتجة عنه في الفقر ونمو الأطفال بدون أحد الأبوين في المنزل، ومخاطر العنف المنزلي إذا امتدت إلى مجالات عامة مثل مكان العمل وما إلى ذلك.
  • مساعدة السكان والمعالجين المحليين على معالجة قضايا العنف الأسري بطرق لا تصف أو تتهم الناس بأنهم سيئون، سيساعد ذلك على تعزيز القيم والمعايير المجتمعية التي تجعل من المقبول التحدث عن العنف الأسري، وبالتالي التدخل عندما يكون شخص ما في خطر.
  • عدم توجيه اتّهام للرجال في المجتمع. فغالبًا ما يشعر الرجال باللوم والدفاع والاستبعاد عند ظهور قضية العنف الأسري، ويعتقد البعض أن أنظمة الخدمة الاجتماعية متحيزة لصالح المرأة وعقابية على الرجال، إنّ تأطير جميع الرجال كمرتكبين أو مرتكبين محتملين للعنف يجعل من الصعب عليهم تقبل المناقشات، ومن المهم إنشاء لغة وسياق لتعبئة المجتمع تشمل الرجال وترحب بهم، وتعترف بأنهم قد يكونون أكثر حاملي الرسائل المناهضة للعنف فعالية إلى الرجال والشبان الآخرين.
  • إنّ العمل الحقيقي لتعبئة المجتمعية ضد العنف المنزلي يحدث في السياق الثقافي للمجتمع، إذ يجب أن تتوافق جهود معالجة العنف المنزلي مع الأعراف الثقافية وأن تكون طويلة الأمد، لحماية المجتمع من المؤثرات الخارجية التي يمكن اعتبارها معادية أو عنفية، وعند صياغة أهداف أي برنامج علاجي وأساليبه، يجب الاستماع إلى أصوات المجتمع التي تعكس مواقفه وتقاليده الثقافية، فالبرامج التي تم إنشاؤها عن بعد من قبل الغرباء عن المجتمع قد يكون لديها فرصة أقلّ للنجاح.

المراجع[+]

  1. ^ أ ب "Domestic_violence_against_women_Definitions_epidemiology_risk_factors_and_consequences", www.researchgate.net, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  2. ^ أ ب ت ث ج "domestic-violence-and-abuse", www.helpguide.org, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  3. ^ أ ب "Sexual and Family Violence in Europe", www.researchgate.net, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  4. ^ أ ب "Theoretical Basis for Family Violence", www.scirp.org, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  5. "ATTACHMENT TO THE ABUSER: INTEGRATING OBJECT-RELATIONS AND TRAUMA THEORIES IN TREATMENT OF ABUSE SURVIVORS", hametapel.com, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  6. "Relationships Between Objective and Perceived Housing in Very Old Age", academic.oup.com, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  7. ^ أ ب "Family Violence What Health Care Providers Need to Know", books.google.jo, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  8. ^ أ ب "Slapping and spanking in childhood and its association", www.ncbi.nlm.nih.gov, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  9. ^ أ ب "Financial Abuse of the Elderly in Domestic Setting", www.who.int, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  10. "Womens realities defining violence against women by immigration, race, and class", journals.sagepub.com, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  11. ^ أ ب ت "Cycle_of_abuse", en.wikipedia.org, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  12. "Domestic Violence: Causes and Cures and Anger Management", books.google.jo, Retrieved 2020-05-28. Edited.
  13. "Practice-Guide-Domestic-Violence_Eng-Final.pdf", www.dcaf.ch, Retrieved 2020-06-03. Edited.
  14. "IR_5_Cycle-of-violence-factsheet.pdf", www.bdvs.org.au, Retrieved 2020-06-03. Edited.
  15. ^ أ ب "The_Cycle_of_Violence_Examining_the_Impact_of_Maltreatment_Early_in_Life_on_Adult_Offending", www.researchgate.net, Retrieved 2020-06-03. Edited.
  16. ^ أ ب "types-of-abuse", www.acesdv.org, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  17. ^ أ ب ت "Effect of domestic violence training", www.cfp.ca, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  18. " Child maltreatment as a community problem", www.ncbi.nlm.nih.gov, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  19. "Social Development: History, Theory, and Research", books.google.jo, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  20. "Domestic violence and mental health", psycnet.apa.org, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  21. ^ أ ب "cross-cultural-perspectives", criminal-justice.iresearchnet.com, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  22. "Violence against women in Arab and Islamic countries", www.ncbi.nlm.nih.gov, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  23. "Domestic violence: rule of thumb", www.ncbi.nlm.nih.gov, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  24. ^ أ ب "Domestic Violence: Causes and Cures and Anger Management", books.google.jo, Retrieved 14-09-2020. Edited.
  25. "Preventing Family Violence: Made possible by a grant from The Annie E. Casey Foundation Community Engagement Makes the Difference", www.futureswithoutviolence.org, Retrieved 2020-05-21. Edited.

874 مشاهدة