مفهوم الإيثار

مفهوم الإيثار

تعريف الإيثار

كيف عرَّف العلماء والمفكرون الإيثار؟

الإيثار لغةً هو اسم مشتقٌّ من الفعل "آثر" ومضارعه يؤثر، ويعني التقديم والاختيار والاختصاص، ومن ذلك قولنا "استأثر بالشيء" بمعنى أنّه اختص به نفسه واستبد، كما يقال: "استأثر الله بفلان" إذا مات أحدهم ورجي له الغفران، ومنه الأثرة التي تعني التقدم والاختصاص.[١]


أما تعريف الإيثار اصطلاحًا فهو صفة من الصفات الحميدة التي يتحلّى بها الصالحون، ويعني تقديم الإنسان لحاجات الآخرين على حاجاته، وإن كان هذا التقديم على حساب ما هو ضروري له، كأن يجوع الإنسان ليطعم غيره ويعطش ليروي الآخرين ويموت فداء لحياة أحدهم، والإيثار من أعظم الصفات التي يتصف بها المرء وأنبلها وهو على عكس الأثرة التي تعني تفضيل الإنسان نفسه على الآخرين في كل أمر.[٢]


الإيثار رحمة من الله الكريم، أودعها في قلوب عباده الصالحين فأطعموا فيها الجائع وأغاثوا الملهوف وأنفقوا على اليتيم، ولا يحمل هذه السجية في صدره إلا إنسان عطوف رحيم لا يحتمل أن يرى في الناس سوءًا، كما أنه يسارع إلى فعل الخير بقلب مؤمن بحسن الخاتمة فيرجوها في دعاء الأرامل واليتامى والمسنين والعاجزين لتكون حسنات ترفع درجات العبد في خاتمته وتغفر ذنوبه في آخرته.[٣]


لقراءة المزيد، انظر هنا: الإيثار في الإسلام.


درجات الإيثار

ما هي درجات الإيثار؟

للإيثار درجات مختلفة، اختصرها القدماء في ثلاث درجات هي:[٤]

  • الدرجة الأولى: وفيها يكون معنى الإيثار أن تؤثر الناس على نفسك في أمور لا تحرم عليك دينا ولا تقطع عليك طريقًا ولا تفسد وقتًا من أوقاتك، أي: أن تُقدّم مصالحهم على مصالحك دون أن يؤدي ذلك إلى ارتكاب أمر لا يجيزه الدين.


  • الدرجة الثانية: وفيها يؤثر المرء رضا الله تعالى على رضا أي أحد آخر غيره مهما واجه من عقبات وضغوطات، فيفعل ما فيه مرضاة الله وإن كان يغضب الناس ويُخالف أهواءهم، وهذه الدرجة يختص بها الأنبياء وفي أعلاها الرسل.
  • الدرجة الثالثة: وهي إيثار الله تعالى، وتعني أن ينسب المرء إيثاره إلى الله لا لنفسه، فإذا آثر غيره بشيء فإنّ المنبع الأساسيّ لهذا الفعل هو الله تعالى لا الإنسان فالله هو المؤثر في الحقيقة.


صور عن الإيثار

كيف يتجلى إيثار الإنسان للإنسان بشتى صوره؟

الإيثار يأخذ أشكالًا عديدة ولا يكون واحدًا في الظروف جميعًا، ومن صوره:[٥]

  • إيثار الرسول: عن النبي الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه حين جاءته امرأة تحمل إليه بردة نسجتها لتعطيه إياها فأخذها النبي وقد كان محتاجًا إليها وخرج بها إلى الناس فطلبها رجل من القوم ليكتسي بها فجلس النبي في مجلسه ثم طوى البردة وأعطاها للرجل.


  • إيثار الأنصاري: لما قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة آخى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان عند الأنصاري امرأتان فعرض على عبد الرحمن أن يناصفه ماله وأهله فدعا له بالبركة وانصرف يسأل عن السوق.


  • إيثار بالحياة: ذكر حذيفة العدوي حادثة جرت في معركة اليرموك، حين كان يبحث عن ابن عمه المصاب حاملًا له الماء ليسقيه ويمسح على وجهه، فلمّا وجده كان عطشا فهم بسقايته فإذا برجل يتأوه فأشار إليه ابن عمه أن يذهب ويسقيه فلما جاءه أشار إليه ليسقي آخر فانصرف إليه فوجده ميتا فعاد إلى الثاني وقد مات ولما رجع إلى ابن عمه وجده ميتًا أيضًا.


  • أخي وعياله أحوج: أهدي أحد صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شاة فقال: إنّ فلانًا أحوج إليها فبعث بها إليه وبعثها الثاني إلى غيره وبقي الحال هكذا حتى مرت بسبعة بيوت فرجعت إلى الأول، فنزلت الآية الكريمة {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.[٦][٥]


أهمية الإيثار

ما الفوائد التي نجنيها من الإيثار؟

يعود الإيثار بالكثير من المنافع على الفرد والجماعة ونذكر من هذه المنافع:[٧]

  • إنّ الإيثار من أفضل الطرائق المتبعة للتعبير عن محبة العبد لربه ولبلوغ العبد محبة الله ومغفرته.
  • ثمار الإيثار ترافق المؤثر في الدنيا والآخرة، فيجني محبة الناس في الحياة والجزاء الحسن بعد الممات.


  • الإيثار يساعد المرء على التخلق بالأخلاق الحسنة كالرحمة وحب الخير والسعي لمنفعة الناس والابتعاد عن البخل والطمع.
  • الإيثار هو اقتداء بما أمر به الإسلام وتخلق بخلق النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-.


  • الإيثار يطرح البركة في حياة المرء وفي طعامه وماله وكل ما يملك.
  • دليل على وجود التعاون والمحبة بين أبناء المجتمع الواحد، بينما يدل فقدانه على خلو المجتمع من هذه الصفات التي تسهم في تقدم البلاد وتطور المجتمع.
  • هو خير دليل على تحقيق الكمال الإيماني، فهو أكبر الدلائل على صدق إيمان المرء وأحسن الثمار المجنية من هذا الإيمان.


أقوال عن الإيثار

ما هي أبرز الأقوال المأثورة في فضل الإيثار وأهميته؟

وقد قيل في محاسن الإيثار ومزاياه الكثير من الكلمات البليغة التي تصف حال المؤثرين وضرورة الإيثار في الناس، نذكر منها:[٨]
  • أبو سليمان الداراني: لو أنّ الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له.
  • أبو حفص: الإيثار هو أن يقدم حظوظ الإخوان على حظوظه في أمر الدنيا والآخرة.


  • يوسف بن الحسين: مَن رأى لنفسه ملكًا لا يصح منها الإيثار، لأنه يرى نفسه أحق بالشيء برؤية ملكه، إنما الإيثار ممن يرى الأشياء كلها للحق، فمن وصل إليه فهو أحق به، فإذا وصل شيء من ذلك إليه يرى نفسه ويده فيه يد أمانة يوصلها إلى صاحبها أو يؤديها إليه.


  • قال أحدهم: الإيثار لا يكون عن اختيار، إنما الإيثار أن تقدم حقوق الخلق أجمع على حقك ولا تميز في ذلك بين أخ وصاحب ذي معرفة.
  • أبو سليمان الداراني: إني لألقم اللقمة أخًا من إخوتي فأجد طعمها في حلقي.

المراجع[+]

  1. مجموعة من المؤلفين، موسوعة الأخلاق الإنسانية الدرر السنية، صفحة 97. بتصرّف.
  2. محمد نصر الدين محمد عويضة، فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، صفحة 332. بتصرّف.
  3. محمد مختار الشنقيطي، دروس للشيخ محمد مختار الشنقيطي، صفحة 53. بتصرّف.
  4. مجموعة من المؤلفين، موسوعة الأخلاق الإسلامية الدرر السنية، صفحة 105. بتصرّف.
  5. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين، موسوعة الأخلاق الإسلامية الدرر السنية، صفحة 110-111-112. بتصرّف.
  6. سورة الحشر، آية:9
  7. مجموعة مؤلفين، موسوعة الأخلاق الإسلامية الدرر السنية، صفحة 104. بتصرّف.
  8. مجموعة من المؤلفين، موسوعة الأخلاق الإسلامية الدرر السنية، صفحة 115. بتصرّف.