الدولة الإخشيدية في مصر

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٢١ ، ٧ نوفمبر ٢٠١٩
الدولة الإخشيدية في مصر

أهمية مصر التاريخية

كان لمِصرِ عبر التاريخ مرتبة عُليا، ومكانة رفيعة، مما جعَل مصر داومًا محطَّا للأنظار، ومطمَعًا للأعداء؛ فهي منذ فجر التاريخ ومنذ 3200 سنة ق.م مهد للحضارات، ففيها قامت الحضارة القديمة في وادي النيل، والحضارة الفرعونية، ومن ثم توالت عليها الممالك والدول، فكانت قائدة للنهضة في كل مكان، وكانت أرض العِلم والعلماء بما فيها مِن مؤسَّسات علمية ودينية، ومنها الجامع الأزهر الشريف. وبلغت أهميتها الدينية والتاريخية أن ذكرها القرآن الكريم في ثمانية وعشرين موضعًا، كما مرّ ذكرها في العديد من مصادر التاريخ والأدب خاصة بعد الفتح الإسلامي لمصر، ولأهمية مصر التاريخية، فإن هذه المقالة ستتناول واحدة من الدول التاريخية التي مرّت عليها، وهي الدولة الإخشيدية في مصر.[١]

من هم الإخشيديون

تنسب الدولة الإخشيدية في مصر إلى الإخشيديون، أو كما يعرفون ببني إخشيد، وهم سلالة تركية مستعربة تنحدر من قائد عسكري صعد في فرغانة التي تعرف بطاجكستان. وقد حكمت هذه الأسرة في مصر والشام في الفترة ما بين 935- 969م، وكانت الفسطاط عاصمة حكمهم. أول من عرف من الإخشيديين هو جف بن يلتكين، صاحب سرير الذهب، وكان قد جاء إِلى العراق بعد أن طلب المعتصم من خلفاء الدولة العباسية إحضاره إليه لما عُرف عنه من شجاعة وإقدام في الحروب، بعد أن بدأ المعتصم يعتمد على الأتراك في جيشه، فالتحق جف بجيش المعتصم في سامراء، وبقي في الجيش في عهد الواثق ثم المتوكل، وتوفي سنة 861م.[٢]

كان من ولد جف طغج أي عبد الرحمن وأخوه بدر، اللذان التحقا بالدولة الطولونية التي أسسها أحمد بن طولون، فأصبح بدر من قادة العيش، وتقلد طغج عدة أعمال إِدارية، منها حكم دمشق وطبرية في عهد خمارويه. ولكن الأخير ما لبث أن تمرد على خماروية رافضًا ما كلفه به من قتل راغب الخادم والي الثغور، وأخذ يتلمس المعاذير لنفسه. وحين عزم خمارويه الفتك بطغج قتل من أعدائه، فبقي طغج حاكمًا على دمشق وطبرية في عهد جيش بن خمارويه الطولوني، ومن ثم تمرد وأخوه بدر على جيش وقتلاه، وعينا هارون بن خمارويه واليًا مكانه.[٢]

حكم طغج بلاد الشام في عهد هارون بن خمارويه حكماً مستقلا، وكان له أثر كبير في تحريض بعض قادة الطولونيين في الجيش العباسي على أمرائهم، فكان لهم دور في القضاء على الدولة الطولونية بعد أن غلت يد الدولة العباسية عنها وقتا طويلا. وبعد القضاء على الطولونيين، تولى طغج ولاية قنسرين إلى أن ذهب إِلى بغداد حاضرة الخلافة العباسية سجن هناك مع ولديه محمد وعبيد الله، في عهد الخليفة المكتفي بالله 901- 908 م، وظل طغج محبوسا حتى توفي في السجن وخرج ابناه، فالتحق عبيد الله بخدمة أمير شيراز بفارس، والتحق ابنه محمد الذي أسس الدولة الإخشيدية في مصر بخدمة أحمد بن بسطام عامل الخراج بالشام.[٢]

الدولة الإخشيدية في مصر

تُعرف الدولة الإخشيدية في مصر بأنها إمارة إسلاميَّة أسَّسها مُحمَّد بن طُغج المملوك التركي من أسرة ملوك فرغانة، وامتدت حدودها إلى بلاد الشَّام والحجاز، بعد انهيار الدولة الطولونية، وعودة الشام ومصر إلى قبضة الدولة العبَّاسيَّة. عين الخليفة العبَّاسي أبو العبَّاس مُحمَّد بن طغج الإخشيدي واليًا على مصر، فساعد الأخير على تحقيق الأمن والاستقرار للدولة العبَّاسيَّة بقضائه على المتمردين عليها، وحدّ من أطماع الفاطميين في مصر، وأخرجهم من الاسكندرية. وبذلك لقّبه الخليفة لقبًا تشريفيًا فارسيًا هو "الإخشيد"، فما لبث الإخشيد أن استقلَّ بِمصر عن الدولة العبَّاسيَّة، واستولى على أغلب أجناد الشَّام بعد موت ابن رائق -الذي كان قد استولى على حمص ودمشق- لتوسيع الدولة الإخشيدية في مصر عدا حلب التي تركها لحكم الحمدانيين. ثُمَّ توسع في سيطرته وضمّ إلى دولته الحِجاز بعد أن قلده الخليفة حكم مكّة والمدينة.[٣]

تولَّى أبو المسك كافور الإخشيدي الحبشي شُؤون الحُكم في الدولة الإخشيدية في مصر، نيابةً عن ولد الإخشيد: أُنوجور. وعندما مات أنوجور انفرد كافور بالحُكم، ووسع إمارته مُستفيدًا من تزعزع أركان الدولة الحمدانيَّة، ورضى الخِلافة العبَّاسيَّة عنه مقابل ضعفها في بغداد، وصموده أمام هجمات الفاطميين القادمين من إفريقيا. حكم كافور في الدولة الإخشيدية في مصر 22 عامًا من أصل 34 سنة من عمر الدولة الإخشيديَّة، ويعتُبر وصوله قمَّة الحُكم وهو الخادمُ المملوك حادثةٍ تاريخية فريدة من نوعها في التاريخ الإسلامي. عندما مات كافور، ضاع التوازن السياسي للدولة الإخشيدية في مصر، بعد أن خلفه أبو الفوارس أحمد وعمره 11 عامًا، وهو حفيد الإخشيد، فلم يستطع مقاومة القُوَّات الفاطميَّة التي استولت على مصر، وأسقطت الدولة الإخشيديَّة. وبدأ في مصر والشَّام الدولة الفاطمية.[٣]

اضطرابات الدولة الإخشيدية في مصر

عاشت الدولة الإخشيدية في مصر عددًا من الاضطرابات التي أدت إلى سقوطها، وأول الاضطرابات التي عاشتها الدولة الإخشيدية في مصر هي خروج الحسن بن عُبيد الله بن طُغج والي الشَّام على الاجتماع الذي نُصب فيه أحمد بن علي بن الإخشيد واليًا بعد كافور، فأخذ البيعة لِنفسه واستولى على أموال الرملة، وعيَّن أبا الفضل جعفر وزيرًا مسؤولًا عن إدارة الشؤون الماليَّة، وشمول الإخشيدي صاحب الحمَّام بِمصر، على الرجال والعساكر. فأدى ذلك إلى اضطراب في الدولةـ تلته مجموعة من الاضطرابات منها:[٤]

غارات القرامطة على الشام

من الاضطرابات التي أدّت إلى سقوط الولة الإخشيدية في مصر، هجوم القرامطة بِزعامة الحسن الأعصم على الشَّام ودمشق ثم الرملة سنة 968م، فتصدَّى لهم الحسن بن عُبيد الله الإخشيدي، وانهزم أمامهم، فدخلوها واستباحوا حرمتها لِمُدَّة يومين، وسبوا عشرة آلاف من سُكَّانها، وفرضوا جزية قدرها مائة وخمسة وعشرين ألف دينار على سكانها فاضطرَّ الحسن بن عُبيد الله أن يتفق معهم على مبلغٍ من المال قدره ثلاثمائة ألف دينار سنويًا، وعلى الاعتراف بِسُلطتهم ونُفوذهم على الشَّام، فأصبحت البلاد تحت السيطرة القُرمُطية في أواخر عهد الدولة الإخشيديَّة وقُبيل الغزو الفاطمي لِمصر، وأصبحت السلطة الإخشيدية في الشَّام بِحُكم الزَّائلة.[٤]

ثورة أهل طرابلس الشام

من الأسبات التي أدّت إلى سقوط الدولة الإخشيدية في مصر، قيام ثورة في طرابُلس الشَّام سنة 968م ضدَّ الحُكم الإخشيدي، بعد أن استبد الوالي أبي الحسن أحمد بن غُرير الأرغلي في مُعاملة أهالي طرابلس، التي كانت تابعة آنذاك لِولاية دمشق، وكان واليها هو الذي عيِّنُ حاكم المدينة، فقام الأهالي بِطرد واليهم من المدينة، فتحصَّن بِعرقة وأقام بها، حتى أصبح سُكَّان طرابُلس دون والٍ ولا أمير. وفي غُضون ذلك وصل الإمبراطور البيزنطي نقفور فوقاس الثاني إلى طرابُلس في حملة كُبرى على الشَّام لأخذها من المُسلمين، بعد أن استولى على شمالي البلاد ومنها عرقة، فقبض على أبي الحسن بن غُرير الأرغلي، ثُمَّ دخل طرابُلس يوم عيد الأضحى وسيطر عليها، وأحرق ربضها ورجع إلى بُلدان السَّاحل.[٤]

اضطراب الأوضاع الاقتصادية في مصر

من اضطرابات الدولة الإخشيدية في مصر، تدهور الحالة الاقتصاديَّة في مصر سنة 963م، التي شهدت حالة من الجفاف مدة تسعة أعوام متتالية؛ بسبب نقصان في فيضان نهر النيل واختفاء القمح واضطراب الأسعار، كما ارتفعت أسعار الحُبوب والأقوات، وصاحب الجفاف وباءٌ عظيم، هلك معه عدد كبير من النَّاس من الجوع، وكان الناس قد تحولوا إلى أكل الميتة والجيف. ومنها أيضًا عدم القدرة على دفن الموتى الذين كانت تحفرُ لهم حُفرًا ويُرمون فيها جماعات، ويُردم عليهم التُراب. ومن سوء الحالة الاقتصادية ثقُلت وطأة الضرائب على السُكَّان، مما أفقد الحُكومة كُل هيبة واستقرار، خصوصًا بعد عجزها عن دفع رواتب الجُند، وجمع الضرائب، وضعف الخليفة المُطيع في بغداد، فتزايدت الثورات، فكانت هذه فرصة للفاطميين لضم مصر إلى ممالكهم، فأخذ الخليفة الفاطمي أبو تميم معدّ بن المنصور المُعز لِدين الله يعُد العُدَّة لِغزو مصر وانتزاعها من يد العبَّاسيين.[٤]

سقوط الدولة الإخشيدية في مصر

أما السبب المباشر لسقوط الدولة الإخشيدية في مصر، فكان بعد إساءة الحسن بن عُبيد الله الإخشيدي مُعاملة السُكَّان أشهر تصرّفه في شُؤون الحُكم بِمصر، فسجن مجموعة من أعيان الدولة وصادر أموالهم، مما دفع بعدد كثير منهم إلى الهروب إلى المغرب وعلى رأسهم الكاتب الشهير يعقوب بن كلس، والتحقوا بِخدمة الفاطميين هناك. كما قامت مجموعة من الأُمراء الإخشيديين الذين لم يرضوا عن حال البلاد في ظل حكم الحسن الإخشيدي إلى مُراسلة الخليفة الفاطمي يستدعونه لِيتسلَّم مصر، ووعدوه بِالمُساعدة والمُساندة في الوطول إلى السلطة بِغير قتال على ألا يُرغم أحدًا على التشيُّع.[٤]

في الحقيقة، كان الدُعاة الفاطميين كانوا قد اختراق الجبهة الداخليَّة للدولة الإخشيدية في مصر، واستقطبوا بعض المصريين وجذبوهم إلى الدعوة الفاطميَّة، في الوقت الذي كان فيه المصريون بحاجة إلى حاكم جديد يُريح البلاد من التخبط في المشاكل السياسيَّة والاقتصاديَّة، فكتب أولي الرأي إلى المُعز للقدوم إلى مصر وإنقاذها من الفوضى التي عاشتها مُنذ وفاة كافور، فاستجاب المُعز لِهذا الطلب. استعان المعزّ بدُعاته الذين هيَّؤوا له الأرضيَّة الداخليَّة في الدولة الإخشيدية في مصر، وكثَّف اتصالاته مع بعض أصحاب النُفوذ الذي أبدوا ولائهم لِلفاطميين، وفي سنة 967م أرسل قُوَّةً عسكريَّةً استطلاعيَّة إلى مصر لمهاجمت واحة سيوة المصريَّة، واستطلاع صلاحيَّة الطريق للجيوش الفاطمية إلى مصر.[٤]

ولأن الدولة الإخشيدية في مصر كانت بعيدة عن إفريقيا، أمر المُعز عامل برقة أفلح الناشب، بِحفر الآبار على الطريق بينها وبين تُونُس وتمهيدها أمام الحملات العسكريَّة. كما بنى في ميناء المهديّة السُفن الحربية اللازمة لِلمُشاركة في الحملة، فبنى حُسين بن يعقوب مُتولِّي البحر عشرة صنادل من القارب الكبير لمُساعدة القُوَّات البريَّة، وألزم سُكَّان المُدن الصقليَّة بتزويد دار الصناعة بِالأخشاب، وأمّن الأموال اللازمة لِلإنفاق على الحملة. كما عيَّن الخليفة الفاطمي المعزّ القائد جوهر الصقلي قائدًا لِلحملة، وجنّد 100000 مقاتل من مناصريه من القبائل البربريَّة، وبِخاصَّة كتامة وزويلة بِالإضافة إلى الصقالبة. انطلقت حملة الفاطميين من إفريقية يوم السبت 7 آذارمن عام 969م، يقودها ويتقدمها جوهر بِبُطء باتجاه الإسكندريَّة، يسانده في تقدمه أُسطولٌ بحريّ، ووصل إلى حُدود الدولة الإخشيدية في مصر بعد ثلاثة أشهر.[٤]

وعندما وصل خبر هذا الزحف إلى الفسطاط، استعدَّ أنصارُ الفاطميين لاستقبالهم، وعندما لم يُجد جوهر الصقلي مُقاومةً من الفسطاطيين، أمر جُنده بِعدم التعرُّض لِلسُكَّان، وبذللك استقطب أهل الإسكندريَّة، وقُلوبهم بما أجزل لهم من المال. أدرك الوزير جعفر بن الفُرات، أنَّهُ لا قدرة له على مُقاومة الجيش الفاطمي الجرَّار، فاتفق ووزراءه على التفاوض مع جوهر الصقلي في شُروط التسليم، وطلب الأمان لِأرواح المصريين وأموالهم وأملاكهم، فخرجوا من الفسطاط وقد شيّعهم فوج غفير من الناس؛ دلالة على انعدام فكرة المقاومة لدى المصريين، فاجتمع بهم جوهر الصقلي في تروجة قرب الإسكندريَّة، وجرت بين الطرفين مُباحثات اتفقا فيها على كتاب الأمان الذي كتبه جوهر الصقلي يطمئن فيه أهالي مصر والشَّام السُنييين أنَّ أحدًا لن يُرغمهم على التشيُّع، وسيؤمنهم على دينهم وأموالهم، ويتصدى لخطر القرامطة، وسيدير الضرائب ويصلحها.[٤]

وفي مُقابل منح الأمان لِلمصريين، شرَط جوهر الصقلي الوفد المصري بالإذعان لنُصوص الاتفاق بين الخاص والعام، وأن يضمنوا مرور جيشه من الجيزة إلى الفسطاط، وأن يسيروا في رُكابه حتَّى يمر من الجسر وينزل الفسطاط. إلا أن مجموعة من الجيش الإخشيدي رفضوا استيلاء الفاطميين على مصر، فامتنعوا عن طاعة جوهر الصقلي في كل ما جاء في عهده، فنزلوا جزيرة الروضة، وقطعوا جُسور الجيزة، وانتظروا جوهر وجيشه بِمنية شلقان شرقي القناطر الخيريَّة، وهُم مستعدون لِمُقاومة الجيش الفاطمي ومنعه من الدُخول إلى الفسطاط. وعندما علم جوهر بذلك أخذ فتوى من قاضي القُضاة أبي طاهر الذُهلي لقتال المُتمردين، فقاتلهم وتغلَّب عليهم، فانسحبوا إلى الشَّام، فتمكن جوهر من قطع الجسر المُقام على النيل بين الجيزة والفسطاط وعسكر شمالي القطائع، ووضع أُسس مدينة القاهرة، وفيها صلَّى في جامع عمرو بن العاص صلاة الجُمُعة، خلف الخطيب هبة الله بن أحمد داعيًا لِلفاطميين.[٤]

ويمكن تلخيص أسباب سقوط الدولة الإخشيدية في مصر بالخلافات بين أفراد الأسرة الإِخشيدية، للوصول إلى سدة العرش، بالإضافة إلى اختلاف قادة الجيش على تولي أمر الجند؛ مما أدّى إلى هرب جزء كبير منهم من مصر واللحاق بالحسن بن عبيد الله في الشام. بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار واضطرابها، وشحّ السلع وانتشار الأوبئة، وكثرة الحروب التي اضطرت إلى خوضها. مما أضعف الدولة بشكل تام حين جاء الفاطميون وسهّل عليهم القضاء على الدولة الإخشيدية في مصر وضمها إلى أملاكهم.[٢]

اقتصاد الدولة الإخشيدية في مصر

عمل مُحمَّد بن طُغج عند توليه الولاية على تدعيم أوضاع دولته الاقتصاديَّة، فسَكّ الدينار الإخشيدي بِعيارٍ كاملٍ، وأمر بِإصلاح النُقود التي فسدت بعد العهد الطولوني. وقد بلغ خِراج مصر في عهده مليونيّ دينار في السنة، وتمتعت مصر والشام في عهده بالرخاء الاقتصادي، على الرُغم من تعرضها لِموجة شديدة من الغلاء في سنة 941م، فاختفت الأقوات من الأسواق، وندر القمح وسائر الحُبُوب، وتفشّت الأوبئة الشديدة. اهتم الإخشيديُّون كذلك بالزراعة والتجارة والصناعة؛ فكانت الزراعة الحرفة الأساسيَّة لِمُعظم السُّكَّان والمورد الأساسي لِدخل الدولة. كما كانت مصر بلدًا صناعيًا فاشتهرت بصناعة النسيج الرقيق في تنيس وشطا ودُمياط ودبيق، وامتازت بصناعة الأقمشة ذات الخيوط الذهبية التي كانت تُصدَّر إلى العراق، وكذلك المنسوجات النفيسة المُحلاة بالكتابات الكوفيَّة.[٤]

كما عرفت صناعة الورق التي حلَّت محل البردي، وتعود أول وثيقة حُكوميَّة من الورق إلى سنة 912م، وآخر وثيقة حكومية من ورق البردي إلى سنة 935م. كما صنّعت في مصر الأسلحة والتُحف الدقيقة المُطعَّمة بالذهب والفضة والجواهر الثمينة. أمَّا التجارة فقد ازدهرت في العصر الإخشيدي، حيث كانت تجارة الشرق تتجه إلىالشرق الأقصى والمُحيط الهندي، وتحولت عن طريق الخليج العربي والعراق مصر والبحر الأحمر، وقد كانت ثغر عدن في القرن العاشر الميلادي أهم مركز تجاري، في الوقت الذي كانت تتدهور فيه التجارة في بغداد وتفقد مكانتها.[٤]

الحياة الفكرية في الدولة الإخشيدية في مصر

شجعت الدولة الإخشيدية في مصر العلم والأدب قوَّةً وازدهارًا، وقدموا الهبات والهدايا للعلماء والأدباء، وكان ولاة الدولة الإخشيديَّة في مصرَ متديِّنين. يجتمعون مع العلماء والفقهاء والأدباء والأطبَّاء، ومن الشعراء المقربين للإخشيد الشاعر "سعيد" المعروف بقاضي البقر، بالإضافة إلى العالم سيبويه، رأس المدرسة المصرية المدارس النحوية، فطلبه إلى حضرته، وعندما جاء طلب الإخْشيد من أبي الحسن السامري أنْ يسأل سيبويه: "لِمَ تيَّه الله بني إسرائيل أربعين سنة دون ثلاثين ودون خمسين، فسأله فقال: نعم؛ إنما تيَّه الله بني إسرائيل عقوبةً، فجعلها أربعين سنة؛ لأنَّ الجسد يقبل الغذاء والنماء أربعين سنة، فإذا خلفها وراءه ردَّ الغذاء والنماء، فجعل الله أربعين سنة جزاء أربعين النَّعيم". فأحب الإخْشيد الجواب، وأمَر براتب شهري له.[٥]

وقد عمل خُلَفاءُ الإخْشيد كلهم على تشجيع العلماء والأدباء ومجالستهم، فكان أنوجور ابن الإخْشيد يجالس سيبويه المصري ويُنادِمه، وقد وصلت الحركة العلميَّة والأدبيَّة أوجها وازدهارها في عهد كافور الإخْشيدي؛ فقد كان محبّا للعلم والعلماء، وكان بلاطه قبلة للعُلَماء والأُدَباء، حتى فاق في اهتمامه بالعلم والعلماء والأدباء بلاطَ الخليفة العباسي سيفِ الدولة الحمداني، حتى سمع المتنبي عن كرم كافور، ومَنْحِه الجوائز العلماء والأدباء، وهنا توقف مدح المتنبي لسيف الدولة، وقد كان المتنبي طامعًا في أن يوليه ولايةً من الولايات.[٥]

ومن اهتمام الدولة الإخشيدية في مصر بالعلم والعلماء ورعايتهم لها أنَّ كافورًا الإخْشيدي أمَر عمر بن محمد بن يوسف الكندي المؤرِّخ المصري بتأليف كتاب يبين فيه فضائل مصر، وما لها من خيرات على كثيرٍ من البلدان، كما أمَر بعشرين ألف دينار لتُوزَّع على فُقَهاء الشافعية عندما سمع أنَّ الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله الأندلسي أرسل عشرة آلاف دينار لتُفرَّق على فُقَهاء المالكية من المذاهب الأربعة في الإسلام؛ فعرف عصر كافور نهضة علميَّة وأدبيَّة في عهده، ونبغ في مصر عدد كبير من الفُقَهاء والأدباء والمؤرِّخين، منهم: أبي عمر الكندي، وأبي بكر بن الحداد، وتلميذه سيبويه المصري، والحسن بن زولاق.[٥]

وعرفت الدولة الإخشيدية في مصر الوزير جعفر بن الفُرات "ابن خزابة"، الذي أغدق على العلماء، وأجزل الصلات معهم، وظلَّ يشجع الحركة العلميَّة بمصر طوال وزارته التي امتدَّت إلى عشرين عامًا من أيَّام كافور إلى قُرب نهاية الدولة الإخْشيديَّة. كما راسل الوزير أبا شجاع فاتكًا الروحي المجنون المتنبي، واجتمعا وتفاوضا، وقد أرسل فاتك للمتنبي هديَّة قيمتها ألف دينار، فمدحه المتنبي بقصيدته التي أولها:[٦]

لاَ خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيهَا وَلاَ مَالُ

فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إِنْ لَمْ تُسْعِدِ الْحَالُ

ومن مظاهر تشجيع الدولة الإخشيدية في مصر للعلم والعلماء والأدباء أنَّ الأمراء الإخْشيديين قد جالَسوا سيبويه المصري، وتحلّوا بالصبر أمام نقدِه اللاذِع، وتهكُّمه الشديد؛ مما يعني أن ولاة الدولة الإخشيدية في مصر كانوا يُشجِّعون العلماء والعلم والأدباء، على الرغم من تطاول بعضهم عليهم بالنقد، مما ساعَد على ازدهار الحركة الفكريَّة في ذلك الوقت.[٥]

العمارة في الدولة الإخشيدية في مصر

كانت العمارة من أبرز المظاهر الحضارية في الدولة الإخشيدية في مصر، إذ اهتم مُحمَّد بن طُغج ومن خلفة من الولاة بِتجديد كثير من المساجد، وأنفقوا عليها بسخاء لأجل فرشها وإِنارتها، فبنى أبو الحسن علي بن الإِخشيد مسجدًا في الجيزة، وبنى كافور مسجد الفقاعي في سفح جبل المُقطَّم وكان في وسطه محرابٌ من الطوب، وهو أول محراب بُني في مصر، وبنى الوزير جعفر بن الفُرات مسجد موسى في المنطقة نفسها. بالإضافة إلى المساجد اهتمَّموا ببناء وتشييد القُصُور، وأهمها قصر المُختار وقصر البُستان الذي شيّده الإِخشيد، والبُستان الكافوري ودار الفيل الذي شيّده كافور. كما أنشأ مُحمَّد بن طُغج قيساريَّات كثيرة، أشهرها قيسارية لبيع المنسوجات، وبنى كافور بيمارستانًا سنة 957م، وبنى الوزير جعفر بن الفُرات سبع سقايات لسُكَّان الفسطاط لِجلب الماء من منطقة جزيرة الروضة.[٤]

الدين في الدولة الإخشيدية في مصر

كان الإسلام أكثر الديانات انتشارًا في الدولة الإخشيدية في مصر، واتبعه العدد الأكبر من الناس من أهل السُنَّة والجماعة، إلا أن المذهب الحنفي كان هو المذهب الرسمي لِلدولة إلى جانب المذهبين الشافعي والمالكي، بالإضافة إلى وجود عدد قليل من أتباع المذهب الشيعي التابع للأئمة الاثنا عشر، والمذهب الإسماعيلي بِفعل تغلغل الدعوة الفاطميَّة في مصر، وقد أسس أبو علي الدَّاعي مدرسةً إسماعيليَّة في مصر عُرفت بِإخلاصها لِلفاطميين. وكانت المسيحيَّة ثاني أكبر الديانات في الدولة الإخشيدية في مصر، تليها اليهوديَّة. وقد عاش أهل الذمة في سلامٍ طوال عصر الأُمراء الإخشيديين.[٤]

أسماء ولاة الدولة الإخشيدية في مصر

مرّ على الدولة الإخشيدية في مصر خمسة ولاة، بدأت من والي أبو بكر الإخشيد محمد بن طغج بن جف الذي حكم من 935- 946م، تلاه والي أبو القاسم أنجور بن محمد بن طغج الذي حكم من 946- 960م، وتلاه والي أبو الحسن علي بن محمد بن طغج الذي حكم من 961- 966م، ثم تبعه والي أبو المسك كافور الليثي السوري الإخشيدي الذي حكم من 966- 968م، وكان آخرهم والي أبو الفوارس أحمد بن علي بن محمد، تحت وصاية عمه الحسن بن عبيد الله بن طغج، من 968- 969م، وبعده سقطت الدولة الإخشيدية في مصر.[٤]

المراجع[+]

  1. ناصر الأنصاري (1997)، المجمل في تاريخ مصر: النظم السياسية والإدارية (الطبعة الثانية)، القاهرة: دار الشروق، صفحة 5-11. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث "إخشيديون"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 3-11-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب عمر الاسكندري. ا.ج سفدج (1996)، تاريخ مصر إلى الفتح العثماني (الطبعة الثانية)، القاهرة: مكتبة مدبولي، صفحة 206-209. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص "الدولة الإخشيدية"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 3-11-2019. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت ث "الحياة الفكرية في مصر في عصر الدولة الإخشيدية "، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 6-11-2019. بتصرّف.
  6. "لا خيل عندك تهديها ولا مال"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 6-11-2019.