التحيز الجنسي في العمل: الدوافع والحلول

بواسطة: - آخر تحديث: ٢٠:٣٨ ، ٢٤ يوليو ٢٠٢٠
التحيز الجنسي في العمل: الدوافع والحلول

مفهوم التحيز الجنسي في العمل

يُعرف التحيّز الجنسي في العمل Sex discrimination at work بأنّه أحد مشكلات العمل ذات الطبيعة الاجتماعيّة، الذي ينطوي على تحيز على أساس الجنس يحصل في بيئة الوظيفة أو العمل، عندما يُعامَل شخصٌ ما بشكل أقل تفضيلًا أو عدالة بسبب جنسِه، مقارنة بشخص من الجنس الآخر، وهما يعملان في الظروف نفسها أو في ظروف متشابهة، ويمكن أن يحدث عندما يضع أصحاب العمل أو المديرون افتراضات حول نوع العمل الذي تكون المرأة قادرة -أو غير قادرة- على أدائه، ويمكن أن تشمل أمثلة التحيز الجنسي في العمل عدم توظيف امرأة؛ لأنّ رب العمل يعتقد أنّها لن تتناسب مع مكان عمل تقليديّ للذكور، أو عدم دفع أجور ومرتبات للمرأة بنفس المرتبات التي تُدفع للرجل مقابل القيام بالعمل نفسه، أو عدم توفير الفرص نفسها للتدريب الميداني أو التوجيه أو الترقية، أو تخصيص مهام العمل على أساس جنس الشخص.[١]

دوافع التحيز الجنسي في العمل

قد تبدو الحُجج التي تدفع الفجوات الناشئة عن الاختيار معقولة لدى أصحابها، وتظهر النماذج التمييزيّة عادةً وكأنها تلغي نهائيًا التمييز، بل إنها قد تعزو ذلك إلى قوى السوق، وتعزى بعض الدوافع التحيزيّة إلى التخصيص الأمثل للوقت داخل الأسرة، حيث إنّ الفروق بين الجنسين في دور الرجل والمرأة في الاسرة و المتعلقة بالأطفال ستؤدي بالرجال والنساء إلى اتخاذ خيارات مختلفة فيما يتعلق بتخصيص وقت لسوق العمل والمنزل، وقد تؤدي هذه الخيارات إلى فجوة في الأجور بين الجنسين، وستؤدي الاختلافات في الالتزام المتوقّع والفعلي بالعمل والتفضيلات الجنسية الأخرى إلى اختلافات بين الجنسين في قابلية العمل ومتعلقاته، مثلالتعليم والتدريب، وبالتالي عدم الجاهزية التي تؤدّي إلى انخفاض الأرباح.[٢]

وتُظهر بعضُ الدراسات أن وجود الأطفال له تأثير سلبيّ على مكاسب المرأة، إذ تؤدي النساء حصة غير متناسبة من الأعمال المنزلية، وقد ثبت أن الوقت الذي تقضيه في الأعمال المنزلية له تأثير سلبي مباشر على الأجور، وقد تؤثّر الاختلافات في مسؤوليات وتفضيلات الأسرة أيضًا على الأبعاد الأخرى لنتائج العمل، على سبيل المثال، قد تقبل النساء بشكل أساسي العمل في وظائف أكثر توافقًا مع مسؤوليات الأسرة، مثل الوظائف التي تكون أقرب إلى المنزل، مع جداول عمل أكثر مرونة، والوظائف التي تقدّم سياسات إجازة أمومة كبيرة، أو مع مستويات منخفضة من الإصابة أو خطر الوفاة، وبالتالي قد تؤثّر الفروق التعويضيّة المرتبطة بخصائص العمل على التحيّز لتوظيف الذكور دون الإناث.[٣]

نظرية الهوية الاجتماعية في تفسير دوافع التحيز

إحدى النظريات المفسِّرة للتحيز الجنسي هي نظرية الهوية الاجتماعية، بالنسبة للأفراد يعيشون في سياق اجتماعي، تؤدي السياقات الاجتماعية المختلفة إلى ظهور تصنيفات لمجموعات معيّنة، ووفقًا لمنظور الهوية الاجتماعية، فإن أعضاء المجموعة لديهم الدافع لحماية احترامهم لذاتهم، وتحقيق هوية اجتماعية إيجابية ومتميزة، ويمكن أن يؤدّي هذا الدافع للحصول على هوية اجتماعية إيجابية إلى التعصب والتحيز، والذي يتم التعبير عنه إمّا بأنه ضرر مباشر تشكّلُه للجماعة الخارجيّة -الجنس الآخر في هذه الحالة- ، أو أنّه يحصل بشكل أكثر شيوعًا وعفويًّةً كإعطاء معاملة تفضيليّة للجماعة، وهي ظاهرة تعرف باسم التحيز داخل المجموعة، ومن الاستمرار في هذا التحيز، يتّضح الاتجاه العام الذي يظهر التحيز الجنسي فيه.[٤]

وقد كشفت بعض الدّراسات كيف أنّ مجرّد التصنيف كعضو في المجموعة -مجموعة الذكور أو الإناث- يمكن أن يؤدّي إلى انحياز للمجموعة، وتفضيل أعضاء المجموعة على أعضاء المجموعات الأخرى في التقييمات وتخصيص الموارد، وتُظهر النتائج عبر مئات الدراسات أنّ المشاركين يقيّمون أعضاء مجموعتهم بشكل أكثر إيجابية، ويظهرون التفضيل لأعضاء المجموعة في تخصيص الموارد، ويريدون الحفاظ على أقصى اختلاف في تخصيص الموارد بين أعضاء المجموعة والمجموعة الخارجية، وبالتالي فهم يميزون أعضاء المجموعات الخارجية ويعاملونهم بأقل معيار للعدل والمساواة، وبشكل يبتعد عن أخلاقيات العمل، إن هذا الميل إلى التمييز هو نتيجة مهمة، ويدلّ على الطبيعة التلقائية للتحيّز والتمييز فيما بين المجموعات الذكورية والأنثوية، وبالرغم من أن التصنيف الاجتماعي كافٍ لخلق معاملة تمييزية، لكن غالبًا ما يكون مدفوعًا بالمحسوبية الجماعية نحو الذكور أو الإناث، فإن المنافسة المباشرة بين المجموعات تؤدي إلى تفاقم هذا التحيز، وعادة ما تولّد ردودًا مباشرة على الحِرمان من المجموعة الخارجيّة.[٥]

أشكال التحيز الجنسي في العمل

حتى وقت قريب إلى حدٍّ ما، كان التحيّز بين الجنسين في سوق العمل معيارًا اجتماعيًّا مقبولًا، ومدعومًا من الحكومات والنقابات وحتّى بعض المنظمات النسائية، وقد تجلّى قبول التمييز الجنسيّ ودعمه بعدّة أشكال، على سبيل المثال، شروط الزواج ومحدّداته، التي قيدت توظيف النساء المتزوجات، وكثيرًا ما تطلبت هذه الشروط فصل النساء العازبات عند الزواج، كثيرًا ما تم تشريعها من قبل حكومات البلدان والحكومات المحلية وبدعم من النقابات، وفي السياق نفسه، فقد ظهرت العديد من التشريعات الوقائية التي تحظر على أرباب العمل توظيف النساء بطريقة يُعتقد أنها تضرّ بصحة المرأة -ولكن لا تضرّ الرجال-، وتشمل الأمثلة على ذلك وضع قيود على إجمالي ساعات عمل المرأة، وحظر العمل الليلي للمرأة، ووضع حد أقصى للوزن الذي يمكن للمرأة ان تبلغه، ومن الواضح أن مثل هذه المحددات حَدّت من نطاق الوظائف المُتاحة للمرأة، وقد تم دعم هذا النوع من التشريعات الوقائية من قبل نقابات العمال، وكان هناك دعم واسع النطاق لمفهوم أجر الأسرة، وهو شرط أن يكون أجر الرجل ذا أجر كافِ لتزويد عائلته بمستوى معيشيّ مقبول، وهذا يعكس بالمثل نظرة المجتمع الإيجابيّة للتمييز الجنسي.[٦]

علماء النفس الاجتماعي حريصون على فصل التحيّز عن أشباهه من التحامُل والصور النمطية، ويشير التحيّز إلى موقف سلبيّ لا مبرّر له تجاه المجموعة وأفرادها، أمّا الصور النمطية فهي معتقدات حول السمات الشخصية لمجموعة من الأشخاص، ويمكن أن تكون مفرطة التعميم وغير دقيقة، ومقاومة للتغيير حتى في ظل وجود معلومات جديدة، يشير التحيّز الجنسيّ إلى السلوك السلبيّ غير المبرّر تجاه أحد الجنسين، حيث يتم الحكم على السلوك ليشمل كلًّا من الإجراءات والأحكام والقرارات المتعلقة بأعضاء المجموعة، يقدم تعريفًا مفيدًا جدًا لفهم أشكال للتحيز الجنسي على أنه سلوك موجه تجاه أحد الجنسين، والذي لا يكون نتيجة لنتائجهم، وهو لا يوجهه نحوهم بسبب أي استحقاق معين أو حتى للمعاملة بالمثل، ولكن لمجرد أنهم أعضاء من هذه الفئة، وتعد فكرة الجدارة جوهرية للتعبير عن التحيز الجنسي وتجربته، فقد يرى الجناة تصرفاتهم على أنها مبررة بجدارة الأهداف، بينما قد تختلف الأهداف نفسها، وبالتالي، فإن السلوكيات، التي يرى البعض أنها تمييزية، لن ينظر إليها على أنها كذلك من قبل الآخرين،[٧] ويمكن تصنيف أشكال التعبير عن التحيز الجنسي بشكل عام إلى نوعين، نوع دقيق وعلني أو مباشر، ونوع لا واعي أو تلقائي، وقد تشمل مظاهره واشكاله العداء اللفظي وغير اللفظي، وتجنب الاتصال اللفظي أو الاتصال بشكل عام، وسلوك النهج العدواني، والحرمان من الفرص أو الوصول للفرص أو المساواة في المعاملة.[٨]

آثار التحيز الجنسي في العمل

يؤثّر التحيز الجنسي بشكلٍ كبير على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للفرد المرتبط بوصوله إلى الموارد، مثل العثور على عمل وشراء منزل وما إلى ذلك، فإذا كان الفرد يعاني من عدم المساواة والتحيز الجنسي في مهنته ومكان عمله، فقد يكون من الصعب عليه العثور على وظيفة أو التقدم إلى وظيفتة أو الحصول على قرض أو شراء منزل، ويمكن أن يؤدي هذا التحيز إلى تنبؤات لنتائج سلبية على واقعه الشخصي، مثل المكانة الاجتماعية السلبية، والتي قد يكون لها تأثيرات طويلة الأمد على الفرد، إن نسبة الفصل بين الجنسين في القوة العاملة مرتفعة للغاية، وبالتالي فإن هذا قد يكون هو السبب في استمرار وجود العديد من التفاوتات وعدم المساواة بين الرجال والنساء ذوي المؤهلات العالية.[٩]

إنّ تقسيم العمل هو سمة مركزية لعدم المساواة على أساس الجنس، وتظهر الدراسات أن الصورة العامة للجنس والعمل لم يتم تقييمها بشكل كافٍ، كذلك قد يكون الاعتداء الجنسي من أهم الآثار التي تظهر بسبب هذا التحيز، خاصّة بالنسبة للنساء، فهنّ الأكثر تعرُّضًا لمثل هذه المضايقات، ويظهر جليًّا من خلال الكثير من المشكلات التي تواجهها النساء في أماكن العمل، ولم يُعرَف سوى القليل حتى الآن عن عدد النساء اللواتي يتعرّضن لهذا النوع من سوء المعاملة، وجدت دراسة علمية أنّ 38 بالمائة من النساء تعرضن للتحرش الجنسي في مكان العمل بسبب التحيز الجنسي، وأبلغ 81 بالمائة عن تعرضهن لشكل من أشكال التحرش الجنسي في حياتهنّ، بما في ذلك الاعتداء اللفظي أو البدني، تربط البيانات أيضًا العوامل المرتبطة بالعمل بزيادة خطر التحرش أو الاعتداء الجنسي في مكان العمل، من المحتمَل أن تتعرض العاملات في المطاعم اللائي يعتمدنَ على نصائح لمصدر دَخْلِهنّ الرئيس للتحرش الجنسي مرتين. كما أن النساء اللواتي يفتقرن إلى وضع الهجرة القانوني أو لديهن تأشيرة عمل مؤقتة فقط مضن يتعرضن لخطر متزايد من التحيز الجنسي والعِرقي في العمل.[١٠]

كذلك يتم ترقية النساء في كثير من الأحيان بنسب أقل من الرجال، حتى لو كانت أكثر تعليمًا من الرجال، وتشكل ما يقرب من نصف القوى العاملة، ويظهر هذا واضحًا بمعرفة أن النساء يشكلن أقل من 5 في المائة من الرؤساء التنفيذيين، وأقل من 10 في المائة من النساء ممّن يتصدرن أعلى الأرباح، أنّ عدم وجود أنموذج نسائي يحتذى به يمكن أن يجعل المرأة تشعر كما لو أن الانتقال إلى دور أعلى من القيادة أمر لا يمكن تحقيقه.[١١]

حلول للتخلص من التحيز الجنسي في العمل

تتمثّل الخطوة الأولى المهمّة في التغلب على التمييز وعدم المساواة بين الجنسين في إدراك حدوث ذلك بالفعل، فمثلما لا يستطيع مدمن للكحول التعامل مع إدمانه للكحول وعلاجه حتى يعترف بوجود مشكلة، كذلك لا يمكن التغلب على التحيز بين الجنسين حتى تكون جميع الأطراف ذات الصلة على استعداد للاعتراف بأنه يحدث في مؤسساتهم، لكن ولسوء الحظ، فإن إدراك وجود تحيز بين الجنسين أمر غير وارد وقد يكون غير مربح، وأن العديد من الناس يفضلون الصمت أو التظاهر بعدم حدوثه، بالرغم من اعترافهم بأنه لا يجب أن يُعامَل أحد بشكل غير عادل، وقد يكون الحديث عن التحيّز وعدم المساواة بسبب الجنس قادرًا على إبراز القضية إلى العلن حتى يمكن معالجتها، فإذا شعر الموظف بالراحة في مواجهة الجاني، فيجب أن يقوم بذلك، وإذا كان لا يشعر أنه من المناسب مواجهة الشخص الذي يقوم بالتحيز، فيجب أن يتحدث مع مشرف موثوق أو مدير أو عضو في قسم الموارد البشرية في شركته، وبمجرد أن تدرك الشركة حدوث هذا التحيز، فمن مسؤوليتها التأكد من معالجته بشكل مناسب، ومع ذلك، يجب تجنب النميمة، ونشر الشائعات سواء كانت صحيحة أم خاطئة.[١٢]

واعتمادًا على ما تَمّ عرضُه سابقًا، يمكن القول بأنّ التخلّص من التحيز الجنسي يعتمد على كشف القوالب أو الصور النمطية التحيزيّة، وكذلك القوانين والسياسات المؤسسيّة، واستخدامهما في الإسهام في تقليل التحيز بين الجنسين في التوظيف، إذ إن القوالب النمطية القائمة على نوع الجنس تبني أساسًا ثقافيًا للتمييز، أما تطبيق وإنفاذ السياسات التحيزية فهي آلية أساسية تُتَرجم من خلالها هذه الصور النمطية إلى نتائج، وأخيرًا فإن التمييز بين الجنسين هو نتاج مجموعة من الأفكار الثقافية حول النوع الاجتماعي، والسياسات الهيكلية التي تؤثر على النساء والرجال بشكل مختلف، وقرارات تطبيق أو عدم تطبيق تلك السياسات على العمال حسب الجنس، وهذا كله يمثل تحدّيًا صارخًا لأولئك الذين يسعون إلى القضاء على التمييز، حيث إنّ القضاء عليه سيتطلب تحوّلات في مجالات الثقافة والهيكل وصنع القرار.[١٣]

المراجع[+]

  1. "Sex discrimination", humanrights.gov.au, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  2. "An Experimental Investigation of Sexual Discrimination in Hiring in the English Labor Market", www.degruyter.com, Retrieved 2020-05-23. Edited.
  3. "More & Better Jobs for Women: An Action Guide", books.google.jo, Retrieved 2020-05-23. Edited.
  4. "Social Identity Theory and the Organization", journals.aom.org, Retrieved 2020-05-23. Edited.
  5. "The_social_psychology_of_discrimination_theory_measurement_and_consequences", www.researchgate.net, Retrieved 2020-05-23. Edited.
  6. "A theory of sex discrimination ", www.sciencedirect.com, Retrieved 2020-05-21. Edited.
  7. "Gender and Social Psychology", books.google.jo, Retrieved 2020-05-23. Edited.
  8. "what-are-the-different-types-of-discrimination", www.citizensadvice.org.uk, Retrieved 2020-05-23. Edited.
  9. "gender-equality-workplace-issues", www.asyousow.org, Retrieved 2020-05-23. Edited.
  10. "ublications_nsvrc_overview_sexual-violence-workplace", www.nsvrc.org, Retrieved 2020-05-23. Edited.
  11. "womens-leadership-gap-2", www.americanprogress.org, Retrieved 2020-05-23. Edited.
  12. "Gender_inequalities_in_the_workplace_The_effects_of_organizational_structures_processes", www.researchgate.net, Retrieved 2020-05-23. Edited.
  13. "Gender Discrimination at Work: Connecting Gender Stereotypes, Institutional Policies, and Gender Composition of Workplace", journals.sagepub.com, Retrieved 2020-05-23. Edited.