معنى آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٤٢ ، ١٩ أغسطس ٢٠٢٠
معنى آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

سورة القمر

واحدةٌ من السور المكية -التي نزلت في مكة المكرمة- وهي السُّورة الرابعة والخمسين بين سور القرآن الكريم، وقد بلغ عدد آيات سورة القمر خمسًا وخمسين آية، وهي من سور المفصل التي عالجت العديد من القضايا التي عُنيت بها السور المكية في تثبيت المفاهيم الإسلامية الصحيحة، وذكر الله فيها العديد من الأقوام والأنبياء الذين مضوا؛ حتى يكونوا عبرةً وموعظةً لمن بعدهم،[١] وقد أنزل الله سورة القمر بعد سورة الطارق، وأمَّا سبب نزول سورة القمر هو أنَّه على زمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حصلت معجزة انشقاق القمر فاتهمه كفار قريش كعادتهم بالكذب والسحر فأنزل الله تعالى سورة القمر وابتدأها بقوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ}،[٢] وقد ابتدأ الله السورة بفعلٍ ماضٍ، ومن بين الآيات التي نزلت في سورة القمر قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}،[٣] وسيقف هذا المقال مع شرح معنى آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وتفصيلها وإعرابها وتفصيل معاني مفرداتها.[٤]


معنى آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

القرآن هو كتاب الله الذي أنزله على النَّاس عامة بشيرًا ونذيرًا لعلهم يفقهون، والقرآن هو كلام الله المُعجز إلى يوم القيامة لا تبديل له ولا تحريف فيه، ومع ذلك فإنَّ كتاب الله ميسرٌ لمن ابتغاه وأراده فقال تعالى في سورة القمر: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}،[٥] وتيسير الله على عباده كان في قراءته وفهمه، قال ابن عبَّاس والضحاك لو لا أنَّ الله -تعالى- هوَّن قراءته على النَّاس لما استطاع أحدٌ من ابن آدم أن يقرأه فهو كلام الله -جلَّ شأنه- وهو الوحيد القادر على تيسيره للعباد، فهل من مدكرٍ قال محمد بن كعب القرظي أي هل من أحدٍ منتهيٍ عن المعاصي أو هل من أحدٍ يطلب علم القرآن فييسره الله عليه،[٦] وقال ابن عثيمين -رحمه الله- في معنى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر أنَّ الله يسر حفظ الله القرآن الكريم لمن أراد حفظه ويسر تاوته لمن ابتغى تلاوته ويسر فهمه لمن أرد فهمه والتأمل فيه، وأمَّا من ابتغى غير ذلك فيجد في غرائب الألفاظ وحشةً وفي تكرار القرآن الكريم مللًا وفي سماعه ضجرًا فهو ليس ممن أنعم الله عليهم في الدار الدنيا.[٧]


وتيسير القرآن هو تيسير حفظه وفهمه والتأمل فيه ولا يستطيع ذلك إلا من فتح الله عليه بالتيسير ومن كان مقبلًا على كتاب الله بقلبه ساعيًا له بجوارحه ففي طيَّات كتاب الله عظيم الإعجاز وجليل العبر، وأمَّا إعادة رواية قص القرآن الكريم فليس المُراد من ذلك كثرة التكرار بل إنَّ القصة في كلِّ موضعٍ تخدم زاوية ما وتُعبر عن خطابٍ معين يُريد الله أن يُفهمه لعبيده، ومن أحبَّ شيئًا فتح الله عليه فيه، ومن أحب القرآن جعله الله، وأمَّا من يجد صعوبةً في بعض ألفاظ القرآن الكريم فذلك لبعد عهده بالفصاحة العربية وعدم قدرته على فهم جزالتها، وبذلك فإنَّه يجب أن يستعين بالمعاجم العربية وتفسير الجلالين للوقوف مع تفسيرِ القرآن الكريم،[٧]


فالقرآن الكريم هو أعلى الكلام وأبلغ الكلام وأعظم الكلام لا يستطيعه إلا من طلبه بصدق النية وكان الإخلاص رفيقًا له، فإذا تمكَّنت من معاني الإخلاص في نفسه ولجأ قلبه إلى الله في طلبه هيَّأ الله له أسباب التيسير وجعله سهًا عليه، وأمَّا الذكر فهو كل ما تشتمل عليه الشريعة الإسلامية من الحلال والحرام والأمر والنهي والأمر؛ لذلك فلو طلب العبد القرآن لأعطاه له الله، ومن أعرض عنه فسيحرمه الله منه، وقد سهَّل الله -تعالى- القرآن الكريم كي يتذكره حافظوه ويفطنوا إلى معانيه؛ فألفاظه من أبلغ الكلام، وأعلاها فصاحة وجزالة، ليس بالنثر ولا بالشعر فهل من ابن آدم من يتعظ بقصص الأقدمين التي رويت في القرآن الكريم.[٨]


فامتنَّ الله على عباده بأن جعل لهم القرآن سهلًا ميسرًا لا عصيًّا عليهم ولا صعبًا بمفرداتٍ لا يفهمونها، بل هي من اللغة العربية وإن صَعُبت عليهم بعض المفردات فهي لبُعد العهد باللغة الفصحى وليس لصعوبة المفردات، حيث قال تعالى في سورة مريم: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا}،[٩] والتسهيل هو تهوين القراءة وتهوين التلاوة والمُراد من قوله تعالى فهل من مدكر أي هل من راغبٍ بحفظه فيُعينه الله -تعالى- على ذلك، وفي ذلك بيان الفرق بين القرآن الكريم وباقي الكتب السماوية -كما قال القرطبي- إذ إنَّ القرآن هو الكتاب الوحيد الذي أنزله الله يقرأه النَّاس كاملًا عن ظهر قلب، إذ لم يكن التوراة يقرأه بني إلا أن ينظروا فيه عدا موسى وهارون ويوشع وعزير، وذلك مما فتنهم عن دينهم حين استطاع عزير أن يكتب لهم التوراة بعد أن تمَّ إحراقها، وقال مجاهد في معنى يسرناه أي هوَّناه، وقال ابن زيد في معنى يسرناه أي بيَّناه، وما ذلك التيسير على عباد الله إلا لأنَّ الله أراد حفظه والعناية فيه، وليس المُراد فقط هو تيسير قراءة القرآن كلامًا يُسمع فقط، بل التيسير في فهم معانيه، والله في ذلك جميعه هو أعلى وأعلم.[٨]


الحكمة من تكرار آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

إنَّ حكمة الله تتجلى في ترتيب آيات القرآن الكريم ونظمه، وذلك أعظم من أن تتوصل إليه عقول البشر، ولكن شأن ابن آدم أن يتتبع آيات الله فيتأملها ويستحث نفسه وفكره من أجل الحصول على المعاني الصحيحة العميقة من وراء كلمات الله العظيمة، وستقف هذه الفقرة مع الحكمة من تكرار آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر، وفيما يأتي سيكون ذلك:[١٠]

  • إنَّ المشاهد التي وصفها الله في سورة القمر هي مشاهد مخيفة عظيمة جليلة تبعث في النفس رهبةً عظيمةً كبيرةً وتجعل ابن آدم في موقف تحسبٍ وخوفٍ عظيم، لكنَّ الله لا يُفزع عباده ولا يخوفهم بل شأنه معهم دائمًا هو الرَّحمة، ففي قوله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر يقف موقف رحمةٍ منه لعباده يدعوهم إلى الذكرى وعدم الوقوع بما وقع به الأقوام السَّابقين فهو ينادي سبحانه بكل حنانٍ لعباده ويدعوهم إلى اتباع الطريق المتسقيم والتذكر والتفكر.
  • إنَّ الضمير "نا" الذي اتصل بكلمة "يسرنا" يدلُّ على مدى رأفة الله بعباده ورحمته بهم، وكأنَّ الله يخبرهم أنَّهم في رعاية الله وكنفه ورحمته يستمعون إليه بآذانهم وهو -سبحانه- يدعو عباده إلى التفكر والتذكر.
  • إنَّ إعادة ذكر هذه الآية ما بين مشهدٍ وآخر من مشاهد الأقوام السَّابقين يدلُّ على أنَّ الله بفصل بين تلك المشاهد حتى يتنبه لها العباد فيتفكرون بكلِّ قصةٍ على حدة، فلو فاتهم الاتعاظ من القصة الأولى لما فاتهم من الثانية.
  • إنَّ فصل القصص عن بعضها بآيةٍ تتكرر بين كل قصة وأخرى يدعو إلى طول التفكر في القصة الأولى قبل الانتقال إلى القصة الثانية، والله في ذلك جميعه هو أعلى وأعلم.


معاني المفردات في آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

إنَّ معاني المفردات هي الأصل في فهم معنى الآية؛ وذلك من أجل التعمق في شرح معنى آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر، ولا بدَّ للمفسر أن يكون محيطًا بمعاني المفردات من معاجم اللغة العربية حتى يستطيع التفصيل في الآية الكريمة، وفيما يأتي سيكون ذلك:

  • يسرنا: التيسير هو التسهيل والتهوين، ويُقال يسَّر ذلك الأمر أي مهَّده وهيَّا له وأعده.[١١]
  • القرآن: هو الكلام المُنزَّل من الله -تعالى- على الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- المُعجز لخلقه -تعالى- المنقول إلى الأمة الإسلامية عن طريق التواتر.[١٢]
  • للذكر: الذكر هو الحفظ، أو التلفظ باسم الله وذكره في القلب، وتُطلق لفظة الذكر على القرآن الكريم.[١٣]
  • مدكر: ادَّكر الشخص ذلك الأمر أي تذكره، وهو أيضًا الادكار بعد النسيان.[١٤]


إعراب آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

الإعراب هو من الأمور التي تُعين بشكلٍ كبيرٍ على تفسير القرآن الكريم تفسيرًا صحيحًا، فالإعراب يُعطي هويةً للكلمة فهي تختلف إن كانت فاعلًا أو مفعولًا به أو مبتدأً أو خبرًا، وستقف هذه الفقرة مع إعراب آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر، وفيما يأتي سيكون ذلك:[١٥]

  • ولقد: الواو حرق قسم وجر، اللام واقعة في محل جواب القسم، قد: حرف تحقيق.
  • يسرنا: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بالنا، والنا ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
  • القرآن: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
  • للذكر: اللام حرف جر، الذكر اسم مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، والجار والمجرور متعلقان بالفعل يسرنا.
  • فهل: الفاء حرف استئناف، وهل حرف استفهام
  • مِن: حرف جر زائد.
  • مدكر: اسم مجرور لفظًا بمن الزائدة مرفوع محلًا على أنه مبتدأ خبره محذوف والجملة الاسمية استئنافية لا محل لها.


الثمرات المستفادة من آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

إنَّ القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على عباده؛ ليتفكروا فيه فيزيد إيمانهم ويتعمق لديهم شعور التوحيد ونبذ الكفر والأوثان؛ لأنَّ من يعرف الله العظيم الحليم لن يقترب من الرجس والأوثان، عدا أنَّ تدبر القرآن من شأنه أن يدفع السهو عن الصلاة أو الشرود فيها؛ لأنَّ الشرود في الصلاة يحصل نتيج ترديد الكلام دون فهم معناه أو التفقه فيه، وبذلك يعلم المؤمن أن القرآن الكريم هو من عند الله لا تبديل فيه ولا تحريف، فيعرف ربه حق المعرفة ويلتزم أوامره وينتهي عن نواهيه، وستقف هذه الفقرة مع الثمرات المستفادة من آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر:


  • العناية بالقرآن تكون عن طريق حفظه وفهمه وتدبر معانيه والنظر في آياته، ولا يكون ذلك فقط من خلال ترداد الكلمات دون فهم معانيها فهمًا يعين المسلم على التبصر في آلاء الله، ولا بدَّ من اتخاذ الصَّاحب الصالح في ذلك الطَّريق حتى يتمكن المؤمن من المضي فيه دون كللٍ أو ملل.[١٦]
  • تيسير القرآن على لسان ابن آدم هو من رحمة الله -تعالى- التي تغمَّد بها عباده، وتكرار آية ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر هو تذكيرٌ للعباد بمنة الله -عز وجل- عليهم إذ من نعمه التي أسبغها على عباده أن يسر لهم القرآن الكريم يتدبرونه ويحفظونه ويتلونه آلاء الليل وأطراف النهار.[١٠]
  • الإقبال على كتاب الله بصدقٍ وإخلاصٍ يجعل من القرآن ميسرًا لذلك العبد فهو عليه هينٌ لينٌ سهلٌ، ولا بدَّ من صدق النية في أي عبادة يهمُّ المسلم أن يفعلها، وأمَّا تيسير باقي الأمور فهو من الله -تعالى- يمتنُّ بذلك على من يشاء من عباده.[٧]
  • تجلّي تيسير القرآن للعباد يظهر في قدرة ابن آدم أن يستنبط الثمرات من آيات القرآن الكريم مهما اختلفت العصور وتعاقبت الأيَّام، ومن المحال أن يجد آيةً تُعارض الأخرى أو تُعاكسها بل كله في نسقٍ واحدٍ ونظامٍ واحدٍ ييسره للعبيد كيفما شاء -سبحانه- وقد أقسم الله على تيسير ذلك الكتاب لمن ابتغاه فهل هناك باغٍ بحق.[١٧]
  • بيان تلك الآية أنَّ القرآن ميسرٌ لمن أراد ذلك بقلبٍ صادقٍ يجعل من المؤمن متحفزًا لأن يكون من أولئك الذين أنعم الله عليهم بالفتوح الذي يطوق إليه أي باحثٍ عن تيسير القرآن على نفسه، ويكون ذلك التيسير في التلاوة والحفظ والفهم، والله في ذلك جميعه هو أعلى وأعلم.[١٧]

المراجع[+]

  1. "سورة القمر"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  2. سورة القمر، آية:1
  3. سورة القمر، آية:22
  4. "سورة القمر 54/114"، www.e-quran.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  5. سورة القمر، آية:22
  6. "القرآن الكريم - تفسير ابن كثير - تفسير سورة المقر - الآية 22"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت "تفسير قول الله تعالى : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ )."، islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  8. ^ أ ب "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍۢ (القمر - 17)"، www.quran7m.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  9. سورة مريم، آية:97
  10. ^ أ ب "ولقد يسرنا القرآن للذكر "، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  11. "تعريف و معنى يسر في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  12. "تعريف و معنى القرآن في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  13. "تعريف و معنى الذكر في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  14. "تعريف و معنى مدكر في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  15. "كتاب: إعراب القرآن الكريم"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  16. "تفسير قوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر...}"، binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.
  17. ^ أ ب "ولقد يسرنا القرآن للذكر"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-16. بتصرّف.