المراهق والبحث عن الذات في العالم الاجتماعي

بواسطة: - آخر تحديث: ٢١:٠٤ ، ٧ يناير ٢٠٢١
المراهق والبحث عن الذات في العالم الاجتماعي

المراهق والبحث عن الذات في العالم الاجتماعي

ما هو مفهوم الهوية للمراهق؟

يسمّى النّظام الذي يمكّن المراهق من أخذ مكانه في المجتمع الإنسانيّ، التّنشئة الاجتماعيّة، فيتعلم المراهق من المجتمع كيفيّة التّصرف، وما هو صحيح وملائم وما هو خاطيء، فالمجتمع يقرر ما الذي يجب أن يكافأ عليه، وما الذي يجب أن يُرفض، ويؤثّر ذلك على معتقدات المراهق وقيّمه ودوافعه، وعندما يحدد المجتمع السلوك الإنسانيّ المقبول وغير المقبول للمراهق، فإنه يُحجّم مستوى قدرات المراهق، وتظهر عند المراهق أزمة تحديد الهوية والقبول من الرفاق والآخرين، وهنا يتعلم المراهق على العلاقات الإنسانية، كيف يُشجع، ويتعاطف مع الآخرين، فيختبر الأدوار الجندرية المختلفة، وإذا ما سارت الأدوار بالطّريقة الإيجابية يتجنب "الهوية السلبية".[١]


إنّ الدور الذي يحتله المراهق في الحياة يميلُ إلى منحة فرص قليلة في الحياة، نحو الاستقلاليّة والإبداع، والمنافسة، وهذا يمكن أن يؤدي بجزء من المراهقين إلى الجّنوح نحو الجريمة، وارتكاب أعمال منافية للأخلاق والقيّم السائدة في المجتمع، ويقع على المجتمع عاتق كبير في حمل هذه المسؤولية، فالتّشجيع والحوافز من أجل تقليل السّلوك الاجتماعيّ الغير المرغوب فيه أمر ضروريّ لشعور المراهق بالطمأنينة والأمان.[٢]


إن الإحساس بالهوية يتحقّق عندما يدرك المراهق قدراته وإمكانياته، ويستطيع أن يخفف الصّراع النّفسيّ لديه، فالمراهقة هي فترة التغيرات الكبرى في الذات، باعتبارها الفترة الحرجة طوال الحياة؛ لأنها الفترة التي تتكون فيها هوية المراهق، إنّ مفهوم الهوية مفهوم أملس ومراوغ، ولكن يمكن أن يُعرف أنّه هو المفهوم الذي يعني تحديد أو تعريف الذات كإحساس متماسك ومحدد، وعملية تكوين الهوية تأخذ وقتًا يستغرق مرحلة المراهقة كلها، حتى يننتقل المراهق من حالات التّشتت إلى حال التأجيل، من ثم الى الحال التي يحقق فيها الهوية.[٣]


يؤثر الدور الاجتماعيّ في مفهوم الذّات حيث تنمو صورة الذّات خلال التّفاعل الاجتماعيّ وذلك عندما يكون المراهق في حلقة من الأدوار الاجتماعية، ومن خلال دوره، يستطيع أن يتعلم المراهق كيف يراه الآخرون في المجتمع، وبهذا يتعلّم المعايير الاجتماعيّة والتوقعات السّلوكيّة التي يربطها الآخرون بسلوكه، وإن نتائج العديد من الدّراسات مثل دراسة "كومبس" توضح أن التّفاعل الاجتماعيّ السّليم والعلاقات الاجتماعيّة النّاجحة تعزز الفكرة السّليمة الجيدة لدى المراهق عن الذّات.[٤]


حقوق المراهق في العالم الاجتماعي

تعدّ مرحلة المراهقة من أهم الفترات النّمائية والتّطورية في حياة الإنسان، فهي مرحلة ينتقل فيها الفرد من الطفولة إلى الشباب، والذي يواجه المراهق فيها العواصف والتّوتر والصّدمات النّفسية، وتسودها المعاناة والصّراع والقلق والإحباط والمشكلات وصعوبات التوافق.[٥] إنّ الأمر يتتطلب رعاية بالغة بالمراهق واحتياجاته، ومن حقوق المراهق على الأسرة والمجتمع تلبية حاجاته النّفسيّة على النحو الآتي:[٦]


  • الحاجة إلى الاستقلال: أيْ اعتراف الآخرين بالمراهق، ومنحه الحرية في اختيار ما يريد دون تدخل أو فرض رأي الآخرين عليه، وأن يشعر بقيمته الذّاتيّة، واحترام رأيه، وتكليفه ببعض المهام ليشعر بالمسؤوليّة تجاه نفسه والآخرين، فشعور المراهق بالنّضج الانفعاليّ يجعله يحتاج إلى الاستقلاليّة عن والدَيْه ليتسع عالمه وتزيد خبراته.


  • الحاجة إلى النّجاح والإنجاز: وحاجته إلى النّجاح تساعد على زيادة الثقة بالنفس لديه، ويتحقق ذلك عندما يفهم قدراته وإمكانياته، وذلك بتوجيهه إلى التّخصص الأكاديميّ المناسب له.


  • الحاجة المهنيّة: إن الاستقلاليّة تتحقّق بقدر كبير عندما يشعر المراهق بالاستقلال الماديّ، ويستطيع أن يكسب المال من مهنة محببة له، يختارها بنفسه.


  • الحاجة إلى الأمن النفسيّ: إن الرّفق واللّين في التّعامل مع المراهق يحققان له ثقة متابدلة واطمئنانًا نفسيًا وعواطف مشتركة، ويتحقق الأمن النفسيّ بالمدح، فهو رفع للمعنويات وتثبيت للإيجابيات وترسيخ للقيّم المقبولة، والمدح لا يكون فقط فيما نراه من المراهق بل كذلك فيما نحب أن يتصف به المراهق من صفات وخُلق.


  • الحاجة إلى التقبل الاجتماعيّ: أن يستشعر المراهق أنه مقبول دون شروط، فقبول المراهق لا ينبغي أن ترتبط بانجازات معينة، إنّ قبول المراهق يعني تهيئته للانخراط في حياة إنسانيّة واجتماعيّة.


  • الحاجة إلى الانتماء: إنّ تكوين العلاقات الاجتماعية، وامتدادها بين الأهل والجيران والراشدين فيما بينهم، تُعطي للمراهق شعور بالانتماء للمجموعات.


واجبات المراهق في العالم الاجتماعي

عندما نتحدث عن واجبات المراهق في العالم الاجتماعيّ، فلا بُدّ من ذكر الموقع الذي يحتله كلّ من الرجل والمرأة في البناء الاجتماعيّ، ويختلف موقع المراهق ومكانته من مجتمع لآخر، وتتأثر هذه الواجبات بعقائد وتقاليد الثقافة المجتمعية التي يعيش فيها المراهق.[٧]، فالمراهق المسلم ينبغي عليه أن ينظر إلى المرحلة التي يعيشها من منظور إسلاميّ، عليه معرفة دينه، ويجب عليه معرفة الله تعالى المعرفة الصّحيحة عن طرق علمية، وعليه أن يدرك الواجبات التي فرضها الله عليه نحو الوالدين، والأهل، والأقارب، والجيران، والأصدقاء، ونحو الأشياء والبيئة التي حوله، من ماء ونبات وشجر ووطن وأمّة.[٨]


من الواجبات التي يجب على المراهق بشكل عام مراعاتها في العالم الاجتماعي:[٩]

  • الحفاظ على وقته: بترتيب أولوياته وجدولة أعماله، وتحديد أهدافه، حتى يكون مفيدًا لنفسه والمجتمع.
  • التّنظيم في شؤونه بشكل عام: مثل تنظيم شؤونه الدراسيّة، وتحمل المسؤوليّة الذاتيّة، فعندما ينظم المراهق وقته لن يجد وقتًا فارغًا يمكن أن يرتكب فيه الجنح.
  • تقديم الخدمات: عليه مساعدة الآخرين في المجتمع والشّعور معهم وفق قدراته وإمكانياته.
  • أن يهتم بصحته: على المراهق أن يكون قويّ البنية، يمارس الرياضة، ويهتم بنوعية غذائه.
  • القدرة على الكسب والعطاء: فتحمل المسؤولية يُعطي جانبًا قويًّا في جوانب الشخصية لدى المراهق والتي ستجعله عضوًا فعالًا في المجتمع.

رغبة المراهق في الاستقلالية

إن انفصال المراهق وشعوره بالاستقلاليّة له أهمية نفسيّة كبيرة، إذ إنّه يوسع فرصة التواصل مع بيئته، وكلما طال اتصال المراهق بعائلته كلما كان عالمه محدود. يبدأ المراهق بإثبات ذاته بقول كلمة "لا"، ويصبح يريد الاستقلاليّة بممارسة الأنشطة، وخلق علاقات جديدة وذلك دون مساعدة الأهل أو التدخل في قرارته وتبدأ الصّراعات بين المراهق ووالديه، حيث إنه يطالب بحقوقه، وعدم تدخل والديه بقراراته واختياراته.[١٠]


يكثُر خروج المراهق من المنزل؛ وذلك لاعتقاده أنّ الخروج من المنزل يعطيه نوعًا من أنواع الاستقلاليّة، حيث إنّ وجوده في المنزل يتوجب عليه الاستماع للأوامر وتنفيذها، وهذا ممّا يحد من استقلاليته، يشعر المراهق أنه ينتمي إلى جيل مختلف عن أبويه، فيبدأ المراهق بالتّعبير عن ذلك بطرق مختلفة، فشعور المراهق بوجود فجوة بينه وبين والديه يدفعه إلى البحث عن أصدقاء يشعر أنهم يشاركونه رؤيته للحياة ومشاعرة، وهذا ما يشعره بالاستقلاليّة ويرفض تدخل والديه.[١١]


يقع المراهق في تناقضات كبيرة بينه وبين والدَيْه، فيعاني من الإحساس بالألم والذنب تجاه والديه، فقد نشأ على طاعة والديه واحترامهما، فعندما يحدث التّضارب والغضب يشعر المراهق بأنه المسؤول عما يحدث، وكذلك التّناقض بين الاستقلاليّة والاعتماديّة، فالمراهق تعوّد على تلبية احتياجاته ورغباته، والآن يشعر بحاجته الى الاستقلاليّة والتعرف على خبرات جديدة والخروج من سيطرة الوالدين إلى العالم الخارجي.[١٢]

واجبات المجتمع اتجاه المراهق

هناك واجبات على المجتمع القيام بها تجاه المراهق حتى يتمكن من أداء واجباته على أتمّها، ومنها:[١٣]

  • تشجيع المراهق على النّجاج في جميع المواقف سواء الدّراسية أو العمليّة.
  • إشباع حاجات المراهق النفسيّة، مثل: حاجة الاعتبار، والتقبل غير المشروط، والحبّ، والاهتمام.
  • توجيه المراهق إلى أساليب التّعامل الاجتماعيّ الصحيحة، حتى لا يجبن عن المشاركة الاجتماعيّة.
  • احترام آراء المراهق وقبول مساعدته، والسّماح له باتخاذ القرارات التي تخصه.
  • تهيئة المراهق على قبول أخطائه وأنها عبارة عن تجارب تساعدة على المسير في حياته.
  • إشعار المراهق بالنجاج فيما يقوم به من أعمال.
  • تدريب المراهق على المرونة وضبط الانفعال.
  • تعويد المراهق على الإيثار والتّضحية.
  • تعويد المراهق على الشّجاعة والجرأة.
  • الانتصار على مخاوف الطّفولة.



لقراءة المزيد من الموضوعات ذات الصّلة، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: كيفية التعامل مع المراهقين.

المراجع[+]

  1. روبرت واطسون، هنري ليندجرين، سيكولوجية الطفل والمراهق، صفحة 125-126. بتصرّف.
  2. شيفر وملمان (2006)، سيكولوجية الطفولة والمراهقة مشكلاتها واسبابها وطرق حلها (الطبعة 1)، المملكة الأردنية الهاشمية:دار الثقافة، صفحة 273. بتصرّف.
  3. علاء الدين كفافيني (2015)، علم النفس الأسري (الطبعة 2)، المملكة الأردنية الهاشمية:دار الفكر، صفحة 172-175. بتصرّف.
  4. صلاح الدين العمرية (2011)، علم النفس النمو (الطبعة 1)، المملكة الأردنية الهاشمية:مكتبة المجتمع العربي، صفحة 281. بتصرّف.
  5. صالح ابو جادو (2011)، علم النفس التطوري الطفولة والمراهقة (الطبعة 3)، المملكة الأردنية الهاشمي:دار المسيرة، صفحة 406. بتصرّف.
  6. حيد العطار، علم نفس النمو، صفحة 85-86. بتصرّف.
  7. عصمت حوسو، الجندر الأبعاد الاجتماعية والثقافية، صفحة 226. بتصرّف.
  8. إيمان ابو غربية (2007)، التطور من الطفولة حتى المراهقة (الطبعة 1)، المملكة الأردنية الهاشمية:دار جرير، صفحة 226-227. بتصرّف.
  9. ايمان ابو غربية (2007)، التطور من الطفولة حتى المراهقة (الطبعة 1)، المملكة الأردنية الهاشمية:دار جرير، صفحة 227-231. بتصرّف.
  10. روبرت واطسون، هنري ليندجرين، سيكولوجبة الطفل والمراهق، صفحة 305. بتصرّف.
  11. عبد الكريم بكار (2011)، المراهق كيف نفهمه، وكيف نوجهه (الطبعة 3)، المملكة العربية السعودية:دار وجوه للنشر والتوزيع، صفحة 19-20. بتصرّف.
  12. مصطفى ابو سعد (2011)، هكذا نربي (الطبعة 1)، الكويت:شركة الابداع الفكري، صفحة 23-25. بتصرّف.
  13. سعيد الأعظمي (2007)، أساسيات علم نفس الطفولة والمراهقة (الطبعة 1)، المملكة الأردنية الهاشمية:جهينة للنشر والتوزيع، صفحة 70-71. بتصرّف.

5 مشاهدة