نبذة عن حياة الإدريسي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٥:٥٦ ، ٢٥ فبراير ٢٠٢١
نبذة عن حياة الإدريسي

نشأة الإدريسي

إلى مَن يعود نسب الإدريسي؟

محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الإِدْرِيسي الحسني الطالبي، وقد لُقّب بأبي عبد الله، وقد عاش ما بين (1100م - 1165م) وهو واحدٌ من الأدارسة أي: عاش في نهاية عصر الأدارسة، ويُعدّ الشريف الإدريسي واحدًا من أهم أدارسة المغرب الأقصى، ومضى الإدريسي حياته ما بين الجغرافيا وتأليفها، حتى كانت وفاة الإدريسي في سبتة -رحمه الله-.[١]


قد برع الإدريسي في كثيرٍ من العلوم والفنون ومن أهمّ العلوم التي برع فيها الإدريسي الأدب والشعر وقد قال بعضًا من الأبيات التي تناثرت في بطون الكتب ومن بينها:[٢]

لَيتَ شِعري أَين قَبري

ضاعَ في الغُربَةِ عُمري

لَم أَدَع للعينِ ما تَش

تاقُ في بَرٍّ وَبَحرِ

وَخَبِرتُ الناسَ وَالأَر

ضَ لَدى خَيرٍ وَشَرِّ

لَم أَجِد جارًا وَلا دا

رًا كَما في طَيّ صَدري

فَكَأني لَم أَسِر إِل

لا بِمَيتٍ أَو بِقَفرِ


كيف كانت حياة الإدريسي؟

الإدريسي هو من سلالة عائلة الأدارسة التي قام اشتركت بثورة العلويين على العباسيين، واستطاع جدّهم الإفلات من يد العباسيين وإقامة حكمٍ له في المغرب وأنشأ فيها مملكة الأدارسة، وقد كانت قرطبة هي الموطن الذي استقى الإدريسي منه علمه وفهمه ودراسته في الأندلس، حيث كانت قرطبة في ذلك الأوان عاصمة العلم والأدب وقبلة الدّارسين ومنارة السائلين، استطاع الإدريسي أن يلفت أنظار الغرب إليه قبل أنظار العرب، فدعاه واحدٌ من ملوك الروم وهو روجر الثاني إلى الإقامة عنده وأن يقطن في بلاده فيكون واحدًا من بلاط الملك، ويُعامله كأنّه واحدٌ من الحاشية عنده.[٣]


كان ملك الروم آنذاك في صقلية وقد دعا الإدريسي إليه فأكثر من دعوته، ومنّاه بالحياة الكريمة عنده وما ذاك إلا تقديرًا لعلمه وفهمه؛ ولأنه رغب أن يكتنز تلك الجوهرة قبل أن تأتي عليها سيوف أعدائه، فقبل الإدريسي بذلك العرض، إذ هو في نهاية الأمر نفسٌ بشريةٌ تخاف الغدر والموت، وقد كان يطلبه أعداء أجداده وبالغوا في اضطهاده، فشدّ الإدريسي رحاله إلى صقلية حيث أخذ منزلته في البلاط الملكيّ واستطاع في ذلك الأمان أن يُقدّم إنجازات جغرافيّة غيرت العالم وأسهمت في نهضته.[٣]


رحلات الإدريسي

ما هي البلاد التي وطأها الإدريسي؟

لقد استقى الإدريسي علومه في الجغرافيا من رحلاته الكثير التي جال فيها أرجاء العالم المعروف عنده في ذلك الوقت، وقد وثق هذه الرحلات في كتابه المعروف باسم نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ومن بينها:


رحلة الاستكشاف إلى المتوسط

لقد ساعدت أهواء الإدريسي ورغباته في تحقيق أعظم رحلات جغرافية سُطّرت في ثنايا الكتب، فبدأ الإدريسي بشقّ رحلاته عندما بلغ السّادسة عشر من عمره، وكان لا يذهب في رحلاته بغية الاستجمام وإنّما يُسطر في ذاكرته ما يراه فساعدته دقة ملاحظته التي تمتّع بها على إنجاز ما لم يستطعه كبار التّجار الذين شقوا غباب البحر مرات عديدة، كانت رحلته الأولى -في السادسة عشر من عمره- إلى البلدان الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، ثمّ شقّ طريقه بعد ذلك حتى تغلغل في شمال إفريقيا، فأقام في تلك البلاد يدرس عادات أهلها وتقاليدهم وحياتهم، ثم انطلق بعد ذلك إلى سواحل فرنسا وذلك في المحيط الأطلسي.[٣]


رحلة إنجلترا

مال إلى سواحل إنكلترا ليشاهد بالعيان ما لم يقدر عليه من قبل، وخاض المجهول وسار فيه وركب البحر ورأى تلاطماته ووقف على شطآنه، وانتقل بين البلدان يتأمل سماءها ونجومها وكواكبها وتلالها وجبالها، ويُسطّر تلك المعلومات جميعها في عقله لأنَّه سيكون نقطة التّحول في العالم الجغرافي، وقد أفرد الشريف الإدريسي كتابًا كاملًا من كتبه يتحدّث فيه عن أسفاره ورحلاته.[٣]


منهج الإدريسي في جمع المعلومات

علامَ اعتمد الإدريسي في خط الكتب؟

لقد انتهج الإدريسي منهجًا خاصًّا في جمعه للمعلومات لم يأت عليه عالم جغرافيّ قبله، وأمّا منهجه فكان يقوم على:


الاستفادة من الرّحلات الخاصة

لم يفصل الإدريسي ما بين الحياة العلمية والحياة العملية، ولم يعمد فقط إلى الكتب حتَّى يستقي منها المعلومات الجغرافية بل كانت أولى خطواته في جمع المعلومات هو الاعتماد على رحلاته التي قام بها، فقد كان يُسجّل في ذاكرته ودواته كلّ ما تراه عينه ويقع عليه لحظه.[٤]


الاستفادة من الرواد

لم يكتف ملك صقلية في ذلك العصر بأخبار الإدريسي أو غيره من الجغرافيين العظام، بل بعث رجالًا من عنده وهم الرواد يذهبون إلى المنطقة فيطّلعون على أخبارها وأحوالها ومكانها وما يُحيط بها من الجبال والأنهار، فيطّلع الإدريسيّ على ما جاؤوا به من المعلومات، فيزيده إلى معلوماته فتنشأ سبيكة الذهب الجغرافية الخالصة من الفهم والموضوعيَّة.[٤]


الاستفادة من الرحلات التجارية

التَّاجر هو من أهم الأشخاص الذي اعتاد التّرحال بهدفٍ غير تدوين المعلومات وجمعها، ولكن استطاع الجغرافي الإدريسي أن يستفيد من رحلات التّجار ليجعلها رحلات علمية في ذات الآن، فصار يأخذ المعلومات من التّجار والحجّاج ويدوّنها عنده، فيُحاول مطابقة جميع المعلومات مع بعضها حتَّى يخرج الكلام من بين يديه لا تشوبه شائبه الكذب.[٤]


الاستفادة من رجال أوروبا

كان الإدريسي رجلًا ذا حكمة وعقل، تلك صفات الإدريسي التي امتاز بها على غيره من الجغرافيين، فاستفاد من مكانته في البلاط الرّوماني واستعان برجال أوروبا المسيحيين على وصف أوروبا وبلدانها وعادات أهلها وهو ما لم يستطعه أي رحالة أو أي جغرافي قبل الرحالة الإدريسي، فاستطاع بموقعه ذاك أن يجمع ما بين الشرق والغرب من تلك الرحلات.[٤]


الاستفادة من المؤرخين الذين سبقوه

لم يقف الإدريسي يومًا موقف المعتز بنفسه الضارب بأعمال كلّ من سبقه عرض الحائط، على العكس من ذلك فقد عكف على مطابقة المعلومات كلها التي وردته من التجار ومن الرواد والأخرى المتناثرة في كتب المؤرخين، وخاصة في حديثه عن المشرق فقد كثُرت الكتب فيه وعظُمت المادة العلمية عنه.[٤]


إنجازات الإدريسي في علم الجغرافيا

ماذا تمخضّ عن حياة الإدريسي الجغرافية؟

لقد أسفرت رحلات الإدريسي الكثيرة واطلاعه الواسع على العلوم عن كثيرٍ من الأنجازات، ومن بينها:


توثيق المعالم الجغرافية على حقيقتها

برع الإدريسي في علم الجغرافيا فاشتهر فيه حتّى كان أكبر رحالة العرب والمسلمين، ولمَّا استقر الإدريسي في بلاط ملك صقلية وقدّم له العيش الرّاغد حتّى يتمكّن من التأليف، وطلب ملك صقلية من الإدريسي أن يقوم بتأليف كتاب يجمع فيه خبرته في علم الجغرافيا يذكر فيه حقيقة التضاريس دون أساطير، فكان له ذلك بعد خمسة عشر عامًا جمع في ذلك الكتاب عصاره جهده وعقله ووقته فأسماه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" فكان ذلك الكتاب موسوعة جغرافية عظيمة بقي العالم الإسلامي والمسيحي لثلاثة قرون يستقي منه المادة الجغرافية[٥]


لمّا عرف العالم الطّباعة كان كتاب نزهة المشتاق من أوائل الكتب التي عرفت حبر الطباعة وتعدّدت نسخها وقد تُرجم ذلك الكتاب إلى العديد من اللغات الأجنبية، من بينها اللاتينية والفرنسية والإسبانية والإنجليزيّة وكذلك الإيطاليّة.[٥]


حساب الطول والعرض

لم يكتفِ الإدريسي في تدوين المعلومات الخاصة بالبلدان فقط، بل حاول أن يقوم بعمل خاصّ به، وهو أنه قام بحساب الطول والعرض الخاص بالبلدان المختلفة التي دونها في كتابه، ولم يكن حسابه للطول والعرض -كما ذكر سيبود- جزافًا بل قامت تلك الحسابات بدقة عالية استخدم فيها لوح الترسيم الذي استعان به مرة أخرى عند وضع التصميم الجغرافي للكرة الأرضية.[٥]


وضع خريطة للكرة الأرضية

بدأ الإدريسي بوضع مواقع البلدان والأنهار والخلجان وغيرها على لوح الترسيم الخاص فيه، وقد وضع ذلك بالاستعانة بالبيكار؛ حتى يتمكّن من تحديد المواقع بدقة عالية دون أن يخطئ فيها، ولمَّا تمكّن من إنهاء ذلك العمل طلب من ملك صقلية أن يضع تحت يده مقدارًا كبيرًا من الفضة تُنقش عليه الخارطة حتى لا تفنى بعوامل الجو، حقّق ملك صقلية للإدريسي تلك الرغبة ووضع تحت تصرفه 400 رطل من الفضة فكانت كرة عظيمة، أمر ملك صقلية النّحاتين أن يقوموا بنقل جميع الإحداثيّات التي وضعها الأدريسي على المرسم، فظهر تصميم للكرة الأرضية رفيع المستوى.[٥]


مؤلفات الإدريسي

ما الرصيد التأليفيّ الذي أسفرت عنه حياة الإدريسي؟

لم يكن الإدريسي ذاك العالم الذي اختصّ في الجغرافيا فقط إلا أنَّه برز فيها ولمع نجمه بها، وإنَّما كان له يد في كثيرٍ من العلوم الأخرى مثل علم النّبات والطب والصيدلة وغيرها، ومن بين تلك المؤلفات:


  • الجامع لأشتات النبات: وقد عُرف ذلك الكتاب باسم المفردات وكذلك باسم الأدوية المفردة، وقد اتّصف الكتاب بالدّقة العالية من ناحية كتابة اسم العقار ووصف خصائصه، يتألف الكتاب من مئة وثمانٍ وأربعين صفحة، وتحوي مكتبة الفاتح في إسطنبول جزءًا منه.[٦]


  • روض الأنس ونزهة النفس: وقد عُرف ذلك الكتاب باسمٍ آخر وهو كتاب المسالك والممالك، ولم يتم الوقوف على ذلك الكتاب إذ هو مفقود، ولكن هناك اختصار عن ذلك الكتاب واسمه أنس المهج وروض الفرج وهو في مكتبة حكيم أوغلو باشا في الأستانة -أي إسطنبول-.[١]


  • نزهة المشتاق في اختراق الآفاق: وقد ألف ذلك الكتاب في بلاط ملك صقلية، ولم ينته منه تأليفه إلا بعد إقامته عليه مدة خمسة عشر عامًا، وقد أتمّ ذلك الكتاب في عام 1154 للميلاد، وكان ذلك في شوال.[٧]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب خير الدين الزركلي، كتاب الأعلام للزركلي، صفحة 24. بتصرّف.
  2. الصفدي، كتاب الوافي بالوفيات، صفحة 138. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث أحمد حسن الزيات، كتاب مجلة الرسالة، صفحة 25. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج زكي محمد حسن، الرحالة المسلمون في العصور الوسطى، صفحة 53. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت ث مجموعة من المؤلفين، أرشيف منتدى الفصيح. بتصرّف.
  6. الإدريسي، كتاب نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق، صفحة 2. بتصرّف.
  7. الإدريسي، نزهة المُشتاق في اختراق الآفاق، صفحة 2. بتصرّف.