موضوع تعبير عن المدرسة وواجبنا نحوها

موضوع-تعبير-عن-المدرسة-وواجبنا-نحوها/

لماذا نذهب إلى المدرسة؟

من أجل الأمجادِ تُبنى أعمدةُ الإرادة، وتصميمًا على تنمية الإرادة والهمةِ في بلوغِ أعلى قمةٍ من قمم العلمِ تُبنى المدارس والمؤسسات التعليمية، والمراكز العلمية التي تعملُ بدأبٍ كي تحقق ما تصبو إليه ضرورة البشرية في الثقافة والفكر والعلوم، فكم تبذل المدرسة من جهدٍ في التنظيم والمثابرة لتزرعَ ما يُمكنُ أن يثمرَ في المستقبلِ البعيد من علمٍ يمكّن الإنسانَ من النهوضِ بالأوطانِ، ويُعطي الإنسانية القيمة الحقيقيّة لوجودها وإعمارها لهذا الكون. كم تمكّنُ المدرسةُ الجيلَ الناشئَ من إثباتِ وجودهِ الفِعليّ على هذه الأرض، وكم تفعّلُ دورهُ في حياته وحياةِ مُجتمعه الذي ينشأُ فيه!


إنَّ الإنسانَ بطبيعتهِ يتّجهُ نحو المعرفة، فلا يقبلُ بالجهلِ رديفًا لأيّامه، بل ليس هناكَ شيءٌ أحبُّ إلى عقلِه من أن يعلمَ أو يتعلّم، لأنه مفطورٌ على حبّ الاكتشافِ والثقافة المتبادلة مع الآخر، مما يجعل التطور والتقدم صفةً تلازم المجتمعاتِ، يسري بسريانِ الأزمان، ويتقدّم بتقدّم الأيام والسنوات.


قد يسألُ الطفلُ نفسه في أيامِ الشتاءِ الباردةِ، عندما ينهضُ من نومهِ استعدادًا لبدء يومٍ جديد من التعلّم والذهاب إلى المدرسة: "لما نذهبُ إلى المدرسة؟"، ولا بدّ أن يعلمَ أن الذهابَ إلى المدرسة في الطفولة ليس إلا رسمًا للمستقبل المشرقِ الذي سيبنيهِ في قادمِ الأيام، وما هو إلا غرسٌ صغير لثمارٍ سوفَ تغدو يانعةً، وأشجار مِعطاءَةً بالخير العميم في السنواتِ المُقبِلة.


إنَّ المدرسة لا تقتصرُ على إكسابِ العلم وحسب، بل يتمدد دورها ليشملَ توظيفَ المهارات والهوايات التي يمتلكها الطفلُ أو الراشدُ في الميدان التطبيقيّ في بيئتهِ وفي مجتمعه، وإذا حدَّثَ الإنسانُ نفسه بقولهِ: "وما دور المدرسة فيتنمية الهوايات؟" فإنَّ الإجابةَ تتلخَّصُ بالصداقة! فالصداقة التي يُقيمُها الطالبُ مع أصدقائهِ في الصف الواحد تُتيحُ له تفعيل الإمكانيّات التي يُحبّها وينشّطها ويجعلُ منها مراكزًا للمنافسةِ بينه وبين أصدقائه، كما أنَّ التدريبَ الذي تقدّمه تمرينات المعارف التي تعملُ على تمكينها الكوادر المدرسية أو الصداقة بين الأقران تجعلُ الطالب يستخدم أغلب قدراته الحسية والحركية والذهنية في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود الذي يُطلَب منه، مما يطوّر هذه القدرات لديه، ويوظّفها توظيفًا إيجابيًّا.


التعليم رسالةٌ مقدّسة، والذهابُ إلى المدرسة أو الجامعة أو المراكز العلمية بشكلٍ يوميّ يكادُ يكونُ واجبًا لا مفرَّ منه للطفولةِ والمراهقة والشباب على حدٍّ سواء، ففي كلٍّ مرحلةٍ من المراحل العمرية يحتاجُ الإنسانُ مستوياتٍ متعددة من تغذية العقل بالعلم والمعرفة المتجددة، وإنّ إهمال ذلك الأمر في بعضِ البلادِ التي لم تتمكن من إتاحة التعليم لجميعِ أبناء مواطنيها يجعلُ المجتمعَ واهنًا ضعيفَ الإمكانات الفكرية والسياسية والاقتصادية، ومنزويًا عن غيرهِ من المجتمعاتِ التي لم تخضع لبراثنِ الجهل وسوادِ تسلُّطهِ، وأهميّة المدرسة في تنمية المجتمع مثل أهمية الجامعة أو أيّ مركز علميّ أو ثقافيّ أكاديميّ، تكمنُ في كونِها جزءًا لا يتجزَّأ من المنطومة الكبرى للتطوّر والتقدّم والحضارة على كافّة الأصعدة. مرجع غير مباشر [١]


 

دور المعلم في بناء شخصية الطالب

إذا كانت المدرسةُ جزءًا مهمًّا في حياةِ الإنسان، فلا بدَّ أن يكونَ المعلّم الجزءَ الأساسيّ في عمليّة التعليم، بل إنَّه حجرُ الأساس في العملية التربويّة بأجمعها، يمتدُّ تأثيرهُ إلى الطلبة من خلال شخصيّته وطريقة تعامله، فتتسرّب إليهم الانطباعات المختلفة حول ما ينبغي لشخصيّتهم أن تتكوّن وفقهُ، وقد يتقمّص بعض الطلبة الكثير من أفعالِ أو أقوال أساتذتهم أو طريقتهم في الحياة، وقد يتبنّى بعضُ الشباب أفكارَ أساتذته ويدافع عنها ويعمل وفقها، مما يجعلُ دور المعلّم بالغَ الأهميّة والخطورة في كلّ المجتمعات، ولا سيما المجتمعات المنغلقة التي لا تتيح حريّة البحث عن الحقيقة بالشكل الكافي بسبب ظروفها المعيشية أو الاجتماعية أو التربوية.


إذًا يتّخذُ المعلمُ الدور الفاعلَ في تكوين الصورة المُثلى للتعليم وإيصال العلم عبر سلسلةٍ من الأيديولوجيا التي يُقيمُها مع طلابه، سواءً انتبهوا لذلك الترابط أم لا، وتمضي سلسلة التأثر إلى كل طالبٍ مع أصدقائه، وإلى كل صديق مع بيئته وأسرته، وكل أسرةٍ مع مجموعِ الأُسَرِ التي تكوّنُ معها علاقاتها الاجتماعية، فيصنعُ المعلمُ بذلك شبكةً من العلاقات المعرفية التي تسهم في رفع المستوى الفكري للمجتمع إن كانت صائبةَ المغزى، وتسهمِ في طرحهِ أرضًا إن كانت غير ذلك.


من هنا يكتسبُ الطالبُ الكثير من تكوينهِ كفردٍ فاعلٍ في المجتمع، ويتشرّبُ بنقدِه الداخليّ الكثير من صفاتِ أستاذه أو يتشرّبُ عكسها برفضها وعدم الاقتناع بها، فيُلاحَظُ الإقبالُ على الأساتذةِ الإناث الذين يُعرَفون بالحنان والاحتواء والمسامحة وحسن التعامل، ويكثرُ النفورُ من الأساتذةِ الصّارمين الذين يتعاملون بالقوة والقسوة، وفي الغالبِ لا يتفهّم الطالبُ الهدفَ التربويّ من القسوةِ أو الصرامةِ في عملية التعليم حتى سنٍّ متأخّرة، وقد يقع البعضُ في المشكلات النفسية بسبب تأثرهم السلبي بمعاملة معلّميهم.


يمكنُ القول أن المعلّم المثاليّ يتّصفُ بالمحبّة بالإضافةِ إلى تجويدِ إيصالِ هذه المحبّة إلى الطالب من خلال المعاملة المدروسة، فيتمكّن من الضبط والسيطرة على النظام بطريقة محببة، يعمل على الترغيب بما يريد من الطلبة أن يفعله، ويعاقب إن لزم الأمر بأسلوب تربويّ مدروس، لا يمسُّ شخصيّة الطالبِ ولا يسبب له الألم الجسديّ، كأن يحرمهُ من بعض الأشياء التي يحبّها لفترة مؤقّتة، أو يُلزمهُ بالقيام بأعمال تحتاج المزيد من البحث والجهد العلمي، فإذا استطاع المعلم أن يكونَ كما يجبُ لهُ أن يكون أصبحَ من أشرفِ البشر وأجلّهم، وفي هذا المعنى يقول أحمد شوقي: [٢]


أرأيتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي

يبني ويُنشئُ أنفُسًا وعقولا؟   


فما أجلَّ مهنة التعليم وما أشرفها حينَ يكونُ الإخلاصُ تاجًا على رأسِ أصحابها، وما أعظمها من رسالةٍ حين تؤدَّى لاستمرارِ الحياةِ بصورتها الأبهى والأنقى!


واجبنا نحو المدرسة

المدرسةُ تُنادي طلابها كلَّ عام، تفتحُ ذراعيها لاستقبالهم وتنشدُ الأغاني فرحًا بقدومهم، تبتهجُ سعادةً باليومِ الأول الذي يجتمعُ فيه الأطفالُ من كل حدبٍ وصوب، ومن كل الأعمار، ليمرحوا في باحتها ويرسموا على أرضها وسبورتها بالطباشير الملوّنة، ويقرؤوا الكتب في صفوفها، فينجحون ويتفوّقون ويُكرَّمون، فإذا ما سما بهم اسمُها نالت العلياء، وأصبحت منارةً للعلم وحديثَ الناس، يأتونَ إليها لينهلوا المزيد من خبراتِ كادرها ومعلميها.


 الطالبُ المجدُّ يمنحُ المدرسة بهجتها، فما من واجبٍ يقدّمهُ الطلبة لمدرستهم أعظم من اجتهادهم ومثابرتهم، فإذا ما حققوها لا بدّ أن يأتي بعدها في الرتبةِ محافظتُهم عليها وعلى أثاثها ونظافتها، فالمدرسة بيتُ الطالبِ الثاني، يمثّلها وتمثله حين ينتمي إليها ويصبحُ جزءًا منها، ولا بدّ أن يترجمَ ولاءَه لها بالمحافظة والصّونِ والإخلاص، وحينها تسمو المدرسة بطلابها، وتعلو مكانتها، وتزدهر مكانة العلم في المجتمع باهتمام طلاب العلم بمؤسساته.


ولا يقتصرُ دورُ الطلاب في رعاية المدرسة وحسب، بل يمتدُّ إلى المعلّم أيضًا، فمن واجب الطالب أن يخلص لأستاذه ويحترمَه في القول والفعل، وأن يبذلَ جهده في الإفادةِ منه حفاظًا على جهدهِ من الضياع والتلاشي، وحفاظًا على رسالة معلّمه التي يؤدّيها بالجهد والمواظبة والإحسان، كما يمتدّ دورهُ لاحترام العاملين في خدمةِ المدرسةِ من موظّفين ومُستَخدمين، فلا يتعاملُ مع أيٍّ منهم إلا بمراعاة الأدبِ وحسنِ التصرّف والحكمة والاحترام، إذ كلُّ من يعمل لأجل قيام المدرسة بواجبها هو جزءٌ من الصرح العلميّ الكبير، الذي لا تقومُ أركانهُ إلا بالتشارك بين جميع الأطراف، ولا سيما الأهلُ والمعلمُ والموظّفونَ وإدارةُ المدرسة.


 إنْ كتِبَ للإنسانِ بعدَ أن يصبحَ كهلًا غُربةٌ يبتعد بها عن وطنه، فمهما حلّقَ في الآفاق لن ينسَ مقاعدَ الدراسة التي قضى بين ربوعها أجمل الأوقات وأطيبها، ولن تستطيع ذاكرته أن تمحو من بين ثناياها ضجيجَ الأصدقاء، وصوتَ اللعب في الباحاتِ والاستراحة، وسيبقى في حنينٍ دائمٍ كي يرجع إلى تلك الطفولةِ السعيدة، كما هو حال نزار قباني في قصيدته التي يخاطب فيها دمشق:[٣]


فرشتُ فوق ثراكِ الطاهرِ الهدُبا

فيا دمشقُ لماذا نبدأ العتبا؟

حبيبَتي أنتِ فاستلقي كأغنيةٍ

على ذراعي ولا تستوضِحي السّببا

يا شامُ إنّ جراحي لا ضفافَ لها

فمسّحي عن جبيني الحزنَ والتَّعبا

وأرجعيني إلى أسوار مدرستي

وأرجعي الحبر والطبشورَ والكتبا

تلك الزواريبُ، كم كنزٍ طمرتُ بها

وكم تركتُ عليها ذكرياتِ صبا

وكم رسمتُ على جُدرانها صورًا

وكم كسرتُ على جُدرانها لُعَبا

أتيتُ من رحِمِ الأحزانِ يا وَطَني

أقبِّلُ الأرضَ والأبوابَ والشُّهُبا


فما أنداها من كلماتٍ لشاعرٍ لم يستطع فراق محبوبته التي تجسّدت من أرض الشام، وما أعمق الذكرى حين تكون محفورةً بجمالِ أيام الصّبا والعلم والكتب. المدرسة أمٌّ لا يمكنُ أن يكبر إدراكُ الإنسان دون رعايتها، وحضنٌ لا يمكنُ أن يتمكّنَ المرءُ من العيشِ إلا في أكنافهِ، ودثارٌ يصعبُ على أيّ عاقلٍ أن يتحمّل دونه برد الجهل ووحشتهُ، وقسوةَ نتائجه. والعلمُ تاجٌ على رؤوسِ العلماء، لا يراهُ إلا مَن يُدركُ حقيقةَ قولِه تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِيْ الَّذيْنَ يَعْلَمُونَ والَّذِيْنَ لا يَعْلَمُوْن}[٤]

 

 

المراجع[+]

  1. "أهمية العلم والتعليم في بناء المجتمعات"، إكسيبير2. بتصرّف.
  2. "قم للمعلم وفه التبجيلا أحمد شوقي "، الديوان . بتصرّف.
  3. "من مفكرة عاشق دمشقي نزار قباني "، الديوان . بتصرّف.
  4. سورة الزمر ، آية:9

168655 مشاهدة