كيفية اكتشاف الأفكار اللاعقلانية

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٠٩ ، ٣ نوفمبر ٢٠٢٠
كيفية اكتشاف الأفكار اللاعقلانية

كيفية اكتشاف الأفكار اللاعقلانية

ما هي التشوهات المعرفية؟

يمكن أن تعرّف الأفكار اللاعقلانية بأنها: المواقف، والقيم، والمعتقدات التي يتمسك بها الشخص بقوة، على الرغم من كافة الأدلة الموضوعية المتاحة والمفهومة بشكل عام تؤكد عكس هذه الأفكار[١], إذ يمكن الحفاظ على مثل هذه الأفكار من خلال الهياكل المعرفية الشخصية، والتي تستند أحيانًا إلى أحداث معينة غير شائعة، مثلا بعد أن يتعرض شخص لحادث سيارة، سيتولد لديه اعتقاد بأن السفر بالسيارات أمر خطير للغاية، وبذلك يمكن تطوير الأفكار اللاعقلانية من معتقدات.


وهذه المعتقدات ليست سوى أفكار مبالغة لما يمكن اعتبارها رد فعل طبيعي لمثل هذه الأحداث، والتي تتحول إلى وهم، وهذه الأوهام واسعة تبدو غير منطقية تمامًا، وقد تم تطوير نظرية التنافر المعرفي، والنظرية الديناميكية النفسية، جزئيًا لشرح توليد والحفاظ على مثل هذه الأفكار، كما يمكن تشكيلها جزئيًا بفعل الضغوط الاجتماعية الخارجية.[٢]


كيف تتطور الأفكار اللاعقلانية لدى الإنسان؟ يعد اكتشاف الأفكار اللاعقلانية أحد أكثر مكونات العلاج النفسي أهمية، خاصة العلاج المعرفي السلوكي، لاسيما تحديد الأفكار غير المنطقية والإجابة عليها، وبمجرد أن يتمكن معالجي العلاج النفسي السلوكي من تصنيف فكرة غير عقلانية وتشريحها، تبدأ مهمة اكتشاف أصول الفكرة التي نبعت من عقل الفرد، وكلما زاد السماح لهذه الأنماط من التفكير بالاستمرار، زادت احتمالية أن تصبح عادات متأصلة تدوم مدى الحياة، وتساهم الأفكار اللاعقلانية في تطوير اضطرابات الشخصية التي يصعب علاجها والتي غالبًا ما تربك البالغين، كالاضطراب ثنائي القطب مثلًا.[٣]


حاولت النظريات في علم النفس مثل النظرية السلوكية تفسير كيفية إدراك الأفراد للعالم والسلوك فيه، نتيجةً لنظام المعتقدات الأساسي، وتطور نظام المعتقدات هذا منذ الطفولة المبكرة، بناءً على مدخلات من الآخرين المهمين في حياة الفرد وتجاربه الحياتية، وتشير بعض هذه النظريات إن تطوير نظام المعتقدات لا يكون دائمًا عملية عقلانية، لأن الافتراضات غالبًا ما تستند إلى مدخلات منطقية أو غير منطقية وقد أشارت بعض الدراسات النفسية ان بعض الأفراد يشكلون معتقدات غير منطقية تحت تأثير المجتمع وضغط الأقران، بينما تُظهر دراسات أخرى إلى تأثيرات للمجموعة الطوائف والأعراق على المعتقدات الفردية. [٣].


على الأغلب يكون الفكر أو الشعور والإحساس غير عقلاني لا يتماشى مع الواقع والأدلة والتقييمات العقلانية للموقف، ولكن عندما يتعلق الأمر بالأفكار غير المنطقية التي يمكن أن تظهر لدى الأفراد المصابين بمرض نفسي، فإنها تصبح أكثر من مجرد أفكار، إذ تصبح مصدرًا لصعوبة الحياة، ويحتاج الفرد إلى العلاج منها بأنظمة مختلفة، مثل العلاج السلوكي المعرفي، الذي يفسر جميع أنواع الأفكار غير المنطقية المرتبطة بالأمراض النفسية، من الأفكار الوسواس القهري المرتبطة بالقلق إلى تفكك الذات المرتبط بالاكتئاب، ويمكن فصل الأشياء عن الواقع بعدة طرق، والكثير منها ليس بالضرورة واضحًا.[٤]


الشيء الأساسي الذي يجب ملاحظته حول الأفكار اللاعقلانية، لدى الشخص الذي يعاني من مرض نفسي، أو بسبب تأثيرات معينة في حياته الشخصية، هو أن هذا الشخص غالبًا لا يمكنه تمييز هذه الأفكار عن الأفكار العقلانية، ما لم يتم تدريبه بالعلاج والممارسة على التمييز بينهما، وهناك أيضًا فرق بين الأفكار التي يرفضها الفرد بسرعة باعتبارها غير عقلانية، أو لأنها أفكار مقلقة،[٥] وهناك عدد من طرق التفكير التي يمكن من خلالها اكتشاف الأفكار اللاعقلانية كالآتي:

المبالغة والتهويل

وفقًا لدليل العلاج السلوكي المعرفي، هناك بعض الخصائص الأساسية للفكر غير العقلاني، لكنها ليست كلها متطابقة، إن أحد الأفكار الشائعة بشكل خاص هو التفكير الذي يعتمد على التهويل، أو ممارسة القفز فورًا إلى أسوأ نتيجة بناءً على أكثر الأدلة غير المنطقية، فالفرد يخلق نوعًا من الكارثة غير المنطقية، وهنا تأتي الأفكار اللاعقلانية من حقيقة أن الأفراد لا يقيمون الاحتمالات بشكل صحيح، لذلك تتكون لديهم خصائص أساسية ودائمة في التفكير اللاعقلاني.[٦]

المعتقدات الأساسية الخاطئة

أحد العناصر الأساسية في العلاج السلوكي المعرفي، هو محاولة معرفة المعتقدات الأساسية الخاطئة، التي تؤدي إلى ما يسمى أخطاء التفكير، وتوضح الباحثة إيمي وينزل في كتاب تعديل المعتقدات الأساسية في العلاج المعرفي أن المعتقدات الأساسية الخاطئة تُعرَّف بأنها المعتقدات الأساسية غير المرنة والمطلقة والمعممة، التي يحملها الناس عن أنفسهم وعن الآخرين والعالم، والتي يكون لها تأثير عميق على تدني اعتبار الذات لدى الشخص، والشعور بالكفاءة الذاتية، واستمرار التعرض لاضطرابات نفسية معينة.[٧]


وتتمحور المعتقدات الأساسية الخاطئة عادة حول موضوعات الحب، على سبيل المثال، يعتقد الشخص أنه غير محبوب من الطرف الآخر، ويعجز عن محاولة جذب انتباهه، ويهدف العلاج السلوكي المعرفي إلى الوصول إلى جذور هذه المعتقدات الأساسية، والتي غالبًا ما تكون قد رسخت وعززت نفسها على مدى سنوات عديدة، ويهدف العلاج إلى تمكين الناس من التعرف على كيفية تشويههم للأدلة وخلق ردود غير عقلانية، فإذا أدرك الفرد أن فكرة ما تأتي من اعتقاد جوهري ويعرف أنه خاطئ بالفعل، فقد يتمكن من إبعاد نفسه عن هذا الخطاء الذي كان يعتبر جوهريًا.[٨]

الاستنتاجات الخاطئة

يتضمن الكثير من التفاعل البشري قدرًا من الانفعالات، أو توقع ما يفكر فيه أو يشعر به شخص آخر، ولكن في الأفكار غير المنطقية، يمكن لهذا العزو أن يتجاوز حدوده إلى حد كبير وفي حالات التفكير غير المنطقية فإن الفرد يعزو الأفكار بشكل قاطع، وعادة بصورة سلبية، إلى أشخاص آخرين، دون افتراض وجود احتمالية أن يفكروا في شيء آخر، على سبيل المثال، إذا أخطأ الفرد في الكلام، فإنه سيعتقد على الفور أن المستمع له يعتقد أنه شخص فاشل، وعادة ما يكون المنطق غير سليم تمامًا ولا توجد أدلة كافية تدعمه على الإطلاق، لكنه سيكون على يقين من صحة تفسيره للأمر.[٦]

كل شيء أو لا شيء

قد يكون التفكير اللاعقلاني مرتبطًا بالاكتئاب، إذ يشوه الإدراك، ويمكن أن يؤدي إلى استجابات انفعالية مبالغة وغير مستحقة، ويُعرف هذا التفكير بمصطلح، كل شيء أو لا شيء، إذ لا يسمح بأي دقة في تقييم الموقف، مثلاً على ذلك، تأسيس فكرة لدى الفرد بأنه أما يكون ناجح تمامًا، أو فاشل تمامًا، وتستمر هذه العملية المنظمة المصاحبة للاكتئاب المرضي حتى تتحول هذه الانفعالات إلى اضطراب انفعالي خطير، إذ تؤدي هذه المعتقدات القوية إلى تقلبات انفعالية عميقة، وغالبًا ما تنطوي على الشعور بالذنب والعار ولوم الذات، وهذه أحدى المعتقدات التي تؤثر على الفرد وتؤسس لديه تفكير لا عقلاني خطير.[٦]

أمثلة على الأفكار اللاعقلانية

ما هي الأفكار اللامنطقية التي تهاجم عقل الفرد؟

بمجرد تحديد فكرة غير منطقية، فإن الخطوة التالية هي تقسيمها واستبدالها باعتقاد عقلاني إيجابي، لذلك ما يحدث عكس هذا، يمكن أن يضر الأشخاص الذي يتجهون إلى هذه الطريقة من التفكير اللاعقلاني، وكذلك من الممكن أن تضر جميع ما هم حول الشخص الذي يفكر بطريقة غير العقلانية، وهذه بعض الأمثلة على الأفكار غير العقلانية.[٩]

  • يبدأ الفرد باعتقاد أنه يجب أن يكون مؤهل لكل شيء حتى يستطيع النجاح، وإذا كان الفرد يفكر بهذه الطريقة غير العقلانية، فأنه بذلك يهيئ نفسه للفشل، فليس عليه أن يكون خبيرًا في كل شيء، حتى يتمكن من النجاح في عملٍ ما، لذلك القوة تكمن في ما يعرفه الفرد، وليس في ما لا يعرفه.
  • الشعور بأن الإحساس خارج عن الإرادة، إذا كان الفرد يعتقد أنه ليس لديه سلطة على مشاعره، فيفضل المحاولة في التفكير في تثقيف النفس بشأن هذه المشاعر وتطويرها، ومن الممكن أن يتعلم كيفية إدارة المشاعر، وفي هذه الأثناء، يمكنك دائمًا التحكم في طريقة التصرف، والحصول على إجابات حول كيفية إدارة المشاعر.
  • الشعور بأن الفرد لا يمكن إن يخطئ أبدًا، إذا كان الفرد يعتقد أن الأخطاء ليست خيارًا، يفضّل التفكير بالأمر مرة أخرى، لأن الأخطاء تحدث كثيرًا، وهذه الأخطاء يمكن أن تحوّل الفرد إلى أفضل مما كان عليه، لذا، بدلًا من التفكير في أنه لا يمكن أن يتحمل الفرد ارتكاب خطأ، يجب تصليح الخطأ، والاستمرار.
  • يجب على الفرد إرضاء الآخرين ليشعر بالرضا عن نفسه، وهذا الاعتقاد هو طريقة معينة لإعداد الفرد للفشل، لأنه لا يمكن لأحد أن يرضي الجميع طوال الوقت، ومن الجيد أن يكون لدى الفرد أشخاص آخرون مثله، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك على رأس اولوياته.
  • التفكير في عدم المخاطرة خوفًا من الفشل، إذ يعتقد اصحاب التفكير غير العقلاني بأن عدم المخاطرة سيحميه، لكن ونتيجة للتغيير السريع في كل شيء، فالاستراتيجية الوحيدة التي تؤدي إلى النجاح تتضمن المخاطرة، وفي المقابل ليس على الافراد المخاطرة بكل شيء، ولكن ينبغي عليهم المخاطرة في بعض الأحيان.
  • أن يلوم الفرد نفسه عن حدث سلبي ربما لم يكن مسؤولاً عنه، أو لم يكن هو المسؤول الوحيد عنه، إن لوم الذات على مصائب الآخرين أو الحوادث اليومية، أو ربط الأحداث الخارجية بالنفس عندما لا يكون هناك أساس لذلك، يمكن أن يؤثر سلبًا على حياة الأفراد اليومية ونظرتهم لأنفسهم.

الأفكار اللاعقلانية وعلاقتها بالوعي

هل يمكن للأفكار اللامنطقية أن تجعل الفرد يتصرف بطريقة غير مسؤولة؟

تشير بعض الدراسات النفسية، إلى أن الأفكار اللاعقلانية يتم التعبير عنها بشكل أكبر عندما يواجه الأفراد مواقف اجتماعية مرهقة مقارنة بمواجهة موقف محايد، بالإضافة إلى ذلك فإن الأفراد الذين يميلون إلى القلق في المواقف الاجتماعية يعبرون عن أفكار غير عقلانية أكثر من الأشخاص المسيطرين، مما يؤكد بأن أنماطًا معينة من التفكير غير الواقعي مرتبطة بالوعي والضيق النفسي.[١٠]


كذلك أظهر عدد من الدراسات أن التفكير غير العقلاني يلعب دورًا رئيسيًا في تشويه السلوك الواعي، وتوليد سلوكيات سلبية مثل سلوك المقامرة، فقد وجدت إحدى الدراسات أن الوعي غير المنطقي يشكل ما يصل إلى 75٪ من جميع الأفكار المتعلقة بالمقامرة أثناء اللعب في أماكن الألعاب التقامرية، وأن اللاعقلانية لم تكن مرتبطة بالمكاسب أو الخسائر المالية فقط، ولكنها مرتبطة بشكل طردي بحب المخاطرة، تشير هذه النتائج إلى أن التفكير اللاعقلاني كان يتنبأ بسلوك المخاطرة.[١١]


وقد أظهرت الدراسات التجريبية وجود مخططات معرفية واعية غير منطقية متعلقة بسلوك المخاطرة لدى الأفراد غير العقلانيين،[٧] بما في ذلك:

  • المبالغة في تقدير احتمالات الفوز
  • أوهام السيطرة، حيث يكون احتمال النجاح أكبر من الاحتمال الموضوعي للنجاح.
  • الطقوس الخرافية، ويكون فيها استخدام استراتيجيات خاطئة للتأثير في النتائج التي غالباً ما تستند إلى ارتباطات لا أساس لها أو غير منطقية بين أحداث ليس لها علاقة عقلانية.
  • سوء فهم استقلالية أحداث الصدفة.

الأفكار اللاعقلانية وعلاقتها باضطراب الشخصية

كيف يمكن للأفكار اللاعقلانية تكوين شخصية مضطربة؟

يعاني المصابون من اضطرابات الشخصية من أفكار لا عقلانية كثيرة، وتختلف هذه الأفكار تبعًا لنوع اضطراب الشخصية، فالشخص المصاب باضطراب الشخصية الحدية، وهو أحد أكثر الأنواع شيوعًا، يميل إلى أن يكون لديه طرق تفكير اندفاعية مضطربة، وسلوك اندفاعي ومشاكل في التحكم في عواطفه، وقد يكون لديه علاقات قوية ولكنها غير مستقرة، ويكون قلق من أن الأشخاص قد يتخلون عنه، أما الشخص المصاب باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع فهو عادةً ما يصاب بالإحباط بسهولة ويواجه صعوبة في التحكم في غضبه، وقد يلوم الآخرين على مشاكله في حياته بسبب الأفكار اللاعقلانية لديه، ويكون عدواني وعنيف، وقد يزعج الآخرين بسلوكه.[١٢]


أجرى مجموعة من الباحثين دراسة كان الهدف منها تحديد ما إذا كانت سمات الشخصية المضطربة تتنبأ بالمعتقدات العقلانية وغير العقلانية لدى عينة مختلطة من الطلاب و الأشخاص المصابين بالاضطرابات النفسية، وأظهرت النتائج وجود ارتباطات متميزة بين سمات الشخصية والاعتقاد غير المنطقي، إذ إن صاحب الشخصية العصابية قد يتميز بستة أنواع من أصل سبعة أنواع من المعتقدات غير المنطقية التي تم قياسها قي الدراسة، بالإضافة إلى ذلك إن نمط الشخصية التي تتميز بالانبساطية والانفتاح يتميز بالعقلانية وعدم الانحياز للذات، أما الشخصية ذات الضمير المرتفع فقد تنبأت بالحاجة إلى الإنجاز والمطالبة بالعدالة. ولم ترتبط بالمعتقدات العقلانية أو غير العقلانية.[١٣]

المراجع[+]

  1. "identifying-irrational-thoughts", psychcentral, Retrieved 2020-09-16. Edited.
  2. "Irrational_beliefs", psychology wikia, Retrieved 2020-09-15. Edited.
  3. ^ أ ب "Understanding Irrational Thinking", portal.uc3m, Retrieved 2020-09-15. Edited.
  4. "Irrational_beliefs_in_the_articulated_thoughts_of_college_students_with_social_anxiety", research gate, Retrieved 2020-09-15. Edited.
  5. "What is borderline personality disorder (BPD)?", medical news today, Retrieved 2020-09-16. Edited.
  6. ^ أ ب ت "cognitive-distortions", positive psychology, Retrieved 2020-09-16. Edited.
  7. ^ أ ب "How do we measure rational and irrational beliefs? The development of Rational and Irrational Beliefs Scale (RAIBS) - a new theory-driven measure", research gate, Retrieved 2020-09-15. Edited.
  8. "examples-of-core-beliefs", harleytherapy, Retrieved 2020-09-16. Edited.
  9. "12-irrational-thoughts-rational-people-often-think", inc, Retrieved 2020-09-16. Edited.
  10. "IRRATIONAL BELIEFS IN THE ARTICULATED THOUGHTS OF COLLEGE STUDENTS WITH SOCIAL ANXIETY", researchgate, Retrieved 2020-09-16. Edited.
  11. "Designed to deceive: How gambling distorts reality and hooks your brain", The Conversation Media Group , Retrieved 2020-09-30. Edited.
  12. "Personality disorder", NHS , Retrieved 2020-09-30. Edited.
  13. "Personality Traits Predict Irrational Beliefs", Springer Nature, Retrieved 2020-09-30. Edited.