تعريف الغزل العذري

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٢٨ ، ١٣ أكتوبر ٢٠١٩
تعريف الغزل العذري

الغزل وأنواعه

يُعرف الغزل في معاجم اللغة بأنّه "الشغف في محادثة النساء والتودّد إليهن"[١]، ومنه اشتق المعنى الاصطلاحيّ لشعر الغزل الذي يقوم على التغني بمحاسن النساء، وإظهار الأشواق لهن وبث شكوى الفراق وألم البعد، ويقسم شعر الغزل إلى نوعين: الغزل العذري والغزل الصريح، وكلاهما يقومان على التغني بالجمال ووصف مشاعر الشوق وألم البعد، ولا يختلفان إلا ببعض التفاصيل التي يبديها تعريف الغزل العذري و التي تجعل منه غزلًا عفيفًا مقارنة بالغزل الصريح.

تعريف الغزل العذري

هو غزل طاهر عفيف، يقتصر فيه الشاعر على التغني بامرأة واحدة يكنّ لها المشاعر الصادقة التي تدفع به للاكتفاء بوصف مشاعر الشوق والحب التي تربطه بالمحبوبة بعيدًا عما يلوث هذا الغزل من الوصف الجسدي المادي، "وينسب هذا اللون الشعري إلى قبيلة بني عذرة التي عاشت في العصر الأموي وعرفت بكثرة عشاقها الذين انمازوا بالفصاحة والعفة في الحب والقصائد الرقيقة"[٢]،وكثيرًا ما كان الشاعر منهم يكنى باسم محبوبته وينسب لها فيقال جميل بثينة بدلًا من اسمه جميل بن معمر، وقد اختلف الدارسون في تعريف الغزل العذري وفقًا لنشأته، فمنهم من يتتتبع بوادره في العصر الجاهلي، فينفي نسبته إلى قبيلة بني عذرة الأموية، جاعلًا مفهوم الغزل العذري مرتبطًا بالعفة سبة إلى مفهوم العذرية في معاجم اللغة، وهو ما يجعل تعريف الغزل العذري يقع على النقيض منه في الغزل الصريح الذي يتحرر من ملزمات العفة والخلق، وقد يؤول ظهور الغزل العذري إلى مجموعة من العوامل البيئية والنفسية ومن أبرزها:

  • التطبع بالخلق القويم الذي دعا إليه الإسلام وهذب به أخلاق الجاهليين.
  • طهارة النفوس وعفويتها وسذاجتها، إذ لم تتفتح على حياة المدينة وما تضمنته في بواطنها من لهو ومجون.
  • التمسك بطبائع البداوة وتقاليدها التي تقوم على العفة والمثالية.

تعريف الغزل الصريح

يمكن للدارس أن يشتقّ تعريف الغزل الصريح، من خلال تعريف الغزل العذري نفسه إذ يقع الغزل الصريح على النقيض منه، فهو غزل ماجن لاهٍ يقوم فيه الشاعر بالتغني بجمال محبوبته مستندًا في ذلك إلى أوصافها الجسدية التي تبعد به في كثير من الأحيان عن الصدق والحب، كما أنّ الشاعر في الغزل الصريح لا يكتفي بالتغني بمحبوبة واحدة، فتعج قصائده بأسماء مختلفة لألوان من النساء، وقد بلغ الأمر ببعض هؤلاء الشعراء من أمثال "عمر بن أبي ربيعة أن يصور المرأة وقد تهالكت عليه، تطلب وتتضرع في ذلك وتستعطفه"[٣]، محقّقًا من خلال ذلك نوعًا غزليًا لم تعهده العرب من قبل، وقد ساعد على ظهور هذا اللون من الغزل مجموعة من العوامل أبرزها:

  • اختلاط الاجناس العربيّة بغيرهم من الفرس وأهل الهند.
  • الميل للتحضر وانتقال الناس للعيش في المدن والاستقرار فيها.
  • انتشار مظاهر الغنى والحضارة من قصور ومجالس اللهو والغناء.

شعراء الغزل

لا بُدّ أن الوقوف على تعريف الغزل العذري و تعريف الغزل الصريح يساعد على تحديد شعراء الصنفين وتصنيفهم، تبعًا للبيئة التي عاشها كل منهم والمحيط الثقافي الذي ألمّ به وساهم في تكوين خلفيته الشعرية، فمن شعراء الغزل العذري جميل بثينة، جميل بن معمر الذي أشير إليه أثناء تعريف الغزل العذري، إضافة إلى القَيْسَين:

  • قيس بن ذريح: وهو قيس بن ذريح بن سنّة بن حذافة من قبيلة مضر، عرف بقيس لبنى نسبة إلى محبوبته لبنى التي أحبها وقال فيها الشعر وتكلل حبه بالزواج منها، إلّا أن سعادته بحبه لم تدم طويلًا إذ ألح عليه والديه بطلاقها حتى امتثل لإرادتهما، وعاش نادمًا على قراره حتى عثر عليه ميتًا، وقد هام على وجهه في الصحراء.[٤]
  • قيس بن الملوح: ولقّب بمجنون بني عامر أو مجنون ليلى نسبة إلى محبوبته ليلى العامرية وهي ابنة عمه كانا يرعيان الغنم في صغرهما، ونما حبهما وتعمق بينما كانا يكبران معًا[٥]، وقد قال فيها أشهر قصائد حبه التي عرف بها واشتهر، وعلى الرّغم من تماسك هذا الحب الذي جمع بينهما إلا أنه لم يتكلل بالزواج.


أمّا الغزل الصريح فقد امتدّ به العمر من العصر الأموي وحتى أواخر العصر العباسي وربما بعده أيضًا، نظرًا لاتصال ظهوره بالحضارة والتمدن واختلاط اأجناس والانفتاح على الأمم الأخرى من غير العرب والمسلمين، ولعل من أبرز شعرائه:

  • عمر بن أبي ربيعة: وهو شاعر أموي من عائلة ثرية، قيل أنه "كان من أحسن من مضى وجها وأطيبه حديثًا، وأنه كثيرًا ما كان يتحدث إلى النساء وإن النساء كانت مفتونة به.".[٦]
  • بشار بن برد: "هو أبو معاذ بشار بن برد بن بهمن وقيل أنه ابن يرجوخ ولد بالبصرة سنة 96، وكان يلقب بالمرعث، وهو من فحول الشعراء العباسيين، وكان مُصابًا بالعمى، وقد ضرب المثل بقبح عينيه إذ قالوا: كَعَيْن بشار بن برد".[٧]

سمات شعر الغزل العذري

كان تعريف الغزل العذري قد كشف لنا عن بعض تلك السمات الفنية التي يمتاز بها شعر الغزل العذري عن غيره، لا سيّما فيما يتعلق بالجانب المضمونيّ الذي يثبت للشاعر عفته وإخلاصه في حبه، ومن هذه السمات الفنية أيضًا:

  • صدق العاطفة، التي تتراوح بين الشوق ولوعته والحزن ومكابدته بسبب الفراق.
  • الشكوى من الوشاة وما يقدمون عليه من محاولات للتفريق بين الشاعر ومحبوبته، ومراقبتهما وتتبع حركات كل منهما.
  • الاقتصار على محبوبة واحدة.
  • عدم التصريح باسم المحبوبة، والاكتفاء بالتلميح لها من خلال صفاتها الروحية أو الإشارة لها من خلال كنيتها، وهي السمة التي ميزت الغزل العذري عن نظيره الصريح كما تبيّن في تعريف الغزل العذري آنفًا.
  • كثرة الصور الفنية والتشبيهات.
  • اأسلوب السرد الشعري من خلال صياغة الشعرعلى النحو القصصي وحديث المغامرات.
  • المراوحة بين ضمائر التكلم والخطاب.
  • الاستعانة ببعض مظاهر الطبيعة كالرياح والليل والنجوم والبحر وغيرها مما يشكل خيط وصل يجمع الشاعر بمحبوبته.
  • العفوية الشعرية وعدم التكلف في استخدام المحسنات البديعية.
  • توظيف الألفاظ الإسلامية التي تثبت عفة الشاعر وقويم خلقه.
  • المراوحة بين الأمل بالوصل، واليأس بسبب طول البعد والفراق.
  • استخدام بعض ألفاظ البداوة التي تربط الشاعر بمحيطه المادي وتغرس في شعره بصمة العصر الذي عاشه.
  • يغلب على الشعراء العذريين استخدام الفعل الماضي الذي تشعله الذكرى والرغبة في استرجاع الأحداث الماضية، إضافة إلى ما تقدمه الأفعال الماضية من خدمة في توظيف السرد الفني.

شواهد على الغزل العذري

ضمّت مصادر الأدب العربي ما لايحصى من كنوز الشعر والنثر من مختلف العصور التاريخية، حيث كان من بينها كثير من قصائد الغزل العذري التي كان لها طابعها الغزلي الخاص بما اتسمت به من سمات عُرِضت آنفًا في تعريف الغزل العذري، و وفيما يأتي أبيات من الغزل العذري منسوبة إلى قائليها:

  • جميل بثينة:[٨]

رمى الله، في عيني بثينة َ، بالقذى

وفي الغرِّ من أنيابها، بالقوادحِ

رَمَتني بِسَهمٍ ريشَهُ الكُحلُ لَم يَضِر

ظَواهِرَ جِلدي فَهوَ في القَلبِ جارِحي

أَلا لَيتَني قَبلَ الَّذي قُلتِ شيبَ لي

مِنَ المُذعِفِ القاضي سِمامُ الذَرارِحِ
  • قيس بن الملوح:[٩]

وَقالوا لَو تَشاءُ سَلَوتَ عَنها

فَقُلتَ لَهُم فَإِنّي لا أَشاءُ

وَكَيفَ وَحُبُّها عَلِقٌ بِقَلبي

كَما عَلِقَت بِأَرشِيَةٍ دِلاءُ

لَها حُبٌّ تَنَشَّأَ في فُؤادي

فَلَيسَ لَهُ وَإِن زُجِرَ اِنتِهاءُ

وَعاذِلَةٍ تُقَطِّعُني مَلاماً

وَفي زَجرِ العَواذِلِ لي بَلاءُ

لَقَد عَذَّبتَني يا حُبَّ لُبنى

فَقَع إِمّا بِمَوتٍ أَو حَياةِ

فَإِنَّ المَوتَ أَروَحُ مِن حَياةٍ

نَدومُ عَلى التَباعُدِ وَالشَتاتِ

وَقالَ الأَقرَبونَ تَعَزَّ عَنها

فَقُلتُ لَهُم إِذَن حانَت وَفاتي

المراجع[+]

  1. إبراهيم أنيس، عبد الحليم منتصر، عطية الصوالحي، محمد خلف الله أحمد (2004)، المعجم الوسيط (الطبعة الرابعة)، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، صفحة 652.
  2. كريم قاسم الربيعي (2012)، الغزل العذري حتى نهاية العصر الأموي أصوله وبواعثه وبنيته الفنية (الطبعة الأولى)، العراق: جامعة البصرة، صفحة 3.
  3. شوقي ضيف (1963)، تاريخ الأدب العربي العصر الإسلامي (الطبعة السابعة)، مصر: دار المعارف، صفحة 349. بتصرّف.
  4. قيس بن ذريح (2003)، ديوانقيس بن ذريح (الطبعة الأولى)، بيروت: دار المعرفة، صفحة 8. بتصرّف.
  5. قيس بن الملوح (1999)، ديوان قيس بن الملوح (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 7. بتصرّف.
  6. عباس محمود العقاد (2012)، شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة (الطبعة الأولى)، القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ، صفحة 18.
  7. بشار بن برد (2007)، ديوان بشار بن برد (الطبعة الأولى)، الجزائر: منشورات وزارة الثقافة في الجزائر، صفحة 17-18، جزء 1. بتصرّف.
  8. "رمى الله في عيني بثينة بالقذى"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 09-10-2019.
  9. "وقالوا لو تشاء سلوت عنها"، www.aldiwan.ne، اطّلع عليه بتاريخ 09-10-2019.
  10. "لقد عذبتني يا حب لبنى"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 09-10-2019.