تعريف العفة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:١٧ ، ٧ أكتوبر ٢٠١٩
تعريف العفة

تقوى الله تعالى

إنّ تقوى الله تَعني الخوف منه سبحانه في السرّ والعلانية، وتَقْوى العبد لربِّه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه مِن غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فِعل طاعته، واجتناب معاصيه، محافظة المسلم على الفرائض التي افترضها الله تعالى عليه، من إقامة الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، وغيرها، وجاءت كلمة التقوى بمشتقاتها المختلفة مئتين وثماني وخمسين مرة في القرآن، وقد قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: جعَل تعالى التُّقَى من أسباب الرزق، ويأتي تعريف العفة، شكلًا من أشكال تقوى الله تعالى، وسيذكر لاحقًا تعريف العفة.[١]

تعريف العفة

إنّ تعريف العفة هو ضبط النّفس عن الشّهوات وقصرها على الاكتفاء بما يقيم أود الجسد ويحفظ صحّته فقط، واجتناب السّرف في جميع الملذّات وقصد الاعتدال، وتعريف العفة أيضًا: ضبط النّفس عن الملاذّ الحيوانيّة، وهي حالة متوسّطة من إفراط وهو الشّره وتفريط وهو جمود الشّهوة، وقال صاحب اللسان: "العِفَّة والعَفَاف بمعنى: الكفِّ عمَّا لا يحلُّ ولا يجمُل من قول أو فعل، وهو عفيف، وهي عفيفة، إذا افتقر لا يسأل الناس"، وقال الماوردي: "العفة، والنزاهة، والصيانة من شروط المروءة"، والعفاف: الصبر والكف عن الحرام والسؤال من الناس، وإن العفة هي حفظ النفس عما يقبح وعما يشين كرامتها، ولذلك مجالات مختلفة، فحفظها عن الوقوع في الفواحش إعفاف لها، وحفظها عن سؤال الناس إعفاف لها عن الوقوع في سبب المذلة، والكف عن المحارم وخوارم المروءة إعفاف لها.[٢]

ولقد ضرب فقراء المهاجرين مثالًا رائعًا في تعريف العفة، حيث كانوا مع شدة حاجتهم لا يسألون الناس شيئًا، بل لا يعلم بحالهم إلا من كان قريبًا منهم خبيرًا بهم، وقال تعالى في حقهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾[٣]، وإن العفة هي باب لسد الذرائع، إذ إنّ من مظاهر الجشع وحب المال وتحصيله بالطرق غير المشروعة، اشتغال كثير من الناس ببيع المحرمات، من خمر، ومخدرات، واشتغال بالقمار، اتكالا على الرهان والحظ، وتركا لطرق الربح المشروعة.[٤]

عوامل تحقيق العفة

إنّ تعريف العفة يأتي على نوعين، وهما: العفة عن المحارم وتشمل ضبط الفرج عن الحرام وكف اللسان عن الأعراض، والعفة عن المآثم وتشمل الكف عن المجاهرة بالظلم وزجر النفس عن الإسرار بالخيانة، ولتعريف العفة عوامل يجب على المؤمن معرفتها والتزامها كي يحقق تعريف العفة، والذي يجزى به الجنة إن شاء الله، وعوامل تعريف العفة هي:[٥]

  • تحقيق الإيمان الذي يُنشئ مملكة الضمير في نفس المؤمن فيستحضر الخوف والحياء وتذكّر الآخرة واستشعار عظمة الله ويكون باعثًا على قمع الشهوة في النفس.
  • التربية الروحية من صبر ومجاهدة في ذات الله جل وعلا، بدوام الصلة بالله تعالى من ذكر ودعاء وتضرع وتبتل والتجاء إليه، وقراءة للقرآن الكريم بتدبر وتأمل مع الفهم لمعانيه والتعقّل لأسراره وحكمه.
  • تربية النفس بالصوم فإنه مما يعين على زكاة القلب، وطهارة النفس، وبه تنحصر وتضيق مجاري الشيطان.
  • التقرب إلى الله سبحانه بالنوافل بعد الحرص العظيم على الالتزام بالواجبات والوقوف الجازم عند الحدود والفرائض.
  • انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى والتذلل له سبحانه والخشوع لعظمته بالقول والبدن والالتجاء إلى الله عز وجل عما يصون النفس عن كل ما حرَّم الله، مع تقوية عزمه في مواجهة هذه المغريات والمثيرات في زمن يُسِرِّت فيه سبل الغواية، و كثرت فيه طرق الفاحشة وتنوعت.
  • التوسع على النفس وأخذ المباح، فالنفس بطبيعتها مجبولة على ما أودع الله فيها من فِطَر وغرائز فتصريفها فيما أحل الله عز وجل باب عظيم لسد أبواب من الشر، وغلق مفاتيح الفتنة ونزوات الشهوة.
  • تحيّن وقف النزول الإلهي لمناجاته جل وعلى ودعائه بالثبات على هذا الدين ولزوم الصراط المستقيم، مع تلاوة كلامه والتأدب بآداب العبودية بين يديه.

ثمرات العفة

إن لتحقيق تعريف العفة ثمراتٍ عديدةً، تعود على الفرد والمجتمع معًا، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾[٦]، وتاليًا تذكر ثمرات العفة:[٥]

  • تحقيق المروءة التي ينال بها الحمد والمجد والشرف في الدنيا والآخرة التي تقود إلى الارتقاء في سماء الفضيلة، والبعد عن حضيض الرذيلة، والوقوف بالشهوات عند الحد الذي خلقت من أجله، وفق المنظور الشرعي، والمفهوم الأخلاقي.
  • نقاء المجتمع وطهارته من المفاسد والمآثم والرزايا والمصائب والعقوبات الربانية وسلامته من أضرار الخبث والفواحش.
  • حفظ الفروج عن الفواحش مما تزكو به النفوس، وتسلم به المجتمعات، ويحفظ به الأمن، وتصان به الأعراض.
  • قوة القلب ونعيمه وطيب النفس وانشراح الصدر فصاحب العفة مستريح النفس مطمئن البال.
  • وفرة العقل ونزاهة النفس وكمالها وعزها وقلة الهمّ والحزن والغمّ.
  • صون الأعراض وصيانتها عن الحرام والرذيلة ومواضع الآثام.
  • تنمية روح الغيرة في النفس والتي هي سياج منيع لحماية المجتمع من التردّي في مهاوي الرذيلة والفاحشة والتبرج والسفور والاختلاط المحرم.

مجالات العفة

للعفة صور ومجالات، فهي لا تقتصر على عفة الفرج، وهو صور من صوره، إذ صحّ عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قوله: "مَنْ ضَمِنَ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ ورجليهِ ضَمِنْتُ لهُ الجنَّة"[٧]، وفي ذلك بيان لصورتين من مصور ومجالات العفة، وهما عفة اللسان، وعفة الفرج، وسيأتي لاحقًا تفصيل كل مجال من مجالات العفة:

عفة الفرج

وهو أن يصون المسلم والمسلمة نفسه وفرجه عمّا حرم الله تعالى من الوقوع في هوة الرذيلة وقد جاء في القرآن الكريم إشارة إلى هذه العفة في قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾[٨]، وعن عبد الرّحمن بن عوف -رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: "إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنّة من أيّ أبواب الجنّة شئت"[٩]، وخير مثال على العفة، عفة سيدنا يوسف -عليه السلام-، فامرأة العزيز تراوده وهي ذات منصب وجمال، كما أنها هيأت له كل السبل التي تحقق لهما الخلوة التامة، ودون أن يكتشف ذلك أحداً، ولكنه يأبّى ذلك لاستحضار مُراقبة الله له وخوفه من غضبه، فقد كان عليه السلام خير رمز لتعريف العفة.[١٠]

عفة اللسان

وهي أن يمسك المسلم لسانه عن كلّ ما لا يحبه الله تعالى من أقوال من غيبة ونميمة واستهزاء وسخرية وطعن في أعراض المسلمين وعن فحش القول وزوره، فالله تعالى أخبر بأنه سيحاسب البشر عن أقوالهم كما سيحاسبهم عن أفعالهم، فقد من الله تعالى على عباده بعينين ولسان وشفتين، وخيرهم بين طريق الخير والشر، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[١١]، فقد وصَّى الله -عزّ وجلّ- عباده المؤمنين أن يتقوه فيما تنطق به الألسنة، فقال جل وعلا في كتابه المبين آمرًا عباده المؤمنين، وواعدًا إياهم بعظيم ما يكون من الخير في الدنيا والآخرة إذا اتقوا الله في ألسنتهم وحققوا تعريف العفة، أيْ عفة اللسان.[١٢]

المراجع[+]

  1. "ما معنى تقوى الله؟"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  2. "تعريف العفة"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  3. سورة البقرة، آية: 273.
  4. "سلسلة من محاسن الدين الإسلامي (4)"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  5. ^ أ ب "العــفـــة "، www.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  6. سورة المؤمنون، آية: 1-7.
  7. رواه الإمام البخاري، في صحيح البخاري، عن سهل بن سعد، الصفحة أو الرقم: 314.
  8. سورة النور، آية: 33.
  9. رواه البزار، في مسند البزار، عن أنس، الصفحة أو الرقم: 14/46.
  10. "قصة يوسف عليه السلام في القرآن"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.
  11. سورة ق، آية: 18.
  12. "العفة: ثمراتها ومجالاتها"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-10-2019. بتصرّف.