تاريخ الحضارة الإسلامية

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:٤١ ، ٢٦ ديسمبر ٢٠١٩
تاريخ الحضارة الإسلامية

الجاهلية

إنّ الجاهلية مصطلح تعارَفَ عليه العرب بعد ظهور الإسلام بوصفِه مصطلحًا قائمًا بذاته، وهو يدلّ على الوقت الذي سبق ظهور دين الإسلام بنحو قرن ونصف إلى قرنين، ويُعرّف ابن منظور مصطلح الجاهليّة بقوله: "هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله سبحانه ورسوله وشرائع الدّين والمفاخرة بالأنساب والكِبْر والتّجبّر وغير ذلك"،[١] وقد ورد لفظ الجهل كثيرًا في أشعار الشّعراء الجاهليين كعمرو بن كلثوم وغيره دليلًا على النزق والطّيش والتهور، ووردت كذلك في الحديث الشريف في قوله -عليه الصلاة والسلام- لأبي ذر -رضي الله عنه- بعد أن عيّر صحابيًّا بأمّه: "إنّك امرؤ فيك جاهليّة"،[٢] وبعد ظهور الإسلام صار للعرب حضارة وتاريخ حافل بالإنجازات، وسيقف هذا المقال مع تاريخ الحضارة الإسلامية.[٣]

البعثة النبوية

كانت البشريّة تعيش حالًا الضلال والجهل والشرك بالله تعالى، وطبعًا كان العرب جزءًا من ذلك العالم الغارق في العدم والانحطاط، وقد كان العرب من بين أولئك الأقوام يمتازون بما شرّفهم الله -عزّ وجل- به من أخلاق كريمة، ولكن مع تلك الأخلاق، فإنّه إن لم يكن هنالك رادعٌ ووازعٌ روحيٌّ ينهى المرء عن ارتكاب الآثام، فإنّه لا شكّ سيقع في ذلك الطّريق الموحل، وهذا ما وقع فيه العرب قبل البعثة، فقد كانت الحروب تنشأ لأتفه الأسباب، ربّما بسبب خيل أجفلت، وربّما بسبب ناقة عُقِرَت، وربّما وربّما! ولكن حين جاء الإسلام فإنّه عمل على تطهير تلك النفوس من الأوشاب والآثام، وجعَلَ من ذلك الفتّاك الجبّار رجلًا لطيفًا رحيمًا لا تمكّنه نفسه من قتل عصفور أو دودة تدبّ على الأرض، وكانت البعثة النبويّة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي المنقذ الذي أخرج العرب بل والعالم من غياهب الجهل إلى مدائن المعرفة والعلم والحضارة، وكان تاريخ البعثة النبويّة قرابة عام 610م.[٤]

وكانت دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- قد بدأت بثلاث سنوات يدعو فيها بالسر في مكة، ثمّ عشر سنوات جهَرَ فيها بالدعوة، وبعدها هاجر إلى المدينة المنورة ليبدأ معه عصر جديد في عزّة للمسلمين وانتصارات على المشركين إلى أن فُتحت مكّة ودخل النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى جوف الكعبة وحطّم الأصنام، وبعدها بدأ الإسلام ينتشر سريعًا في بقاع العالم بعد أن دانت به جزيرة العرب، وعندها بنى المسلمون حضارة عظيمة وكبيرة عُرفت باسم الحضارة الإسلامية، وسيفرد هذا المقال للحديث عن تاريخ الحضارة الإسلامية عمومًا، وتاريخ الحضارة الإسلامية على مرر العصور.[٥]

الإسلام

قبل الخوض في أمر تاريخ الحضارة الإسلامية يجب الحديث عن الإسلام، ذلك الدين الذي جعل لتلك الحضارة معنًى، وجعل العرب والمسلمين يبلغون ذروة القمة وسنام المجد، فالإسلام من حيث اللغة يعني الانقياد والتسليم والخضوع، ويعني الخضوع لله تعالى والاستسلام لأوامره، وينقسم الإسلام إلى دين عام ودين خاص، أمّا الدين العام فوهو ما جاء به كلّ الأنبياء من دعوة لتوحيد الله تعالى وعدم الإشراك به، يقول تعالى في سورة المائدة: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا}[٦]، أمّا الدين الخاص فهو ما جاء به رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- وقد ختم به رسالات الأنبياء قبله وصار اسم الإسلام يدل على الديانة التي يعتنقها أتباع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- منذ زمانه وإلى يوم القيامة، وبعد مجيء الإسلام صار أتباع الدين الجديد يتكاثرون بقوّة وينجزون مهمّات عظيمة جعلت منهم منارة يتّبعها العالم لأكثر من عشرة قرون متتالية، والفقرة القادمة ستقف مع تلخيص تاريخ الحضارة الإسلامية تتحدّث فيه بإيجاز عن تاريخ الحضارة الإسلامية.[٧]

تاريخ الحضارة الإسلامية

عند الحديث عن الحضارة الإسلامية أو بالأحرى عن تاريخ الحضارة الإسلامية يجب بداية تعريف الحضارة، وبيان معنى هذه الكلمة ليصبح من السهل بعد ذلك معرفة معنى مصطلح تاريخ الحضارة الإسلامية، فكلمة الحضارة في أصلها تعنى الإقامة في الحواضر، أي في المدن، ويُسمّى ساكن المدينة: حضَريٌّ عكس ساكن البادية الذي يقال له: بدوي، ثمّ أصبحت هذه اللفظة -الحضارة- تطلق على ما تَبِع إقامة الإنسان في الحاضرة من تبادل فكري وثقافي وعمراني وعلمي وإلى ما هنالك من ممّا يتّصل بتقدّم الإنسان على هذه الأصعدة كافّة، فيمكن تعريف الحضارة بأنّها مدى ما وصلت إليه أمّة من الأمم من نشاط فكري وعقلي وعمراني وعلمي ومعرفي وفني، والارتقاء بما وصلت إليه على سلّم الحياة، ويعود تاريخ الحضارة الإسلامية إلى عصر صدر الإسلام الأوّل، حين صار للإنسان المسلم طابع خاصّ به، مجبول بصبغة عربيّة كون العرب هم مادّة الإسلام، وحتّى فيما بعد صارت الحضارة الإسلامية مصبوغة بصبغة عربيّة لأسباب كثيرة منها أنّ النبي عربي، والقرآن عربي، وكذلك الخلفاء الذين حكموا المسلمين هم في معظمهم من العرب، عدا الخلافة العثمانية.

ويرى د. أبو زيد شبلي أنّ عناصر الحضارة عمومًا هي الموارد الاقتصادية والنُّظُم السياسية والتقاليد الخلقية ومتابعة العلوم والفنون، ويرى كذلك أنّ أصول الحضارة الإسلامية تعود إلى القرآن الكريم في المقام الأوّل، ثمّ السنة النبوية في المقام الثاني، وبعدها الحضارة العربية، وبعدها الحضارة الفارسيّة، وبعدها الحضارة اليونانيّة والرّومانيّة، وقد مرّ تاريخ الحضارة الإسلامية بأحوال كثيرة بدأت بها الحضارة الإسلامية ضعيفة ثمّ ازدهرت وبلغت المجد ثمّ بعدها انهارت، وكان نصيب الحضارة الإسلامية من كلّ عصر من العصور شيء تأخذه لتسلّمه للأجيال التالية لها، وسيقف المقال فيما يأتي على حضارة كلّ عصر من العصور التي شكلت تاريخ الحضارة الإسلامية.[٨]

حضارة عصر صدر الإسلام

إنّ بداية تاريخ الحضارة الإسلامية ينطلق من عصر صدر الإسلام، ومصطلح عصر صدر الإسلام يطلق على المدة الزمنية الممتدة من بداية عصر النبوة وحتى نهاية عصر الخلفاء الراشدين أو العصر الراشدي سنة 41هـ، ومن أهمّ آثار هذا العصر الحضارية هي نقل العرب ومن أسلم بعدهم من الأقوام من الظلمات إلى النور، فأخرجهم من عبادة الأصنام والنيران والكواكب إلى ديانة التوحيد وعدم الإشراك بالله تعالى، وكذلك انعكست هذه الصورة على أخلاقهم وحياتهم الاجتماعيّة؛ فكانت الأمم تعاقر الخمر وتتعامل بالربا وتزني وتسرق وتقتل البشر، فجاء الإسلام مخلّصًا لهم فحرّم الخمر والربا والميسر والأنصاب والأزلام وحرّم المفاخرة والمنافرة، وكذلك حثّ على الإخاء والتضحية من أجل الآخرين، فصار المسلم أخا المسلم مهما كان عرقه أو جنسه، وأكثر ما يوضّح ذلك هو المؤاخاة التي حدثت بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة؛ إذ تآخى العبد الزنجي مع السيّد الأبيض، وصار بلال بن رباح سيّدًا من سادات الإسلام بينما هلَكَ أميّة وعتبة وأبو جهل وأبو لهب وهم كانوا سادة عند أقوامهم ولديهم الكثير من العبيد!

وممّا جاءت به الحضارة الإسلامية في صدر الإسلام، أنّها ناقشت عقلَ الإنسان المسلم وطهّرته من الخرافات التي كان يؤمن بها كالطّيرة والتشاؤم والتنجيم، وأنزلت مكانها الاعتقاد بالقضاء والقدر خيره وشرّه، وكذلك فقد تركت الحضارة الإسلامية في صدر الإسلام في لغة العرب شيئًا خاصًّا بها؛ فقد صبغت لغة الأدب بلغتها التي هي لغة القرآن الكريم، فصار الشعراء ينظرون إلى القرآن على أنّه الذروة التي لن يبلغها شاعر ولا فصيح مهما تطاول وتبالغ، في حين أنّهم قبل ذلك كانوا ينظرون إلى شعراء بشر مثلهم على أنّهم الذين بلغوا محطّ الرّحال، وبذلك ارتقت لغة الإنسان المسلم بعد نزول القرآن الكريم.[٩]

حضارة العصر الأموي

إنّ تاريخ الحضارة الإسلامية يقف عند هذا العصر بشيء من الإجلال كونه هو الذي مهّد لمن جاء بعده من العصور لتلك النقلة النوعية للحضارة الإسلامية، فقد انتقل المسلمون، والعرب منهم خصوصًا، في هذا العصر بالتدرّج الحضاريّ شيئًا فشيئًا، وبدأ ذلك من عاداتهم في الطعام، فبعد أن كانوا يجلسون على الأرض صاروا يجلسون على كراسٍ خشبيةٍ وموائد، وصاروا يأكلون بالملاعق والشُّوَك بعد أن كانوا يأكلون بأيديهم، وحتّى صنوف الطعام صارت جديدة، وصار طعامهم لا يقتصر على الخبز واللحم فقط، وهذه وغيرها من العادات غالبًا كان سببها الجواري اللواتي جِئنَ من بلاد أخرى إلى بلاد الإسلام على سبيل السّبي، وكذلك في اللباس صار الناس يلبسون الحرير والصّوف الموشّى والمطرّز والمُحاك، وكذلك صار هناك أصناف من الثياب المطرزة بالذهب والفضة والأحجار الكريمة، وصار أثرياء هذا العصر -وهم أكثر بكثير من أن يحصوا- يتسابقون بارتداء الحلل الفاخرة الجديدة باهظة الثّمن.

أمّا على الصّعيد العلميّ فقد بدأت حركة تعريب العلوم في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، وبذلك أُعلنت اللغة العربية اللغة الرسمية في أقطار الدولة الأموية الإسلامية، وتابع ابنه الوليد السير على نفس الخُطا فبنى المدارس التي تشرف عليها دولة الخلافة، ممّا ساعد على تهيئة جيل متعلّم ينهض بأمّته عاليًا، وفي هذا العصر بدأت بذور تدوين العلوم والتاريخ، وبدأ تدوين الحديث النبوي في هذا العصر بأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز.

وأمّا العمران فلم يكن بعد للمسلمين طابع خاصّ بهم، وإنّما استفادوا من الحضارة الرومانيّة، وأضافوا لها طابعًا إسلاميًّا، ويتجلّى ذلك واضحًا في مسجد قبة الصخرة، ويمكن القول إنّ فن العمران في العصر الأموي قد اقتصر على قصور الخلفاء والمساجد، ومع مسجد قبة الصخرة فإنّ المسجد الأموي أيضًا يعد من فرائد العمران في العصر الأموي، وبالنسبة للقضاء فقد كان القضاء مستقلًّا ولا يتدخّل الخليفة في عمل القاضي إلّا في أنّه يولّيه ويشرف على عمله ويتأكّد من أنّه يلتزم بالطّريق القويم في أحكامه، وقد كان القضاة الأمويّون يسيرون على أحكام الشريعة الإسلامية في أحكامهم كما يرى د. راغب السرجاني الباحث المصري في التاريخ الإسلامي.[١٠]

حضارة العصر الأندلسي

يُطلق لقب العصر الأندلسي مجازًا على الحقبة الزمنية التي سكن فيها المسلمون شبه الجزيرة الآيبيريّة التي تعرف باسم الأندلس، والأصحّ ان يقال عصر المسلمين في الأندلس، فقد كانت تحكم الأندلس من المشرق في العصر الأموي، ولكن في العصر العباسي نجح عبد الرحمن الداخل من تكوين دولة مستقلة عن المشرق اسمها الدولة الاموية في الأندلس، واستمرّت حتّى عهد ملوك الطوائف، والحضارة في الأندلس يصعب الإحاطة بها فهي حضارة ممتدّة على تسعة قرون، ولكن يُذكر نُتَفًا منها، والحقّ أنّ أهل الأندلس قد اعتنَوا عناية بالغة بالآداب والعلوم والفنون، فأنشؤوا المدارس والمكتبات ودور العلم في كلّ مكان، وبرعوا في كلّ علم وفن، ودرّسوا في مدارسهم ومساجدهم إلى جانب علوم الدين الحنيف علوم الرياضيات والفلك والطب والكيمياء والتاريخ، ومن علمائهم في تلك المجالات يُذكر ابن حزم وابن حيان وابن الخطيب والحرّاني وأبو عبيدة البلنسي الذي رأى أنّ الأرض كروية عام 295هـ وغيرهم كثر برعوا في كلّ فنّ كعبّاس بن فرناس.

ولعلّ من البَدَهِيّ أنّ ازدهار أيّ دولة يقوم على المال أوّلًا، ومن أسباب ازدهار الاقتصاد في الأندلس هو الاهتمام بالزراعة وتطويرها وإدخال أنواع جديدة من الزراعة على الأندلس، كإدمال زراعة قصب السكر والأرز والقطن والموز، وأيضًا أنشأ الأندلسيّون أسطولًا تجاريًّا وحربيًّا ضخمًا ساعدهم على الهيمنة على موانئ البحر المتوسّط زمنًا طويلًا، وجدير بالذّكر أنّ الحضارة الإسلامية في الأندلس هي مزيج حضارات سابقة سبقتها في المشرق، وبخاصّة في دمشق، مضاف إليها حضارة الشعب الأصلي للأندلس، فكلّها معًا شكّلت حضارة أثّرت في أوربّا وما تزال آثارها إلى اليوم، وتقف الفقرة القادمة مع تاريخ الحضارة الإسلامية في العصر العباسي.[١١]

حضارة الدولة العباسية

بعد الجهود التي بذلها الأمويون في الحضارة الإسلامية فإنّ تاريخ الحضارة الإسلامية لا بدّ له أن يقف مع دولة رفعت من شأن تاريخ الحضارة الإسلامية عاليًا وهي الدولة العباسية، إنّ تاريخ الحضارة الإسلامية في زمن هذه الدولة يُعدّ ميدانًا خصبًا للكتّاب والمؤرّخين الذين سيحارون ماذا يكتبون وعمّ سيكتبون، ولعلّ البداية إذا كانت مع الجانب العمراني فإنّها ستجعل المهمة سهلةً في دراسة تاريخ الحضارة الإسلامية في هذا العصر، فالعمران يعكس صورة الدولة، وإنّ الناظر في كتب التاريخ العباسي سيدرك تمامًا أنّ الاهتمام بالعمران هو من ميّزات تلك الدولة التي استمرّت خمسة قرون وتعاقب عليها سبعة وثلاثين خليفة، ولعلّ البداية تكون مع مدينة بغداد، التي بناها أبو جعفر المنصور لتكون عاصمة له ولمن جاء بعده من الخلفاء، ومن أعاجيب هذه المدينة كان قصر الأخيضر الذي لا يضاهيه جمالًا سوى القصر الذي بناه المعتصم فيما بعد في سامرّاء التي كانت هي العاصمة الثانية للعباسيين.

أمّا في مجال العلم فهذا عصر التفاخر بالكتب والعلماء ووفرة العلماء الكبار، فيكفي هذا العصر أن يقال عنه إنّه العصر الذي ضمّ الأئمّة الأربعة المجتهدين، وتنوّعت المدارس الفكرية الإسلامية بين أهل الرأي وأهل الحديث، وظهرت فرقة المعتزلة وغيرها من الفرق المعروفة في ذلك العصر، وكذلك ظهرت مدرستي الكوفة والبصرة في علوم اللغة العربية، وظهرت مكتبة دار الحكمة التي أسّسها هارون الرشيد، وظهر أوّل كتاب تاريخ بالمعنى الحقيقيّ، وهو كتاب في السيرة النبويّة لابن هشام، ونشطت حركة الترجمة كثيرًا في هذا العصر بناء على توجيهات الخليفة المأمون، وجدير بالذّكر أنّ المسلمين لم يكونوا يترجمون فحسب، بل كانوا يضيفون الكثير إليها من خلال ما يعرف بالحواشي، وظهر علماء في الجغرافيا والرياضيات كالخوارزمي، والطب كالرازي وابن سينا والفيزياء كالكندي والكيمياء كجابر بن حيان.[١٢]

حضارة عصر الدول المتتابعة

يُطلق لقب عصر الدول المتتابعة على العصر الأخير من الخلافة العباسيّة التي طانت تحكم اسميًّا فقط، ويمتدّ هذا العصر على نحو أربعة قرون، من عام 521هـ إلى عام 922هـ، وسمّي بذلك لأنّه قد تتابعت على حكم الأمّة الإسلامية ثلاث دول هي: الدولة الزنكيّة والدولة الأيوبية والدولة المملوكية، على الترتيب.[١٣]

حضارة العصر الزنكي

البداية مع الحضارة الزنكية، ففي التقدم العمراني يلاحظ المرء حدوث طفرة عمرانيّة من خلال ملاحظة آثار هذه الدولة ومطالعة الكتب التي تتحدث عن ذلك الوقت، فقد حرص سلاطين الزنكيين على الاهتمام بالعلم والتعليم، فبنوا المدارس ودور العبادة ودور الاستطباب لحرصهم على سلامة رعاياهم، ومن ذلك الجوامع النورية والبيمارستان النوري، وكذلك في الجانب العسكري هناك قلعة شيزر وقلعة المضيق وغيرها، وفي هذا العصر اهتمّ اسلاطين ببناء القناطر والجسور والرّبط، وهي دور للعبادة ودروس الدين ولتوزيع الصدقات على الفقراء، وأمّا في المجال الاقتصادي فقد كان الإقطاع العسكري هو النظام السائد في الدولة؛ نظرًا لانشغالها بالجانب العسكري كثيرًا؛ لأنّ هذا العصر قد رافقه الحملات الصليبية، وكان هذا النظام هو الأنسب لتغطية مصارف الجيش الكبيرة من دون أن تُرهق خزينة الدولة، وكذلك بذل السلاطين جهودًا حثيثة لتخفيف العبء عن المواطن المسلم، فمثلًا يُذكر أنّ نور الدين محمود قد ألغى الضرائب والمُكوس عن الناس حتّى لم يبق على المواطن المسلم سوى الزكاة ليدفع بها إلى خزينة الدولة.

أمّا في مجال الفقه فقد اتّسم هذا العصر بالتّسامح بين أبناء مذاهب أهل السُّنّة، وقد أنشأ سلاطين هذه الدولة مدارس لتدريس علوم الفقه والحديث كالمدرسة النوريّة في دمشق، وزاويتي تدريس المذهبين المالكي والحنبلي في جامع حلب الكبير، ومدرسة القلعة والمدرسة العمادية والمدرسة الصلاحية في دمشق، وفي مجال القضاء حعل سلاطين الزنكيين القضاء في المرتبة الأولى؛ إذ لا تقوم دولة بقضاء فاسد، فأسّس نور الدين محمود دار العدل وهي بمثابة محكمة عليا يُحاسبُ فيها كبار الموظفين، وكان نور الدين يجلس فيها مرتين كل أسبوع ينظر في مظالم الناس ويصحبه حينها قاضي القضاة وكبار أئمّة المذاهب الأربعة ليكون القرار الأخير عندهم.[١٤]

حضارة العصر الأيوبي

هذه الدولة -مع انشغالها الدائم بالحروب الصليبية- إلّا أنّها لم تهمل العلوم والفنون، فكان الولاة يشجّعون على العلوم، وظهر في هذا العصر كتّاب كبار أمثال العماد الأصفهاني والقاضي الفاضل، وشهد هذا العصر كذلك ازدهارًا في علم اللغة، ومن أبرز علماء اللغة في هذا العصر ابن الحاجب وغيره، وزادت المدارس في عهدهم فصار في القاهرة وحدها نحوًا من عشرين مدرسة، وهذا رقم كبير في ذلك الوقت، وبلغت مدارس الأيوبيين في دمشق خمسين مدرسةً، وفي مجال العمارة ازدهرت العمارة الإسلامية كثيرًا في هذا العصر، فكانت المدارس والمستشفيات ودور العبادة التي حاربت المذهب الشيعي ونشرت الفكر المذهب السني، واتّسمت المباني في العصر الأيوبي بالتقشف والزهد، وأكثَرَ الأيوبيّون من بناء القلاع والمباني العسكرية بحكم الصراع المستمر بينهم وبين الصليبيين.[١٥]

حضارة العصر المملوكي

يعد هذا العصر العصر الذهبي للدول المتتابعة؛ إذ شهد نشاطًا اقتصاديًّا وطفرة في الاموال لا مثيل لها، ولذلك فقد ازدهرت الحياة العلميّة فكان هذا العصر هو عصر المؤلفات والموسوعات، وظهر فيه عدد لا حصر له من العلماء، منهم على سبيل المثال: ابن تيمية وابن تغري بردي وابن جماعة والإمام النووي والعز بن عبد السلام وابن قيّم الجوزية وابن حجر العسقلاني والذهبي وابن كثير الدمشقي والقلقشندي صاحب صبح الأعشى وابن منظور صاحب لسان العرب، وفي مجال العمارة أفرد السلطان الناصر قلاوون للعمارة كلّ يوم اثني عشر ألف درهم، ومن الأبنية التي بُنيت في عصره الميدان الغظيم وقصر القلعة الأبلق والإيوان ومسجد القلعة في القاهرة، وكذلك قد حفر قناة بين النيل والإسكندرية وهو عمل عظيم بلا شك، وفي مجال الفنون ازدهر في العصر المملوكي فن النحت على الخشب برسومات دقيقة مزخرفة لم تكن لأحد لهم من قبل، وكذلك ازدهرت صناعة الخشب المخروط المعروفة باسم المشربيات.[١٦]

حضارة العصر العثماني

وأخيرًا يقف تاريخ الحضارة الإسلامية مع آخر دول الخلافة الإسلامية وهي الخلافة العثمانية التي بدأت نحو عام 1299م وانتهت عام 1923م حين أسقطها الهالك العلماني أتاتورك، ودولة كهذه يصعب الإحاطة بتاريخ الحضارة فيها، ولكن لا بأس بنبذة عن حضارتها عمومًا، ففي الاقتصاد كان لها نظام ناجح وهو أنّهم كان لديهم وزارة ماليّة يرأسها موظّف اسمه الدّفتردار، وهذه الوزارة قد نظّمت لهم شؤونهم الماليّة، وكان لها فضل على الجيش حين نظّمت به مصاريفه، واستقطبت الخلافة العثمانية إلى عواصمها إستانبول وأدرنة وبورصة معظم الصنّاع المَهَرة من مناطق سيطرتها؛ لتجعل من عاصمتها مركز ثقل اقتصاديّ يساعدها في إثراء الخزينة، وبقيت متفوقة على غيرها من دول العالم وإمبراطوريّاته حتى القرن السابع عشر حين استفاقت أوربا وصارت تعمل بجد فسبقتها.

أمّا العملة فقد كانت الدولة العثمانية تتعامل بالنقود البرونزية والنحاسية، وبعدها صارت النقود من الذهب والفضة، ولكن مع دخول الحرب العالمية الثانية أصدرت الدولة العثمانية نقودًا ورقية زعمت أنّها تساوي العملة الذهبية، وأجبرت الناس على التعامل بها، وفي مجال التجارة كان للعثمانيين الكثير من الأسواق الكبيرة والخانات التي بنوها بأنفسهم على طرق التجارة العالمية، وكان لهم مراكز تشبه في عملها عمل مراكز البورصة ينزل فيها التجار والمسافرون، وتُقيّم فيها البضاعة وكانت تُسمّى بدستان، وأمّا التعليم فقد كانت المدارس العثمانية تمد الدولة بالموظفين، واهتمّت الدولة العثمانية بتعليم العلوم الدينية والدنيوية، وأُنشئَت أول جامعة في مدينة بورصة لتدريس الطب في أواخر القرن الرابع عشر، وأُنشئت كذلك في الدولة العثمانية مدارس كثيرة متوسطة وعليا ومدارس للصغار.

أمّا العمران فقد اعتنى به العثمانيّون على نحو كبير، فأنشؤوا شبكات الطرق والجسور، واهتمّوا ببناء الحمّامات والمتاحف والمساجد والمستشفيات والمطاعم ودور العجزة، ومن أعاجيبهم في البناء مسجد السلطان أحمد، وقد أخذ العثمانيّون الطراز الفارسي في العمران ثمّ دمجوه مع رؤيتهم ليكون الطراز العثماني، ثمّ دمجوا معه الطراز الأوربي وبخاصة من دول أوربا الغربية، وبذلك ينتهي مقال تاريخ الحضارة الإسلامية، وقد مرّ على بعض أجزاء الحضارة الإسلامية، وبالتالي يمكن القول إنّ المقال قد أخذ من تاريخ الحضارة الإسلامية نبذًا صغيرةً نثرها هنا.[١٧]

المراجع[+]

  1. "تعريف و معنى جاهلية في قاموس لسان العرب"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  2. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن المعرور بن سويد، الصفحة أو الرقم: 1661، حديث صحيح.
  3. "جاهلية"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  4. "تاريخ البعثة النبوية"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  5. "بداية البعثة النبوية"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  6. سورة المائدة، آية: 44.
  7. "تعريف الإسلام"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  8. أبو زيد شبلي (2012)، تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي (الطبعة الأولى)، القاهرة: مكتبة وهبة، صفحة 7 وما بعدها. بتصرّف.
  9. "عصر صدر الإسلام"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  10. "الدولة الأموية"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  11. "الحضارة العربية في الأندلس وأثرها في أوربا"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  12. "عباسيون"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  13. "الأدب العربي في عصر الدول المتتابعة"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  14. "الدولة الزنكية"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  15. "صلاح الدين والنهضة العلمية"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  16. "الحضارى في عصر المماليك"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  17. "الدولة العثمانية"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.