الحضارة الإسلامية في الأندلس

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:١٢ ، ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩
الحضارة الإسلامية في الأندلس

الحضارة الإسلامية

كان من الواضح منذ السنوات الأولى للرّسالة المحمّدية أنّها رسالة شاملة، قادرة على إحداث تغيير كبير في حياة المجتمعات، وأدرك من كان ذا فطنة أنّ هذه الرّسالة المدعومة بالقرآن ستنشئ حضارة ذات طابع عالمي، وهذا ما كان فعلًا؛ فالرّسالة التي انطلقت بمبادئ المساواة بين النّاس، وربط التّشريعات الدّينية بحياتهم اليومية استطاعت في سنوات قليلة أن تضمّ مختلف الشعوب الذين ساهموا جميعًا في تكوين حضارة عظيمة بلغت ذروة المجد في مختلف نواحي الحياة، فشملت إنجازتها جميع العلوم الكونية والإنسانية، ومختلف الفنون، فضلًا عن التّنظيم الكبير للمجتمعات إداريًا و سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، ومع اتساع رقعة العالم الإسلامي كان لكل إقليم ومنطقة طابعًا إسلاميًا مميزًا، وهذا شرح وتفصيل لمميزات الحضارة الإسلامية في الأندلس.[١]

الفتح الإسلامي لبلاد الأندلس

تمّ في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، ودخل قبائل البربر في الإسلام؛ فازدادت رغبة المسلمين بفتح الأندلس، ونشر الدين الإسلامي فيها، وتخليصها من سطوة مملكة القوط المضطربة التي عانت في أواخرها من ضعف شديد نتيجة سيطرة النبلاء، وتنافسهم الكبير على الحكم، وفي عام 92 هـ أرسل القائدُ موسى بن نصير القائدَ الشاب طارق بن زياد مع جيش صغير عبر المضيق الذي سُمّي لاحقًا باسمِه، فانتصر على جيش القوط بقيادة الإمبراطور لذريق، ثم طلب المدد للزحف في الأندلس، وتمكّن خلال عام من فتح أغلب المدن الأندلسيّة، ليلحق به بعد هذه الانتصارات موسى بن نصير على رأس جيش أكبر يساهم في فتح باقي المدن، ويعين في الحفاظ على استقرار الأمر للمسلمين في الأندلس، وتحقق المراد في غضون ثلاث سنوات وبضعة أشهر، واستقرت أمور الأندلس تحت حكم الخلافة الأموية؛ ليستمر بعد ذلك حكم الحضارة الإسلامية في الأندلس لمئات السنين.[٢]

مراحل الحكم الإسلامي للأندلس

امتدّ حكم المسلمين في الأندلس لثمانية قرون عاشت فيها الحضارة الإسلامية في الأندلس سنوات من الازدهار والقوة والمنعة، وعانت في سنواتٍ أخرى من الضّعف والتّشتت والفرقة والهوان الذي ازدادت في السنوات الأخيرة مع سيطرة الإسبان على المدن الأندلسية الواحدة تلو الأخرى إلى أن خسر المسلمون مدينة غرناطة معقلهم الأخير في الأندلس، وتقسّم مراحل الحضارة الإسلامية في الأندلس إلى عدّة أقسام هي:

  • مرحلة الولاة: يعيّنهم الخليفة الأموي، واشتهر منهم عبد الرحمن الغافقي الذي استطاع توحيد القبائل العربية في الأندلس تحت رايته، وجاهد لاستكمال فتح الأندلس إلى أن استشهد في معركة بلاط الشهداء.[٣]
  • عهد الدولة الأموية : استطاع الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل من الهرب عبر إفريقيا والمغرب وصولًا إلى الأندلس؛ وتمكّن من توحيد القبائل تحت حكمه مؤسسًا الإمارة الأموية التي امتدت من 138 هـ حتى سقوطها عام 422 هـ، وعاشت الأندلس فيها سنين المجد، وفيها اتضحت معالم الحضارة الإسلامية في الأندلس، وخلالها أعلن عبد الرحمن الثالث الناصر نفسه خليفة عام 316 هـ في ظل ضعف الخلافة العباسية.[٣]
  • عهد الحجابة: يعد تابعًا لعهد الدولة الأموية، وجاء نتيجة تعاظم نفوذ الوزراء في أواخر هذا العهد؛ حتى تمكن الحاجب محمد بن أبي عامر المنصور، وهو قائد الشرطة في قرطبة من إزاحة الخليفة الصغير هشام بن الحكم عن أمور الحكم، فلم يعد له سوا اسم الخليفة، وفرض المنصور سيطرته على بلاد الأندلس، لكن أبناءه لم يحافظوا طويلًا على إنجازاته، فخسروها لصالح ملوك الطوائف.[٣]
  • ملوك الطوائف: مع سقوط الدولة الأموية 422 هـ سيطرت على كل مدينة عائلةُ أسست فيها إمارتها، وبلغ عدد الإمارات أكثر من عشرين، ومن أشهرهم بنو عباد في أشبيلية، وبنو جهور في قرطبة، وبنو زيري في غرناطة، وبنو هود في سرقسطة، وبنو حمود في مالقة، وغيرهم.[٤]
  • المرابطون: لبّى يوسف بن تاشفين أمير المرابطين في المغرب نداء ملوك الطوائف ضدّ ملك الإسبان ألفونسو، وانتصر عليه في معركة الزلاقة، ثم أنجد الأندلس بعد ذلك مرتين، وسيطرت قواته أخيرًا على مدن الأندلس بالكامل، لتخضع الأندلس لدولة المرابطين التي كان لها الفضل باستمرار بقاء الحضارة الإسلامية في الأندلس لأكثر من قرنين إضافيين.[٤]
  • الموحدون: سيطروا على الأندلس بعد عدّة هزائم للمرابطين في الشمال مع اللإسبان، وساهم الموحدون بدورهم بإثراء الحضارة الإسلامية في الأندلس قبل أن تتقهقر دولتهم وتفقد الكثير من المدن، لتبقى إمارة غرناطة تحت حكم بني الأحمر وحيدةً في مواجهة المدّ الإسباني.[٤]
  • إمارة بني الأحمر في غراناطة: استمرت دولة بني الأحمر من 620 هـ حتى سنة 897 هـ، وانتقلت فيها الإمارة بين فترات قوة وضعف، استعانت خلالها أكثر من مرّة بدولة بني مرين في المغرب لتحافظ على وجودها، إلى أن اتحدت إمارة أراغون وقشتالة الإسبانيتين في مواجهة غرناطة التي عانت في أواخرها من الفساد، والتنافسهم على الحكم، وانغماس حكامها بالشهوات، وترك متابعة أمور الدولة، فحوصرت المدينة، وتصالح حاكمها أبوعبد الله مع الإسبان على شروط الخروج، فخرج بنو الأحمر، وبقي غيرهم من المسلمين الذين لاقوا أشد أنواع التنكيل من الإسبان الذين نقضوا جميع عهودهم التي كانوا قد قطعوها.[٣]

الحضارة الإسلامية في الأندلس

سيطر المسلمون على أغلب مناطق الأندلس وصولًا إلى جنوب فرنسا، وأثناء عهد الولاة دخلت أعداد كبيرة من السكان الأصليين في الإسلام، وبقي من بقي على دينه متعايشًا مع المسلمين مشاركًا لهم في حياتهم التي تطورت حتى صار لها طابعها الخاص المتفرد المختلف عن باقي الأقاليم الإسلامية، والمتميز بتنوعه وشموله اجتماعيًا وثقافيًا وفنيًا وعلميًا وأدبيًا، وبلغت الحضارة الإسلامية في الأندلس مستوًى متقدمًا ومتطورًا قلّ نظيره في زمانه؛ حتى غدت في كثير من الأحيان مقصدَ العلماء والأدباء والمثقفين، وقبلة طلاب العلم من العالم الإسلامي، وكانت مقصدَ المتعلمين المتنوّرين من أوربا المسيحية، ينتهلون من معين علومها، عائدين به إلى بلدانهم التي عانت في تلك المراحل من ظلام الجهل، ومحاربة العلم وأهله.[٥]

تطور العلوم الكونية والإنسانية في الأندلس

كانت الحياة العلمية في بدايات الحضارة الإسلامية في الأندلس متأثرةً بالحالة العلمية في باقي الأقطار حيث صبّت أغلب اهتمامها في دراسة الطبيعة وسبر أغوار الكون؛ لتنتقل بعد ذلك العقلية العربية من الإيمان بالماورائيات نحو النزوع الفكري العلمي في سبيل إدراك الحقائق، ولاسيما في العلوم البحتة كالفلك والحساب والفلاحة، وبالرغم من إدراك المفكرين العرب أنّ الإنسان لا يمكنه أن يصل إلى المعرفة المطلقة التي تمكنه من الإجابة عن جميع الأسئلة؛ إلا أنّهم آمنوا أنّ الإنسان بإمكانه أن يصل إلى أقرب نقطة من بؤرة الحقيقة، وهكذا أخذ علم الفلك القائم على الحساب والمشاهدة والتجربة الدقيقة يبتعد عن أفكار التنجيم القائم على التوهّم، واقترن علم الفلك بعلم الأرقام، ونقل العرب للإندلس الأرقام الهنديّة التي تعرف بالأرقام العربية، وألغي العمل بالأرقام اللاتينية الرومانية، وهي التي تعود بأصلها إلى ترتيب أحرف الهجاء، وبسبب إرسال السفارات والمعاملات التجارية انتقلت هذه الأرقام إلى أنحاء أوروبا.[٦]

وبرع في مجال الفلك في ظل الحضارة الإسلامية في الأندلس عدد لا يحصى من العلماء على رأسهم أبو القاسم المجريطي صاحب كتاب "رسالة في الاصطرلاب" وقد أنجب المجريطي عددًا من التلاميذ الذين بنوا المدارس ودُور العلم، ونبغ منهم أبي السمح الغرناطي، وابن الصفار الذي برع بالفلك والرياضيات، وكذلك المهندس المعروف عبد الرحمان بن زيد الذي اشتهر بالفن المعماري والفيزياء، وتبعهم الزرقالي القرطبي الذي قام بأكثر من 400 عملية رصد فلكي؛ بهدف تحديد أوج الشمس، ومحاولة الضبط الدقيق لنقطة الاعتدال الربيعي، وغيرهم الكثير من الأسماء التي قدمت التجارب وألّفت العديد من الكتب.[٦]

ولا بدّ في خضمّ الحديث عن علم الفلك في ظل حكم الحضارة الإسلامية في الأندلس أن نذكر صاحب التجربة الأولى في الطيران، العالم عباس بن فرناس الشّهير في مجال الفلك والكيمياء والفيزياء، وهو الذي شرح آلية طيران الطائر، وقام بتجربة الطيران الأولى بمساعدة ثوب اخترعه من الحرير والريش، فتسنى له الطيران لمسافة اختلف العلماء في تقديرها مع إقرارهم بطيرانه وتحليقه قبل أن يسقط حين حاول الهبوط، وقدّر لهابن فرناس بعدها أن يعيش ليشرح أسباب سقوطه، مؤكدًا أنّ عدم وجود الذيل في ذلك الثوب كان من أهم الأسباب.[٧]

ومنذ بدايات الحضارة الإسلامية في الأندلس خطت جميع العلوم الزراعية خطوات كبيرة، ولاسيما في صناعة النسيج الحريري ومجالات المحاصيل الغذائية، وامتدّ أثرُها إلى أنحاء أوروبا، وقوي هذا المجال بمؤازرة العلماء المختصين بالأعشاب الطبية والأدوية؛ حيث كانت فنون الصيدلة وعلوم الطب تشهد تطورًا كبيرًا بمختلف اختصاصاتها، حتى صدرت عن بعض االعلماء كتبٌ ورسائل في جوانب محددة متخصصة، وبلغ الطبّ أوجه في الحضارة الإسلامية في الأندلس أثناء القرن السادس الهجري حين جمع علماء الطب مع علوم الفلسفة والأمور النفسية، وباتوا يقرنون العلوم الكونية كالطب بمتعلقاتها الإنسانية، كما اعتنى الأندلسيون بالطبّ الباطني والطب الوقائي.[٦]

واشتُهر في علوم الزراعة أبو الحسن القرطبي وعبد الرحمن بن وافد الذي كان مشرفًا رسميًا على الحدائق الملكية في قرطبة، وذاع صيت العالم والأديب أبو بكر الإشبيلي، وتلميذه أبو زكريا بن العوّام، وتطول قائمة العلماء الذين برعوا في فنون الصيدلة والطب، ومنهم أبو جعفر الغافقي مؤلّف كتاب "الأدوية المفردة" وكتاب "المرشد في الكحل" عن طب العيون، وكذلك اشتهر ضياء الدين ابن البيطار صاحب كتاب "الجامع لمفردات الأغذية والأدوية"، وهو موسوعة طبية مرتّبة على أحرف الهجاء، وفي الأندلس لمع اسم واحدٍ من أعظم أطباء المسلمين وهو أبو القاسم الزهراوي الذي حقق إنجازات لا تحصى في فن الجراحة وطب النساء والحمل والولادة، وإزالة الأورام، ووصف مرض الناعور، واستخراج الحصى، وخياطة الجروح بالخيوط الحريرية، وله الفضل في اختراع عدد كبير من أدوات الجراحة التي لا تزال تستخدم حتى اليوم.[٦]

وشهدت مختلف العلوم الإنسانية تطورًا كبيرًا، وعلى رأسها الفكر التعليمي الذي لاقى دعمًا كبيرًا من الحكّام الذين اهتموا باللغة والشعر والفلسفة والمناهج الدراسية، فوضعت الشروط التي يجب توفرها في المعلمين كالتقوى والأمانة العلمية، كما تطور الفكر التأريخي الإبداعي الذي جمع بين العقل والنقل، وخرج علم التاريخ من الثوب الديني مفسحًا المجال إلى المؤرخ التاجر والمؤرخ الطبيب والمؤرخ الفيلسوف، وعلى هامش هذا تطوّر فن الرحلات، ووصفها الدقيق للجغرافية والمدن وطبائع المجتمعات.[٨]

الأدب والموسيقا في الأندلس

شهد الأدب ازدهارًا كبيرًا بشقّيه النّثري والشّعري في مختلف العصور السياسية الأندلسية، ففي النثر اشتهرت بدايةً الكتابات الرّسمية التي سجلت الغزوات وأخبار الفتوحات، واتكأت في كثير من ملامحها على الأسلوب الديواني المشرقي، كما تطورت الكتابات الوصفية، ولاسيما في المقارنة بين المدن وأنواع الزهر، وكذلك تطورت الكتابات الذاتية، ومنها فن الأخوانيات والرسائل المتبادلة بين الأدباء والسلاطين والوزراء، وقد اعتنى أغلب الكتّاب بظاهرة الزّينة اللفظية وفنون البديع إلا قليلًا ممن فضّلوا الكلام المرسل السهل، ومن أهم الأدباء الذين اشتهروا في فنون النثر من خطابة ومقامة ومناظرة وغيرها ابن عبد ربه صاحب كتاب العقد الفريد، وابن الشهيد صاحب "رسالة التوابع والزوابع"، وابن سيدة صاحب شرح مشكل أبيات المتنبي، وابن الزيدون الذي افتنّ برسائل الغزل وبالرسائل الهزلية والاعتذاريات.[٩]

وكان الشّعر من أبرز مظاهر الحضارة الإسلامية في الأندلس، حيث تفنّن الأندلسيون في مختلف الأغراض، وتميزوا بأغراضهم التي ناسبت ظروف الأندلس من الفتح إلى الإنهيار، من ذلك الأراجيز العلمية والمنظومات التي أرّخت أحداث الفتوح والغزوات، ثم الشّعر الذي يتحدث عن أمجاد الحضارة الإسلامية في الأندلس، وبرع الأندلسيون بالشعر التعليمي، ووصف الطبيعة، ثم برعوا في رثاء المدن الزائلة والممالك التي سقطت بإيدي الإسبان، وأبدعوا في فن الموشّحات الذي اقترن بفنون الغناء والموسيقا، وقد اشتهر من الشعراء بداية عدد من الأمراء الأندلسيين كعبد الرحمن الداخل، ومن العامّة يحيى بن الحكم الغزال، وفي عهد الخلافة ابن عبد ربه وجعفر المصحفي، ثم في باقي العصور اشتهرت أسماء كثيرة كابن هانئ الأندلسي، وابن زيدون، ومن الأمراء المعتمد بن عباد، واشتهر من النساء ولادة بنت المستكفي، وفي عهد المرابطين ابن خفاجة والأعمى التطيلي الذي نبغ في الموشحات، وفي عصر الموحدين الرصافي البلنسي، وابن مرج الكحل، واشتهر أبو البقاء الرندي في رثاء المدن ولمع في العصر الأخير اسم الوزير لسان الدين بن الخطيب الذي ترك أكثر من 60 مؤلفًا شعرًا ونثرًا.[٩]

وازدهر الغناء الذي بدأ ترفًا في قصور الملوك والأثرياء الذين استقدموا المغنين والقينات، ثم دخل الغناء والموسيقا في الطقوس والتقاليد الشعبية ليتحول بعدها لطابع أندلسي بحت جمع مختلف أساليب الطّرب والموسيقا الحجازية والشامية والعراقية والمغربية والزنجية والمسيحية الكنائسية، واشتهر من المغنين علي بن نافع المعروف بـ زرياب الأندلسي، وابن باجة، وابن أبي الصلت الأندلسي الذي أسس مدرسة للموسيقا ومن النّساء قمر البغدادية وقلم الباسكية وصبح البشكنجية.[١٠]

فن العمارة الإسلامية في الأندلس

من أعظم مظاهر الحضارة الإسلامية في الأندلس فنّ العمارة الذي ما يزال شاهدًا على عظمة تلك الحضارة التي استمرت مئات السنين، وقد أولت جميع العصور الأندلسية اهتمامًا كبيرًا قلّ نظيره في جميع مجالات العمران كدور العبادة، وما فيها من قباب ومقرنصات إسلامية ومآذن، ومن أبرزها مسجد قرطبة، وكذلك القصور المشهورة بالحدائق ونوافير المياه والصالونات الفريدة المرخّمة والجدران المزخرفة والغرف والإسطبلات، ومن أهمها قصر الحمراء في غرناطة، وتشهد على حرفية المهندسين وخبراتهم العظيمة مدنٌ بأكملها كمدينة الزهراء وقرطبة وغرناطة وأشبيلية بكل ما في هذه المدن من مبانٍ ودورٍ للسكن وحدائق وأسواق ومدارس ومكتبات ومستشفيات.[١١]

التجارة والصناعة في الأندلس

كانت المدن الأندلسية بمثابة الأسواق الدولية في الوقت الحاضر، وذلك طيلة فترات حكم الحضارة الإسلامية في الأندلس، وقد تنقّل التّجار بحرية كبيرة بين المدن، وعلى طول الطرق البرية والبحرية مع بلاد المغرب وإفريقيا، وكذلك مع المشرق الإسلامي، واشتهر التاجر الأندلسي بالسلع التي تصنع في الأندلس، وعلى رأسها الصناعات الزراعية كالخشب، وخيوط الحرير الأندلسية، وزيت الزيتون، كما ازدهرت تجارة الجواري اللائي يقعن في الأسر، ويستقدم التاجر الأندلسي من إفريقيا والمشرق مختلف أنواع البضائع كالتوابل والصوف والحبوب، وازدهرت تجارة الكتب والمؤلفات بين الأندلس والمغرب مع انتقال أعداد كبيرة من علماء المشرق للأندلس أو العكس، وشهدت موانئ الأندلس تطورًا كبيرًا مع تطور صناعة السفن.[١٢]

المجتمع الأندلسي وعلاقته بالشعوب الأوربية

تتبع شبه الجزيرة الإيبيرية جغرافيًا لقارة أوروبا، وهو ما كان سببًا كافيا لتأثر الحضارة الإسلامية في الأندلس بكثير من المكونات الأوربيّة مع حفاظها على الإرث الأكبر الذي نقلته من بلاد المسلمين، ولا سيما بلاد المغرب وشمال إفريقيا، وكل هذا جعل للأندلس انتماءً مزدوجًا خلق مجتمعًا متميزًا ومركبًا في علاقاته الدّاخلية والخارجية، وقد تكوّن المجتمع الأندلسي من خليط كبير انصهر وتمازج وتعايش لسنين طويلة، فالمكوّن العربي تشكّل من قبائل عديدة توافدت إلى الأندلس أيام الفتح وفي العصور اللاحقة، يضاف إليه المكوّن المغربي الإفريقي المتمثل بقبائل البربر التي شاركت بالفتوح، ثم ازدادت في عصر المرابطين والموحدين، وقد تمازج المسلمون عمومًا مع المكوّن الأوروبي تمازجًا كبيرًا وفيهم الإسبان والقوط والرومان والفاندال والجرمان، وجماعات من اليهود ومن غير اليهود استفادوا جميعهم من الفتح الإسلامي الذي أعاد لهم حقوقهم التي نهبها حكام الدولة القوطية.[٦]

كانت الحضارة الإسلامية في الأندلس سببًا في دخول أعدادٍ كبيرةٍ من السّكان الأصليين في الإسلام، فيما بقي القسم الآخر على النصرانية واليهوديّة تحت حماية الإمارة الإسلامية، ونتج عن تزاوج العرب بالإسبانيات عنصر جديد يدعى بالمولدين، وقد شكّل مع الوقت القسم الأكبر من السكان، وقد حدث شرخ في هذا النسيج في عهد ملوك الطوائف والعهود اللاحقة حتى السقوط، مع وجود عناصر جديدة أخرى هم المدجنون والمستعجمون، وهم المسلمون الذين بقوا في المدن التي حازها الإسبان، فاصطبغت ثقافتهم بسمات المجتمع الإسباني، ومنهم من حفاظ على دينه، ومنهم من اعتنق المسيحية، وكانت حصيلة هذا الاندماج احتكاكًا كبيرًا ومتميزًا بين العقيدتين وبين الثقافتين والحضارتين على نحوٍ فريدٍ ليس له مثيل، ولم تنقطع العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين الأندلس والشعوب الأوربية رغم الحروب البرية والبحرية الطويلة، وعندما بدأت الصحوة العلمية لدى بعض الفئات الأوربية لم يجدوا غير بلاد المسلمين يقصدونها لينهلوا من معين علومها وثقافتها.[١٣]

أثر الحضارة الإسلامية الأندلسية

تركت الحضارة الإسلامية في الأندلس أثارًا كبيرةً في مجموع الحياة الثقافية والعلمية الأوربية مع أثرها الأكبر على المستوى العقائدي الإسلامي، فضلًا عن الأمور الإدارية والسياسية والعسكرية والحضارية والفنية، وهنا لا بد من ذكر الحركة النشطة للترجمة من العربية التي كانت لغة العلم والحضارة والثقافة في القرون الوسطى المظلمة أوربيًا، حيث برزت في ظل الحضارة الإسلامية في الأندلس مراكز كبرى في حركة الترجمة كطليطلة وأشبيلية، وتأثرت اللغة اللاتينية بمفرادات لا تحصى من اللغة العربية مع تعلّم عدد الكبير من الطلاب الأوربيين لأصول اللغة العربية، كما دخلت العلوم من خلال هؤلاء الطلاب إلى إيطاليا وصقلية وعموم أوربا عبر فرنسا التي كانت معبر الثقافة العربية والإسلامية إلى الشعوب الأوربية، وهي التي تأثرت بشكل الكبير في فن العمارة الإسلامية، ويتضح ذلك جليًا في طريقة بناء كثير من كنائس المدن الفرنسية.[١٣]

أمّا على المستوى الإسلامي فقد كانت الأندلس سببًا من أسباب تعرف العرب والمسلمين على العقلية الأوربية المختلفة عن الطبيعة الرومانية، حيث عرف العرب في الأندلس شعوب الفاندال والنورمان والجرمان والفايكنغ، وكان من أثر الأندلس على العالم الإسلامي أن خلفت إرثًا أدبيًا وفنيًا وعلميًا عظيمًا، وبقيت بعد سقوطها جرحًا وحزنًا مؤلمًا يردد المسلمين قصصه على مرّ التاريخ بأشعارهم وكتاباتهم حين يزورون مدنها وقصورها التي تعيد لهم ذكرى ذلك الفردوس المفقود.[١٣]

المراجع[+]

  1. "الحضارة الإسلامية"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 04-10-2019. بتصرّف.
  2. "الفتح الإسلامي للأندلس"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 04-10-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث "مختصر قصة الأندلس"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 04-10-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت "تاريخ الأندلس"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 04-10-2019. بتصرّف.
  5. "الحضارة العربيّة في الأندلس وأثرها في أوربا"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 06-10-2019. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث ج "العلوم العربية فى الأندلس"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 20-10-2019. بتصرّف.
  7. "عباس بن فرناس"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 20-10-2019. بتصرّف.
  8. "العلم والتعليم في الأندلس"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 22-10-2019. بتصرّف.
  9. ^ أ ب "الأدب العربي في العصر الأندلسي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 20-10-2019. بتصرّف.
  10. "الغناء في الاندلس"، al-hakawati.la.utexas.edu، اطّلع عليه بتاريخ 10-20-2019. بتصرّف.
  11. "العمارة والفنون الإسلامية في الأندلس"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 20-10-2019. بتصرّف.
  12. "التجارة والطرق التجارية في الأندلس"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 20-10-2019. بتصرّف.
  13. ^ أ ب ت "الحضارة العربيّة في الأندلس وأثرها في أوربا"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 21-10-2019. بتصرّف.