النقد الأدبي بين المفاضلة والموازنة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٤٥ ، ١٨ أغسطس ٢٠٢٠
النقد الأدبي بين المفاضلة والموازنة

المعايير النقدية

كان النقد الأدبي العربي منذ نشأته الأولى في العصر الجاهلي يحتكم إلى الذوق العام الذي يعكس خلفية المتلقي الثقافية والجمالية دون الاستناد إلى أي من المعايير والأسس النقدية العلمية، ولعله ظل على هذا الحال في عصر صدر الإسلام وكذلك في العصر الأموي، ومع ظهور الحضارة المدنية في العصر العباسي وازدهار الشعوب واستقرارهم في المدن وظهور التوجهات العلمية وحركات الترجمة والتدوين[١]، أصبح للنقد الأدبي معايير وأسس علمية يحتكم إليها النقاد في نظرتهم للشعر، ومن هذه المعايير ما يتصل بالتقاليد الشعرية التي تتصل باتباع منهج الأوائل في نظم الشهر كصياغة المقدمة الطللية وأقسام القصيدة العربية، ومنها ما يتصل بالبلاغة والبيان وما يتصل بها من استعارات ومجاز وتشبيه وتوظيف المحسنات البديعية، ومنها ما يتصل باللغة والدقة في صياغتها وعدم الخروج عما سنه الأوائل في صياغة العبارات واستعمال الألفاظ، ومنها ما يتعلق بالمنطق المضموني ومطابقة المعنى للواقع، ومنها ما يتعلق بالسرقة الأدبية للفظ أو المعنى.[٢]

مفهوم المفاضلة في النقد الأدبي

المفاضلة مصدر مشتق من الفعل فاضل، والمفاضلة بين العلمين يقصد بها مجال الموازنة للحكم بفضل أحدهما على الآخر، وهي أيضًا عملية تفكير يوازن فيها بين أمرين بقصد اختيار أحدهم[٣]، وقد استخدم هذا اللفظ في النقد العربي القديم كمصطلح أساسي يدلي بالنتيجة التي تترتب عليها العملية النقدية حيث يقوم الناقد بعقد مفاضلة ومقاربة بين الشعراء واستعراض نتاجيهما الشعري للوصول إلى نتيجة تفضي بتفضيل أحدهم على غيره، وقد خلد تاريخ الأدب الكثير من قصص المناظرات والمشاحنات التي تجري بشأن من هو الأشعر من بين الشعراء وكل ذلك على مرأى من الناس الذين كانوا يحفظون نتيجة المناظرة والمفاضلة ويروونها لغيرهم فيعرف الشاعر ومكانته الشعرية بفضل ما تداوله الناس عنه وقت المفاضلة، وكثيرًا ما كانت تفضي عملية النقد والمفاضلة إلى الخلافات والجدل، كما حصل في المناظرة التي عقدت بين امرئ القيس وعلقمة، وقد فاضلت بينهما أم جندب زوج امرئ القيس، حيث حكمت لعلقمة وفضلته على زوجها في الشعر والنظم، فما كان من امرئ القيس إلا أن طلقها لذلك، ولعل هذه الرواية تمثل الملامح الأولى لجذور المفاضلة بين الشعراء.[٤]


إن النقد القائم على المفاضلة بين الشعراء لم يكن ليستند على أي من المقاييس والمعايير العلمية التي قد تساعد الناقد في الوصول إلى حكمه على الأدب والأديب، بل كان يستند إلى الذائقة الأدبية التي اكتسبها النقاد بفعل اطلاعهم على الشعر وروايتهم له، فالعرب في الوقت الذي امتد من العصر الجاهلي وحتى أواخر العصر الأموي لم يكونوا قد عرفوا البلاغة والبيان والعروض كعلوم لها قواعد وأسس تبنى عليها، وإنما كانوا قد نالوا منها قسطًا وافرًا فطرت عليه عقولهم وسارت على قواعده ألسنتهم دون إدراك علمي مسبق، وهذه العلوم لم تكتشف وتدرس إلا في العصر العباسي في القرن الثالث للهجرة على وجه التحديد، وعليه فإن الأحكام النقدية التي أطلقت خلال هذه العصور لم تكن سوى أحكام مفاضلة، أي أنها تقوم على تفضيل شاعر على غيره تبعًا لأحكام الذوق العام التي تتفاوت من شخص لآخر، ولا تتطلب تحليلًا نقديًا سليمًا ولا تبريرًا علميًا يفسر سبب إطلاق هذا الحكم أو غيره، وأحكام المفاضلة في مجملها تستند إلى الإجادة الشعرية في خلق خط تواصل مباشر مع رغبة المتلقي وحسب، كما أن الناقد في تلك الفترة لم يكن ينظر للقصيدة كعمل أدبي متكامل، وإنما يكتفي بالنظر إلى جزئية منه تلفت انتباهه فتلثم القصيدة وتعيبها أو تعكس جودتها، ويكون حكم المفاضلة مبنًا عليها.[٥]


مفهوم الموازنة في النقد الأدبي

اشتق مفهوم الموازنة في معاجم اللغة من الفعل وزن، ويقصد به تقييم الشيء وتبيان قدره، وقيل أنها تعني مقارنة المعاني بالمعاني ليعرف الراجح في النظم من المرجوح،[٦] وقد استخدم هذا اللفظ في الأدب العربي القديم ليكون مصطلحًا نقديًا يشير إلى مقارنة نقديّة بين أدبين أو فكرتين أو أثرين أو مدرستين أو شخصيتين،[٧] يلتقي كل منهما في العرق الاجتماعي واللون اللغوي والفن الأدبي، فلا تكون الموازنة بين أديب غربي وآخر عربي فهذه تندرج تحت مسمى الأدب المقارن، ولا تصلح أن تكون بين أدبين أحدهما شعري وآخر نثري، وعلى الرغم من أن الموازنة تقوم على ذات الغاية التي تقوم عليها عملية المفاضلة، إلا أن الموازنة النقدية تسير تبعًا لأسس ومعايير منهجية يتبعها الناقد بحرص وعناية في إطلاق حكمه، وقد ظهر هذا اللون النقدي في العصر العباسي بعد القرن الثالث الهجري، حيث ازدهرت الثقافة العربية وبلغت الآداب النثرية والشعرية أوجها، وانتعشت ألوان العلوم وتجاوزت الشعوب مرحلة التدوين فاشتغلت بالتصنيف والتأليف، التي ارتكزت على تقعيد اللغة العربية وتدوين نحوها وصرفها، بالإضافة إلى ظهور الدراسات البلاغية التي استندت إلى الموروث الأدبي العربي من الشعر والنثر واستقيت منه شواهده، هذا بالإضافة إلى ظهور علم العروض والبحور الشعرية على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي، والمصنفات المعجمية كمعجم العين.


وعلى هذا فقد عرفت الموازنة في الأدب على أنها منهج نقدي تطبيقي يرمي إلى تحقيق إحدى الغايتين الوصف والحكم أو كليهما معًا وذلك بدراسة أديبين أو أكثر دراسة شاملة على وفق معايير نقدية تختلف من ناقد لآخر تبعًا لمذهبه في الأدب ونقده،[٦] وقد بدا ذلك واضحًا لدى الأصمعي في كتابه فحولة الشعراء الذي عزم فيه على ترتيب الشعراء من العصر الجاهلي وحتى العصر الذي عاش فيه وتصنيفهم والحكم على شاعريتهم من خلال نتاجهم الشعري، فكان يطلق على شاعر ما لقب شاعر فحل، ويقصد به الشاعر المجيد، ولم تكن أحكام الأصمعي في كتابه مبنية على أحكام المفاضلة العامة التي تقوم على ترجيح الذائقة الشخصية للشعر، وإنما كان يستند إلى أساس قوة التعبير عن المعاني والتفرد في صياغتها.[٨]


وكذلك الحال عند ابن سلام الجمحي الذي عمد إلى ترتيب الشعراء وتصنيفهم في طبقات مختلفة في كتابه الموسوم بطبقات فحول الشعراء، وكان تصنيفه للشعراء في طبقات مبني على معايير وأسس جعلت تصنيفه لهم أكثر دقة ما قدمه سابقوه في هذا المجال، فقد حرص على أن يفرد شعراء كل عصر على حدة وأفرد لكل عصر طبقاته من الشعراء، ولم يكن تصنيفه لشعراء كل طبقة نابع من ذائقته الشعرية المجردة، وإنما كان قد اتخذ معاييره الخاصة كقوة الشعر ومتانته ونوع القافية، فقد جعل الحطيئة في الطبقة الثانية لأنه متين الشعر شرود القافية وكان راوية لزهير، فتظهر معايير ابن سلام الجمحي وقد مزجت بشيء من الذائقة الشخصية، فحكمه للحطيئة لم يكن موقوفًا على شاعريته وحسب، إنما على كونه راوية لزهير الذي يبدو أن ابن سلام قد كان ميالًا لشعره نوعًا ما، كما أنه اعتمد الكم كمعيار أساسي في ترتيب الشعراء، فالشاعر عنده هو المجيد المكثر، بينما نراه يغض الطرف عن كثير من الشعراء المجيدين لكونهم مقلين في نظمهم.[٩]


أما عند الآمدي فقد بدا منهج الموازنة النقدية مختلفًا، فالموازنة لم تكن لإطلاق أحكام وتصنيف الشعراء بناء عليها، إنما كانت موازنة وصفية تحليلية وقف فيها على الأسباب والمعايير والمقاييس التي اعتمدها أنصار أبي تمام وفضلوه تبعًا لها على البحتري، فذهب إلى أن من فضّل أبا تمام قد نسبه إلى غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورده مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج، وهؤلاء أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفة الكلام، وكذلك وقف عند المعايير التي دعت أنصار البحتري لتفضيله على نظيره أبي تمام، كحلاوة اللفظ، وحسن التخلّص، ووضع الكلام في مواضعه، وصحة العبارة، وقرب المأتى، وانكشاف المعاني، وهم الكتّاب والأعراب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة، والآمدي قبل ذلك كله يبدو مقرًا بشاعرية كل من أبي تمام والبحتري، وإجادتهما وأهلية كل منهما للفحولة الشعرية.[١٠]


ومن المحدثين من عمد إلى الموازنة جريًا على ما عهده لدى الأوائل مع ابتكار في طريقة الموازنة بين الشعراء، كما هو الحال لدى زكي مبارك في كتابه الموازنة بين الشعراء، حيث أقام موازنته بين شعراء من عصور مختلفة مع الشاعرأحمد شوقي، فيوازن بين البحتري وأحمد شوقي تارة متخذًا أنموذجًا محددًا من شعريهما، وتارة أخرى يوازن فيها بين أحمد شوقي والحصري، وكذلك الحال متخذًا عددًا من الشعراء من العصور المختلفة، وزكي مبارك يقيم موازنته بين هؤلاء الشعراء على معايير وأسس نقدية حديثة كالصور الشعرية وتوظيف الخيال والأغراض والمضامين التي تطرق إليها الشعراء في قصائدهم، وهو يطلق الأحكام على الشعراء تبعًا لكل معيار أو مقياس على حدة، فتراه يحكم لشوقي في توظيف الخيال واقفًا على جزئية من شعره تناول فيها الحديث عن طيف الخيال في قوله:[١١]

أَفديكَ إِلفاً وَلا آلو الخَيالَ فِدىً

أَغراكَ باِلبُخلِ مَن أَغراهُ بِالكَرَمِ


وزكي مبارك يفضل وصف أحمد شوقي ويرجحه على البوصيري إذ وجد قوله مبتذلًا نوعًا ما[١٢]، وذلك من خلال حكمه على البيت الآتي من قصيدة البردة:[١٣]

نَعَمْ سَرَى طَيفُ مَنْ أهوَى فَأَرَّقَنِي

والحُبُّ يَعْتَرِضُ اللَّذاتِ بالألَمِ

لم يحكم زكي مبارك بالشاعرية لشاعر دون آخر كما فعل سابقوه مثل ابن سلام والأصمعي، ولا اكتفى بتحليل أحكام النقاد على الشعراء وتبريرها كما فعل الآمدي، إنما اتبع منهجية حديثة قديمة يعرض فيها جزئيات من القصيدة تبعًا لمعايير حديثة ويفاضل ويوازن على إثرها بين الشعراء في كل جزئية منفصلة على حدة.


النقد الأدبي بين المفاضلة والموازنة

لقد مر النقد الأدبي عبر العصور بمراحل مختلفة صقل فيها قوامه وتبدلت فيها أسسه ومعاييره، وعلى ضوء هذه المعايير كان المفهوم أو المصطلح النقدي يتغير ويتبدل، فمن المفاضلة التي شكلت المظهر الأولي للعملية النقدية لدى العرب قبل أن يصبح للنقد كيانًا واضحًا إذ لم يكن سوى نموذجًا يجمع بين النظرة التركيبية والتعميم، وأيضًا التعبير عن الانطباع الكلي دون اللجوء إلى التعليل وتفسير الأحكام النقدية، وهذا اللون النقدي قد شكل المرحلة الأولى التي سادت منذ العصر الجاهلي وحتى أواخر القرن الثاني الهجري.[١٤]


ثم ظهر مصطلح الموازنة في القرن الثالث الهجري وقد اتخذ النقد صورة أكثر منهجية وعلمية من تلك الصورة التي قامت عليها المفاضلة النقدية، وانتهج النقاد من خلال الموازنة معايير اختلفت بين ناقد وناقد آخر؛ إلا أن هذه المعايير كانت في مجملها تتصف بالعلمية والموضوعية نوعًا ما لما كانت تقوم عليه الأحكام من تعليل وتفسير وتبيان، غير أنها كانت مشوبة بحكم الذائقة الشخصية التي كانت تطل من هنا وهناك وسط تلك المعايير، كما أن المعايير النقدية المتخذة في هذه المرحلة لم تشكل سوى صورة عامة وغير دقيقة كالإجادة اللغوية والكم الشعري وتعدد الأغراض والمضامين.[٨]


وفي العصر الحديث اتخذت الحركة النقدية مصطلحًا جديدًا يعرف بالنقد المقارن وقد بدا متأثرًا بالمناهج النقدية الغربية في تناوله للنص الأدبي وتحليله له وفي نظرته للأديب وحكمه عليه، حيث اتسعت الاحكام النقدية لتشمل الآداب الغربية فتوازن وتفاضل بينها وبين الآداب العربية شعرًا ونثرًا، وقد يخلط الكثير من الدارسين بين مفهومي الموازنة والمفاضلة على أنهما مصطلحان لعملية نقدية واحدة وإن كانوا يسهبون في عرض تلك الفوارق العميقة التي تفصل بين محتوى المصطلحين، والمعنى اللغوي لهما، حيث أن المفاضلة قد دربت على حكم التفضيل الذاتي، في حين أن الموازنة ينتابها شيء من الإنصاف الذي يحققه فيها ميزان المعايير النقدية التي تقوم عليها.[٤]

المراجع[+]

  1. "عوامل ازدهار الشعر في العصر العباسي"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-08. بتصرّف.
  2. عـادل بوديـار، المعايير النقدية في كتاب الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري و الآلمدي، صفحة 197. بتصرّف.
  3. مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، صفحة 693. بتصرّف.
  4. ^ أ ب عبد الرحمن حميد ثامر (2010-08-07)، "المفاضلة بين الشعراء في ضوء مقاييس النقد العربي القديم"، مجلة جامعات الأنبار للغات، العدد 2، صفحة 106. بتصرّف.
  5. ميثم طارم ، "النقداألدبي بين المفاضلة والموازنة والمقارنة"، التراث الأدبي، العدد 2، صفحة 2. بتصرّف.
  6. ^ أ ب عدوية فياض (2005-08-08)، "نظرات تحليلية في كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري للآمدي ٣٧٠هـ "، مجلة الفتح، العدد 23، صفحة 274.
  7. "تعريف و معنى موازنة في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-08. بتصرّف.
  8. ^ أ ب "النقد القديم"، www.uobabylon.edu.iq. بتصرّف.
  9. "شيء من التفكير النقدي العربي القديم ابن سلام الجمحي أنموذجًا"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-08. بتصرّف.
  10. "موازنة الآمدي بين النظرية والتطبيق"، abu.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-08. بتصرّف.
  11. " ريم على القاع بين البان و العلم"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-08.
  12. زكي مبارك، الموازنة بين الشعراء، صفحة 177. بتصرّف.
  13. "أمن تذكر جيران بذي سلم"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-08.
  14. إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري، صفحة 13. بتصرّف.