تعريف الاستعارة

تعريف الاستعارة

تعريف الاستعارة لغة واصطلاحًا

كيف ميّز العلماء بين الأصل اللغوي للاستعارة وبين المصطلح؟

الاستعارة لغة: هي تحويل الشيء من مكان إلى آخر، واصطلاحًا: هي مجازٌ قائمٌ على علاقة المشابهة بين المستعار منه والمستعار له، ومعنى ذلك أنّ الاستعارة تكون العلاقة فيها بين المعنى المنقول منه وبين المعنى المنقول إليه هي علاقة مشابهة، ومن ذلك قولهم: "التقيتُ بحرًا يعطي الفقراء" فقد عُقدت مشابهة في الجملة السّابقة بين الرجل الكريم والبحر، وقد حُذف الرجل الكريم وبقي لفظ "البحر" وهذا اللفظ بمعناه الحقيقي هو: مكان المياه المالحة، ولكنّه لم يستخدم بمعناه الحقيقي في الجملة السّابقة إنّما استخدم بمعنى مجازيّ، والعلاقة التي حكمت هذا المجاز والاستخدام المجازي هي علاقة المشابهة، أمّا القرينة التي منعت المعنى الحقيقي لكلمة "بحر"، وأوجبت المعنى المجازي هي كلمة "يعطي".[١]


لا بدّ للاستعارة لتكون استعارة أن تستخدم لفظة في غير موضعها، وأن يجمع بين هذه اللفظة وبين ما أسندت إليه علاقة مشابهة تحكم هذا الاستخدام المجازي للفظة، أمّا القرينة فلا بدّ منها لمنع إرادة استخدام المعنى الحقيقي للكلمة وتحويلها إلى المعنى المجازي، وللقرينة نوعان:[١]


  • لفظية: وهي التي يدلّ عليها لفظٌ في الجملة، يصرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلى معناه المجازي، وذلك على نحو قولهم: خرج الأسود في القتال، فإنّ القرينة التي دلّت على منع المعنى الحقيقي لكلمة "الأسود"، هي لفظ "في القتال"، فهي لفظية ظهرت في الجملة.[١]


  • حالية: وهي التي يدلّ عليها أمرٌ خارجٌ عن اللفظ يفهم فهمًا، ومن ذلك قوله تعالى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[٢]، ففي الآية السابقة استعارتان، فالأولى: ميتًا، وقُصد بها الضّلال، والثّانية: أحييناه، وقصد به الهداية، ودلّ على استخدامهما المجازي السياق.[١]


تعريف الاستعارة عند البلاغيين القدماء

كيف نظر العلماء القدامى للاستعارة؟

  • الجاحظ: عرّف الجاحظ الاستعارة بأنّها إطلاق اسمٍ على شيءٍ معيّن غير اسمه الأصلي، وذلك إذا حلّ مكانه.[٣]
  • ابن المعتز: عرّف ابن المعتز الاستعارة أخذ كلمةٍ من شيءٍ يختصّ بها إلى شيءٍ آخر لا علاقة له بها.[٣]
  • قدامة بن جعفر: عرّف قدامة بن جعفر الاستعارة أنّها استعارة بعض الألفاظ في غير مواضعها من باب التوسّع والمجاز.[٣]


  • عبد القاهر الجرجاني: عرّف عبد القاهر الجرجاني الاستعارة أنّها ما اكتفي باللفظ المستعار عن اللفظ الأصلي في الجملة، وذلك بأن يكون بين اللفظ المستعار واللفظ المستعار له في الجملة تناسبٌ بحيث لا يحدث من اجتماعهما أي تنافر.[٣]
  • أبو حسن الرمّاني: عرّف أبو الحسن الرماني الاستعارة أنّها استخدام العبارة أو اللفظ على خلاف وضعه الأصلي في اللغة.[٣]


أركان الاستعارة

ما الرابط بين الاستعارة والتشبيه؟

إنّ الاستعارة هي تشبيهٌ بليغٌ حُذف أحد ركنيه، لذا لا بدّ للاستعارة من وجود مشبّه ومشبّه به وإن كان أحدهما مقدرًا، ولا بدّ لهذين الطرفين من جامعٍ بينهما وهو وجه الشّبه، وعليه تكون أركان الاستعارة كما يأتي:[٤]

  • المُستعار له: وهو المشبّه.
  • المُستعار منه: وهو المُشبّه به.
  • الجامع: وهو وجه الشّبه.
  • المُستعار: وهو المشبّه به أو اللفظ الذي حلّ محلّ المشبه به وأخذ منه.


على سبيل المثال عبارة: بكتِ السّماء، فالمستعار له: السّماء، والمستعار منه: المرأة وهو محذوف، والجامع: الانهمار، واللفظ المستعار: بكت.[٤]


أصل الاستعارة

كيف توصل العرب لمعرفة الاستعارة؟

إنّ الاستعارة في أصلها جاءت نتيجةً لما جاء به العرب سابقًا من استخدام الكلمات في غير مواضعها وفي غير معانيها الأصليّة التي وضعت لها للدلالة على أمر يريدون التعريض به أو يريدون له أن يكون مفهومًا من طرف فئة معينة من الناس من دون غيرهم، فمن ذلك قولهم إذا ما أرادوا وصف رجل شجاع قالوا عنه: أسد، أو أن يقولوا عن الكريم: بحر، أو أن يقولوا عنه إنّ يداه كالغمامة ونحو ذلك، فهي أصيلة في كلام العرب ولكن لم تُقعّد حتى جاء علماء المسلمين وألّفوا في البلاغة وفرّعوا علومها.[٥]


خصائص الاستعارة

بما اختصّ العلماء الاستعارة من المميزات الدالّة عليها؟

للاستعارة كثير من الخصائص المميزة، ومنها:


تجسيد المعاني

تمتاز الاستعارة بأنّها تجسّد المعاني وتُشخّص الأمور المجرّدة وتعطي الحياة للأشياء الجامدة، بحيث تصبح الأمور الجامدة متحركةً ماثلةً أمام عينَي المتلقّي وتتفاعل مع ما يحيط بها من أمور، وعلى سبيل المثال في قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}[٦]، فقد عُبّر البيان القرآنيّ العظيم عن إشراق الصّباح بالتّتنفّس، فأُخرج الصّباح من ركونه وبُعثت الحياة به، ليصبحَ كمن يتنفّس في الحياة.[٧]


المبالغة في إظهار المعنى وتأكيده

إنّ الاستعارة تُبالغ في إظهار المعنى وتؤكّده؛ إذ إنّها ليست قائمة على التّشبيه، بل تقوم على اعتبار المشبّه جزءًا حقيقيًّا من المشبّه به، لذا يظهر المعنى وكأنّه حقًا يحمل ذلك الوصف، فمثلًا في قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}[٨]، فقد استعير لفظ "طغى" لزيادة الماء وارتفاعه، وذلك لما فيه من معنى الغلبة والقهر والعتو، وذلك مبالغةً في إيصال المعنى المطلوب.[٧]


حسن الإيضاح

إنّ من الخصائص التي تميّز الاستعارة هنالك ما يُعرف بحُسن الإيضاح وتنبيه العقول وتحريكها، وكذلك تحريك المشاعر، ومن ذلك قول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا}،[٩] فهنا قد استخدم البيان القرآني الكريم لفظة "اشتعل" للدلالة على انتشار الشّيب واستمراره، وذلك من أجل تنبيه العقول على أنّ الشيب إذا انتشر لا يمكن إيقافه؛ فهو كالنّار المشتعلة.[٧]


أنواع الاستعارة

كم نوعًا مشهورًا للاستعارة؟

تنقسم الاستعارة إلى ثلاثة أنواع وهو خلاف المشهور أنّها نوعان، وأنواعها هي:


استعارة مكنية

في هذا النوع يُذكر المشبّه ويحذف المشبّه به ويبقى على شيء من لوازمه على سبيل الاستعارة المكنيّة، مثل قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}[٦]، فقد شُبّه الصّبح بإنسان يتنفّس وحذف المشبّه به واستعير شيءٌ من لوازمه وهو "التنفس" على سبيل الاستعارة المكنية.[١٠]


استعارة تصريحية

وهذا النوع من الاستعارة يكون بحذف المشبّه والتّصريح بالمشبّه به، مثل قول الشاعر:[١٠]

فأمطرتْ لؤلؤًا من نرجسِ وسقتْ

وردًا وعضّتْ على العنّاب بالبرد

فقد استعير لفظ اللؤلؤ للدموع، والنرجس للعيون، والورد للخدود، العنّاب للأنامل، والبرد للأسنان.


استعارة تمثيلية

هي تركيبٌ استعمل في موضعٍ غير ما وضع له في أصل اللغة، وهي تُشبه التّشبيه التّمثيلي إذ إنّه يكون بتشبيه صورة بصورة، وهي تكون بالإتيان بهذا المثل في غير موضعه للاستفادة من معناه في الحالة المشابهة لمضمون ذلك المثل، مع ترك ذكر المشبّه، ومن ذلك قولهم: "أحشفًا وسوء كيلة"، وذلك عند استخدام هذا المثل في نفس المعنى الذي ورد به، فيذكر أنّ بعض الأشخاص أراد شراء التّمر من البائع، فاختار له البائع الحشف، فأعطاه البائع الحشف "وهو أردأ أنواع التمر" ثمّ أنقص له في الميزان، فقال له الرجل: أحشفًا وسوء كيلة؟![١٠]


لقراءة المزيد، انظر هنا: ما هي أنواع الاستعارة.


إجراء الاستعارة

ما المقصود بإجراء الاستعارة؟

يُراد بإجراء الاستعارة تحليلها ودراستها وتحديد عناصرها الأساسيّة التي تتكوّن منها، من المشبّه والمشبّه به، بالإضافة إلى تحديد الصّفة المشتركة التي تجمع طرفي التّشبيه، وتحديد القرينة التي أخرجت اللفظ عن استعماله الحقيقي إلى استعمال مجازي، ومن أمثلة إجراء الاستعارة ما يأتي:[١١]

قال أبو خراش الهذلي:[١١]

وإذا المنيّةُ أنشبتْ أظفارها

أبصرت كلّ تميمةٍ لا تنفع


في البيت السّابق المشبّه هو "المنية"، والمشبّه به هو "الحيوان المفترس"، وهو محذوف، فحذف المشبّه به وأُبقي على شيءٍ من لوازمه وهو "أنشبتْ أظفارها"، والقرينة لفظية وهي إثبات الأظفار للمنية، والاستعارة هنا مكنيّة إذ حذف المشبّه به وأُبقي على شيء من لوازمه.[١١]


قال المتنبي واصفًا دخول رسول الروم على سيف الدّولة:[١١]

فأقبلَ يمشي في البساطِ فما درى

إلى البحر يسعى أم إلى البدرِ يرتقي


فالمشبّه هو "سيف الدّولة" وهو محذوف، والمشبّه به "البحر والبدر" وقد صُرّح به، والجامع بينهما هو "الرفعة"، والقرينة التي أخرجت الكلمة عن استعمالها الحقيقي لفظية وهي ذكر المشي في البساط، أمّا الاستعارة هنا فتصريحيّة وذلك كونه قد صرّح بلفظ المشبّه به.[١١]


الفرق بين الاستعارة والتشبيه

كيف ميّز العلماء بين الاستعارة والتشبيه؟

إنّ الفرق بين الاستعارة والتّشبيه هو أنّ التّشبيه لا وجود له في الاستعارة، بل في الاستعارة يعدّ المشبّه فردٌ من أفراد المُشبّه به، كما لا يُجمع بين المشبّه ولا بين المشبّه به في الاستعارة على شكلٍ يظهر التّشبيه، وكذلك أيضًا في الاستعارة لا يذكر وجه الشّبه ولا أداة التّشبيه لا لفظًا ولا تقديرًا، والوجوه التي تقتضي التّشبيه في الجمع بين المشبّه والمشبّه به هي:[١٢]


  • أن يكون المشبّه به خبرًا للمشبّه أو ما في حكم الخبر: وذلك على نحو قولهم: الفتاةُ قمرٌ، وشعرها حريرٌ، وقدّها غصنٌ.[١٢]
  • أن يكون المشبّه به حالًا عائدة على المشبّه: ومن ذلك قول أحد شعراء العصر العباسي:[١٢]

سفرْنَ بدورًا وانتقبْنَ أهلَّةً

ومِسنَ غُصونًا والتفتْنَ جآذرًا


  • أن يكون المشبّه به صفةً للمشبّه: وذلك كقول الشّاعر:[١٢]

لا يفلق الهامَ في ساحِ القتالِ إذا

تلاحمَ البأسُ إلّا الفارسُ الأسدُ


  • أن يكون المشبّه به مُضافًا للمشبّه: وذلك كقول الشّاعر:[١٢]

والريحُ تعبثُ بالغصون وقد جرى

ذهب الأصيل على لجين الماء


  • أن يكون المشبّه به مصدرًا مبيّنًا للنوع: وذلك كقوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}،[١٣]، فالتّقدير تمرّ كمر السحاب.[١٢]
  • أن يكون المشبّه به مبيَّنا بالمشبّه: ومن ذلك قول الشّاعر:[١٢]

فما زلتُ في ليلينِ شعرٍ وظُلمةٍ

وشمسين من خمرٍ ووجه حبيب


إنّ الاستعارة لا تظهر بأي شكل من الأشكال التي تحتمل التّشبيه أبدًا.


كتب عن الاستعارة

هل هنالك كتب انفردت بالحديث على الاستعارة؟

إنّ الكتب التي تتحدث على الاستعارة هي الكتب المؤلفة في البيان أو في البلاغة عمومًا، ومنها:


  • جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع: ألّفه أحمد الهاشمي وصدرت له عدة طبعات منها طبعة المكتبة العصرية في بيروت.[١٤]
  • بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة: ألّفه عبد المتعال الصّعيدي وصدرت له عدة طبعات منها طبعة مكتبة الآداب في بيروت.[١٥]
  • علم البيان: ألّفه عبد العزيز عتيق وصدر عن دار النهضة العربية في بيروت.[١٦]
  • المنهاج الواضح للبلاغة: ألّفه حامد عوني وقد صدر عن المكتبة الأزهريّة للتراث في القاهرة.[١٧]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ت ث منيرة فاعور، هيثم غرة، البلاغة العربية، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 75. بتصرّف.
  2. سورة الأنعام، آية:122
  3. ^ أ ب ت ث ج عبد العزيز عتيق، علم البيان، بيروت:دار النهضة العربية، صفحة 173. بتصرّف.
  4. ^ أ ب محمد أحمد قاسم، علوم البلاغة، طرابلس:المؤسسة الحديثة للكتاب، صفحة 194، جزء 1. بتصرّف.
  5. الميداني، كتاب البلاغة العربية، دمشق:دار القلم، صفحة 221، جزء 2. بتصرّف.
  6. ^ أ ب سورة التكوير، آية:18
  7. ^ أ ب ت منشورات جامعة المدينة العالمية، البلاغة _ البيان والبديع، صفحة 229، جزء 1. بتصرّف.
  8. سورة الحاقة، آية:11
  9. سورة مريم، آية:4
  10. ^ أ ب ت أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، بيروت:المكتبة العصرية، صفحة 260. بتصرّف.
  11. ^ أ ب ت ث ج عَبد العزيز عتيق، عِلم البيان، بيروت:دار النهضة العربية، صفحة 179. بتصرّف.
  12. ^ أ ب ت ث ج ح خ الميداني، البلاغة العربية، دمشق:دار القلم، صفحة 231، جزء 2. بتصرّف.
  13. سورة النمل، آية:88
  14. أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، بيروت:المكتبة العصرية، صفحة 5. بتصرّف.
  15. عبد المتعال الصّعيدي، بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة، بيروت:مكتبة الآداب، صفحة 3. بتصرّف.
  16. عبد العزيز عتيق، علم البيان، بيروت:دار النهضة العربية، صفحة 5. بتصرّف.
  17. حامد عوني، المنهاج الواضح للبلاغة، القاهرة:المكتبة الأزهرية للتراث، صفحة 5. بتصرّف.