علاقات المجاز المرسل

علاقات المجاز المرسل
علاقات-المجاز-المرسل/

علاقات المجاز المرسل

ما الفرق بين المجاز المرسل والاستعارة؟

إنّ المجاز المرسل هو فرعٌ من المجاز اللغوي الذي يندرج تحت باب علم البيان الذي يشكّل مع علم المعاني وعلم البديع أقانيم علم البلاغة الثلاثة، هو استخدام الكلمة في غير ما وضعت له في الحقيقة لعلاقة غير علاقة المشابهة مع وجود قرينة تدلّ على ذلك، وقد سُمّي بالمجاز المرسل لأنّ علاقاته كثيرة، ويمثّل مع الاستعارة أركان المجاز اللغوي، والفرق بين المجاز المرسل والاستعارة أنّ العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المنقول إليه في الاستعارة هي علاقة مشابهة، أمّا المجاز المرسل فتكون العلاقة فيه قائمة على غير التشبيه، وبيان علاقات المجاز المرسل فيما يأتي.[١]


هل هناك فرق بين المجاز والكناية؟ الإجابة في هذا المقال: الفرق بين الكناية والمجاز.


السببية

السببية تعني أن يُذكر سبب الشيء ويراد المُسبَّب، وذلك على نحو قولهم: لأخي عليّ يد، فكلمة "يد" في العبارة السّابقة لم تستخدم في معناها الحقيقي وهو أحد أطراف الإنسان بل استخدمت بمعنى الفضل والمنّة؛ وذلك لأنّ اليد هي السبب بالعطاء والفضل، فقد ذُكرت "اليد" وهي السبب، وأريد المسبَّب وهو "الفضل".[٢]


ومن أمثلة العلاقة السببية:[٢]

كم من يدٍ بيضاءَ قد أسديتها

تَثني إليكَ عِنانَ كلّ وداد

المجاز واقع في كلمة "يد"؛ فقد ذكر السبب "يد" وأريد المسبَّب "الفضل".


وليست أيادي الناسَ عندي غنيمةٌ

وربَّ يدٍ عندي أشدُّ من الأسرِ

المجاز واقع في كلمة "أيادي"؛ فقد ذكر السبب "أيادي" وأريد المسبَّب "الفضل".


  • قوله تعالى في سورة البقرة: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.[٣]: المجاز واقع في كلمة "الشهر" فقد ذكر السبب "الشهر" وأريد المسبَّب "رؤية الهلال".


المسببية

وهي أن يُذكر المسبّب ويُراد السّبب، وذلك كقوله تعالى مثلًا: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا[٤] فالمجاز واقعٌ في كلمة "رزقًا" فالسّماء لا ينزل منها الرزق، بل ينزل المطر الذي يسبّبُ الرزق، فقد ذُكر المُسبَّب وهو "الرزق" وأريد السبب وهو "المطر".[٥]


ومن أمثلة العلاقة المسّببية:[٥]

  • قولهم في المثل: لا تجالسوا السّفهاء على الحمق: المجاز واقع في كلمة "الحمق" فقد ذكر المُسبَّب "الحمق" وأريد السبب وهو "الخمر" الذي يسبّبُ "الحمق".


  • قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}.[٦]: المجاز واقع في كلمة "مغفرة" فقد ذكر المُسبَّب "مغفرة" وأريد السبب وهو "التوبة" التي تسبّب "المغفرة".


  • قوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ}.[٧]: المجاز واقع في كلمة "النار" فقد ذكر المُسبَّب "النار" وأريد السبب وهو "الكفر" الذي يسبّب دخول "النار".

الجزئية

تكون العلاقة الجزئية بأن يُذكر الجزء من الشيء ويراد الكل، وذلك كقوله تعالى مثلًا: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}[٨]، فالمجاز واقعٌ في كلمة "رقبة" فالمُراد من الآية تحرير إنسان، والرقبة جزءٌ من الإنسان، فقد ذُكر الجزء وهو "الرقبة" وأريد الكل وهو "الإنسان".[٩]


ومن أمثلة العلاقة الجزئيّة:[٩]

  • قول الشاعر:

كمْ بعثْنا الجيشَ جرَّا

رًا وأرسلنا العيونا

المجاز واقع في كلمة "العيونا" فقد ذكر الجزء "العيونا" وأريد الكلّ "الجواسيس".


  • قول الشاعر أبي الفتح البستي في قصيدته النونية التي تسمّى فضائل النفس:

أحسن إلى الناسِ تستعبدْ قلوبَهمُ

إذْ طالما استعبدَ الإحسانُ إنسانا

المجاز واقع في كلمة "قلوبهم" فقد ذكر الجزء "قلوبهم" وأريد الكلّ "الإنسان".


وكنت إذا كفٍّ أتتك عديمةً

ترجو نوالًا من سحابِك بُلَّتِ

المجاز واقع في كلمة "كف" فقد ذكر الجزء "كف" وأريد الكلّ "إنسان محتاج".


الكلية

وهي أن يذكر الكل ويراد الجزء، وذلك على نحو قوله تعالى: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا}[١٠]، فالمجاز واقعٌ في كلمة "أصابعهم" فقد ذكر الكل وهو "الأصابع" وأراد الجزء أو بعض الشيء وهو "رؤوس الأصابع وأطرافها".[١١]


ومن أمثلة العلاقة الكليّة:[١١]

  • قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.[١٢]: المجاز واقع في كلمة "القرآن" فقد ذكر الكلّ "القرآن" وأريد بعضه "شيء من القرآن".


  • قولهم: شربتُ ماء دمشق: المجاز واقع في كلمة "ماء" فقد ذكر الكلّ "ماء" وأريد بعضه "كأس ماء أو مقدار معيّن".


  • قولهم: سكن ابن خلدون مصر: المجاز واقع في كلمة "مصر" فقد ذكر الكلّ "مصر" وأريد بعضه "منطقة في مصر".


اعتبار ما كان

وهي أن يُذكر الشيء باسم ما كان عليه في الزمن الماضي، لذلك قد تسمّى هذه العلاقة أيضًا الماضويّة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ}[١٣]، فالمجاز واقعٌ في كلمة "مجرمًا" ومن البدهي أنه كان مجرمًا في الحياة الدّنيا، فالإجرام والفساد والكفر والصّلاح والتّقى والإيمان إنّما يكون في الحياة الدّنيا فقط فهي دار العمل يعمل بها ليحصد ثمرة عمله في الآخرة، أمّا الآخرة فهي دار الثّواب، وعليه فقد ذكر "مجرمًا" باعتبار ما كان عليه في الماضي بحسب أعماله في الحياة الدنيا.[١٤]


ومن أمثلة علاقة اعتبار ما كان:[١٤]

  • قولهم: شربتُ البُنَّ: المجاز واقعٌ في كلمة "البن" فقد أريد "القهوة" وذكرتْ باسم ما كانت عليه في الماضي وهو "البن".


  • قولهم: من الناس من يأكل القمح ومنهم من يأكل الذرة والشعير: المجاز واقعٌ في كلمة "القمح والذرة والشّعير" فقد أريد "الطعام المصنوع من هذه الحبوب" وذكرتْ باسم ما كانت عليه في الماضي وهو "القمح والذرة والشعير".


  • وقول الأمُّ عن ابنها: تخرّج طفلي في جامعته وأصبح طبيبًا: المجاز واقعٌ في كلمة "طفلي" فقد أريد "الابن الشّاب" وذكر باسم ما كان عليه في الماضي وهو "الطفل".


اعتبار ما سيكون

وهي أن يذكر الشيء باسم ما سيتحوّل إليه في المستقبل، لذلك قد تسمّى هذه العلاقة أيضًا المستقبليّة، وذلك على نحو قوله تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}[١٥]، فالمجاز قد وقع في كلمة "فاجرًا" و"كفارًا" فمن المعروف أنّ الإنسانَ عندما يولد يولد على الفطرة فلا يكون كافرًا ولا فجارًا، إنّما يؤثّر به المجتمع الذي يحيط به فيحوّله إلى فاجرٍ أو كافرٍ، وعليه فقد ذُكر لفظا "فاجرًا" و"كفارًا" على اعتبار ما سيكون هذا الطفل في المستقبل وذلك بسبب اتّباعه لأهله.[١٦]


ومن أمثلة علاقة اعتبار ما سيكون:

  • قوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}.[١٧]: المجاز واقع في كلمة "خمرًا" فقد أريد "العنب" وذكر بما سيكون عليه في المستقبل وهو "الخمر".


  • قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ}.[١٨]: المجاز واقع في كلمة "حليم" فالطفل لا يولد حليمًا أو غير حليم ولكن ذكر بما سيكون عليه في المستقبل وهو "حليم".


  • قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}.[١٩]: المجاز واقع في كلمة "القتلى" فقد ذكر بما سيكون عليه في المستقبل.


الحالية

وهي أن يُذكر الحالُّ "أي القاطن في المكان" ويُراد المحلُّ "أي يراد المكان بذاته"، وذلك على نحو قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}،[٢٠] فالمجاز واقعٌ في كلمة "رحمة" فالرحمة أمر حالٌّ في الجنّة موجودٌ فيها، فقد ذُكر وأريد محلُّ الرحمة وهو "الجنّة".[٢١]


ومن أمثلة علاقة الحالية:[٢١]

ألمّا على معنٍ وقولا لقبره

سقتْكَ الغوادي مربَعًا بعد مربعِ

المجاز واقع في كلمة "معن" فقد ذُكر الحالُّ في المكان "معن" وأريد المحل "القبر".


إني نزلتُ بكذّابين ضيفُهُمُ

عن القِرى وعن التّرحال محدودُ

المجاز واقع في كلمة "كذّابين" فقد ذُكر الحالُّ في المكان "كذابين" وأريد المحل "وهو ديارهم".


  • قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}.[٢٢]: المجاز واقع في كلمة "نعيم" فقد ذُكر الحالُّ في المكان "النعيم" وأريد المحل "الجنّة" التي يكون فيها "النعيم".


المحلية

وهي أن يُذكر المحل "أي مكان معيّن" ويُراد الحالُّ به "أي القاطن بهذا المكان"، وذلك على نحو قول الشّاعر:

بلادي وإنْ جارتْ عليَّ عزيزةٌ

وأهلي وإنْ ضنّوا عليَّ كرامُ

فالمجاز واقعٌ في كلمة "بلادي" فقد ادّعى الشّاعر أنّ البلاد تظلمه، وفي الحقيقة البلاد لا تجور وتظلم إنّما أهلها هم من يظلمون، وعليه فقد ذكر المحل وهو "بلادي" وأراد الحالُّ بها وهو "أهل البلاد".[٢١]


ومن أمثلة علاقة المحلّية:[٢١]

نُبّئْتُ أنّ النارَ بعدكَ أوقدتْ

واستبّ بعدّكَ يا كُليبُ المجلس

المجاز واقع في كلمة "المجلس" فقد ذكر المحلُّ "المجلس" وأريد الحالُّ فيه وهو "جلساء هذا المجلس".


  • قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ}.[٢٣]: المجاز واقع في كلمة "أفواههم" فقد ذكر المحلُّ "الأفواه" وأريد الحالُّ فيه وهو "اللسان الذي يتكلّم بواسطته الإنسان".


  • قول الشاعر:

ألمّا على معنٍ وقولا لقبره

سقتْكَ الغوادي مربَعًا بعد مربعِ.

المجاز واقع في كلمة "قبره" فقد ذكر المحلُّ "القبر" وأريد الحالُّ فيه وهو "المتوفى معن".



إنّ المجاز المرسل يقوم على استخدام كلمة في غير موضعها لعلاقة غير المشابهة كالسّببية والمسببية والكلّية والجزئيّة والمستقبليّة والماضويّة، وتكمن القيمة البلاغية للمجاز المرسل بقدرته على تأويل الشّبهات، فقد أسهمَ أيّما إسهامٍ بفهم ما غاب معناه عن ذهن مَن كان ليس عارفًا بهذا العلم ممّا جاء بالقرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف.

المراجع[+]

  1. جلال الدين السيوطي، التلخيص في علوم البلاغة، بيروت:دار الكتاب العربي، صفحة 296. بتصرّف.
  2. ^ أ ب محمد هيثم غرة، منيرة محمد فاعور، البلاغة العربية، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 66. بتصرّف.
  3. سورة البقرة، آية:185
  4. سورة غافر، آية:13
  5. ^ أ ب عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، جدة:دار المدني، صفحة 400. بتصرّف.
  6. سورة آل عمران، آية:133
  7. سورة غافر، آية:41
  8. سورة النساء، آية:92
  9. ^ أ ب علي الجارم، مصطفى أمين، البلاغة الواضحة، المملكة العربية السعودية:مكتبة العلم الحديث، صفحة 134. بتصرّف.
  10. سورة نوح، آية:7
  11. ^ أ ب محمّد هيثم غرة، منيرة محمّد فاعور، البلاغةُ العربيّة، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 69. بتصرّف.
  12. سورة النحل، آية:98
  13. سورة طه، آية:74
  14. ^ أ ب مُحمد هَيثَم غرة، مُنيرة محمد فاعور، البَلاغةُ العربيةُ، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 68. بتصرّف.
  15. سورة نوح، آية:26 - 27
  16. عَلي الجارم، مُصطفى أمين، البلاغةُ الواضحةُ، المملكة العربية السعودية:مكتبة العلم الحديث، صفحة 136. بتصرّف.
  17. سورة يوسف، آية:111
  18. سورة الصافات، آية:101
  19. سورة البقرة، آية:178
  20. سورة آل عمران، آية:107
  21. ^ أ ب ت ث محمد هيثَم غَرّة، منيرة محمّد فَاعور، البَلاغة العربية، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 70. بتصرّف.
  22. سورة المطففين، آية:22
  23. سورة آل عمران، آية:167

171723 مشاهدة