ما هي المناظرة

بواسطة: - آخر تحديث: ١٥:٣٠ ، ٦ ديسمبر ٢٠١٩
ما هي المناظرة

الاختلاف والتوافق

النّاس مفطورون على التوافق والاختلاف، وفقًا لتفاوت القدرات العقليّة بين الناس، وتفهّمهم للمسائل والأمور التي تشعّبت واختلطت على بعض دون بعض، فلكلٍّ ميوله وقدرته على الاستيعاب والفَهم، ومن الضروريّ ألّا يغيب عن الأذهان أن الهدف من الاختلاف هو البيان والتبيين، والخروج بنتيجة مفيدة تفيد المجتمع والفرد، دون الضّرر بأحد، فلا يكون الاختلاف إلا بعلم وحُجّة وبرهان، وأن يكون على دراية في المناظرة، فهناك من الناس مَن لا همّه إلّا الخلاف لا الاختلاف، فيجب ألّا يكون الاختلاف سببًا للشقاق والتّفريق، فعلى كلّ من اختلف مع الآخر ألّا يولّد عنده الاختلاف حقدًا أو كرهًا، وكما قيل: "الاختلاف في الرأي لا يفسد للودّ قضية".[١]

ما هي المناظرة

المناظرة قضيّة تدور حولَها الاختلافات، مثل الموسيقى، فهناك شخص يرفض الموسيقى ويتحدث عن حُرمتها، وفي المقابل شخص يرى أنّه غير محرّمة، فالأول يقدّم ما عنده من علم ودليل وحُجة في أنّ الموسيقى محرمة، والثاني يتبنى هذه القضية، ويدافع عنها، ويقدم ما عنده من حجة وبرهان، فكل قضية من القضايا التي ملأت آفاق الأرض، هناك من يؤيّدها ويتبنّاها ويدافع عنها، وهناك من يرفضها ويهاجمها، ويظهر سلبيّاتها، فلكلٍّ من الاثنين المتناظِرَيْن وجهة ورأيٌ وحُجة، فإن المناظرة لا تقوم إلا بدليل وحجة وبرهان، فهي نوع من الحوار، تقوم بين اثنين أو جماعة على أسس علمية دقيقة لتبيان الحق حول قضية ما، فيها غموض أو مشكلة، فلا بُدّ أن يكون أحد الطرفين مؤيّدًا للقضية التي يناظر فيها، والآخر معارضًا لها أو لبعض من فقراتها.

أصل المناظرة بحالته الآنيّة مأخوذ من العلماء المسلمين، فقد أُخذ وتُقمّصَ من المناظرات التي كانت تدور حول القرآن والحديث الشريف، فالمناظرة مشتقة من النّظير والنَّظر، فمعناها الإبصار والنظر بالبصيرة من الاثنين المتناظِرَين على حدٍّ سواء، والهدف منها هو المعرفة الحقيقة، وإظهار الصواب والحق، وهي علم ليس بالعميق أو الصعب فهمه، لها متون عدّة، مثل: السمرقندية والشريفية والولدية وطاش كبرى زاده.[٢]

آداب المناظرة

من آداب المناظرة أن يكون هدف المناظر بيان الحق، وتوضيح ما أشكل، وليس الغَلبة والمجادلة والمِراء، فقال ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: "المجادلة إنّما وُضعت ليستبين الصواب، وقد كان مقصود السلف المناصحة بإظهار الحق، وقد كانوا ينتقلون من دليل إلى دليل، وإذا خفي على أحدهم شيء نبّهه الآخر؛ لأن المقصود كان إظهار الحق"، وأن يكون المناظر له علم ودراية بموضوع المناظرة التي يحومون حولها، وأن يكون عنده الدليل والبرهان فإن كان الكلام دينيًا فيكون مرجعه الكتاب والسنة، وإن كان علميًا فيكون مرجعه مرجعًا دقيقًا وموثوقًا، ويَرضى به جميع الأطراف، وأن يكون المناظر حليمًا، ويستطيع أن يضبط نفسه، ولا يركن إلى الغضب.[٣]

وقد قيل عن عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة أنه كان يقتل خصمه بالتبسّم حين يناظر أحدًا، ويجب أيضًا على المناظر أن يرجع عن رأيه إن بدا له أنّه على خطأ، وأن يعترف بصحة رأي من يناظر إن بدا معه الحق، وألّا يكابر، وأن يغلق باب المناظرة إذا رأى أن خصمه مكابر ومتمسّك برأيه رغم الحجة والدليل التي دحضت رأيه، وألّا يطعن أو يشهّر بخصمه إن غلبه، فيغيب المقصد الأسمى ألا وهو المناظرة من أجل إظهار الحق، وأخيرًا، والأهمّ مما سبق أن يكون المناظر صاحبَ إنصاف وعَدل.[٣]

أهمية المناظرة

تفيد المناظرة أنها تقرّب بين الجهتين المتناظرتين ما أمكن، وتزيد من فَهم كلّ واحد للآخر بروح مليئة بالودّ والاحترام، وتوسّع عندهما دائرة الفهم حول القضية التي يتناظران فيها، وتوضّح لهما النقاط التي اختلفا عليها، والنقاط التي اتفقا عليها، وتجعل المتناظِرَين يتمسكان بالمنهج العلمي المنطقي السديد، وتُبعد المتناظِرَين عن الأحكام التجريدية في الواقع، فتجعلهما حليمَين صبوريَن لا يعرفان طريقا للغضب، وتهذّبهما حتى لا يستهزئ كلّ مناظر برأي نظيره ويُبدي له احترامه ولو اختلافًا، ومن أجلِّ ثمرات المناظرة أنّها تجعل المناظر ملتزمًا بالطرق العلمية الصحيحة في الإقناع، فتُؤدبه بالآداب الأخلاقية الرفيعة.

أمثلة على المناظرة

علم المناظرة علمٌ جليل لمَن عرف قدره، فهو لا يقوم إلّا على العلم الدقيق والنظر الثاقب والبرهان والحجة والدليل، وما قيل عن المناظرة وما يدور حولها من إيجابية وسلبية لا يكاد يحصى، ومن أبلغ من قيل عنها:

  • قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد"، وقد أقر النبيّ -صلى الله عليه وسلم- الصحابة -رضوان الله عليهم- على اختلافهم في الاجتهاد في صلاة العصر في غزوة بني قريظة.[٤]
  • قال الشافعي: رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي خصمي خطأ يحتمل الصوابَ، وما ناظرتُ أحدًا إلا أحببتُ أن يكُون الصوابُ على لسانه.[٥]
  • قال أبو حنيفة: هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحدًا عليه ولا نقول: يجب على أحد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأتِ به.[٦]
  • قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة.[٧]
  • قال ابن خلدون: فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعًا، وكلّ واحد من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج، ومنه ما يكون صوابًا ومنه ما يكون خطأ، فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابًا وأحكامًا يقف المتناظران عند حدودها في الردّ والقبول، وكيف يكون حال المستدلّ والمجيب، وحيث يسوغ له أن يكون مستدلًا، وكيف يكون مخصوصًا منقطعًا، ومحلّ اعتراضه أو معارضته، وأين يجب عليه السكوت ولخصمه الكلام والاستدلال، ولذلك قيل فيه إنه معرفة بالقواعد من الحدود والآداب التي يتوصل بها إلى حفظ رأي أو هدمه.[٨]

المراجع[+]

  1. "الإختلاف والإئتلاف"، www.islamweb، اطّلع عليه بتاريخ 01-12-2019. بتصرّف.
  2. "دروس سهلة في علم المناظرة "، www.ahlalhdeeth.com، اطّلع عليه بتاريخ 01-12-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "آداب المناظرة"، www.ahlalhdeeth.com، اطّلع عليه بتاريخ 01-12-2019. بتصرّف.
  4. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن البخاري، الصفحة أو الرقم: 7352.
  5. "من أدب الجدال والمناظرة"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 01-12-2019.
  6. "أدب الخلاف"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 01-12-2019.
  7. "الإختلاف في الأحكام الشرعية "، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 01-12-2019.
  8. "آداب الحوار"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 01-12-2019 .