نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٤٩ ، ٢٢ أغسطس ٢٠٢٠
نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

عبد القاهر الجرجاني

هو إمام اللغة عبد القاهر بن عبد الرحمن الجُرْجاني، وكنيته أبو بكر، ولد في جرجان في بلاد فارس -التي تقع اليوم في شمالي إيران- سنة 400هـ بحسب التقديرات،[١] غير أنّ المؤرّخين لم يحدّدوا سنة ولادته على نحو دقيق، وقد بقي في جرجان لم يغادرها حتى وفاته سنة 474 أو 471هـ على اختلاف الروايات، وقد ولد لأسرة رقيقة الحال، وكان ولوعًا شغوفًا بالعلم محبًّا للثّقافة، وقد تتلمذ على خيرة شيوخ جرجان، وكذلك قرأ إرث أقطاب الأمّة كسيبويه وابن قتيبة الدينوري والجاحظ، وكان شافعيًّا متكلّمًا على طريقة شيخ الإسلام أبي الحسن الأشعري، وكان يوصف بالورع والزهد، وكان إمامًا في العربيّة، وإليه انتهت رياسة النحو في عصره،[٢] ويرجع الفضل إليه في تأسيس علم البلاغة، ولعلّ أعظم كتابين وضعهما في هذا المجال هما دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وقد وضعهما خدمة للقرآن الكريم، وقد اشتُهر الإمام عبد القاهر بنظريّة النظم التي تفسّر إعجاز القرآن الكريم من خلال النظم، وفيما يأتي وقفة معها.[٣]


نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

إنّ النظم في اللغة العربية هو مصدرٌ يدلّ على التّأليف وضمِّ الشيءِ إلى شيءٍ آخر، فيقولون نظَمَ فلانٌ اللّؤلؤ إذا جمَعَه في سلكٍ واحد فينتظم فيه، ويُقال للخيط الذي يُنظم به اللّؤلؤ نظامٌ،[٤] ولكن دلالة النظم في اللغة في أصلها هي دلالة ماديّةٌ بحتةٌ وما إطلاق صفة النظم على القرآن الكريم من حيث حروفه وكلماته وجُمَلِه وآياته وسوره إلّا من باب المجاز لا غير؛ إذ إنّ نظم اللؤلؤ يمكن له أن يُدرك بالحواس.[٥]


ولكن نظم القرآن ليس كذلك، فربّما تكون العلاقة بين معنى النظم الحقيقي والمجازي هي من باب الاتّساق والاتّصال والتنسيق بينهما، أو ربّما هي من باب تطوّر الدلالة الماديّة إلى الدلالة المعنويّة؛ إذ إنّ نظم اللؤلؤ في خيطٍ يضمّ بعضها إلى بعض هو من باب إظهارها بمظهرٍ حسنٍ، وكذلك القرآن يضمّ الكلمات والجمل والسور بعضها إلى بعضٍ وفق نسقٍ خاصٍّ في تأليف الكلام للدّلالة على المعاني،[٥] ومن هنا جاءت نظرية النظم، وهذه النظرية لم يبتدعها عبد القاهر الجرجاني، وإنّما هو من شرحها ووضّحها لمن جاء بعده، وفيما يأتي تفصيل القول في نظرية النظم.


نظرية النظم قبل عبد القاهر الجرجاني

لم يكن الجرجاني مبتكرًا أو مخترعًا لما بات يُعرف باسم نظرية النظم، ولكنّ الفضل يعود إليه في شرح فكرة نظرية النظم وتبسيطها وتسمية الأشياء بمسمّياتها، ومن الذين سبقوه إلى هذه الفكره كان محمد بن زيد الواسطي أبو عبد الله، فقد ألّف كتابًا سمّاه "إعجاز القرآن في نظمه" ولكنّ الكتاب لم يصل وفُقِد، ولا يذكر الباحثون عنه أكثر من اسمه، إلّا أنّ الأديب مصطفى صادق الرافعي يذكر في كتابه إعجاز القرآن كلامًا عن هذا الكتاب وربّما محتواه أو ربّما هو تخمين منه عن جهد الجرجاني والواسطي.[٦]


فيقول: "ولا نظن الواسطيّ بنى إلّا على ما ابتدأه الجاحظ، كما بنى عبد القاهر في دلائل الإعجاز على الواسطي"، وهذا الكلام ينمّ على اطّلاع الرافعي على بعض المصادر التي تشير -ربّما- إلى تأثّر عبد القاهر الجرجاني بالواسطي، وكذلك ممّن سبق عبد القاهر إلى فكرة النظم إمام اللغة الجاحظ في كتابه "إعجاز القرآن بالنظم"، ولكنّ هذا الكتابَ مفقودٌ أيضًا ولم يصل إلى الناس.[٦]


وأيضًا ممّن سبق الإمام عبد القاهر إلى نظرية النظم أو فكرة النظم عمومًا أبو هلال العسكري في كتابه "الصّناعتين" عندما أفرد بابًا لبيان الإعجاز بالنظم وهو الباب الرابع وهو بعنوان: "في البيان عن حسن النظم وجودة الرصف والسبك، وخلاف ذلك"، وكذلك كان ممّن سبق الإمام عبد القاهر القاضي عبد الجبار المعروف بالقاضي عبد الجبّار المعتزلي.[٦]


فيمكن القول إنّ فكرة النظم قد ظهرت كأوضح ما تكون في الصراع الذي ظهر في وقتٍ تمازجت فيه الثقافات، فظهرت طائفةٌ تدافع عن الفلسفة اليونانيّة التي قد دخلت إلى الثقافة العربيّة منذ وقت ليس ببعيد، وفي المقابل ظهرت طائفةٌ أخرى تدافع عن التراث العربي بشراسة، وأكبر الأمثلة على هذا الصراع المناظرة التي حدثت بين أبي سعيد السيرافي النَّحْوي من جهة وبين متى بن يونس من جهة أخرى، وكان ذلك في مجلس الوزير المعروف الفضل بن جعفر بن الفرات.[٦]


جهود عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم

لقد تقدّم أنّ فكرة النظم ليست من اختراع عبد القاهر الجرجاني، ولكن الذي فعله الإمام عبد القاهر هو أنّه شرحها وبسّطها، وكان ذلك في كتابه "دلائل الإعجاز"؛ فعرضها عرضًا واسعًا، فذكر في مقدّمة الكتاب معنى النظم على نحوٍ وافٍ، وكان ذلك أوّل ربطٍ بين النحو والنظم، فكان يرى أنّ النّظم هو وضع الكلام على الوضع الذي يقتضيه علم النحو وفق أصوله وقوانينه ومناهجه من دون أن يحيد عنها، وبذلك يتّضح أنّه ثمّه علاقة بين علم النحو وعلم المعاني في تحديد نظريّة النظم.[٧]


ويرى عبد القاهر الجرجاني أنّه لا قيمة للّفظة المفردة في ذاتها لا من جهة الجَرْس ولا من جهة الدلالة، ولكن المزيّة تكون في انتظامها مع مفردات أخرى في جملٍ أو عبارات، وهناك يتلاءم معناها مع معاني الألفاظ المنظومة معها في سلكٍ واحد، فمن هنا يعلم المرء أنّ الألفاظ لا تكتسب ذلك الفضل إلّا إذا كانت منتظمةً في سلكٍ من التعبير وقد انضمّ بعضها إلى بعض، فبذلك تكون قد أخذت مكانها الذي تتطلّبه الصورة منها، وكذلك تكون قد انسجمت مع الكلام الذي قبلها والذي بعدها لتأدية المعنى الذي يرمي إليه المتكلّم، وبذلك تكون قد التقت بلاغة الكلمة مع فصاحتها مع نظريّة النظم.[٨]


أركان نظريّة النظم

إنّ نظريّة النظم تقوم على أركان أربعة، وهي بالتّرتيب: التّقديم والتّأخير، والحذف، والفروق، والفصل والوصل، وقد رتّب الإمام عبد القاهر هذه الفصول من حيث الأولويّة والأهميّة ليدلّل على أنّه كما كان ترتيب الكلام عنده في أيّ إبداع بحسب الأهميّة فإنّ ترتيب هذه الأبواب -كذلك- يدلّ على منهجيّة واضحة قد وضعها في كتابه، وفيما يأتي وقفة مع هذه الأركان:[٩]


  • التقديم والتأخير: إنّ عبد القاهر الجرجاني يقترح في نظريته تلك -كما يرى بعض الباحثين- أنّ الكلام يبدأ من الذهن، وهناك يُنتَجُ الكلام وهذه العمليّة تسبق أيّ عملية أخرى، وهناك يُفرض على الكلام تركيبٌ مُعيّن يتطلّب تقديم كلمة على أخرى وتأخير أخرى؛ ليكون الكلام أمضى في فهم الناس، أو كي يكون الكلام أقرب إلى أذهان السامع، ولذلك كان باب التقديم والتأخير هو الباب الأوّل في النظرية، وممّا يُلاحظ في تقسيم هذا الباب:[٩]
    • تقديم اسم على آخر أو تأخيره عنه.
    • تقديم الفعل أو الاسم وتأخيرهما.
    • الحرف وتعلّقه بالاسم أو الفعل.


  • الحذف: وهذا الباب يتعلّق بتعديل بنية الكلام التي تكون في الذهن بعد عملية التقديم والتأخير، فمهمة هذا الباب هي مهمة تجميليّة للكلام ليكون أبلغ وأجمل، ومن هنا كانت هذه العمليّة -أي الحذف- تالية لعمليّة التقديم والتأخير في الذهن، ويُلاحظ في هذا الباب أنّ عبد القاهر الجرجاني قد قسّم هذا الباب أقسامًا هي:[٩]
    • حذف الاسم وذكره.
    • حذف الفعل.
    • حذف الحرف.


  • الفروق: وهذا الباب اسمه الفروق في الخبر، وكان يرمي من وراء هذا الباب إلى أشكال الخبر عمومًا من حيث كون الجملة إنشائية أو خبرية، ويميّز في هذا الباب بين نوعين من الخبر، وهما: الخبر الذي يكون جزءًا من الجملة ولا يمكن أن تتمّ فائدة الجملة من دونه وهو خبر المبتدأ في الجملة الاسمية والفعل في الجملة الفعلية، والثاني هو الخبر الذي لا يكون جزءًا من الجملة وإنّما هو زيادة في خبر آخر سابق له، وهذا الخبر هو ما تمثّله الجملة الحاليّة وغيرها من الجمل الخبرية والإنشائية وشبه الجملة أيضًا، ويُلاحظ في تقسيم هذا الباب ما يأتي:[٩]
    • الجملة التي يكون الاسم المكوّن الأساس لها.
    • الجملة التي يكون الفعل المكوّن الأساس لها.
    • الجملة التي تكون الحروف المكوّن الأساس لها.


  • الفصل والوصل: وهذا الركن هو الركن الأخير من أركان نظرية النظم، وهو المرحلة الأخيرة في عملية إنشاء الكلام، فبعد التقديم والتأخير داخل الجملة الواحدة، ثم الحذف داخل هذه الجملة كذلك، ثم اختيار الخبر الأنسب، يأتي الفصل والوصل، والإمام عبد القاهر في هذا الباب لا يقف مع الفصل والوصل بين الجمل، وإنّما يتجاوزه ليصل إلى الفصل والوصل بين الكلمات داخل الجملة الواحدة، فيرى أنّ ما ينطبق على المفردات داخل الجملة سينطبق على الجُمَل في مرحلة تالية، ولذلك يقول: "واعلم أنّ سبيلنا أن ننظُرَ إلى فائدة العطف في المُفرد ثُمّ نعود إلى الجملة فننظر فيها ونتعرّف حالها"، ويمكن أن يُلاحَظَ في تقسيم هذا الباب ما يلي:[٩]
    • الفصل والوصل الاسمي.
    • الفصل والوصل الفعلي.
    • الفصل والوصل في شبه الجملة.

المراجع[+]

  1. "عبد القاهر الجرجاني"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-15. بتصرّف.
  2. "عبد القاهر الجرجاني"، islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-15. بتصرّف.
  3. "عبد القاهر الجرجاني"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-15. بتصرّف.
  4. "تعريف و معنى النظم في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-15. بتصرّف.
  5. ^ أ ب "معنى النظم في اللغة"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-15. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث "فكرة النظم عند عبد القاهر وغيره من العلماء"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-15. بتصرّف.
  7. "نظرية النظم عند الجرجاني"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-15. بتصرّف.
  8. "الإعجاز النحوي 2/ نظرية النظم"، quranic.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-15. بتصرّف.
  9. ^ أ ب ت ث ج د. بيان شاكر جمعة ود. مهند حمد شبيب، "قراءة في نظرية النظم"، مجلة جامعة الأنبار للعلوم الإسلامية، العدد 1، المجلد 1، صفحة 255. بتصرّف.