معنى آية: كأنهن بيض مكنون، بالشرح التفصيلي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٢٩ ، ٢٧ يوليو ٢٠٢٠
معنى آية: كأنهن بيض مكنون، بالشرح التفصيلي

سورة الصافات

واحدةٌ من سور القرآن الكريم المكية -التي نزلت في مكة المكرمة- عدا بعض الآيات منها فهي آيات مدنيَّة -نزلت في المدينة المنورة- وقد بلغ عدد آياتها مئة واثنان وثمانين آية، وهي في الجزء الثالث والعشرين من أجزاء القرآن الكريم، وترتيبها في المصحف هو السابع والثلاثون بين سور القرآن الكريم،[١] وقد أُطلق على السورة اسم الصافات للتذكير بالملائكة الأطهار الذين يعبدون الله ولا يُشركون به شيئًا كأنهم صف واحدٌ يسبحونه ويحمدونه ويهللونه ويكبرونه، وقد نزلت سورة الصافات بعد سورة الأنعام وابتدأها الله -تعالى- بقسمه بالملائكة، وللسورة فضل عظبم فقد روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: "كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يأمرُ بالتَّخفيفِ، ويؤمُّنا بالصَّافَّاتِ"،[٢] ومن الآيات التي أنزلها الله في سورة الصافات قوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ}،[٣] وسيقف هذا المقال للحديث عن شرح الآية الكريمة وتفصيلها وشرح مفرداتها وإعرابها، وفيما يأتي سيكون ذلك.[٤]

معنى آية: كأنهن بيض مكنون، بالشرح التفصيلي

لقد حدَّث الله -تعالى- في آيات كتابه عن النعيم الذي أعده للمؤمنين، ومن بين ما جعله الله -سبحانه- جزاءً للمؤمن هم الحور العين اللاتي سيكونون زوجات للمؤمنين في الجنة، وقد وصف الله الحور في آيةٍ في سورة الصافات: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ}،[٥] وقد فسَّر العلماء تلك الآية بأنَّ الحور العين يمتلكنَّ أجمل الألوان التي خلقها الله، وقال عبد الله بن عباس في معنى البيض المكنون أي كأنَّهنَّ لؤلؤٌ مكنونٌ، وأمَّا الحسن فقد قال في معنى البيض المكنون أي إنَّهنَّ محصنات لا تقترب الأيدي منهنّ فتمسهنّ، وقيل إنَّهن شُبِّهن بالبَيض المكنون في عشه، وقد ذُكر فيما روي عنأنس بن مالك عن تلك الآية أنَّ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يطوف عليه ألف خادمٍ كأنَّهنَّ البيض المكنون أو اللؤلؤ المكنون.[٦]

وأمَّا عن سبب تشبيه الله -تعالى- للحور العين بالبيض فقد اختلف فيه العلماء، فمنهم من قال إنَّ الله -سبحانه- شبههن ببياض البيض الدَّاخلي الموجود داخل القشرة الذي لا تمسه الأيدي، وقيل قد شبه الله -تعالى- الحور بالبيض الذي يجلس عليه الطائر فيحضنه ويكون ذلك البيض في لونه مائلٌ إلى الصفرة مثل لون الحور العين، واختار الله لهنَّ ذلك اللون؛ لأنَّه أحسن ألوان النساء فتُشبه العرب المرأة التي يُخالط بياضها صفارًا ببيض النّعام، وخالف بعض العلماء القول الأول والثاني فقالوا بمعنى البيض المكنون أي اللؤلؤ المكنون، ومال الإمام الطبري في معنى {بيض مكنون}، أي إنَّهن محفوظات عن الأيدي لم يمسهن قبل أزواجهن إنسٌ ولا جن، مثل حفظ البيض داخل قشرته لا تستطيعه الأيدي، خاصَّةً أنَّ العرب تقول عن كلِّ محفوظٍ مُصانٍ مكنون.[٧]

وقد مال أكثر العلماء إلى أنَّ المقصود بالبيض هو بيض النعامة، فمنظره أجمل من أيِّ بيضٍ آخر عدا عن أنَّ الأيدي التي لا تصل إليه مثل البيض العادي ونادرًا ما يأتي عليه ما يُغيِّر لونه، وقد جرت العادة على تشبيه العرب لنسائها الجميلات بالبيض، وقيل أنَّ المُراد بالتشبيه هو بياض البيضة بعد إعدادها وطهيها، إذ بعد الطهي تظهر نعومة البياض وطراوته ولونه الجميل، والبياض المُراد تشبيهه في الحور العين هو بياض أجسامهنَّ وأبدانهنَّ،[٨] فكان تشبيه الحوريات ببياض البيض من أدق وأبلغ التشابيه، فهنَّ العفيفات اللاتي لا يرتفع نظرهنَّ إلا لأزواجهنَّ كأنَّهن بيضٌ مُصانٌ لا تقترب منه الأيدي، وقيل معنى مكنون أي مستور عن الآخرين، فلا يشوبهنَّ كدرٌ ولا يُصيبهنّ أذى.[٩]

وقال بعض أهل التفسير والتأويل إنَّ بياضهنّ يُشبه بياض القشرة البيضاء الرقيقة التي تفصل بياض البيض عن القشرة الخارجية القاسية ويُطلق على تلك القشرة لفظ السحاء، والسبب أنَّ قشرة البيضة الخارجية غير مُرادةٍ في التشبيه؛ لأنَّه من السهل وصول الأيدي إليها، إذ يمسها ريش الطائر وتكون في العش لذا فهي غير محميةٍ من العوامل الخارجية وبذلك يُفتقد وجه الشبه، واعتادت العرب أن تصف النساء الحسان ببيض النعامة الذي يُغطيه الريش، فالنعامة تحفظ بيضها في الرمال وتفرش للبيضة من ريشها الناعم الصغير، ويُطلق على الحفرة التي تضع فيها النعامة بيضها الأداحيّ؛ لذلك فبيض النعام يصعب الوصول إليه، وذلك ما ذهب إليه أهل التفسير والتأويل من تفصيل المعاني، والله أعلى وأعلم.[٩]

معاني المفردات في آية: كأنهن بيض مكنون

إنَّ الكلام في اللغة العربية لا يُفهم إلا من خلال معناه، والمعنى لا يُمكن ضبطه ما لم يكن المرء محيطًا به بشكلٍ صحيحٍ من خلال المعاجم التي تُعنى بذلك، والأصل أن يتمكَّن المرء من لغته خاصةً أنّ الكثير من النَّاس باتوا بعيدين عن اللغة العربية بسبب اختلاطهم بالعجم ودخول العامية على الفصحى، والقرآن هو رأس الفصحى وأعلاها، وستقف هذه الفقرة للتفصيل في شرح مفردات قول الله تعالى كأنهنَّ بَيضٌ مكنون:

  • بيضٌ: هو الجمع من المفردة بيضة، وهو ما تضعه إناث بعض الحيوانات مثل الطيور والدجاج والسلاحف وغيرهم، وقد تُشبه الفتاة بالبيضة لوجه الشبه بينهما في البياض والحفظ والصون، ويُقال بيضةُ المدينة أي حِماها وداخلها، وبيضة البيت أي وسطه.[١٠]
  • مكنون: يُقال عن الشيء مكنونٌ إذا كان مستورًا بعيدًا عن العيون ومتناول أيدي الناس، ويُقال عن الكتاب مكنونُ إذا كان مصانًا عن النَّاس، وفلانٌ كنَّنَ على ماله أي أخفاه عن الجميع وحافظ عليه بشكلٍ كبير، والمرء يكنُّ سرَّه في صدره أي يُسرّه ويخفيه.[١١]

إعراب آية: كأنهن بيض مكنون

الإعراب هو العلم الذي سعى إليه الأقدمون وعدّوا تعلّمه واجبًا شرعيًّا؛ من أجل فهم القرآن الكريم والتبحّر فيه وبأحكامه، ولم يمتد علم الإعراب إلى القرآن فقط بل كان له باعٌ طويلٌ في فهم الحديث وأقوال القدماء وكتبهم وآرائهم، وعلى اعتبار أنَّ الإعراب هو رأس علوم اللغة العربية فلا بدَّ من إعراب قول الله تعالى كأنهنَّ بيضٌ مكنون بالتفصيل، وفيما يأتي سيكون ذلك:[٩]

  • كأنَّهن: حرف مشبه بالفعل، والضمير "هن" ضمير متصل مبني في محل نصب اسم كأنَّ.
  • بَيضٌ: خبر كأنَّ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
  • مكنون: صفة مرفوعة وعلامة رفعها الضمة الظاهرة على آخره.

الثمرات المستفادة من آية: كأنهن بيض مكنون

إنَّ تدبر آيات الله يجعل من المؤمن فطنًا لما يريده الله من عبده في الحياة الدنيا، والثمرات لا تُستنبط إلا من خلال تأمل العِبر في آيات كتابه الكريم، فيعرف المؤمن ربه أكثر ويقوى إيمانه ويعبده عن عبادةٍ لا عن عادة، فالقرآن هو الدستور الذي أنزله الله؛ ليكون قانونه على الأرض يسير عليه العباد صراطًا مستقيمًا فيُنجيهم من ضنك الدنيا وعذاب الآخرة، وبعد أن تمَّ تفسير قول الله تعالى كأنهنَّ بيض مكنون وشرح مفرداتها، ستقف هذه الفقرة مع ثمراتها، وفيما يأتي سيكون ذلك:

  • بلاغة القرآن الكريم هي أعظم بلاغة وقف عليها علماء اللغة العربية، فلا وصف أعظم من وصف الله تعالى للبَيض بأنَّه مكنون، والمكنون هو المُصان والمستور والمُحافظ عليه أيِّما حفاظ، وقد حاول الشعراء فيما مضى تشبيه النساء بالبيض لكنَّهم ما استطاعوا أن يأتوا بلفظة مكنون بل حاولوا وصف ذلك البَيض بعباراتٍ تطول أو تقصر حسب المقام والكلام، وهذه البلاغة تقع في باب التشبيه وهو بابٌ عريضٌ من أبواب اللغة العربية.[١٢]
  • وصف الجنة هو ما يجعل المؤمن مشتاقًا لها مُطيعًا لربه في الحياة الدنيا، فهي الجزاء الذي أعده الله للمؤمنين؛ بسبب صبرهم على شهواتهم في الدار الأولى، والحور العين هنَّ زوجات المؤمنات في الجنة وقد وصفهنَّ الله كأنهن البيض المكنون، وترك العبد ليتخيل جمالهن وبيض أجسادهن، وذلك الوصف لا يختصُّ فقط بالحوريات بل يشمل النساء المؤمنات اللاتي سيكونون زوجات للمؤمنين، فلا تقترب إليهنَّ الأيدي ولا يمسهن إلا أزواجهنّ من المؤمنين.[١٣]
  • الإخلاص هو فرضٌ على كلِّ مؤمن يريد أن تتوَّج أعماله بثواب من الله وحسنات منه، وتكون الجنة جزاءً له على صدق نيته وصفاء قلبه، ومما يكون جزاءً له حواري الجنان اللاتي وصفهنَّ العزيز في كتابه كأنهن بيضٌ مكنون.[١٤]
  • الجنان هي دار مُقام المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، والحوريات هنَّ زوجات المؤمنين في ذلك الوقت، وقد وصفهنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أعظم الوصف فقال: "والَّذي نفسي بيدِه لوِ اطَّلَعَتِ امرأةٌ مِن نساءِ أهلِ الجنَّةِ على أهلِ الأرضِ لَأضاءَتْ ما بَيْنَهما ولَملأَتْ ما بَيْنَهما ريحًا ولَنَصِيفُها على رأسِها خيرٌ مِن الدُّنيا وما فيها"،[١٥] وهنَّ اللاتي يلبسن على أجسادهنَّ سبعين حلة بألوان مختلفة، فأي لون يُراد أن يُرى يكون عليها، وذلك وصف شيءٍ من النعيم الذي أعده الله لعباده الصالحين، وهو في ذلك جميعه أعلى وأعلم.[١٦]

المراجع[+]

  1. "سورة الصافات"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  2. رواه الألباني، في صحيح النسائي، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:825، حديث صحيح.
  3. سورة الصافات، آية:49
  4. "سورة الصافات 37/114"، www.e-quran.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  5. سورة الصافات، آية:49
  6. "القرآن الكريم - تفسير ابن كثير - تفسير سورة الصافات - الآية 49"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  7. "تفسير قوله تعالى: (كأنهن بيض مكنون) ."، islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  8. "تفسير الألوسي تفسير سورة الصافات تفسير قوله تعالى كأنهن بيض مكنون"، islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  9. ^ أ ب ت "كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ (الصافات - 49)"، www.quran7m.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  10. "تعريف و معنى بيض في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  11. "تعريف و معنى مكنون في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  12. "أرشيف منتدى الفصيح - 2"، al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  13. "تفسير الربع الأول من سورة الصافات"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  14. "الإخلاص: تعريفه وفضله وحكمه"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  15. رواه ابن حبان ، في صحيح ابن حبان، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:7399، أخرجه ابن حبان في صحيحه.
  16. "إلى أي شيء ينظرون ؟"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.