كيفية تحليل نص فلسفي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٤٤ ، ٢٨ مارس ٢٠١٩
كيفية تحليل نص فلسفي

أنماط النصوص

تكونُ النصوص عادةً عبارة عن مقاطع مؤلّفة من كلام مفهوم وله معنى، وقد تكون مكتوبة أو منطوقة وقد تكون طويلة أو قصيرة، وتقوم النصوص بشكل عامّ على المعارف والعلوم ودراسة الجوانب العاطفيّة والنفسية، فالنصُّ: هو المقطع الذي يعبِّر فيه الكاتب عن مشاعره وأحاسيسه المختلفة وكلّ ما يجول في عقله من خواطر وأفكار، وذلك على شكل خاطرة أو مقال أو قصيدة أو قصة أو رواية أو كتاب، وللنصوص عدة أنماط هي: النمط الإخباري، النمط السردي، النمط الوصفي، النمط الحواري، النمط التفسيري، النمط الإيعازي "الطلبي"، النمط الحجاجي "البرهاني"، وفي هذا المقال حديث عن كيفية تحليل نص فلسفي وعن نموذج تحليل نص فلسفي.

كيفية تحليل نص فلسفي

تتجهُ الفلسفة إلى أن تكونَ تقنيَّة بحتة تركِّز على المنطقِ والتحليل المفهوميّ، وبالتالي فإنَّ مواضيعَ اهتماماتِها تشملُ نظريةَ المعرفة والأخلاق وطبيعة اللغة وطبيعة العقل، وهناك ثقافات واتِّجاهاتٌ أخرى ترى أنَّ الفلسفة دراسة الفن والعلوم، فتكون نظريَّة عامَّة ودليل حياةٍ شامل، وبهذا الفهم تصبح الفلسفةُ مهتمَّة بتحديدِ طريقةِ الحياة المثاليَّة وليسَت محاولة لفهم الحياة، في حين يعتبرُ المنحى التحليليُّ الفلسفةَ شيئًا عمليًا تجب ممارستُه، كما تعتبرُها اتجاهاتٌ أخرى أساسَ المعرفة الذي يجب إتقانه وفهمه جيدًا [١]. والنص الفلسفي هو عبارة عن نص من النصوص ذات النمط الحواريّ يقوم على إشكالية معيَّنة، حيث يكون النص مترابطًا مع نسيج كامل من الأفكار والمفاهيم والمصطلحات والآراء التي تدور حول فكرة معينة عن تلك الإشكالية وهو مرتبطٌ بزمن معين ولحظة تاريخية معينة يتم من خلالها طرح الفكرة، حيث يقوم الكاتب بشرح المفاهيم والأحداث التي تتمحور حولها الإشكالية وسبب ارتباطها بزمن وقوعها، والتحليل الفلسفي هو مصطلح عام يصف تقنية يستخدمها الفلاسفة في التوجُّه التحليلي الذي يتضمن "تكسير" أي تحليل المسائل الفلسفيَّة [٢]، وفيما يأتي سيتمُّ ذكر كيفية تحليل نص فلسفي وفق عدَّة خطوات وبعدها سيتمُّ ذكر نموذج تحليل نص فلسفي:

  • على القارئ أوَّلًا أن يبحثَ في اسم الكاتب وسيرة حياتهِ، فيتحدثَ عن حياة الكاتب أو الفيلسوف وعن آراءه الفكرية والفلسفيَّة المختلفة ودافعه الكبير الذي دفعه للكتابة حول تلك النقطةِ بالذات وارتباطها فيه من مختلف الجوانب الظاهرة أو الخفيَّة.
  • يجبُ على القارئ قراءةُ النص الفلسفي قراءةً أوليَّة سريعة، وفي المرةِ الثانية يقرأُ قراءةً متمعنةً ويدقِّق في تفاصيل النص من أجل تحليل نص فلسفيّ، ويدخلُ الباحثُ عند تلك القراءة في المعاني والأفكار والأهداف الواردة في النص الفلسفي، وبالقراءةِ المتكرِّرة يستطيعُ الباحثُ فهم المصطلحاتِ والمفاهيم وتدوينها وفرزها حسب الأفكار التي تَدلُّ على المشكلةِ وتوجُّهاتها وحججها وبراهينها، ليخرج الباحث بعد كلِّ ذلكَ بفكرةٍ واضحة جليَّة للنص.
  • تجديدُ المحرِّك الأساسي للمشكلة أو القضيَّةِ بحيث يبرزها ويبينُ أوجهها وإحداثياتها وأبعادها، ووضع بعض الأسئلة التي تُظهر زواياها ونقاطها، فيظهرُ المفتاحُ الذي يمكنُ أن يساعد في حلِّها، فيحدِّدُ الباحثُ معها هويَّةَ النصِ ومحوره ومحركه، وعند القراءة العميقة والدقيقة يستطيع الباحثُ تحديدَ محور ِالبحث والقضيَّة وخاصَّة في تلك النصوص المفيدةِ التي تدور حول السياسةِ والاقتصاد والمعرفة.
  • عند فهم النصِ الفلسفي ومن أجل تحليل نص فلسفي يقوم  الباحثُ أو القارئ في استعراضِ مجهودهِ وفهمهِ الشخصيِّ في سردِ المشكلة أو القضيَّة بكلِّ حيثيَّاتها على عدَّة خطواتٍ، فيَعرضُ المشكلةَ وأسبابها وزمن حدوثها، والعواملَ المؤثرةَ عليها بطريقة مبسَّطةٍ ومفهومةٍ لجميعِ الشرائح.
  • من خلالِ عمليةِ دراسةِ النص الفلسفيِّ على الطالب والباحث إخراج الأدلَّة التي تؤكدُ صحة الفكرةِ وثباتها لحلِّ المشكلةِ والتي تبين مدى صحةِ تحليله، فالحججُ العلمية تندرُج تحت الوقائع العلمية، والتاريخيَّة من أحداث وقعت قديمًا، والفلسفيَّة من أقوال المفكرين والعلماء.
  • بعد التوظيف الكامل لجميع تلك المقاييس من البحث والاستشهاد يستخرجُ الباحث المحصلةَ النهائية من جميع أفكاره وتجاربِه وتحليلاته من خلال عملية النقدِ والفَحص.

نموذج تحليل نص فلسفي

سيتمُّ تاليًا تحليل نص فلسفي، حيث في البداية سيتمُّ إدراج نموذج من نص فلسفي لأحد الفلاسفة الكبار والذين كان لهم تأثير كبير على البشرية في العصر الحديث، وسيتمُّ بعد ذلك تحليل هذا النصِّ الفلسفي كنموذج على طريقة تحليل نص فلسفي، النص الفلسفي الذي سيتمُّ طرحه هو للفيلسوف جون لوك، وهو فيلسوف وطبيب بريطاني من القرن 17 الميلادي، يُعرف جون لوك بأنَّه أبو الليبرالية الكلاسيكية، كما يعدُّ من أكثرِ المفكرين تأثيرًا في ذلك العصر الذي عاش فيه، وكان جون لوك هو أول من عرَّف الذات البشريَّة من خلال استمراريَّة الوعي، وقد ساعدت كتابات جون لوك ومؤلفاته فيما بعد بشكلٍ كبير في تطوُّر عدَّة مجالاتٍ منها الفسلفة السياسيَّة ومجال المعرفةِ ومجال التعليم [٣]، وفيما يأتي نموذج النصِّ الفلسفي للفيلسوف جون لوك:

"لكي نهتدي إلى ما يكوِّن الهويَّة الشخصية لابدَّ لنا أن نتبين ما تحتمله كلمة الشخص من معنى. فالشخص فيما أعتقدُ كائنٌ مفكِّر عاقل قادر على التعقُّل والتأمُّل، وعلى الرجوع إلى ذاته باعتبار أنَّها مطابقة لنفسها، وأنَّها هي نفس الشيء الذي يفكِّر في أزمنة وأمكنة مختلفة. ووسيلته الوحيدة لبلوغ ذلك هو الشعور الذي يكون لديه عن أفعاله الخاصة. وهذا الشعور لا يقبل الانفصال عن الفكر، بل هو فيما يبدو لي ضروري وأساسي تمامًا بالنسبة للفكر، مادام لا يمكن لأيِّ كائن بشري كيفما كان أن يدرك إدراكًا فكريًّا دون أن يشعر أنَّه يدرك إدراكًا فكريًا. عندما نعرف أنَّنا نسمع أو نشمُّ أو نتذوق أو نحسُّ بشيء ما أو نتأمله أو نريده فإنَّما نعرف ذلك في حال حدوثه لنا. إنَّ هذه المعرفة تصاحب على نحو دائم إحساساتنا وإدراكاتنا الراهنة، وبها يكون كلُّ واحد منا هو نفسه بالنسبة إلى ذاته، وفي هذه الحالة لا نأخذ في الاعتبار ما إذا كانت الذات نفسها تبقى مستمرة في الجوهر نفسه أو في جواهر متنوعة. إذ لما كان الشعور يقترن بالفكر على نحو دائم، وكان هذا هو ما يجعل كل واحد هو نفسه ويتميز به من ثم عن كل كائن مفكر آخر، فإنَّ ذلك هو وحده ما يكوِّن الهوية الشخصية أو ما يجعل كائنًا عاقلًا يبقى دائمًا هو هو. وبقدر ما يمتدُّ ذلك الشعور بعيدًا ليصل إلى الأفعال والأفكار الماضية، بقدر ما تمتدُّ هويَّة ذلك الشخص وتتسع. فالذات الحالية هي نفس الذات التي كانت حينئذ، وذلك الفعل الماضي إنَّما صدر عن الذات نفسها التي تدركه في الحاضر".

وبعد أن تمَّ إدراج النص الفلسفي للفيلسوف جون لوك، سيتمُّ فيما يلي تحليل هذا النصِّ الفلسفي بالتفصيل ووفق خطوات تحليل نص فلسفي:

من خلال الفهم الذي تتيحٌه القراءة الفاحصةُ للنصِّ السابق لجون لوك يتَّضحُ أنَّ صاحبهُ يريد التأكيدَ على أنَّ أساسَ هويَّة الشخص هو الفكرُ المرتبطُ بالشعورِ أو التجربةِ الحسيَّة للشخصِ والتي تجعله يشعر بذاتِه ويدركُها في كلِّ مكانٍ وفي كلِّ زمانٍ، ويُفهَم من ذلك أنَّ الخاصيَّةَ الجوهريَّةَ والثابتة التي تجعلُ شخصًا أي ذاتًا مفكِّرةً لها إرادة وحريَّة مطابقة لذاتِها في جميعِ الأحوال هو هذا الفكرُ الذي يقترنُ بالشعور الذي للإنسان، وللدفاع عن تصوُّره ينطلقُ جون لوك في بداية الأمر من تأكيد الفكرة الأساسية التي يجعل من خلالها تحديد هوية الشخص مرتبطًا بتعريف الشخص نفسه، والمقصود بذلك أن تحديد الأساس الذي تقوم عليه الهوية يرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بإعطاء دلالة أو معنى واضحًا لمفهوم الشخص، وبناءً عليه إنَّ الإجابة عن السؤال التالي: ما هو الشخصُ؟، تكون الإجابة كالتالي: إنه المدخلُ الأساسي لفهم أصل الهوية الشخصية. وبعد ذلك يقوم جون لوك بتعريف الشخصَ بأنَّه ذاتٌ مفكِّرةٌ، أي أنَّه ذاتٌ تقوم بمجموعةٍ من العمليَّات العقلية كالتفكيرِ والتأمل والاستدلال والتذكُّر.

ويظهرُ للقارئِ من هذا التعريف أنَّ التفكير هو أساس الهوية الشخصية، حيثُ يؤكدُ جون لوك بأنَّ الموضوع يرتبطُ بالتفكير الذي يعتمدُ فيه الشخص على الشعور، أي التفكير الذي تشعرُ الذات بأنَّها تقوم به، وبناء على ذلك فهو ينفي وجود تفكير من دون وجود شعور، ويثبتُ أيضًا العلاقة بينهما، فالإنسان يفكر ما دام لديه شعور بأنَّه يفكر. و يفسِّر جون لوك كيف أن الإنسان لا يستطيع أن يفكِّر دون شعور بذلك، فهو عندما ينجزُ عمليَّة فكرية معينة يشعرُ بذلك وعندما يفكر أو يتأمَّل أو يستدلُّ يشعرُ بأنَّه يقوم بذلك أيضًا، إضافةً إلى ذلك يفسِّر من خلال أمثلةٍ تتعلَّق بأفعال حسيَّة وأفعال عقليَّة أنَّ إدراكَ الإنسان لأفعالِه هو إدراكٌ يصاحب فيه الشعورُ التفكيرَ على نحوٍ دائم، فإدراك السمعِ والتَّذوق والرؤية والتأملِ والإرادة أيضًا لا يمكنُ أن يتمَّ إلا عن طريق شعورِ الإنسان بالأفعال التي يقوم بها.

لذلك، يستنتج جون لوك أنَّ "الشعور المرافقَ للفكر هو ما يجسِّد الهويَّة الشخصيَّة" وأنه هو الذي يجعلُ الإنسان يبقى على ما هو عليه ويظلُّ مطابقًا لذاته تمامًا، وأيضًا إذا تعلَّق الأمرُ بالفعل الماضي فإنَّ الذات الموجودة في الوقت الحاضرِ هي من أنجزها ويمكنها أن تشعر بذلك عن طريق الذاكرة، وإذا ما كان جون لوك يؤكدُ على أن الفكر المبني على الأحاسيس هو أساس هوية الشخص، سواءً كانت أحاسيسه خارجية من خلال الحواس أم داخلية من خلال أفعال العقلِ وأهمِّها الذاكرة، فما هي حدودُ هذا التصوُّر؟ وهل يمكن مناقشةُ ذلك وإعادة النَّظر فيه؟، إنَّ ربطَ الهويَّة الشخصيَّة بالإحساس قد لا يكون أساسًا مضمونًا مادام الإحساسُ لا يتميَّز بالثبات الذي تحتاجه الهويَّة باعتبارها تشيرُ إلى جوهر ثابتٍ. فالإحساسُ المرتبطُ بالحواس يعتريهِ التغيُّر و التبدُّل لأنَّه مرتبطٌ بواقعٍ غيرِ مستقرٍّ، و لأنَّ الحواسَ كما تقولُ الديكارتيَّة خادعةٌ. ولذلكَ نجدُ أساس الهويَّة الشخصية لدى ديكارت مبنيًّا على الفكرِ الخالص لأنَّه مجرَّد عن الإحساس، أمَّا القول مع جون لوك بامتدادِ الهويَّة إلى الماضي عن طريقِ الذاكرة فهو قولٌ يمكنُ نقدُه وتفنيدهُ على اعتبارِ أنَّ "ضربةً واحدة على الرأسِ كافية لمسحِ الذاكرة" على حسب تعبيرِ لاشوليي، كمَا أنَّ هناك أمراض نفسيَّة وعقليَّة تشهدُ بإتلاف الذاكرة وبناءً على ذلك لا يمكن اعتبار الذاكرة عند الإنسان أساسًا للهوية الشخصيَّة.

وفي النهاية يبقى موضوعُ الهوية الشخصية موضوعًا يصعبُ الحسمُ فيه؛ لأنَّه موضوع فلسفيٌّ يثير من الأسئلةِ أكثرَ ما يقدِّمُ من حلول، ولأنَّ الكائن البشريَّ يعتبر غامضًا بالنسبةِ إلى نفسِه، ما دامت الأبعادُ التي تدخلُ في تشكيلهِ متعدِّدةً ومعقَّدةً. ولذلك يمكنُ اعتبار الهويَّة منطقةً رماديَّةً غير واضحة المعالم، و"منزلًا افتراضيًّا نشيرُ إليه لشرحِ الكثيرِ من الأمورِ دون أن يكونَ لهُ وجودٌ حقيقيٌّ" كما قالَ ستراوس.

المراجع[+]

  1. الفلسفة ومناهجها, ، "www.alukah.net"، اطُّلع عليه بتاريخ 13-12-2018، بتصرف
  2. تحليل فلسفي, ، "www.marefa.org"، اطُّلع عليه بتاريخ 13-12-2018، بتصرف
  3. من هو جون لوك, ، "www.arageek.com"، اطُّلع عليه بتاريخ 13-12-2018، بتصرف