حكم القتل الخطأ

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:١٠ ، ٣٠ أبريل ٢٠٢٠
حكم القتل الخطأ

مفهوم القتل الخطأ

يُعرف مفهوم القتل الخطأ في الإسلام بأنَّ يقوم الإنسان بفعل ما أبيح له، كالصيد مثلًا وخلال أداء هذا الفعل يصيب إنسانًا فيقتلهُ، أو أن يحفر بئرًا فيتردَّى في هذه البئر أحد المارَّة فيموت فيها، وقد عرَّف ابن قدامة القتل الخطأ في قوله: "والخطأ: وهو أن لا يقصد إصابته، فيصيبه، فيقتله"، بمعنى ألَّا يتعمَّد الإنسان قتل غيره، بل يقع القتل خطأ، ومثله أن يكون المسلم في المعركة فيصيب مسلمًا فيقتله بالخطأ، فلا يُقصد بالقتل الخطأ القتلُ أو إحداث أي ضرر أو أذى، وفي هذا المقال سيتمُّ الحديث عن حكم القتل الخطأ في الإسلام، كما سيتم التفصيل في أقسام القتل الخطأ وما يترتب عليه.[١]

حكم القتل الخطأ

إنَّ الحديث عن حكم القتل الخطأ في الإسلام له قسمان، الأول ما يترتب على القتل الخطأ في الدنيا أي هو دنيويٌّ قضائيٌّ، والثاني دينيٌّ أخرويٌّ، أمَّا الديني الأخروي أي حكم من قتل خطأ عند الله تعالى فهو العفو والغفران، فلا إثم ولا حساب ولا عقاب لمن قتل بالخطأ، ودليل ذلك ما جاء عن أبي ذرٍّ الغفاري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال في الحديث: "إنَّ اللهَ تجاوزَ عَن أمَّتي الخطأَ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا علَيهِ"،[٢] ولكن عليه الكفارة؛ وهي كما في قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}،[٣] أمَّا حكم القتل الخطأ في الدنيا أي الحكم الدنيوي القضائي، فعلى من قتل أحدًا بالخطأ أن يدفع دية القتل، فالدية واجبة في القتل الخطأ لقول الله تعالى في سورة النساء: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ}،[٣] وجدير بالذكر إنَّ الدية تُقسم على ثلاث سنوات، في كلِّ سنة يُدفع ثلث الدية، حيث قال الترمذي في كتاب الديات: "وقد أجمع أهل العلم على أن الدِّية تؤخذ في ثلاث سنين في كل سنة ثلث الدية، ورأوا أن دية الخطأ على العاقلة"، والله تعالى أعلم.[٤]

أقسام القتل الخطأ

بعد التفصيل في حكم القتل الخطأ في الإسلام، يُقسم القتل الخطأ في الإسلام إلى قسمين اثنين، أولهما هو الخطأ الذي يكون في القصد، أي أن يرمي الإنسان شيئًا وهو يظنُّ أنَّه صيد أو ما شابه ذلك، فيكون إنسانًا فيقتله، أو يظنُّه من المشركين فيكون مسلمًا فيقتله خطأ، وهنا يكون الخطأ في القصد، أمَّا النوع الثاني من القتل الخطأ فهو الخطأ في الفعل ذاته، أي أن يرمي شيئًا فيصيب إنسانًا فيقتله بغض النظر عن سبب الخطأ في الرمي، وجدير بالذكر إنَّه من أنواع القتل الخطأ ما أجري مجرى القتل الخطأ، أي ما يشتمل على عذر شرعي، كأن يقتل الإنسان أحدًا وهو نائم، ومن القتل الخطأ القتل بالتسبب، أي أن يكون سببًا في قتل أحدٍ بغير قصد، كأن يحفر حفرة أو بئرًا في مكان لا يملكه فيتردَّى فيها أحد من الناس ويموت، أو أن يضع حجرًا في الطريق أو خشبة فيعثر بها أحد ويموت، والله تعالى أعلم.[٥]

ما يترتب على القتل الخطأ

بعد التفصيل في حكم القتل الخطأ وأقسام القتل الخطأ، إنَّ من وقع في القتل الخطأ سيترتب عليه عدَّة أمور: أولًا الكفارة، والكفارة هي حق الله تعالى، قال تعالى في محكم التنزيل: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}،[٣] وبناءً على ما جاء في الآية الكريمة يمكن استنتاج أنَّ الكفارة في القتل الخطأ في الإسلام هي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد رقبة فيعتقها، ولا تسقط كفارة القتل الخطأ على الإنسان مهما مرَّت السنوات، وقد جاء عن علماء اللجنة الدائمة للإفتاء قولهم: "من قتل مؤمنًا خطأً فعليه تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجدْ فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، كان معذورًا معفوًّا عنه حتَّى يجد رقبة أو يستطيع الصيام في يومٍ ما من الدهر، فإن مات ولم يتيسَّر له ذلك فهو معفو عنه إن شاء الله تعالى".[٦]

أمَّا الأمر الثاني الذي يترتب على من قتل أحدًا بالخطأ فهو الدية، ودية القتل الخطأ مائة ناقة إذا كان المتوفى ذكرًا وخمسون ناقة إذا كان أثنى، يدفعها عاقلة القاتل خطأ، يقول الخرقي الحنبلي في هذه المسألة: "وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً، كَانَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، تُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَخْمَاسًا، عِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً"، ويشرح ابن قدامة قول الخرقي قائلًا: "لا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ أَخْمَاسًا، كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ"،[٦] ومن الأمور التي تترتب على القتل الخطأ الحرمان من الميراث، وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية، واختلف أهل العلم فيما إذا كانت تجوز الوصية لمن ارتكب القتل الخطأ، فذهب الشافعية إلى جواز الوصية، بينما ذهب الحنفية إلى عدم جواز الوصية للقاتل خطأ، والله أعلم.[٧]

أنواع القتل التي تأخذ حكم الخطأ

في ختام ما وردَ من حكم القتل الخطأ في الإسلام، إنَّ في الدين أنواعًا من القتل تأخذ حكم القتل الخطأ، فصَّل في هذه الأنواع أهل العلم بيانًا للناس وتيسيرًا لهم، وتحقيقًا لشرع الله تعالى في الأرض، ومن أنواع القتل التي تأخذ حكم الخطأ قتل الصبي والمجنون والمعتوه العمد، أي إذا قَتَلَ صبيٌّ أو مجنون أو معتوه أحدًا من الناس عمدًا يُحكم عليه حُكم من قتل خطأ، ودليل ذلك قول رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فيما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عَن المَجنونِ المَغلوبِ على عَقْلِهِ حتى يَبْرَأَ، وعن النائِمِ حتى يَستيقِظَ، وعنِ الصبِيِّ حتى يَحْتَلِمَ"،[٨] ولمَّا كان القصاص عقوبة لم يكن ليطبق على صبي أو مجنون لعدم وجود القصد عند هؤلاء، ومن أنواع القتل التي تأخُذُ حكم الخطأ، القتلُ الذي أُجرِيَ مجرى الخطأ كأن يكون الإنسان نائمًا فينقلب على من بجواره فيقتله وهو نائم، ففي هذه الحالة يكون حكم القتل كحكم القتل الخطأ تمامًا، والله أعلم.[٩]

المراجع[+]

  1. "تعريف قتل الخطأ ومدى اعتبار قتلى الحوادث منه"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  2. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن أبي ذر الغفاري، الصفحة أو الرقم: 1675، حديث صحيح.
  3. ^ أ ب ت سورة النساء، آية: 92.
  4. "كتاب الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي"، www.al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  5. "كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي"، www.al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  6. ^ أ ب "مقدار دية القتل الخطأ."، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  7. "كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي"، www.al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.
  8. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ، الصفحة أو الرقم: 3512، حديث صحيح.
  9. "كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي"، www.al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 30-4-2020. بتصرّف.