تعريف القومية

تعريف القومية


تعريف-القومية/

مفهوم القومية

ماذا نعني بمفهوم القومية لغة وفلسفة ودينًا؟

القومية لغة: من الجذر قوم، وهو أصل صحيح يدلّ على جماعة وقوم، ويدل الآخر على انتصاب أو عزم، نقول: قام قيامًا إذا انتصب[١]، والقومية هي القيام على الشيء، يُقال: فلان ذو قومية على ماله إذا كان حسن القيام عليه، وأمر لا قومية له: أي لا قوام له، والقومية: القامة أيضًا[٢]، وهي صلة اجتماعيَّة عاطفيّة تنْشأ من الاشتراك في الوطن واللغة ووحدة التاريخ والأهداف.[٣]


يأتي مفهوم القوميّة في الفلسفة ليُعرّفها رينان بقوله: إنّ الأمة روح، بل مبدأ روحي وليس الوجود القومي إلا استفتاء يومي، كما أنّ الوجود الفردي تأكيد مستمر للحياة،ويقول لينين: نحن نكره ماضينا المستعبد، وحاضرنا الذليل، ونحن لا نستسيغ استعباد غيرنا من الأمم، فلا يمكن لأمة أن تكون حرة إذا استعبدت غيرها، ولذا نحن نتوق معتزين بشعورنا القومي إلى أن تكون جمهوريتنا على أحسن العلاقات مع جيرانها على أساس المساواة لا على الاستغلال والامتياز، هذا التصور للقومية الذي يجعلها روحًا ومبدأ أعلى، أو يجعلها نزعة تحررية إنسانية يقابله تصور آخر يستخف بمقتضيات القومية ويعدّها بابًا إلى الجهل والتكبر والعدائية.[٤]


يقول جون ستيوارت ميل: من المضحك رد الفروق بين الأمم إلى ما في طبائعها من اختلاف، لأنّها تعدّ ابتعادًا وجنوح عن البحث في الظروف الاجتماعية والبحث عن عواملها الأساسية، ويرى ماكس مولر أنّ الحديث عن عرق آري أو دم آري أو غير ذلك ليس إلا هرطقة في حق العلم.[٤]


القومية في الاسلام؛ يُشكّل الدين رابطة بين الأفراد يمكن تسميتها برابطة الأخوة الدينية، إذ جمع الإسلام شمل العرب وألّف قلوبهم، ووحّدهم ثم خرج بهم من جزيرتهم وفتح الدنيا التي دانت لهم شرقًا وغربًا، لهذا فالقومية لا تُخالف الإسلام أو تتعارض معه، لكن الإسلام منع التميزز بين الناس على أسس قومية فلا فرق بينهم إلا بالتقوى.[٤]


تاريخ القومية

ما هي المراحل التي مرّت بها القومية؟

لعبت الحرية السياسية دورًا مهمًا في تبلور الوعي القومي الذي تنوعت صوره وأشكاله وتعدّدت سبله ومجاريه،  فعاملا اللغة والدين مثلًا لعبا دورًا خطيرًا في التجربة القومية لم يكونا بهيئة واحدة وأثر واحد، وإنما جريا بآثار وأشكال مختلفة، وبدأت الفكرة القومية في أوروبا في أوائل القرن التاسع عشر في جو سياسي تنعكس فيه القومية بصورة انحلال دول، ونشوء دول كانحلال الدولة العثمانية واتحاد الدول الألمانية، وقد انتقلت ألمانيا من كونها أكثر من 360 وحدة سياسية إلى أن صارت دولة واحدة متحدة.[٥]


يساعدها أمام كثرة المعوقات التي تتمثل في ملوك وأمراء لا يخضعون امتيازاتهم للمصلحة القومية، فضلًا عما تتركه دسائس الدول الأجنبية من تأثير معرقل أيضًا، لكن بالتدريج وبانتشار الوعي وبحسن التخطيط والتنفيذ تحقّقت الوحدة، وتتطلع إلى الاستقلال والتحقق  بطريقتها الخاصة، وأول هذه المجموعات استقلالًا وتحققًا الدول البلقانية وعلى رأسها الأمة اليونانية، تساعدها وحدة اللغة بين أبنائها ووهج التاريخ.[٥]


خضعت الدول البلغارية للكنيسة اليونانية من جهة، وللقبضة العثمانية من جهة ثانية، لكنها هي الأخرى نجحت في الانعتاق من السطوتين جميعًا فحقّقت ما تتطلع إليه من استقلال قومي وسياسي، الأمر ذاته يمكن سحبه إلى الدول الرومانية التي راح أبناؤها يستلهمون مجد أجدادهم في تنفيذ إرادتهم المشتركة في إحراز الاستقلال ثقافيًا ودينيًا عن الكنيسة المسيحية وسياسيًا عن قبضة الباب العالي، والأتراك أيضًا بعد انحلال الدولة العثمانية تحرّكت نزعتهم القومية وراحت تهيب بهم إلى النهوض، ولم يكن العرب شكلًا آخر عن هؤلاء الشعوب فقد ألفوا الجمعيات.[٥]


ألفوا بعد الجمعيات المؤتمرات التي عارضوا من خلالها سياسة العثمانيين في فرض اللغة التركية وما تمارسه من إرهاب، لكن النزعات الإقليمية الخاصة كانت من القوة بحيث لم يتمكن الجهاد العربي من إجهاضها، بل استطاعت أن تخترقه طائفيًا وإقليميًا ومن ناحية التعصب.[٥]


يمكننا أن نذكر هنا في هذا السياق كيف لعب عامل الدين دورًا  في وحدة الوجود القومي في إسبانيا وإسكوتلندا، وكيف انحسر تأثير اللغة مع المستعمرات الأمريكية فلم يمنعها من النضال ضد انجلترا المستعمرة رغم الاشتراك في اللغة، والأمر نفسه يمكن ذكره عن عامل الدين الذي رغم ارتباطه بالخلاف الحاد بين الكاثوليك والبروتستانت لكنه لم يمنع العصا الألمانية من الالتحام، وفي هذا إشارة إلى أنّ الفكرة القومية تعمل بأشكال مختلفة في تغيير مصائر الشعوب ونقلها إلى ما تتطلع إليه.[٥]


أنواع القومية

هل الليبرالية من أنواع القوميات؟

إنّ للقومية أنواعًا عدّة كلها تصب في بوتقة الحياة الاجتماعية، ومنها:


  • القومية الأثنية: تنشأ من اندماج ما هو قومي بما هو ديني؛ لهذا يكون للثقافة والعرقية دور أكبر من العوامل الاجتماعية فيها.[٦]
  • القومية المدنية: يأتي التركيز عليها من خلال برامج التنمية المجتمعية عبر النشاطين الحزبيين والثقافيين لتكريس المواطنة الفاعلة والعقلانية.[٧]
  • القومية الليبرالية: وهي التي تتجنب الإكراه في إنشاء الهوية القومية، ولا سيما مع من لا يشاطرونها هذه الهوية، وهي ترتبط بإنشاء مرافق والسيطرة عليها، ولا يهمل فيها الفرد لصالح الدولة.[٨]
  • القومية الدينية: وفيها تأكيد على الدور الذي يلعبه الدين في تكوين القومية إلى جانب اللغة والتاريخ؛ إذ إنّ الدين من يُشكّل رابطة الأخوة التي تجمع القلوب وتؤلفها على غاية واحدة وهدف مشترك.[٩]
  • القومية الرومانسية: تنظر إلى الشعور القومي نظرة مقدسة، وتعد الوحدة والنضال من أجل تحقيقها سبيلًا إلى تحرر الأمة واستعادة مجدها.[١٠]
  • القومية التوسعية: حيث تستغل القوى ذات المطامع الشعور القومي لإحراز مصالحها التي قد تشن الحروب من أجلها وتعتدي على الآخرين.[١٠]


مظاهر القومية

ما الفرق بين المظاهر الإيجابية والسلبية للقومية؟

تنقسم المظاهر إلى فرعين رئيسن وهما: المظاهر الإيجابية والسلبية، وتفصيلها كالآتي:


المظاهر الإيجابية للقومية

تتجلى في تحفيز القوى والطاقات القومية لمجابهة التحديات الخارجية التي تتصدى لها الأمة، إضافة إلى القوى التحررية التي أبتْ الخنوع والإذلال والانقياد وراء الجور والظلم، فتبثّ الحماسة والعزيمة لنقل الواقع من حالة الاستسلام والركود إلى حالة من الحيوية والحركة والعطاء.[١١]


من هذه المظاهر الإيجابية الارتفاع فوق النزعات الإقليمية الخاصة التي تعطل ما اكتسبته الأمة في تكوينها من عوامل قوة ونهوض؛ كعامل اللغة والتاريخ والدين، والإسهام في تحليل قضايا العالم العربي للوقوف على ما من شأنه أن يحدث انعطافة في أحواله ومساره.[١١]


المظاهر السلبية للقومية

من المظاهر السلبية للقومية انبعاث الطائفية والتعصب والقطرية، والاستجابة للخطابات التي تفك الصفوف وتجعل الداخل أسير الخارج لما بين الداخل والخارج من أواصر دينية تقسم أبناء الوطن، ولا تجعلهم في مستوى واحد من المواطنة، كذلك فإنّها قد تنظر إلى الذات نظرة غير موضوعية فيها انتساب إلى شرف غير مستحق.[١١]


أهمية القومية

ما الرابط بين التحرر والقومية؟

تتجلى أهمية القومية في كونها: 


  • مبدأ أساسي: يُحدّد لكيان الأمة طريقة العمل وخط السير باتجاه بلوغ الغايات وتحقيق الأهداف على مستوى الوطن العربي.[١٢]
  • عامل تحرر: فقد عاكست النزعات الإقليمية الخاصة الاستراتيجية القومية وأفشلتها من خلال عدة وسائل ناجحة من وحدة اللغة والتاريخ والدين والعادات والتقاليد، لهذا فإنّ أبناء الأمة مُطالبون بزيادة الوعي القومي والنضال الحقيقي النشط، ويحشدون كل جهودهم لهذا الكفاح، وذلك من خلال استثمار الثروات والحدّ من التقاليد والعادات السلبية ويحققوا وجودهم المستقل بغية الوصول إلى قوميتهم الحقيقية.[١٢]
  • العاطفة القومية: تُعدّ من أقوى العواطف في ربط أفراد الشعب بعضهم ببعض، فضلًا عن أهميتها في تحقيق أنبل الأهداف العربية وهي الوحدة العربية.[١٣]


الفرق بين القومية والوطنية

كيف نميز بين الارتباط الوطني والقومي؟


  • الارتباط الوطني: نجد أن الوطنية مرتبطة ببلد الفرد الذي هو مستعد أن يموت لأجله، لما يعتقده فيه من تفوق أخلاقي يجعل قيمه وفضائله وميزاته فوق ما لدى الآخرين.[١٤]
  • الارتباط القومي: أما القومية فهي تجاوز بلد الفرد إلى أمته، ولها بحسب جورج أوريل ارتباط بالسلطة التي يتمناها الفرد لأمته حتى تكون الأكثر نفوذًا بين الأمم.[١٤]
  • عدم الاختلاف الوطني: نجد أنّ الوطنية كما يعبر عنها "غالب عواجي" لا تنظر إلى ما بين أفراد البلد من اختلاف في الدين أو اللون أو اللغة، بل تصب نظرها وتعلي اهتمامها بجانب الولاء لهذا البلد والتفاني في محبته والإخلاص له.[١٤]
  • عدم الاختلاف القومي: في حين القومية تكون أعم وأكثر شمولًا، إذ إنّها تتجاوز هذا الوطن الواحد وتنفتح أمام الجميع مفسحة ليشمل حيزها القومي عدة أوطان.[١٤]
  • اشتقاق القومي: يرى زكي الأرسوزي أنّ القومية مشتقة من القوم، وهم المواطنون الذين يدافعون عن البلد ويشتركون في تشييد الدولة ببصيرة نيرة وعزيمة قوية تحت قيادة طليعة تحرص على تنفيذ القوانين وعدم تضييع الحقوق المصونة بها.[١٥]
  • الاشتقاق الوطني: أمّا الوطنية فمن الوطن موطئ أقدام الأجداد والمجال الحيوي للجماعة الذي فيه تنكشف للشخصيات حقائقها وإليه يشتعل حنينها الأول والأخير.[١٥]

المراجع[+]

  1. ابن فارس، مقاييس اللغة، صفحة 43، جزء 5. بتصرّف.
  2. نشوان الحميري اليمني، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، صفحة 5664، جزء 8. بتصرّف.
  3. "تعريف وشرح ومعنى قومية"، المعاني الجامع، اطّلع عليه بتاريخ 20/4/2021.
  4. ^ أ ب ت حسن حميدو، محاضرات قومية، صفحة 32_33_34. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت ث ج وسيم صبح، دراسات قومية، صفحة 15_16_17. بتصرّف.
  6. يوسف شويري، القومية العربية الأمة والدولة في الوطن العربي، صفحة 164. بتصرّف.
  7. سعد الدين ابراهيم ، دور المؤسسات المهنية والأندية الفكرية في دعم ثقافة المجتمع، صفحة 74. بتصرّف.
  8. حسام الدين علي مجيد، إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر، صفحة 294. بتصرّف.
  9. عبد الله تركماني، الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي والمسألة القومية، صفحة 363. بتصرّف.
  10. ^ أ ب محمد علي حسن، في القومية والحرية، صفحة 82. بتصرّف.
  11. ^ أ ب ت محمد علي حسن، في القومية والحرية، صفحة 40. بتصرّف.
  12. ^ أ ب ستيفن جروزبي، القومية، صفحة 15. بتصرّف.
  13. ستيفن جروزبي، القومية، صفحة 21_22. بتصرّف.
  14. ^ أ ب ت ث غالب عواجي، المذاهب الفكرية المعاصرة، صفحة 974، جزء 2. بتصرّف.
  15. ^ أ ب غالب عواجي، المذاهب الفكرية المعاصرة، صفحة 85_86. بتصرّف.

109989 مشاهدة