تطور النثر في العصر العباسي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٤٢ ، ٣٠ مايو ٢٠١٩
تطور النثر في العصر العباسي

النثر في العصر العباسي

تطوّرَ النثر في العصر العباسي وازدهر ازدهارًا كبيرًا لعدّةِ أسباب، من أبرزها اطّلاع العرب على ثقافات الأمم الأخرى والأخذ منها، والتفاعل معها، وقد ظهرَ في العصر العباسي عدد من الكتاب، الذين امتلكوا القدرة على الكتابة، وأتقنوا فنونها، وتركوا العديد من المصنفات التي أغْنت الأدب العربي في عصور تالية، وكان لأساليبهم البيانية أثرها الكبير في الأدباء من بعدهم، ومنهم: الجاحظ وابن المقفع، والحريري، وابن العميد، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري، وغيرهم الكثير، أمّا هذه المقالة فستتناول تطور النثر في العصر العباسي من ناحية الفنون النثريّة.

تطور النثر في العصر العباسي

تنوّعت الفنون النثرية في أدب ذاك العصر، بما أغنى الساحة الثقافيّة، وهو ما يدلّ على النهضة التي شهدتها حركة تطور النثر في العصر العباسي، حتّى أصبح هذا الفن يضاهي الشعر أهمية وحظوة لدى النقاد، والمتتبع للفنون النثريّة التي شهدتها حركة تطور النثر في العصر العباسي، سيلاحظ مدى ارتباطها بعوامل اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة فرضتها ظروف خاصّة بهذا العصر، كما يستطيع أن يتعرّف على حياة العصر فيه، من خلال ما في الأدب من مظاهر دالّة في مختلف جوانب الحياة، وبالأخصّ العقلية والسياسية، ومن أبرز الفنون التي ظهرتْ في هذا العصر، أو أخذت طابعها الخاصّ فيه.

الخطابة في العصر العباسي

تطور النثر في العصر العباسي فشهدت فيه الخطابة ازدهارًا كبيرًا، كما شهدتْها في العصر الأموي، وكان من أسباب ازدهارها اعتلاء العباسيين سدّة الحكم، فعملوا على كسب التأييد السياسي، والتعريض بالأمويين من خلال الخطابة، وكان خلفاء العباسيين يحاولون استمالة الناس إلى أحقيّة العباسيين بالخلافة من خلال الخطابة، ومن أبرزهم أبو العبّاس السفّاح وأبو جعفر المنصور وهارون الرشيد، حتّى غدت الخطابة وسيلة فاعلة في ذلك، ومن أنواع الخطابة التي عرفت ضمن حركة تطور النثر في العصر العباسي: [١]

الخطابة السياسية

وقد عُرف هذا النوع لِما استدعتْه حاجة العباسيين في ثورتهم، فكانت مضامين هذه الخطب، نسب العباسيين الرفيع المتصل بالرسول -صلى الله عليه وسلم-، ووصف بني أميّة بالظلم والجور، ولكنّها ما لبثت أن تراجعت بعدما تولّى العباسيّون الحكم، وقضوا على الثورات التي عارضتهم.

الخطابة الدينية

عُرفت وازدهرت في هذا العصر، وشارك فيها الخلفاء العباسيّون، ومنها خطبة هارون الرشيد: "عباد الله ... إن الله -عزّ وجلّ- لم يخلقكم عبثًا، ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلّا الموت أن ينزل به، وإنّ غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة الواحدة لَجديرة بقصر المدّة، وإن غائبًا يحدوه الجديدان الليل والنهار لجدير بسرعة الأوبة، وإن قادما يحل بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدّة، فاتقى عبد ربه ونصح نفسه وقدّم توبته وغلب شهوته، فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكّل به يزيّن له المعصية ليركبها، ويمنّيه التوبة ليسوّفها، حتى تهجم عليه منيته أغفل ما يكون عنها، فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة، أو تؤدّيه أيامه إلى شقوة؛ نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تقصّر به عن طاعة ربه غفلة، ولا يحل به بعد الموت فزعة، إنه سميع الدعاء، بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير، فعّال لما يريد"، وقد ازدهر هذا النوع من الخطب في بيئة الوعظ والنسك، حتى اشتهر بها عدد من الوعّاظ، منهم: عمرو بن عبيد المعتزلي واعظ المنصور وابن السمّاك واعظ هارون الرشيد وكان لهم تأثيرهم في السامعين؛ لإيمانهم الشديد، وما مزجوه في خطبهم من قصص دينية.

الخطابة الحلفيّة

وهي الخطابة المتعلقة بالوفادة على العرب، إلا أن هذا النوع لم يشتهر كما عُرف في العصر الأموي، إذ اقتصر على مناسبات محددة، كتولّي أحد الخلفاء الحكم، ولكنه كثر في الدويلات التي استقلت عن الخلافة العباسية في بغداد.

الرسائل في العصر العباسي

نشطت الكتابة أثناء تطور النثر في العصر العباسي مع اتساع الدولة العباسية، وكثرة وُلاتها، وظهور الحاجة إلى التراسل بين الخليفة والولاة، وغيرهم، وكان لا بدّ لمن أراد أن يدخل ديوان الرسائل أن يجري اختبارًا للتأكّد من إلمامه بثقافة أدبية ولغوية وسياسية وتاريخية، بالإضافة إلى إتقانه صنعة الكتابة وأساليبها، وعلم اللغة والخراج والحساب، بالإضافة إلى الإلمام بعلوم الفلسفة والمنطق، ومن أنواع الرسائل في العصر العباسي: [٢]

الرسائل الديوانية

وقد كثرت وتنوّعت بكثرة الدواوين وتنوّعها، فهناك ديوان للرسائل، ديوان للحرب، وديوان للجيش، وديوان للنفقات، وديوان للخراج، وديوان للدّويلات، بالإضافة إلى ديوان رئيس يشرف عليها، وكانت مواضيع هذه الرسائل تصرف شؤون الدولة وأعمالها، ومنها: خطاب الحكام للرعيّة، وصايا الحكام والوزراء لولاتهم في موضوعات السياسة والحكم، تولية الولاة أو عزلهم، والمبايعة للخلفاء، وأخبار الولايات والفتوح والمناسبات الدينية، وأخبار القضاء والعطاء والخراج، ومن أبرز كتاب الرسائل الديوانية: يحيى البرمكيّ والفضل بن سهل وابن العميد والمعتمد بن عباد وغيرهم كثير، اختلفت أساليبهم في الكتابة، ولكنّها التزمت بالبسملة، ثمّ نص الرسالة، ثم ختم الرسالة وإلحاقه بالحمد والصلاة على النبي، والتذييل باسم الكاتب وتاريخ الكتابة.

الرسائل الإخوانية

تطوّر النثر في العصر العباسي فشمل برسائله المكاتبات بين الإخوة، والأصدقاء، في المناسبات الاجتماعية من تهنئة أو تعزية وعتاب، أو الهدايا، أوالمح والهجاء، أو الشكوى والشوق، أو الوصف، أو الاستعطاف وطلب المنح، وقد التزمت هذه الرسائل من الناحية الفنية بخصائص الخطابة ذاتها التي التزمَت بها الرسائل الديوانية.

التوقيعات في العصر العباسي

وقد عُرفت في العصر الأموي، لكنّها تطورّت بتطوّر النثر في العصر العباسي، وهو مصطلحٌ يُطلق على تعليقات الخلفاء والوزراء على الرسائل المرفوعة إليهم، أو ما نسمّيه في الوقت الحاضر الشروحات على الكتب الرسميّة، وتكون هذه التعليقات إنشاءً أو اقتباسا موجزًا بليغًا، يكتب أسفل الرسالة، ويعمل بمقتضاه.

وأصل هذه التوقيعات فارسيّ، ولكنّها انتقلت من خلال حركة الأخذ والعطاء الأدبية التي شهدتها حركة تطور النثر في العصر العباسي، من خلال كتاب الدواوين من الفرس المسلمين، ومن هذه التوقيعات، ما كتبه أبو جعفر السفاح ردّا على رسالة الأنبار الذين اشتكوا إليه أخذ أموالهم منهم دون إعطائهم أثمانها، فوقّع: "هذا بناء أسّس على غير تقوى"، وأمر بدفع قيمة منازلهم إليهم. [٣].

وكان لهذه التوقيعات مع تطور النثر في العصر العباسي خصائصها، فيجب أن تتميّز بالإيجاز والوضوح، محكمة السبك دون تكلف، وتدل على سرعة البديهة لدى كاتبها، وقد تأتي بعض هذه التوقيعات ملوّنة بألوان من البديع كالسجع، مثل ما ورد في توقيع جعفر البرمكي لأحد الولاة: "قد كثر شاكُوك وقلَّ شاكِروك، فإمّا اعتدلت، وإما اعتزلت". [٤]

المناظرات في العصر العباسي

والمناظرة هي حوار بين فريقيْن مختلفيْن في وجهات النظر حول موضوع ما، يحاولُ أحدهما إثبات وجهة نظره، وإبطال وجهة نظر خصمه، وكان لهذا الفن جذوره في العصر العباسي، لكنّه نما ونطور بتطور النثر في العصر العباسي؛ لكثرةِ الصراعات والنزاعات السياسيّة والأدبيّة والفكريّة، ومن أبرز هذه المناظرات مناظرات المعتزلة خاصّة الأشعريّة.

ولقد تأثّرت المناظرة بالفكر المعتزلي، فكانت جدلية يغلب عليها الفكر الفلسفي المنطقي، رغم بساطتها، وقد تعددت موضوعات المناظرات، فكانت كلاميّة ونحويّة وفقهيّة ونقديّة وسياسيّة، ووردت في عديد من الكتب، ومن أمثالها ما أورده الجاحظ من مناظرة الكلب والديك في كتابه الحيوان، ومن أشهر المناظرين في العصر العباسي أبو هذيل العلّاف وبشر بن المعتمر وغيرهما كثير. [٥]

المقامات في العصر العباسي

والمقامات فنّ نثري ظهر فقط مع تطور النثر في العصر العباسي، في القرن الرابع الهجري، على يد بديع الزمان الهمذاني، ولكنّ الهمذاني استفاد في إنشاء هذا الفن وتطويره من العديد من الأعمال الأدبية السابقة، كأحاديث ابن دريد التي رواها أبو علي القالي في كتابه الأمالي، وحكايات الجاحظ عن البخل والبخلاء وأشعار الكدية.

وتعرف المقامة بأنّها بناء حكائيّ أو قصصيّ، يحكي قصة من قصص الكدية التي تعكس تغيّر الكثير من القيم الأخلاقيّة في العصر العباسي، وتُطرح بأسلوبٍ أدبيّ مسجوع متأنق في اختيار الألفاظ وإبراز المعاني، ويستخدم فيها الحوار والسرد جنبًا إلى جنب بما يضفي إليها نوعًا من التشويق، مع المزاوجة بين الشعر والنثر الذي يعكس قدرةَ كاتبها الأدبيّة واللغويّة، وتتضمّن كلّ مقامة راويًا هو عيسى بن هشام، وبطلًا هو أبو الفتح الإسكندريّ في مقامات الهمذاني، ولدى كاتب آخر من كتاب المقامات هو الحريري، يبرزُ الراوي الحارث بن همام، والبطل أبو زيد السروجيّ. ومن أبرز مقامات الهمذاني وأكثرها انتشارًا المقامة البغدادية. [٦].

الأساليب النثرية في الأدب العباسي

مع تطوّر النثر في العصر العباسي، وبروز عدد من الأدباء الذين أجزلوا في الكتابة، كان لا بدّ لكلّ كاتب منهم أن يتميّز بأسلوبِه النثريّ الخاصّ الذي اشتهر به، وأصبح نموذجًا يحتذى لغيره من الكتاب، ومن أبرز الأساليب النثريّة التي برزت مع تطور النثر في العصر العباسي، أسلوب الجاحظ وابن المقفع، وتاليًا عرضٌ لهما.

أسلوب ابن المقفع

كان ابن المقفع أول من أرسى دعائم أسلوب النثري القائم على المزج بين لغة الخاصة بصعوبتها وغرابتها ولغة العامة بسهولتها وشعبيتها، ملائمًا في أسلوبه الأدبي بين مستجدات العصر الثقافية وحاجاته، ومقومات اللغة العربية النحوية واللغوية وأصولها، وقد عُرف أسلوبه بأنه سهل ممتنع، إذ يتميّز بجزالة اللفظ مع رصانته، وبعده عن غريب الألفاظ، مع حرصه على تناسب اللفظ مع المعنى، وقد تميز أسلوبه في كتاب كليلة ودمنة بالمزج بين السرد القصصيّ والتسلسل المنطقيّ غير المتكلّف في الإنشاء، مع استخدامه للحوار المشوق، والرمز الجاذب، أما أسلوبه في كتابيه الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة الصحابة، فجاء مباشرا تقريريا، بعيدا عن الصنعة والتكلّف. [٧]

أسلوب الجاحظ

تميّز أسلوب الجاحظ في حركة تطور النثر في العصر العباسي، بالسبق في العديد من الخصاتص والسمات، فهو أول من أقام الجدل بين الحالات المتناقضة والأشياء، وأول من وضع كتابًا في فكر أو رأي ما، حتى عدّ الجاحظ مدرسة في الكتابة، ومن أهم سمات أسلوبه الأدبي: كثرة الاستطراد، واستخدامه كل طاقات اللغة الموسيقيّة ممّا يحقق لجملته إيقاعًا موسيقيًّا، والاستيفاء في عرض موضوعه بتتبع جزئياته واستقصائه من جميع جوانبه.

كما عُرف أسلوبه النثري باستخدامه السخرية والدعابة في تناول قضايا مجتمعه ونقدها. كما بدا جليّا في كتابه البخلاء، وكثرة استخدامه للجدل والحجاج واستخدام العقل والقياس والمنطق، وهذا ما جعل كتبه يغلب عليها طابع المناظرة، التي يأخذ فيها طرف أحد الفريقين. [٨]

المراجع[+]

  1. "الخطابة في العصر العباسي"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-5-2019. بتصرّف.
  2. "الأدب العباسي"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 26-5-2019. بتصرّف.
  3. ابن عبد ربه، العقد الفريد، صفحة 293، جزء 4. بتصرّف.
  4. شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي، صفحة 196، جزء 1. بتصرّف.
  5. "مناظرة"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 26-9-2019. بتصرّف.
  6. "فن المقامات في الأدب العربي"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-5-2019. بتصرّف.
  7. "مميزات أسلوب ابن المقفع"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 26-5-2019. بتصرّف.
  8. "من ابرز سمات او خصائص المدرسة الجاحظية"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 26-5-2019. بتصرّف.