الغزل الصريح في العصر العباسي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٥١ ، ١٧ ديسمبر ٢٠٢٠
الغزل الصريح في العصر العباسي

الغزل الصريح في العصر العباسي

ازدهر العلم والأدب في العصر العبّاسيّ ازدهاراً كبيرًا، بسبب إكرام العلماء والشّعراء من قبل الخلفاء والولاة والوزراء، وكان للأدب ظهوره المميّز، فقد ازدهر شعرًا ونثرًا، وانتشر في ذلك العصر انتشارًا واسعًا، وطغى غرض الغزل من بين أغراض الشّعر بشكل مفرط، فتغنّى به كثير من الشّعراء.[١]

يقال:غازل الكلب الظّبي، إذا عدا في أثره، فلحقه، وظفر به، ثمّ عدل عنه، ومنه مغازلة النّساء، فالغزل غرض شعريّ قديم، ويعدّ من أهمّ أغراض الشّعر، وقد فرّق القدماء بينه وبين النّسيب، بينما في العصر العبّاسيّ، كان للغزل أنواع: الغزل العفيف، والغزل الصّوفيّ والغزل الصّريح. وقد شاع وانتشر الغزل الصّريح في العصر العبّاسيّ، بسبب اختلاط العرب بالأمم الأخرى، وشيوع صور التّحلّل الخلقيّ عند البعض منهم، وتاليًا تفصيل ذلك. [١]

أسباب شيوع الغزل الصريح في العصر العباسي

شاعَ الغزل الصّريح أو ما يسمّى بشعر المجون بكثرةٍ في العصر العباسيّ، ويرجع ذلك لعدّة أسباب ساعدت في ظهور هذا النوع من الغزل إلى جانب الغزل العذري وأهمها:[٢]

  • التأثر بالمجتمعات المحيطة: ورث المجتمع العباسيّ عادات وتقاليد المجتمع الفارسيّ من لهو ومجون، وتعددت فيه ديانات كثيرة متنوعة من مجوس وغير المجوس إلى جانب كثرة الزنادقة والملحدين، الذين كانوا لا يأبهون لدينٍ، فيطلقون العنان لأنفسِهم بارتكاب أنواع شتّى من الآثام.
  • الإدمان على الخمور: تأثر العباسيّون بالفرس فأكثروا من شرب الخمر حد الثمالة، وتمتّعوا بحريّة مطلَقة مُتَناسين شريعة الإسلام التي نهت عن ذلك، ويعدّ شرب الخمر من أهم الأسباب التي ساقت البعض إلى سلوكِ طريق اللهو والعبث والمجون والإباحيّة، ليتجرّأ الشعراء لأوّل مرة لقول غزل صريح واضح يتنافى مع الأخلاق النّبيلة والقيِّمة عند العرب.
  • انتشار ظاهرة بيع الجواري والقِيان: كان العباسيّون يشترون الجواري والقِيان -أيْ:المغنّيات- بكثرة من جنسيّات مختلفة، وكنّ يتمتعن بفنون الإغواء ليجذبن الشعراءإليهنّ، ممّا أدى إلى زيادة الفتنة وانتشار الفساد، وساعد ذلك على ظهور الغزل الصريح.

سمات الغزل الصريح في العصر العباسي

الغزل الصّريح على العكس تمامًا من الغزل العفيف أو العذريّ، الغزل الصّريح هو التّعبير عن محاسن المحبوبة، ويكثر من أوصاف الجسد كوصف الطّول والقامة والوجه والعنق والعيون، والشّعر، والخدود، وغير ذلك. وقد يصف الشّاعر ملابس المحبوبة والجواهر التي تتزيّن بها والمكان الذي كانت تعيش فيه. ونقل للمغامرات وما وقع بينهما من غراميّات، و يكون التّعبير الشّعريّ فيه تعبير مباشر، والجديرُ بذكره أنّ شعراء الغزل الحسّي والإباحيّ، لديهم من الأشعار الغزليّة العفيفة التي تحمل عاطفة وشاعريّة صادقة بقدر ما لديهم من الإباحيّة و التبذّل [٣]، ومن أهمّ سمات الغزل الصريح ما يأتي: [٤]

  • الغزل الصّريح أكثر حدّة وعنفًا من الغزل العفيف، بسبب كثرة دور النّخاسة، وامتلاؤها بالقيان الأجنبيّات من جنسيّات متعدّدة ومتنوّعة.
  • خلع ثوب الحشمة عن القصيدة، فتحوّل الغزل عندهم لوصف محاسن المرأة وصفًا حسيًّا.
  • المبالغة في وصف الجسد، خالياً من العاطفة. إلا ما فرضه الشّكل العام للقصيدة.
  • رغم ذلك لم يبلغ الشّعر الحسّيّ مبلغًا يجعله محظورًا تمامًا، إذ استطاع الشعراء المحافظة على المجاز والرمز.

أنواع الغزل الصريح في العصر العباسي

للغزل الصّريح في العصر العبّاسيّ على أربعة أنواع، تفصيلها كالآتي.

الغزل بالمؤنث

توسّع الشّعراء في مجال اللّهو والفجور، منجرّين وراء الإباحيّة الزّائدة والمجون العابث، بعد انتشار مجالس اللّهو والشّراب التي غصّت بالقيان والمغنّيات اللّائي خلعن ثياب العفّة، وغلب عليهنّ الفجور، وغرق الكثير من الشّعراء في اللّذائذ ومعاقرة كؤوس الشّهوات، حتّى اتّهم البعض منهم في عقيدته، ومثال ذلك بشّار بن برد في وصفه لفاتنة وصفًا يعجز عنه المبصرون، يقول:[١]

يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُفَّاحًا مُفَلَّجَة

أوْ كُنْتُ من قُضُبِ الرَّيحان رَيْحَانا

حتّى إِذا وَجَدَتْ ريحي فأعْجَبَها

ونحنُ في خَلْوةٍ مُثِّلْتُ إِنسانا

فحرَّكتْ عُودَها ثمّ انثنَتْ طَرَبًا

تَشدو به ثمّ لا تُخفيه كِتمانا

الغزل بالمذكر

بلغ الغزل الصّريح في العصر العبّاسيّ من شدّة موجة المجون حدًا، أن ينتشر التّغزّل بالغلمان، بشكل علنيّ وصريح، وقد كان أبو نُوَاس من أوائل شعراء الغزل الصّريح في العصر العبّاسيّ، وأوّل من طرق باب التّغزّل بالغلمان، لأسباب نفسيّة على الأكثر، فقد اعتمده في مطالع قصائده، عوضًا عن الوقوف على الأطلال، ومخاطبة النّساء، وتابعه الكثير من الشّعراء. قال أبو نواس متغزّلًا بغلام: [٥]

يا بدعةً في مثالٍ

لا مُدرَكًا بالصّفاتِ

فالوجهُ بدرُ تمامٍ

بعينِ ظبيٍ فلاةِ

والقدُّ قدُّ غلامٍ

والعجُّ عجُّ فتاةِ

الغزل بالغلاميات

وهنّ الجواري المتشبّهات بالغلمان، لعزوف الشعراء عنهنّ، فرحنّ يتشبهنَ بالغلمان من خلال اللباس والحركات والهيآت.[٦] فاستجاب الشّعراء لهنَّ، وراحوا يتغزّلون بهنَّ، فهذا الحسين بن الضّحاك يتغزّل بغلاميّته بقوله:

مؤزرةُ السّربالِ مَهضومةُ الحشا

غلاميّةُ التّقطيعِ شاطرةُ القدِّ

أجِيزي على مَن تركتِ فؤادَهُ

بلحظتهِ بينَ التّأسفِ والجهدِ

الغزل الديري

وهو نوع من الغزل الصّريح، ارتبط بالمكان الذي قيل فيه، وهو الدّير، (من أماكن عبادة النّصارى )، يذكر فيه الشاعر أعياد النّصار وعقائدهم وبعض الألفاظ المتبطة بهم، وفي أغلبه جاء بالتّغزّل بالغلمان من النّصارى، أمّا الاتّجاه الفاحش وما يحتويه من تهتّك، فقليلٌ بسبب ضياع الشّعر من جهة، ومن جهةٍ ثانية لامتناع الرّواة من روايته، ومن شعرائه بكر بن خارجة الذي تغزّل بغلامٍ نصرانيّ، وفقد عقله بسبب تعلّقه الشديد به [٧]، ومن ذلك قوله: [٨]

بالقربانِ والصّلبانِ إلّا

رثيتَ لقلبي الدّنفِ المشوقِ

أجرني مُتّ قبلَك من همومٍ

وأرشدني إلى وجه الطّريق

أبرز شعراء الغزل الصريح في العصر العباسي

تأثّر شعراء العصر العباسيّ تأثّرًا كبيرًا بالبيئة المحيطة، فأخذوا من أفكارهم وعاداتهم وانحلالهم، ليتضح هذا التأثر على شعرهم، فأحدث ذلك ثورة حقيقية على شكل القصيدة العربية، ومن هؤلاء الشعراء:

أبو نواس

ما هي ضروب الشعر التي اشتَهر به أبو نواس؟

أبو علي الحسن بن هانئ اشتُهِرَ بأبي نواس (141هـ-199هـ)، ولد في باستان من خورستان ثم نشأ بالبصرة وانتقل بعد ذلك إلى الكوفة، وينتمي إلى شعراء العصر العباسي الأول.[٩] عُرِف عن أبي نواس الغزل الشاذّ بالغلمان والمرأة وبكثرة الفسوق والمجون، فكان له علاقات كثيرة مع النساء وصفها في شعره، الذي يعتريه المجون وخدش الحياء، وزاد على ذلك غزله بالغلمان فأصبح وصمة في جبين عصره كما أخبَرَتْ كتب الأدب عنه.[١٠]

واشتُهر أيضًا بشعر الخمر وكان أوّل من ثار على مطلع القصيدة العربية، وتأثر أبو نواس بحضارة عصره وغرق بآثامِها وخطاياها، وتراه يلحد ويتمرّد على الدين في شعره تارةً، ويعلن تارةً أنّه مؤمن عاصٍ، ويختلف في ذلك عن بشار بأنه ماجن، إذ إن إلحاد بشار إلحادٌ حقيقيٌّ، كما أخبر عنه شوقي ضيف في كتابه "العصر العباسي الأول".[١٠]


لقراءة المزيد عن الشّاعر، ننصحك بقراءة هذا المقال: معلومات عن الشاعر أبي نواس.

بشار بن برد

ما الدافع وراء قول بشار بن برد غزلًا حسيًّا في أشعاره؟

بشّار بن برد بن يرجوخ (96هـ-167هـ) [١١]، ولد في البصرة، وينتمي إلى شعراء العصر العباسي الأول، عُرف عن بشار أنّه كان زنديقًا يكره دين الإسلام وشعوبيًّا يبغضُ عروبتَه، عاش في بيئة تمتلئ بالجواري والقِيان، اللواتي لا يأبهن لدين ولا لعُرْف ويُتقنَّ فنّ الغواية، وساعد اختلاط بشار بن برد بهن على كثرة كتابته للغزل الحسي الذي يصف تلك الجواري، ويرجع ذلك لكونه وُلِد ضريرًا لا يرى الجمال بعينه، بل يلمسه ويحسه ويشمه، فصور في شعره أنفاس الجواري وأجسادهم وحديثهم، وأفصح في شعره عن الغريزة النوعية إفصاحًا يتضح فيه الفسق والفحش بشكل كبير.[١٢]


لقراءة المزيد عن الشّاعر، ننصحك بقراءة هذا المقال: نبذة عن بشار بن برد.

مطيع بن إياس

هل أثّر انتشار القِيان في المجتمع العباسي على شعر ابن إياس؟

مطيع بن إياس بن مسلم (توفي عام 169هـ)، أبوه من فلسطين، وهو من شعراء العصر العباسي الأول، اشتهر بكثرة الغزل في القِيان الكوفيات، ويعد من أوائل من أشاعوا هذا الغزل الفاحش المزري في عصره، وله غزل قليل بالغلمان، وقيل عنه إنّه لا توجد سَوْءَة من سَوْءات العصر إلّا أتاها، وله في كتاب الأغاني أشعار يدعو بها أصحابه إلى المجون واللهو وشرب الخمر، واستمرّ في الفجور والفسق والخلاعة حتى وفاته.[١٣]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ت "الأدب في العصر العباسي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 21-05-2019. بتصرّف.
  2. شوقي ضيف، العصر العباسي الأول، صفحة 65 71. بتصرّف.
  3. "شعر ( أدب ) / شعر الحماسة"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 21-05-2019. بتصرّف.
  4. "طوائف من الشعراء / شعراء الغزل"، www.shamela.ws، اطّلع عليه بتاريخ 21-05-2019. بتصرّف.
  5. "يا لاعباً بحياتي"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 21-05-2019.
  6. "الغزل الصريح / الغلاميات"، www.books.google.com، اطّلع عليه بتاريخ 21-05-2019. بتصرّف.
  7. "كلية التربية الأساسية - جامعة بابل"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 21-05-2019. بتصرّف.
  8. "الأدب العربي في العصر العباسي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 21-05-2019. بتصرّف.
  9. محمود كامل فريد، ديوان ابي نواس، صفحة 7-8. بتصرّف.
  10. ^ أ ب شوقي ضيف، العصر العباسي الأول، صفحة 220 226 227. بتصرّف.
  11. محمد طاهر بن عاشور، ديوان بشار بن برد، صفحة 16. بتصرّف.
  12. شوقي ضيف، العصر العباسي الأول، صفحة 207 217. بتصرّف.
  13. شوقي ضيف، العصر العباسي الأول، صفحة 389-393. بتصرّف.