الرسائل الإخوانية في العصر العباسي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٠٧ ، ٣ يوليو ٢٠١٩
الرسائل الإخوانية في العصر العباسي

النثر في العصر العباسي

تَطوّر النّثر في العصر العبّاسيّ تطورًا ملحوظًا، وبلغ ذروته في فترة قصيرة، كما هو حال الشّعر وكان مصدره العراق، ومن الملاحظ أنّ تطور الحياة في العصر العبّاسيّ، قاد إلى عدم مركزيّة الثّقافة في الدّولة، وقد واصل عبد الحميد الكاتب إبداعه النّثريّ، وإلى جانبه ابن المقفع الفارسيّ الأصل، والذي فاق عبد الحميد في سعة ثقافته وكثرة إنتاجه وإيجاز أسلوبه، وكان أقرب إلى القصد في بديعه، من أعماله كليلة ودمنة وأعمالًا أخرى منقولة عن الثّقافة السّاسانيّة، حاول من خلال هذه الأعمال نقد عيوب المجتمع، والوصول به إلى الكمال، وقد اتّسعت فنون النّثر، فكان منها: الخطابة والقصص والتّوقيعات والمناظرات والرّسائل التي تنقسم إلى عدّة أقسام: الدّيوانيّة والإخوانيّة والأدبيّة.[١]

الرسائل الإخوانية في العصر العباسي

بعد الحديث عن النّثر وأنّ الرسائل الإخوانية في العصر العباسي جزءًا منه، لابدّ من التّعرّف على هذا النّوع من النّثر وهو الرسائل الإخوانية في العصر العباسي، يصوّر لنا هذا النّوع من النّثر العلاقات الاجتماعيّة بين الكاتب وسيّده أو بينه وبين صديقه أو صاحبه أو معشوقته، ولها مواضيع عدّة كطلب الزّيارة أو الشّكر أو التّهنئة أو التّعزية وغير ذلك من المواضيع، التي تربط النّاس بعضهم ببعض، فيظهر في هذه الرّسائل شعور الكاتب تجاه المرسل إليه، وقد تطوّرت في هذا العصر تطوّرًا واضحًا، بسبب تطوّر أمور الدّولة وتعقيدها، ولذلك أصبحت الرّسائل تحتاج إلى الشّرح المطوّل، ولم تعد الكتابة وقفًا على العرب الفصحاء، فأصبح المجتمع خليطًا من الأمم العربيّة والأعجميّة، وأصبحت الأمّة تجيد القراءة والكتابة، فلم يعد هناك صعوبة لدى الكاتب، وأيضًا توفّر الورق والحبر، كلّ ذلك يساعد على تزايد الكتابة وعلى تطوّرها وشيوعها، وأصبح الخليفة له كتّابًا مهرة، فلا حاجة لأن يكتب أو يملي على الكتبة، كلّ ما يطلب منه تحديد الموضوع والجهة التي سترسل إليه الرّسالة، فلذلك أصبح هناك منافسة بين الكتّاب على الإبداع في رسائلهم، ومنهم من أصبح من الأدباء كابن المقفّع، فعلى قدر براعة الكاتب يرضى عنه أسياده وتفوح شهرته.[٢]

ومن ميزات الرسائل الإخوانية في العصر العباسي استخدام نعوت التّبجيل والتّعظيم وعبارات المجاملة والبساطة ومراعاة التناسب بين الموضوع والألفاظ، ومن أمثلة ذلك رسالة ابن الورديّ في رثاء العالم الفقيه، الإمام هبة الله بن عبد الرّحيم البارزي الشّافعي المتوفّى سنة 738هـ، وقد كتب بها الى ابنه القاضي نجم الدّين عبد الرحيم : "وينهي أنّه بلغ المملوك وفاة الحبر الرّاسخ، بل انهداد الطّور الشّامخ، وزوال الجبل الباذخ، الذي بكته السّماء والأرض، وقابلت فيه المكروه بالنّدبِ، وذلك فرض، فشرّقت أجفان المملوك بالدّموع، واحترق قلبه بين الضّلوع، وساواه في الحزن الصّادر والوارد، واجتمعت القلوب لما تمّ لمأتم واحد، فالعلوم تبكيه، والمحاسن تعزّي فيه..".[٢]

شواهد على الرسائل الإخوانية

كما سبق ذكره حول الرّسائل الإخوانية في العصر العباسي، فقد كانت ترسل بغرض التّعزية أو التّهنئة، أو طلب الودّ والتقرّب من صاحب منزلة أو حبيب، أو العتاب أوغير ذلك من أغراض الرسائل الإخوانيّة الأخرى، ومن أمثلة ذلك ما يأتي.

رسالة يحيى البرمكي إلى هارون الرشيد

كانت هذه الرسالة عندما سجن الرشيد يحيى البرمكي، يقول فيها: "من شخصٍ أسلمتْه ذنوبُه وأوثقتْه عيوبُه، وخذلَه شقيقُه، ورفضَه صديقُه، ومالَ به الزّمانُ، ونزلَ به الحدثانُ، فحلّ في الضّيقِ بعد السّعةِ، وعالجَ البؤسَ بعد الدّعةِ، وافترشَ السّخطَ بعد الرّضا، واكتحلَ السّهاد بعد الهجودِ، ساعتُه شهرٌ، وليلتُه دهرٌ، قدعاينَ الموتَ، وشارفَ الفوتَ، جزعًا لموجدتِك يا أميرَ المؤمنينَ وأسفا على ما فاتَ من قربِك".[٣]

من رسائل الاعتذار

ما كتبه عبد الله بن عليّ إلى يوسف بن عليّ، يعتذر عن تأخّر عطائه له في بداية كلّ شهر، وقد كان يبرّه كثيرًا، فغفل عنه شهرين، فكتب إليه، فاعتذر ابن عليّ بقوله: "لم يكنْ تأخير بِرّنا عنك لبُخلٍ وضنّ، ولا إهمال وتناسٍ، لكنّها غفلةٌ من موجبٍ لحقّكَ عارف، شغلَهُ عنك ما يُقسِّمُ قلبه، ومتَّكِلًا على معرفتك به، وبسطِ عُذركَ لهُ"، فالرّسالة تدلّ على حسنِ أخلاق الكاتب، فهو المنعم المتفضّل ومعَ ذلك يعتذرُ عن تأخّر برّه وإنعامه.[٤]

من رسائل التعزية

ما كتبه إسحاق بن الخطّاب -أحد البلغاء العبّاسيّين- في تعزية الهزبر بن صُبيح بوفاة أبيه، وقد حاول إسحاق إدخال الصّبر إلى نفس الهزبر، ودعاه ليقف موقف الرّاضي بقضاء الله وقدره، فيقول: "وهذا أوان اختيارِ اللهِ إيّاك بشكر ذلك، وإقراركَ بالحجّة عليه فيما كنت به محتجًّا على غيرِك ودليلًا عليه ممّا ذخَرَ الله لأهلِ الفضلِ، ووعدهم إيّاه على ما رضي من القول عند وقوع قضائه وقدَرِه، وما أخبَرَ بهِ خلقَهُ وبلاهم بحَسَنه وسيِّئهِ، وحلوه ومرّه"، لفت الكاتب نظر صديقه إلى وقوع الموت بين النّاس صباح مساء، وأثرهُ في نفوس أهل المتوفّى.[٥]

المراجع[+]

  1. "الرسائل وابن القفع والجاحظ"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 01-07-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "الرسائل الإخوانية"، www.books.google.com، اطّلع عليه بتاريخ 01-07-2019. بتصرّف.
  3. "الرسائل الديوانية والعهود والوصايا والتوقيعات"، www.books.google.com، اطّلع عليه بتاريخ 01-07-2019.
  4. الدكتور خالد الحلبوني (2009)، الرّسائل النّثريّة الشّخصيّة في العصر العبّاسي ، دمشق: جامعة دمشق، صفحة 19.
  5. أحمد زكي صفوت، جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة، بيروت-لبنان: المكتبة العلمية، صفحة 286، جزء 3.