تحليل قصيدة الأطلال للشاعر إبراهيم ناجي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٤:٣١ ، ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٠
تحليل قصيدة الأطلال للشاعر إبراهيم ناجي

إبراهيم ناجي

من هو إبراهيم ناجي، وما هي الإنجازات التي جعلته خالدًا في ذاكرة الأدب؟

ترتبط قصيدة الأطلال المشهورة باسم الأديب والشاعر إبراهيم ناجي، وهو أحد أدباء الرومانسيّة المصريّين، إضافةً إلى أنّه كان عضوًا في مدرسة أبولو الشعرية، كما أنه أصبح فيما بعد رئيسًا لرابطة الأدباء، وممّا يجدر ذكره أنّ إبراهيم ناجي لم يكن شاعرًا فقط، بل كان أديبًا وله عدّة كتب، منها: كتاب مدينة الأحلام، وكتاب عالم الأسرة، ولقد عُني إبراهيم ناجي كثيرًا بالترجمات عن اللغات الأخرى، وكان له مجموعة من الكتب التي ترجمها من الإيطالية ومن الإنجليزية إلى العربية[١]، وممّا أسهم في نبوغ إبراهيم ناجي في عالم الأدب والشعر هو ما كان عليه والده من ثقافة ومعرفة، وبالاطّلاع على الحياة العمليّة لإبراهيم ناجي يتبيّن أنّه كان طبيبًا، وتمّ تعيينه مُراقِبًا للقسم الطبيّ أيضًا، أمّا لقب الشاعر إبراهيم ناجي فهو شاعر الأطلال؛ وذلك بسبب قصيدة الأطلال التي كتبها، وله لقب آخر هو شاعر النّيل.[٢]


قصّة قصيدة الأطلال

ما هي القصة الحقيقية لكتابة قصيدة الأطلال؟

إنّ الشاعر إبراهيم ناجي تركَ الكثير من الأعمال الشعريّة، والقصائد ذات اللغة الجزلة المتينة، وممّا يجدر ذكره أنّ ديوان قصائده لم يُجمع إلا بعد وفاته، وقد وُضعت في الديوان مجموعة من القصائد ليست من نظْم إبراهيم ناجي، ومن قصائده: والليالي يا ما أمرّ الليالي، وانتحينا معًا مكانًا قصيًا، نزل الستار ففيم تنتظر، نداؤك يا فؤاد كفى نداء، وغيرها من القصائد، وتبقى قصيدة الأطلال هي الأكثر شهرة على الإطلاق من بين كلّ ما سبق.[٣]

أمّا عن قصّة قصيدة الأطلال، والسبب الذي دفع إبراهيم ناجي لنظم هذه القصيدة؛ فهو ذلك الحب الذي عاشه إبراهيم ناجي، وصار بعدها حديثًا لكلّ الناس، وله الأثر الكبير في قلوب العاشقين، فقد أحبّ إبراهيم ناجي ابنة جيرانهم وهو في السادسة عشر من عمره، ولكن دراسته للطب أجبرته على السفر والابتعاد عن محبوبته، وبعد عودته من السفر صُدم بأنّ الفتاة التي أحبّها قد تزوّجت.[٤]

بدأت آلام الحب وأوجاعه تعتصر قلب إبراهيم ناجي، ومضى خمسة عشر عامًا ولم ينسَ محبوبته، إلى أن التقى في يوم من الأيام برجلٍ مُسنٍّ وطلب منه الرجل أن يُسعف زوجته التي كانت تلد ولادة عسرة، وأخبره أنّها في حالة خطرة، فذهب إبراهيم ناجي الطبيب مباشرة إلى بيت الرجل، ودخل ورأى الزوجة مُلقاة على السرير ووجها مغطّى، ولاحظ أنّ نفَسها انقطع.[٤]

طلب إبراهيم ناجي من الزوج أن يكشف عن وجه زوجته كي تتمكّن من التنفّس، وكانت الصدمة بأنّ محبوبته القديمة هي التي كانت على السرير، وبعد أن أتمّ عملية الولادة، ورُزقت محبوبته بولد، وهي بصحّة جيدة، خرج وبدأ يجهش بالبكاء، والناس لا يعرفون السبب، وبعد أن عاد إبراهيم ناجي إلى منزله في وقت الفجر، ما كان منه إلّا أن كتب قصيدة الأطلال، عبّر فيها عما يختلج في صدره من مشاعر حزن وأسى.[٤]

غنّت أمّ كلثوم فيما بعد هذه القصيدة المشهورة، وهذا ما زاد من شهرتها وشهرة إبراهيم ناجي، وممّا يجدر ذكره أنّ أحمد رامي أضاف بعض الأبيات إلى هذه القصيدة، وغيّر في بعض مفرداتها، وقام بتلحينها الموسيقار رياض السنباطي، وبلغت أبياتها بعد تعديل أحمد رامي 125 بيتًا.[٥]


تحليل قصيدة الأطلال

ما هي المعاني الكامنة وراء قصيدة الأطلال؟

غلب على قصائد ناجي الخطاب الصوفيّ العذري في مخاطبة المحبوبة، إضافةً إلى قدرته على تطويع اللغة بما يخدم معانيه التي يريد إيصالها، وكثيرًا ما ضمّن القصائد حِكمًا تعلمها في الحياة، وهذا ما سيتّضح في دراسة قصيدته الأطلال:[٦]

يا فُؤَادِي رحم الله ٱلْهَوَى

كَانَ صَرْحًا مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى

اِسْقِنِي وَٱشْرَبْ عَلَى أَطْلَالِهِ

وَٱرْوِ عَنِّي طَالَمَا ٱلدَّمْعُ رَوَى

كَيْفَ ذَاكَ ٱلْحُبُّ أَمْسَى خَبَرًا

وَحَدِيثًا مِنْ أَحَادِيثِ ٱلْجَوَى


يبدأ الشاعر بالنّداء، وكأنّه يستغيث ويستنجد، وبعدها يتحسّر على أيّام الحب الخالية، ويستخدم التشبيه لهذا الحب وكأنّه صرح عظيم شامخ تداعى وسَقط، وبعدها يبدأ بالبكاء على الآثار الباقية من هذا العشق، ويتمنّى أن تُحكى قصّة هذا الحب لكلّ العاشقين؛ ليكونَ قصة خالدة عن عذاب الحب وجراحه، ويُلاحَظ التّنويع في الأساليب الإنشائية ما بين نداء وطلب واستفهام، وكلّ ذلك يدلّ على الحيرة والضياع الذي عاناه الشاعر.[٧]

لَسْتُ أَنْسَاكِ وَقَدْ أَغْرَيْتِنِي

بِفَمٍ عَــــذْبِ ٱلْمُنَادَاةِ رَقِيقْ

وَيَدٍ تَمْتَدُّ نَحْوِي كَيَدٍ مِنْ

خِلَالِ ٱلْمَوْجِ مُدَّتْ لِغَرِيقْ

وَبَرِيقٍ يَظْمَأُ ٱلسَّارِي لَهُ

أَيْنَ فِي عَيْنَيْكِ ذَيَّاكَ ٱلْبَرِيقْ


يبدأ باستحضار الذكريات، ويستخدم النفي لتأكيد عدم نسيان أدقّ تفاصيل المحبوبة؛ ومنها مناداتها له بحب ورقة، ويشرع بوصف المحبوبة، وكيف كانت تمدّ يدها إليه، ومن ثمّ يصف بريق العينين، وما فيه من سحر جذاب يخلب الألباب، ويعود ليسأل عن هذا البريق أين اختفى، وكأنّه يجمع ما بين الحنين للماضي، والحسرة على الحاضر وكيف تلاشى الحبّ فيه وضاع.[٧]

يا حَبِيبًا زُرْتُ يَوْمًا أَيْكَهُ

طَائِرَ ٱلشَّوْقِ أُغَنِّي أَلَمِي

لَكَ إِبْطَـــاءُ ٱلْمُـذِلِّ ٱلْمُنْعِمِ

وَتَجَنِّي ٱلْقَـــادِرِ ٱلْمُحْــتَكِمِ

وَحَنِينِي لَكَ يَكْوِي أَضْلُعِي

وَٱلثَّوَانِي جَمَرَاتٌ فِي دَمِي


يشكو الشاعر هموم الحب وآهاته ويبثّ آلامه لطائر الحب، وهو أمر مألوف لدى كثير من الشعراء، ويصِف عظمة هذا الحب، وكيف كانت المحبوبة تُسيطر عليه وتتحكّم به وبمشاعره، وهذا يدلّ على شدة تعلقه بها وحنينه إليها ولكلّ لحظات الحب القديم بينهما، حتى وصل الحنين إلى درجة أن يكون نارًا تضطرم في حنايا جسد العاشق، والوقت يمرّ كالجمر المتّقد في شرايينه.[٧]

أَعْطِنِي حُرِّيَّتِي أَطْلِقْ يَدَيَّا

إِنَّنِي أَعْطَيْتُ مَا ٱسْتَبْقَيْتُ شَيَّا

آهِ مِنْ قَيْدِكَ أَدْمَى مِعْصَمِي

لِمَ أُبْقِيهِ وَمَـــا أَبْــــقَى عَلَيَّا

مَا ٱحْتِفَاظِي بِعُهُودٍ لَمْ تَصُنْهَا

وَإِلاَمَ ٱلْأَسْرُ وَٱلدُّنْيَـــــــا لَدَيَّا

إنّ عذاب الحب الذي عاناه الشاعر والآلام والنّيران التي اضطرمت في صدره، جعلته يبحث عن الخَلاص من هذا الألم، وإن كان يعرف حقّ المعرفة أنّ هذا الحب لن ينتهي في قلبه أبدًا، لكنّه حاول أن يُواسي نفسه ببعض الكلمات التي تخفّف من وطأة هذا العذاب، فيطلب من المحبوبة أن تطلقَ سراحه، وتفكّ قيود الحب التي أثقلت كاهله، ويقول إنّه لن يصون عهدًا طالما أنّ المحبوبة لم تحفظ العهد والحب، وبعدها يبدأ بالمناجاة الذاتية ويسأل في تعجّب من حاله وما فيه من عذاب وحزن وأسر، وكلّ الدنيا متاحة أمامه.[٧]

أَيْنَ مِنْ عَيْنِي حَبِيبٌ سَاحِرٌ

فِيــــهِ عِــــزٌّ وَجَلَالٌ وَحَيَاءْ

وَاثِقُ ٱلْخُطْوَةِ يَمْشِي مَلَكًا

ظَالِمُ ٱلْحُسْنِ شَجىِ ٱلْكِبْرِيَاءْ

عَبِقُ ٱلسِّحْرِ كَأَنْفَاسِ ٱلرُّبَى

سَاهِمُ ٱلطَّرْفِ كَأَحْلَامِ ٱلْمَسَاءْ

أَيْــنَ مِنِّي مَجْـلِسٌ أَنْتَ بِهِ

فِتْــنَةٌ تَــــمَّتْ سَنَاءٌ وَسَنَى

وَأَنَاْ حُـــبٌّ وَقَلْـــبٌ هَــائِمٌ

وَفَرَاشٌ حَـــائِرٌ مِنْـــكَ دَنَا

وَمِنَ ٱلشَّوْقِ رَسُولٌ بَيْنَنَا

وَنَدِيـــمٌ قَــــدَّمَ ٱلْكَاسَ لَنَا

هَل رَأَى ٱلْحُبُّ سُكَارَى مِثْلَنَا

كَمْ بَنَيْنَا مِنْ خَيَالٍ حَوْلَنَا

ومَشَيْنَا فِي طَرِيقٍ مُقْمِرٍ

تَثِبُ ٱلْفَرْحَةُ فِيهِ قَبْلَنَا

وضَحِكْنَا ضِحْكَ طِفْلَيْنِ

مَعًا، وَعَدَوْنَا فَسَبَقْنَا ظِلَّنَا

لم تنجح محاولات الشاعر في نسيان المحبوبة والتخلُّص من قيود الحب، وسرعانَ ما عاد لتذكُّر المحبوبة وصفاتها الجميلة التي جعلته عاشقًا هائمًا بها وبجمال صفاتها الخَلقية والخُلقية، ويستخدم صورًا وأساليب بلاغية مختلفة في وصف المحبوبة لا لِيُظهر براعته في البلاغة؛ بل لأنّ جمالها يفرض عليه هذا الوصف، فعلى الرغم من مرور خمس عشرة سنة على الفراق لم ينسَ تفاصيلها وصفاتها أبدًا، وممّا يؤكد أنّ الشاعر لم يكن يطلب فك قيود الحب حقيقةً، هو قِصر المقطع الذي طلب فيه أن يأخذ حريّته من هذا الحب، وطول المقطع الذي يصِف فيه المحبوبة ويتذكّر الأيام السابقة.[٧]

وَٱنْتَبَهْنَا بَعْدَمَا زَالَ ٱلرَّحِيقْ

وأَفَقْنَا لَيْتَ أنَّا لَا نُفِيقْ

يَقْظَةٌ طَاحَتْ بِأَحْلَامِ ٱلْكَرَى

وَتَوَلَّى ٱللَّيْلُ وَٱللَّيْلُ صَدِيقْ

وَإِذَا ٱلنُّورُ نَذِيرٌ طَالِعٌ

وَإِذَا ٱلْفَجْرُ مُطِلٌّ كَٱلْحَرِيقْ

وَإِذَا ٱلدُّنْيَا كَمَا نَعْرِفُهَا

وَإِذَا ٱلْأَحْبَابُ كُلٌ فِي طَرِيقْ

مهما طالت الذكريات، والحنين للأيّام السابقة لا مَهرب من الحاضر، ومن الحقيقة المُرّة المُتعبة، وكما يُقال: "الحقيقة المُرّة أفضل من الوهم المريح"، وعلى هذا النحو سارَ إبراهيم ناجي في قصيدته، فبعد أن تذكَّر عذوبة الأيام الخوالي، ورقّة الحب الذي كان بينه وبين معشوقته، أذعن للواقع المرير، وكيف صار حالهما بعد الفراق، ولم يعد لشيء في هذه الدنيا حلاوة، وكلّ جميل فيها صار بنظره قبيح.[٧]

أَيُّهَا ٱلسَّاهِرُ تَغْفُو

تَذْكُرُ ٱلْعَهْدَ وَتَصْحُو

وَإِذَا مَا ٱلْتَامَ جُرْحٌ

جَدَّ بِٱلتِّذْكَارِ جُرْحٌ

فَتَعَلَّمْ كَيْفَ تَنْسَى

وَتَعَلَّمْ كَيْفَ تَمْحُو

يعود الشاعر مرّة أخرى لمحاولة إقناع نفسه بنسيان الماضي، والتخلُّص من عذاب الحب والفراق، ويُناجي قلبه بأن ينسى ويمحو الماضي؛ كي تتعافى جراحه ويبدأ حياته بعيدًا عن هذه الآلام، ويُعلِّل نفسه بالآمال، وأنّه من المُمكِن أن ينسى.[٧]

يَا حَبِيبِي كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاء

مَا بِأَيْدِينَا خُلِقْنَا تُعَسَاءْ</strong>

رُبَّمَا تَجْمَعُنَا أَقْدَارُنَا

ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَمَا عَزَّ ٱللِّقَاءْ

فَإِذَا أَنْكَرَ خِلٌّ خِلَّهُ

وَتَلَاقَيْنَا لِقَاءَ ٱلْغُرَبَاءْ

وَمَضَى كُلٌّ إِلَى غَايَتِهِ

فلا تَقُلْ شِئْنَا، فَإِن الحظ شاء
يصِل الشّاعر إلى طريقٍ مَسدود في إيجاد طريقة لنسيان المحبوبة؛ فيرمي بهذه الآلام وسبب الفراق على القدر، ويُقنع نفسه أنّ هذا هو نصيبه وحظّه في الدنيا، ويُلاحَظ أنّه خلال محاولته لإقناع نفسه أن ينسى يترك بارقة أمل للّقاء بالمحبوبة، وهذا يدلّ على مقدار تمكُّن هذا الحب في قلبه وعقله وجوارحه، ويختم باعترافه أنّ ابتعاده عن المحبوبة ما كان بإرادته ولا بإرادتها، بل هو نصيبهما وقدرهما.[٧]

المراجع[+]

  1. "إبراهيم ناجي"، ويكي واند، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-25. بتصرّف.
  2. "إبراهيم ناجي"، معرفة، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-25. بتصرّف.
  3. "ديوان إبراهيم ناجي"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-25. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت "قصة قصيدة الأطلال"، عربي، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-25. بتصرّف.
  5. "الأطلال"، ويكيبيديا، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-25. بتصرّف.
  6. "شعر إبراهيم ناجي"، الهنداوي، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-25. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت ث ج ح خ د "الأطلال"، ويكي مصدر، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-25. بتصرّف.