العجلة في الصلاة: مفهومها، أشكالها

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٥٥ ، ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٠
العجلة في الصلاة: مفهومها، أشكالها

مفهوم العجلة في الصلاة

ما المقصود بالعجلة في الصلاة؟

العجلة في الصّلاة تعني الإسراع في أدائها، وعدم التّأني فيها، والعجلة في أيّ عمل تعني الإسراع في إنجازه من غير تأنٍّ ولا تروّ،[١] فالسّرعة في الصّلاة هي أن يؤدّيها المصلّي كنقر الدّيك من غير خشوع ولا اطمئنان سواء كان ذلك في القيام أو الرّكوع أو السّجود، وعكس العجلة في الصّلاة هو الاطمئنان فيها، إذ لا بدّ للمؤمن أن يقف بين يدي ربِّه بخشوع وتأدّب.[٢]

والعجلة في الصَّلاة تحرمُ المؤمن من رضا ربه، فيقع في فخِّ الشيطان بأن يضلَّه، فمن أتقن صلاته استطاع أن يُتقن أمور حياته كلها، وقد ورد في ذلك قول الله تعالى في سورة المؤمنون: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}،[٣] لذلك فإنَّه لا بدَّ من الوقوف مع حديثٍ عن مفهوم العجلة في الصلاة وأشكالها وكيفية علاجها.[٤]


أشكال العجلة المذمومة في الصلاة

ما هي صور العجلة المذمومة في الصلاة؟


إتيان الصّلاة هرولة

ما هو شكل الهرولة إلى الصلاة؟

إنّ الإسراع في الذهاب إلى الصلاة بخطًى متسارعة للّحاق بالإمام قبيل ركوعه أو سجوده هو من العجلة المذمومة التي قد نهى عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقد ورد في الحديث الشريف أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: "إذا أقيمَتِ الصَّلاةُ، فلا تَأتوها وأنتُمْ تَسعونَ، ولَكِن ائتوها وأنتُمْ تمشونَ، وعليكُمُ السَّكينةَ فما أدرَكْتُمْ فصلُّوا، وما فاتَكُم فأتمُّوا"،[٥] فينبغي للمسلم أن يتهادى في مشيته ولا يسرع وهو في طريقه للصلاة؛ لأنّ هذا الإسراع سيخلّ بشرط الخشوع في الصلاة.[٦]


الإسراع في قراءة سورة الفاتحة

ما هو حكم الإسراع في قراءة سورة الفاتحة في الصلاة؟

فالإسراع في قراءة الفاتحة، وما يليها من سور القرآن أو آياته، يعدّ من الأمور المخالفة للسنّة في الصّلاة، والمخلّة في أدائها، فقد ورد في حديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- أنّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- كان: "يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيةً آيةً: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ يَقِفُ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ يَقِفُ"،[٧] فالواجب في قراءة الفاتحة هو قراءتها آية آية، وأن يقف المصلّي قليلًا -مقدار لحظة- بعد قراءة كلّ آية من آياتها قبل أن يتابع.[٨]


عدم إتمام الركوع والسجود

كيف يكون إتمام الركوع والسجود في الصلاة؟

وهو من أشكال العجلة في الصلاة، وقد وردت أحاديث كثيرة في النّهي عنها، فالمصلّي إذا ركع يجب أن يستقرّ جسمه في ركوعه، ثم ينتصب واقفًا، ثمّ يسجد فيستقرّ جسمه في سجوده، ثمّ يرفع فينتصب جسمه جالسًا وهكذا؛ خوف عدم قبول الصّلاة لعدم إتمام الرّكوع والسّجود والقيام، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "إذَا قُمْتَ إلى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ معكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذلكَ في صَلَاتِكَ كُلِّهَا".[٩] ويكون ذلك شكل إتمام الركوع والسجود في الصلاة.[٨]


مسابقة الإمام في الرّكوع والسّجود

ماذا يعني قولهم مسابقة الإمام؟

إنّ بعض المصلّين يسابقون إمامهم في الصلاة الذي هو موجود أصلًا ليُؤتمّ به، فيكون من بعض المصلّين أحيانًا أنّهم يكادون يركعون أو يسجدون أحيانًا أو يرفعون من الركوع والسجود قبل الإمام، وهذا أمرٌ خطيرٌ قد ورد فيه نهي ووعيدٌ شديد اللهجة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويمكن إجمال هذه المخالفات في مسابقة الإمام فيما يأتي:[٨]

  • موافقة الإمام: تعني موافقة الإمام الركوع والسجود معه مباشرة، وهذا أمرٌ خطأٌ منهيٌّ عنه، فالإمام يُؤتمّ به ولا يُسابَق.
  • مسابقة المصلي للإمام حتى يكاد يركع أو يسجد قبله: وهذا أيضًا من العجلة المخلّة بالصلاة، إذ قد قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فيما صحّ عنه: "أَما يَخْشَى أحَدُكُمْ -أوْ: لا يَخْشَى أحَدُكُمْ- إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ، أنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ؟! أوْ يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ".[١٠]
  • إكمال المصلّي ما فاته من الصلاة قبل تسليم الإمام: فبعض المصلّين يقومون لإتمام ما فاتهم من صلاتهم قبل تسليم الإمام، أو قبل فراغ الإمام من التسليمة الثانية، ولكن الواجب هو انتظار الإمام حتى يفرغ من التسليمة الثانية، فبذلك يكون المصلّي قد تابع الإمام، فالإمام يُتابَع لا يُسابَق ولا يُوافَق، والله أعلم.


حكم العجلة في الصلاة

ما الأحكام المترتبة على العجلة في الصلاة؟

إنّ الواجب على المؤمن في صلاته أن تتملّكه الطمأنينة في كلّ حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله، فالعجلة في الصلاة -كما تقدّم- مذمومةٌ منهيٌّ عنها، ولها أحكام كثيرة تختلف باختلاف الشكل الذي تكون فيه العجلة، ولأشكال العجلة المذمومة في الصلاة أحكام كثيرة، منها:


حكم العجلة في قراءة الفاتحة وغيرها من القرآن

ما حكم العجلة في قراءة القرآن في الصّلاة؟

يتوجّب على المصلّي كما سبق ذكره أن يقرأ القرآن بصورة هادئة وواضحة آية آية كما قرأ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ويُخرج الحروف من مخارجها الصّحيحة على نحوٍ تظهر فيه القراءة واضحةً ومفهومة، فإذا أسرع في القراءة لم يعد بالإمكان استيعاب ما يقرأ، وقد لا تظهر الحروف بشكل واضح أو يسقط بعضها، وتتداخل الكلمات مع بعضها بعضًا، وهذا مخالف للسنّة، وقد يقع في أخطاء أثناء قراءته، ولا يُتمكّن من تلافيها، فلذلك كانت العجلة في القراءة مذمومة وغير جائزة، والله أعلم.[١١]


حكم العجلة في الرّكوع والسّجود

ما الصورة الصحيحة للركوع والسجود؟

وأمَّا في الركوع في السجود فإنَّ الواجب على المصلي أن يتأنَّى فيهما، إذ لا بدّ من الطّمأنينة في الرّكوع، فيركع والأفضل له أن يقول "سبحان ربي العظيم" ثلاثًا، ثمّ يرفع من الرّكوع، فيطمئن في الرّفع بمقدار قوله ربنا ولك الحمد، ثمّ يسجد، ويطمئن في السّجود يسبّح فيه ولو مرّة واحدة، ويرفع من السّجود فيستوي جالسًا حتى يرجع كلّ عضو لمكانه، ويطمئنّ بجلوسه بين السّجدتين ويدعو بما يشاء، فالطّمأنينة في الرّكوع والسّجود والرّفع منهما فرض في الصّلاة.[١٢]


حكم مسابقة المصلّي لإمامه

ما قول أهل العلم في مسابقة المصلي للإمام؟

لصحّة أداء صلاة المأموم خلف إمامه على المأموم ألّا يسابق إمامه، ولا يوافقه في الرّكوع والسّجود، فمتابعة الإمام في الصلاة واجبة، ومسابقته محرّمة، وأمّا موافقته فمكروهة، وقال بعض العلماء -ومنهم ابن باز- إنّ الراجح من خلال النصوص أنّ الموافقة محرّمة أيضًا، فالإمام إنّما جُعِلَ إمامًا ليؤتمّ به، فقد قال النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- فيما ورد في صحيح البخاري: "إنَّما جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ به، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وإذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وإذَا قالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ، فَقُولوا: رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ، وإذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، وإذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ"،[١٣] والله أعلم.[١٤]


حكم قيام المسبوق قبل تسليم الإمام

ما الوقت الأمثل لقيام المسبوق بعد تسليم الإمام؟

هناك خلاف بين الأئمة في حكم التّسليم في الصّلاة، فقد ذهب الأحناف إلى أنّ التسليم من الصلاة سنّة، وقال المالكيّة بأنّ المشروع في الصّلاة تسليمة واحدة، وأمّا الثانية فلا تشرع "في حق الإمام والمنفرد"، بينما يرى الشّافعية -والقول الراجح عند الحنابلة- بأن الأولى واجبة، والثّانية مستحبّة، ولكي يخرج المصلّي من الخلاف السابق فإنّ عليه ألّا يقوم حتى يسلّم الإمام التسليمة الثانية، وأمّا الذي يتهيَّأ للقيام قبل فراغ الإمام من التسليمة الثانية فلا شيء عليه، والله أعلم. [١٥]


علاج العجلة في الصلاة

كيف عالج أهل العلم مسألة العجلة في الصلاة؟

إنّ العجلة في الصّلاة من الأخطاء القبيحة التي يقع فيها كثيرٌ من المصلّين، وقد حذَّر من ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غير موضعٍ، ولا بدَّ للمصلي أن يقف على بعض الحلول التي يتوخى فيها العجلة في الصلاة:[١٦]

  • التأّني في أدائها: ويكون التَّأني من خلال الاطمئنان والخشوع في القيام والقراءة والرّكوع والسّجود، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.[١٧]
  • الخضوع والاستسلام لله تعالى: وأهم صور الخضوع لله تعالى هو خضوع المسلم في صلاته، إذ ليس للمسلم من صلاته إلّا ما عقل منها، وقد ورد في ذلك عن عمّار بن ياسر رضي الله عنه أنَّه قال: "إنِّي سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنَّ العبدَ لَينصَرِفُ مِن صلاتِهِ، وما كُتِبَ له منها إلَّا عُشْرُها، أو تُسْعُها، أو ثُمُنُها، أو سُبُعُها، أو سُدُسُها، أو خُمُسُها، أو رُبُعُها، أو ثُلُثُها، أو نِصفُها".[١٨]
  • التأمّل في قراءة للقرآن: فعلى المصلّي أن يتفكّر فيما يقرأ من القرآن في صلاته، وأن يسأل الله تعالى الرّحمة والمغفرة، وبذلك يكون قد استطاع التّخلّي عن العجلة والغفلة في صلاته.

المراجع[+]

  1. "تعريف و معنى العجلة في الصلاة في قاموس المعجم الوسيط"، معجم المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-23. بتصرّف.
  2. "الإسراع في الصلاة بين الصحة والبطلان "، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-23. بتصرّف.
  3. سورة المؤمنون، آية:1-2
  4. "علاج السرعة في الصلاة "، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-23. بتصرّف.
  5. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:327، حديث صحيح.
  6. "العجلة المذمومة في الصلاة"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-29. بتصرّف.
  7. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن أم سلمة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:5000، حديث صحيح.
  8. ^ أ ب ت "العجلة المذمومة في الصلاة"، ألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-29. بتصرّف.
  9. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:397، حديث صحيح.
  10. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:691، حديث صحيح.
  11. "حكم العجلة في الصلاة ونقرها "، الإمام ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-23. بتصرّف.
  12. "حكم الإسراع في القراءة والصلاة "، الإسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-23. بتصرّف.
  13. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:689، حديث صحيح.
  14. "حكم مسابقة المأمومين للإمام في الصلاة"، الإمام ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-23. بتصرّف.
  15. "حكم القيام قبل أن يتم الإمام التسليمتين"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-23. بتصرّف.
  16. "علاج العجلة في الصلاة"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-09-23. بتصرّف.
  17. سورة المؤمنون، آية:1-2
  18. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج مشكل الآثار ، عن عمار بن ياسر، الصفحة أو الرقم:1103، حديث صحيح.