الطباق في اللغة العربية

الطباق في اللغة العربية
الطباق في اللغة العربية

تعريف الطباق لغة واصطلاحًا

كيف تُبنى قاعدة الطباق على التضاد؟

يُعرّف الطباق لغةً بأنّه هو جمع شيء فوق شيء، أي مُطابقته وجعله على شكل طبقات[١]، ويُضيف الخليل بن أحمد الفراهيدي تعريفًا للطباق ويقول: "طابقت بين الشيئين إذ جمعت بينهما على حذو واحد وألزقتهما"، ويُقال تطابق الشيئين أي تساويا، والتطابق هو الاتّفاق، أمّا عن تعريف الطباق اصطلاحًا فهو الجمع بين الضّدين، أو المعنيين المُتقابلين في الجملة، وللطباق أسماء ومترادفات عديدة وهي؛ الطباق، والتطبيق، والتضاد، والمطابقة، والتكافؤ.[٢]


بينما يُعرف الطباق يضع الشك بينه وبين المقابلة وذلك لقُرب المفهوم والتّعريف بينهما، بيد أنّ اللُّغويّين ميّزوا ووضّحوا الفرق بين الطباق والمقابلة، ومنهم القزويني إذ يقول في كتابه الإيضاح إنّ الطباق هو: "هو الجمع بين المتضادّين، أي معنيين متقابلين في الجملة"[٢]، أمّا المُقابلة فهي "أن يؤتى بمعنيين متوافقين، أو معانٍ متوافقة، ثم بما يقابلهما أو يقابلها على الترتيب"، إذًا فإنّ قاعدة الطباق في اللغة العربية لا تكون إلّا بين الأضداد، أمّا المُقابلة فهي تكون بين الأضداد وغير الأضداد، كما أنّ الطّباق لا يحدث إلا ضدّين فقط، أما المُقابلة فهي بين أكثر من اثنين.[٣]


اختلف اللّغويون في علم البلاغة بتسمية الطّباق، فمثلًا سمّاه ابن رشيق بالمُطابقة، وعبد الرحيم بن أحمد العباسي أسماه بالطباق، ويعود الأمر في هذا الاختلاف إلى أن الطّباق يأخذ أشكالًا وصورًا عديدة وأنواعًا مختلفة، ممّا جعل علماء اللغة يختلفون بالمفاهيم الدالة على هذه الأنواع، ومنها طباق التدبيج، ثم الطباق المرشح، وغيرها الكثير من الأنواع التي تتّخذ قواعد خاصة بها، بيد أنّ الفرق بين الطّباق والتّضاد غير مذكور فهما ترادف لنفس المعنى.[٤]

أنواع الطباق

كيف تكون المطابقة خفيّة ومُبهمة في قاعدة الطباق؟

اتّفق اللّغويّون بصحّة معنى الطّباق في علم البديع، ولكنّهم اختلفوا بتسميته بالطباق أو المُتطابقة أو التَّطبيق، لذلك فقد تنوّع وفُصّل الطباق بأنواع مختلفة منها:[٤]

طباق الإيجاب

هو الطّباق الذي يَتساوى ويَتقابل طرفاه على وجه الضديّة، وهو ما يتّفق به الضدّان ولا يختلفان إيجابًا وسلبًا، ويكون طباق الإيجاب بصور مُختلفة ومنها أن يكون بين فعلين واسمين، وحرفين، أو مختلفيين، مثال ذلك:[٥]قال الله سبحانه وتعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا).[٦]

إنّ الطباق في الآية الكريمة السابقة هو طباق إيجاب، بين فعلين، وهُنا اتّفق الطّرفان على الضديّة، فكان الطباق الأوّل بين كلمتي أضحك وأبكى، والطباق الثاني بين كلمتي أمات وأحيا.[٧]

طباق السلب

هو الطّباق الذي اختلف فيه الضدّان إيجابًا وسلبًا، ويكون بين مَعنيين مُتضادّين، أحدهما مُثبت والآخر منفيّ، أو ربّما بين أمر ونهي، وكان القزويني أحد مَن أضاف السّلب إلى الطباق وحصره في الأفعال، وفيما يلي أمثلة عن طباق السلب من القرآن:[٨]قال الله سبحانه وتعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).[٩]

إنّ الطّباق في الآية الكريمة السابقة هو طباق سلب، بين معنيين متضادين، وحصل هذا التضاد بالنفي والإثبات، فالكلمة الأولى وهي يعلمون مثبتة، أما الكلمة الثانيّة لا يعلمون، فهي منفيّة بأداة النفي.[١٠]

الطباق الحقيقي

هو ما كان طرفاه لفظين مُتضادين في الحقيقة، وأن يُؤتى بألفاظ تدلّ على معناها الحقيقي، ويكون هذا النّوع من الطباق بين صور مختلفة، فهو بين فعلين أو اسمين، أو حرفين أو مختلفين، مثال ذلك:[٥]قال الله سبحانه وتعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ).[١١]

إنّ الطباق في الآية الكريمة السابقة هو طباق حقيقيّ، فهو دلّ على الحقيقة في معناه، فكلمتي (أيقاظًا ورقود) مقصود بهما اليقظة والنوم، والطباق بين (الشّمال واليمين)، مقصود به الجهات في الحقيقة أيضًا، لذلك فهو طباق حقيقي وصورته هنا بين اسمين.[٥]

الطباق المجازي

هو ما كان طرفاه لفظين مُتضادين، ولكنّهما غير حقيقيين بل مجازيين، وأن يؤتى بألفاظ لا تدلّ على معناها الحقيقي وإنّما استُخدمت مجازًا، وقد سمّاه قدامة بن جعفر بطباق التكافؤ، ومن الأمثلة على هذا الطباق ما يلي:[٥]قال الله سبحانه وتعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).[١٢]

إنّ الطّباق في الآية الكريمة السابقة هو طباق مجازي، فهو لم يدلّ في الحقيقة على معناه، بل ثمّة معنى آخر خلف اللّفظ المَكتوب، فالطباق بين كلمتي (ميتًا، وأحييناه)، وبين كلمتي (نورًا وظلمات)، هو في الحقيقة مقصود به الهدى والضلال، فالضالّ مثله كما الميّت في الظلام، والهدى هو كما الحياة في العيش والنور.[٥]

الطباق المعنوي

هو من أبسط أنواع الطباق، إذ إنه طباق يُفهم من خلال المعنى، وهذا الطباق هو ما كانت المُقابلة فيه بين الشيء وضدّه في المعنى وليس في اللفظ، ومن الأمثلة على ذلك:[٥]قال الله سبحانه وتعالى: (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ).[١٣]

إنّ الطّباق في الآية الكريمة السابقة هو طباق معنويّ، وذلك من خلال معنى الآية الثانية: إنّ الله يعلم إنّا لصادقون، وهنا كان التّضاد في اللفظين مفقودًا، إلا أنّه حضر في المعنى.[٥]

إيهام المطابقة

هو الطّباق الذي جُمع فيه بين معنيين غير مُتقابلين، وإنما عُبّر عنهما بلفظين يتقابَل معناهما في الحقيقية، ولذلك سُمّي بالإيهام، ومن الأمثلة على ذلك:[٥]


لا تَعجَبي يا سَلمُ من رَجُلٍ

ضَحكَ المشيبُ برأسهِ فبَكى

إنّ الشاعر في البيت السابق أراد بقوله ضحك المشيب برأسه، هو ظهور الشيب برأسه ظهورًا تامًا، ولا تقابُل بين ظهور الشيب والبكاء، وإنّه تقابُل مجازيّ، لذلك عُدّ من نوع إيهام المطابقة، لكنّ الضحك والبكاء في البيت نفسه بينهما طباق حقيقي، لا مجاز ولا إيهام به.[٥]


الملحق بالمطابقة

هو الطّباق الذي تكون فيه المطابقة خفيّة، إذ يتعلق طرفا الطباق أحدهما بالآخر تعلّق السببيّة، وللملحق بالطباق اسم آخر وهو الطباق الخفيّ؛ ذلك لأنّ المطابقة خفيّة تتطلّب إلى استنتاجها، ومن الأمثلة على هذا الطباق:[٥]قال الله سبحانه وتعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ).[١٤]

إنّ الطّباق في الآية الكريمة السابقة يظنّه البعض أنّه بين كلمتي (رحماء، وأشدّاء)، ولكن الرحمة ليست مُقابلة للشدة، لكنّها مُسببة عن اللين والذي هو ضد الشدة.[٥]

أمثلة على الطباق

  • الكِبْرُ والحمْدُ ضِدّانِ اتّفاقُهما
مثْلُ اتّفاقِ فَتَاءِ السّنّ والكِبَرِ

إنّ الطّباق في الأبيات السابقة هو طباق إيجاب، فقد أراد الشاعر الطّباق بلفظه الحقيقي بين كلمتي (الكِبر والحمد)، وبين (فتاء السن، والكِبر).[١٥]


  • العدو يظهر السيئة، ويخفي الحسنة.

إنّ الطباق في الجملة السابقة هو طباق إيجاب، بين لفظين مُتضادّين في الحقيقة، إذ اتّفق الطّرفان على الضديّة الظاهرة، فالطباق بين الفعلين (يُظهر ويُخفي)، وبين الاسمين (السيئة والحسنة)، والطّباق هنا هو طباق إيجاب حقيقيّ.[٥]


  • قال الله سبحانه وتعالى: (هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْآخِرُ وَٱلظَّٰاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ).[١٦]

إنّ الطباق في الآية الكريمة السابقة هو طباق إيجاب ولكنّه بين اسمين، وهنا اتّفق الطّرفان على الضديّة، فالطّباق الأوّل بين كلمتي (الأوّل والآخر)، والطّباق الثاني بين كلمتي (الظّاهر والباطن).[٧]


  • وَنُنكِرُ إِن شِئنا عَلى الناسِ قَولَهُم
وَلا يُنكِرونَ القَولَ حينَ نَقولُ

إنّ الطّباق في البيت السابق هو طباق سلب بينَ معنيين مُتضادّين بالنّفي والإثبات، فالطباق بين كلمة نُنكر، ولا يُنكرون.[١٧]


  • قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).[١٨]

إنّ الطباق في الآية الكريمة السابقة هو طباق إيجاب ولكنّه بين حرفين، واتّفقت هذه الأحرف على الضديّة، فحاصل الطباق بين كلمتي (لهُنَّ، وعليهِنَّ).[٧]


  • أمَا والذي أبكى وأضحك والذي
أمات وأحيا والذي أمره الأمر

إنّ الطّباق في الأبيات السابقة هو طباق حقيقي، أيّ أنه حدث في الحقيقة بمعناه، فكلمتي (أضحك، وأبكى)، المقصود بهما الضحك والبكاء بالحقيقة، والطباق بين (أمات وأحيا) مَقصود به الموت والحياة في الحقيقة أيضًا، لذلك فهو طباق حقيقي وصورته هنا بين فعلين.[١٩]


  • قال الله سبحانه وتعالى: (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).[٢٠]

إنّ الطباق في الآية الكريمة السابقة هو طباق إيجاب، ولكنّه بين ضدّين مُختلفين في النوع، رغم أنّ الطرفان اتّفقا بالضديّة، وهذا الطباق المختلف كان بين الفعل يُضلل، وبين الاسم هادٍ، فكلا الفعل والاسم بينهما طباق.[٧]


  • إذا نحن سِرنا بين شرق ومَغرب
تَحَرَّك يقظان التراب ونائمُه

إنّ الطباق في البيت السابق هو طباق مجازي، فالمطابقة بين كلمتي (اليقظان والنائم)، نٌسبت إلى التّراب وذلك على سبيل المجاز وليس الحقيقة، لذلك اكتسب الطباق هنا صفة المجاز.[٥]


ما الفرق بين الطباق والجناس؟ الإجابة في هذا المقال: الفرق بين الجناس والطباق.

المراجع[+]

  1. "تعريف و معنى طباق في معجم المعاني الجامع"، المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 2020-12-01. بتصرّف.
  2. ^ أ ب محمد أحمد قاسم، محي الدين ديب، علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني، صفحة 65. بتصرّف.
  3. محمد أحمد قاسم، محي الدين ديب، علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني، صفحة 72. بتصرّف.
  4. ^ أ ب إنعام فوال عكاوي، المفصل في علوم البلاغة، صفحة 196-197. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش محمد أحمد قاسم، محي الدين ديب، علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني، صفحة 66-69. بتصرّف.
  6. سورة النجم، آية:43-44
  7. ^ أ ب ت ث أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، صفحة 365-366. بتصرّف.
  8. "كتاب البلاغة"، المكتبة الشاملة الحديثة، اطّلع عليه بتاريخ 2020-12-01. بتصرّف.
  9. سورة الزمر، آية:9
  10. "الطباق والمقابلة"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 2020-12-01. بتصرّف.
  11. سورة الكهف، آية:18
  12. سورة الأنعام، آية:122
  13. سورة يس، آية:15-16
  14. سورة الفتح، آية:29
  15. "ما هو الجناس والطباق في علم البديع وما الفرق بينهما"، أراجيك، اطّلع عليه بتاريخ 2020-12-02. بتصرّف.
  16. سورة الحديد، آية:3
  17. "إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 2020-12-01. بتصرّف.
  18. سورة البقرة، آية:228
  19. "حننت إلى ريا"، ديوان العرب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-12-01. بتصرّف.
  20. سورة الزمر، آية:36

513 مشاهدة