الفرق بين الجناس والطباق

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٢٢ ، ٢٤ يوليو ٢٠١٩
الفرق بين الجناس والطباق

المحسنات اللفظية والمعنوية

علم البديع هو فرعق من فروع علم البلاغة، وهو يختصّ بتحسين الكلام لفظيًّا أو معنويًّا، ومن هنا كان فيه قسمان: المحسنات اللفظية، والمحسنات المعنوية، والمقصود بالمحسنات اللفظية أي تحسين الكلام وتنميقه من جهة الفظ مثل الجناس، والسجع، ورد العجز على الصدر، والتصريع، أمّا المحسنات المعنوية فالتحسين فيها يكون من جهة المعنى دون اللفظ ومنها الطباق والمقابلة والتورية وغيرها. وهذا المقال سيقارن بين هذين القسمين من أقسام علم البديع وذلك بالحديث عن الفرق بين الجناس والطباق، فواحد منهما من المحسنات اللفظية، والآخر من المحسنات المعنوية.[١]


تعريف الجناس

الجناس كما مرّ سابقًا هو أحد المحسنات اللفظية في علم البلاغة، ومما يقال في تعريفه لغةً: المشاكلة، والاتحاد في الجنس، وجنسُ الشيء أصله الذي اشْتُقَّ منه، وتَفَرَّع عنه، واتَّحدَ معَه في صفاته العظمى التي تُقومِّ ذاته، أمّا في تعريف الجناس اصطلاحًا يقول علماء البلاغة: الجناسُ في الاصطلاح أن يتشابه اللَّفْظانِ في النُّطْقِ وأن يَخْتَلِفَا في المعنى. وبذلك فإن الجناس يركز على اللفظ والاختلاف يكون من ناحية اللفظ وبحسب الاختلاف بين اللفظتين يُقسم الجناس إلى نوعين وهما الجناس التام والجناس الناقص "غير التام"، في حين أن الطباق لا يهتم بالكلمة من ناحية الحروف واللفظ بل من ناحية المعنى وسيتضح الفرق بين الجناس والطباق بعد ذكر تعريف الطباق.[٢]


تعريف الطباق

الطباق في علم البلاغة هو أحد المحسنات المعنوية، وهذا الفرق بينه وبين الجناس أنه يركز على المعنى، والمقصود أنه يركز على المعنى لا على اللفظ يتضح من تعريفه وهو: الجمع بين لفظتين متضادتين. واضح من التعريف أنه لم يتطرق أبدًا إلى حروف الكلمات أو عددها أو ترتيبها أو هيئتها أو ما إلى ذلك من الأمور المتعلقة باللفظ مثلما هو الأمر في الجناس، إنما فقط ركز على الضدية بين اللفظتين، والطباق له نوعان: طباق إيجاب وهو الإتيان بالكلمة وضدها نحو: "يضحك الطفل ويبكي"، وطباق السلب وهو الإتيان بالكلمة ونفيها مثل: "يضحك الولد ولا يضحك". وستطرح في فقرة منفصلة أمثلة وشواهد من الشعر والنثر توضح الفرق بين الجناس والطباق.[٣]


الفرق بين الجناس والطباق

بعد التقديم بالحديث عن المحسنات اللفظية والمعنوية، والتفصيل في تعريف الجناس وتعريف الطباق، صار الوصول إلى الفرق بين الجناس والطباق من الأمور السهلة الاستنتاج وذلك بناء على ما مر من تعريفات وتوضيحات، فإن أول فرق هو أن الطباق من عائلة المحسنات المعنوية التي تهتم بتحسين المعنى، في حين أن الجناس من عائلة المحسنات اللفظية التي تركز على تحسين اللفظ، وثم إن الجناس وإن كان مشروطًا باختلاف الكلمتين المتجانستين من ناحية المعنى إلا أنه لا يحدد علاقة الاختلاف هذه بالضدية كما في الطباق فهو فقط يكتفي بالاختلاف في المعنى، أما الطباق فهو يركز على ضرورة التضاد بين اللفظتين الواقع بينهما طباق سواء كان هذا التضاد تضادًّا عكسيًّا، أم تضادًّا نفيًا.[٤]


وممّا هو جدير بالذكر أنه وإن كان هناك فرق بين الجناس والطباق، إلا أنه لا بد من نقاط مشتركة بينهما ومنها أولًا انتماؤهما إلى علم واحد وهو علم البديع، وثانيهما أن كل واحد منهما يُقسم إلى قسمين ففي الجناس يوجد جناس تام وجناس ناقص، وفي الطباق يوجد طباق إيجاب وطباق سلب، ولكل واحد منهما ولأنواعه أمثلة وشواهد ستعرض بالتفصيل في الفقرة الآتية.[٥]


أمثلة على الجناس والطباق

إن كلًّا من الجناس والطبقا من المحسنات التي يلجأ الأدباء والشعراء إلى استعمالها لتحسين الكلام وتنميقه، وليؤثروا في قرائهم ويسحروا عقولهم ويخلبوا ألبابهم، وذلك لمعرفتهم بما لهذه المحسنات من تأثير في القراء، وما تعطيه للنصو من جرس موسيقي عذب، وإن كان لكل من الجناس والطباق وقع يختلف عن الآخر ولكن هذا لا ينفي دور كل منهما في إثراء النوصو وتقويتها وجذب القراء إليها، وليتوضح الفرق بين الجناس والطباق من جهة الأثر الذي يتركه كل منهما ستُعرض بعض الأمثلة لكل منهما.


أمثلة على الجناس

تكثر الأمثلة على الجناس بنوعيه التام والناقص، وهي موجودة في شتى أنواع الكلام في اللغة العربية من الشعر والنثر والقرآن الكريم، وسيُعرض بعضًا منها مع الشرح والتفصيل مع محاولة التنويع بين الشواهد ما بين شعر ونثرٍ وآيات قرآنية كريمة:

  • قوله تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ*إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}[٦] الجناس بين الكلمتين: الساق والمساق، وهو جناس ناقص واقع في عدد الحروف؛ إذ اختلفت الكلمتان في المعنى واختلفتا في عدد الحروف مع الاتفاق في نوع الحروف وهيئتها وترتيبها، واختلاف المعنى بين الكلمتين لم يكن فيه تضاد.
  • قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}[٧] الجناس في هذه الآية بين كلمتي: همزة ولمزة، فقد اتفقتا في عدد الحروف وترتيبها وهيئتها، واختلفتا في نوع الحروف، والحرفان المختلفان هما الهاء واللام، كما اختلفتا في المعنى.

إِذَا الخَيْلُ جابَتْ قَسْطَلَ الحَرْبِ صَدَّعُوا

صدورَ العوالي في صُدُور الكتائبِ

الجناس وقع في كلمة صدور؛ فالمقصود بصدور العوالي مقدمة الرماح، أما صدور الكتائب فالمقصود بها صدور أفراد الجيش، وهو جناس تام؛ إذ اتفقت الكلمتان في اللفظ من ناحية عدد الحروف وهيئتها ونوعها وترتيبها، واختلفتا في المعنى.

  • قول حسان بن ثابت:[٩]

وَكُنّا مَتى يَغزُ النَبِيُّ قَبيلَةً

نَصِل حافَتَيهِ بِالقَنا وَالقَنابِلِ

وقع الجناس في هذا البيت بين لفظتي: القنا والقنابل، وهو ناقص بسبب الاختلاف بين اللفظتين في عدد الحروف، فقد اتفقت اللفظتان في نوع الحروف وهيئتها وترتيبها، واختلفتا في عدد الحروف، كما اختلفتا في المعنى أيضًا من دون أن يكون هناك تضاد بينهما.


أمثلة على الطباق

تتنوع الأمثلة على الطباق في الشعر والنثر وفصيح الكلام، وستُذكر بعض هذه الأمثلة ليكون الفرق بين الجناس والطباق جليًّا وواضحًا، ولعل اكتشاف الطباق في الشواهد سيكون أكثر وضوحًا بالنسبة للقارئ لأن التضاد بين المعنيين يظهر مباشرةً، ومن الشواهد على الطباق:

  • قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}[١٠] الطباق بين لفظتي: أضحك وأبكى فهما لفظتان متضادتان في المعنى، ونوع الطباق طباق إيجاب لأنه وقع بين الكلمة وضدها، ومما هو واضح أن اللفظ مختلف تمامًا ولم يؤثر على الطباق، لأنه أساسًا لا يهم اتفاق الحروف أو اختلافها في الطباق.
  • قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}[١١] الطباق في هذه الآية بين لفظتي: يعلمون ولا يعلمون، وهو طباق سلب لأنه وقع بين الكلمة ونفيها، وأداة النفي المستعملة هنا هي "لا" .

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً

كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ

الطباق في هذا البيت وقع في موضعين: الأول بين مكرٍّ ومفرٍّ وهما كلمتان متضادتان، وتعنيان مهاجم وهارب. والثاني بين: مقبلٍ ومدبرٍ، وأيضًا هما لفظتان متضادتان، وفي الموضعين نوع الطباق هو طباق إيجاب وقع بين الكلمة وضدها.

من خلال ما عُرض من شواهد وأمثلة لا بد أن يكون الفرق بين الجناس والطباق صار واضحًا وبيِّنًا للباحث في علم البلاغة عمومًا، وفي علم البديع وأنواعه خصوصًا.

المراجع[+]

  1. "علم البديع"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 14-07-2019. بتصرّف.
  2. " الجناس "، www.almerja.com، اطّلع عليه بتاريخ 14-07-2019. بتصرّف.
  3. "طباق"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 14-07-2019. بتصرّف.
  4. "جناس"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 20-07-2019. بتصرّف.
  5. "طباق"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 20-07-2019. بتصرّف.
  6. سورة القيامة، آية: 29-30.
  7. سورة الهمزة، آية: 1.
  8. "على مثلها من أربُعٍ وملاعبِ"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 14-07-2019.
  9. "أهاجك بالبيداء رسم المنازل"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 14-7-2019.
  10. سورة النجم، آية: 43.
  11. سورة الزمر، آية: 9.
  12. "قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 14-07-2019.