أنواع الأهلية في القانون

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:١٠ ، ١٣ يوليو ٢٠٢٠
أنواع الأهلية في القانون

الأهلية في القانون

الأهليّة لغةً هي الصلاحيّة والكفاية والجدارة لأيّ أمر من أمور الدّنيا، التي غالبًا ما يمارسُها الإنسان في حياته الاعتياديّة، وبالتالي فالأهلية لشيء معيّن تعني صلاحيّته له، ومنه قول الباري -عزّ وجلّ- في محكم كتابه العزيز في حق المؤمنين: "وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقّ بها وأهلها"، وعلى هذا الأساس فإنّ الأصل في الإنسان أن يكون كامل الأهلية، وما نقصانها تباعًا إلا استثناء من الأصل العامّ، ولا بد أن يكون هذا النقصان الطارئ عليها بموجب نص قانوني محدد على سبيل الحصر لا على سبيل المثال، ويُلاحظ أن الأهلية يتم تنظميها بقوانين الأحوال الشخصية، وقواعد القانون المدني، وعليه فإنّ الأهلية ما هي إلا وسيلة يتمكّن من خلالها الشّخص اكتساب الحقوق وتحمّل الالتزامات، كما يمكنه ممارسة الأعمال والتصرّفات المتعلّقة بهذه الحقوق والالتزامات على الوجه الذي يعتد به في القانون, لذلك كان من الضروري بمكان بيان المقصود بالأهلية.[١]

أنواع الأهلية في القانون

لا تفرّقُ التشريعات القانونية في الأهلية بين الرجل والمرأة، إذ إن كليهما يتمتّعان بالأهليّة الكاملة، ما لم يطرأ عليها عارض ما ينقص منها, في حين تذهب أغلب هذه التشريعات -على اختلاف أنواعها- إلى نوعَيْن من الأهليّات، وهي أهلية الوجوب وأهلية الأداء، وعليه لا بُدّ من بيان المقصود بكلّ نوع منها على النحو الآتي.

أهلية الوجوب

هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وقدرته على تحمّل الالتزامات، وبالتّالي فهي ترتبط أساسًا بالشخصيّة القانونية للإنسان وعليه فإِنَّ الشخص يكون محل اعتبار بموجب القانون، فله الحقّ بالتمتّع بالحقوق كافّة التي يمنحها له القانون، وعليه الوفاء بالالتزامات التي يفرضها القانون عليه, وتعدّ أهلية الوجوب من أهم خصائص الشخصية القانونية، وهي تثبت للإنسان بمجرد ولادته ولا تزول عنه إلا بموته, لذلك فإِنَّ مناط أهلية الوجوب هو حياة الإنسان واستمراريتها، مع ملاحظة أنَّ أهلية الوجوب تبدأ قبل الولادة, فالجنين وهو داخل رحم أمه له أهلية وجوب أيضًا, ولكنّها لا تكون كاملة كما هو الحال لدى الشخص الموجود فعليًا، حيث يعدّ هذه النوع من الأهلية ناقصًا غير مكتمل، فللجنين الحق في الحياة، ولهذا فإِنَّ عملية الإجهاض تعدّ اعتداء على هذا الحق، لهذا السبب جُرمت العديد من التشريعات القانونية مثلَ هذا الفعل؛ لما فيه من تَعَدٍّ على حقّ الحياة للجنين.[٢]

أهلية الأداء

يُقصد بأهلية الأداء صلاحية الشخص لمُباشرة جميع التصرّفات القانونية بنفسه أو بالنيابة عن غيره, وهذه الصلاحية تعتمد في الأساس على أمور مهمة كون الإنسان يجب أَن يتمتع بإدراك وتمييز كاملَيْن دون نقصان, ولذلك يكون مناط أهلية الأداء هنا هو العقل والتّمييز, أيْ وجود الإرادة الواعية المدرِكة لجميع ما يقوم به من أفعال وتصرّفات قانونية, ولكن في بعض الحالات قد يعتري الأهلية نقص، أو قد تنعدم بشكل كامل لانعدام أو نقص اكتمال العقل والإدراك عند الشخص، في هذه الحالة سوف يكون مثل هذا الإنسان متمتعًا بأهلية الوجوب فقط دون أهلية الأداء, وعليه يستطيع أن يكون في هذه الحالة صاحب حق ، دون أن يكون قادرًا على مباشرة أيّ تصرف قانونيّ يتعلّق بهذا الحقّ.[٣]

الفرق بين أهلية الوجوب وأهلية الأداء

كما اُسلف سابقًا، فإِنَّ أهليه الوجوب تختلف عن أهلية الأداء؛ ذلك أَنَّ الأولى يتمتّع بها كلّ إنسان ثبتت له الحياة بعد الولادة, وبالتالي فهي أهلية تبدأ كاملة وتستمرّ على هذا النحو طوال حياته، فلا تتأثّر بتقدّم السن أو بإصابته بأيّ نوع من الأمراض الجسمية أو النفسية، على عكس أهلية الأداء فهي تتأثر بتقدُّم سن الإنسان، ولا تكتمل إلا ببلوغ السنّ المنصوص عليها في القانون, كذلك فإن أهلية الوجوب في حالة انعدامها فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحل شخص آخر محلّه للقيام بها، في حين أنّ أهلية الأداء إذ ما انتقصت أو انعدمت، فإنه يمكن تعويضها من خلال شخص آخر ينوب عنه.[٤]

مراحل تطور الأهلية

يمرّ الإنسان بمراحلَ مختلفة من العمر منذ خلقه في رحم الأم، وتبدأ من مرحلة كونه جنينًا ولغاية سن الرشد والبلوغ, وكل مرحلة من هذه المراحل يكتسب فيها حقوقًا مختلفة, ويترتّب عليه التزامات مختلفة أيضًا:[٥]

مرحلة الجنين

هنا يكون داخل رحم الأم وهنا تكون له أهلية وجوب ناقصة فيكون له بعض الحقوق دون أيّ التزام؛ لأنّ مناط أهلية الأداء للالتزامات الإدراك والتمييز، وهما غير متوفّرَيْن في حالة الجنين.

مرحلة الطفولة

هي مرحلة تبدأ منذ الولادة وانفصال الجنين عن رحم الأم، وتنتهي ببلوغ سنّ التّمييز، وهنا تكتمل أهليّة الوجوب لديه لأنّ الحياة قد اكتملت بولادته حيًّا، أمّا أهلية الأداء فتكون معدومة؛ لأنّ مناطها التميّز والإدراك بسبب أنّ الطفل في هذه الحالة غير مميّز أو مدرك وبالتالي، أيّ تصرّف يصدر عنه يعدّ باطلًا، ولا يترتّب عليه أيّ أثر قانوني.

مرحلة التمييز

هذه تبدأ من سنّ التمييز الذي غالبًا ما يكون سنّ السابعة من العمر حتّى بلوغ سن الرشد وهي ثماني عشرة سنة، فتثبت له في هذه الحالة أهلية الوجوب الكاملة وأهليه الأداء ناقصة وهو ما يطلق عليه ناقص الأهلية؛ بسبب أنها -وكما ذُكر سابقًا- مرتبطة بالعقل والإدراك.

مرحلة الرشد

هي المرحلة التي تبدأ ببلوغ الإنسان سن الرشد، وتستمر مدى حياته ما لم يطرأ عليها طارئ ينقص من هذه الأهلية أو يعدمها، وهنا يصبح الإنسان كامل الأهلية, ومما تجدر الإشارة إليه أنَّ أحكام الأهليه هي من النظام العامّ فلا يجوز الاتفاق على ما يخالف هذه الأحكام وعليه كل اتفاق ينص على مخالفتها يعدّ باطلًا بطلانًا مطلقًا.

عوارض الأهلية

هي عبارة عن ظروف وأحوال تطرأ على حياة الإنسان فتزيل هذه الأهليّة بشكلٍ كامل كالموت, وهنا تزول أهلية الأداء والوجوب كاملًة، أو قد تتغيّر بعض من أحكامها كحالة سفر الشخص أو الجهل, وهذه العوارض إما أَن تؤدي إلى انعدام الأهلية كما في حالتَيْ الجنون والعته، والجنون ما هو إلا اضطراب واختلال يصيب عقل الإنسان يجعله فاقدَ التمييز والإدراك، أمّا العته، فهو خلل أو اضطراب عقليّ يصيب العقل ولكنّه يختلف عن الجنون، من حيث أنه يجعل الإنسان قليل الفهم والتركيز، وكلامه غير مفهوم في أغلب الأحيان، ولكن دون أَن يصل به إلى مرحلة الجنون الكامل، حيث تتسم حالته بالهدوء وعدم الهياج والصّراخ, وبالرجوع إلى نص المادة 127 الفقرة 1 من القانون المدني الأردني نجدها قد نصت على أَنَّ "المجنون والمعتوه محجورون لذاتهم، وبالتالي فإنّ تصرّفاتهما تعد باطلة لمجرد حدوث الجنون أو العته", وقد تكون العوارض منقصة للأهلية كما في حالتَيْ السفه والغفلة، والسفه هو عبارة عن عدم قدرة الإنسان على السيطرة والتحكم بالمال، وهو عارض يصيب الإنسان في سلوكه وليس في عقله، ولا يؤدي إلى انعدام التمييز والإدراك, إنّما يقلل منه ممّا يؤدي إلى الانتقاص من الأهلية، أمّا الغفلة فهي ضعف يعتري نفس الإنسان تجعل منه مقبلًا على تصرّفات لا يمكن أَن تكون محلّ ثقة, أي أَنَّه ينفق الأموال في غير مواضعها، والبعض قد يطلق عليه الأبله الذي لا يُحسن تدبير أموره, وكلتا الحالتين تجعل من الشخص ناقص الأهلية.[٦]

موانع الأهلية

قد يبلغ الإنسان السنّ القانونية -سنّ الرشد- ويكون كامل الإدراك والتمييز غير إأنَّه قد تلحق به موانع تحول بينه وبين مباشرته للتصرّفات القانونية.

وهي عبارة عن عدد معيّن من الحالات في حالة حصولها للشّخص، فإِنَّها سوف تحول بينه وبين أهليّته فلا يعود بإمكانه التمتّع بالأهلية الكاملة الممنوحة له بموجب القانون، وهذه الموانع هي:[٧]

  • موانع مادية: هي عبارة واقعة ماديّة قد تحصل للإنسان تحول بينه وبين مباشرته لحقوقه التي يحقّ له مباشرتها مثل الغيبة أو الفقدان.
  • موانع قانونية: هي موانع تمنع الشّخص من مباشرة حقوقه بموجب حكم صادر من القضاء كحالة المسجون و السبب إِنَّ الحكم بعقوبة جنائية يمنع المحكوم عليه خلالتنفيذ الحكم الصادر بالعقوبة من إجراء أيّ نوع من أنواع التصرفات القانونية، باستثناء التصرفات المتعلقة بالحقوق الملازمة لشخصه كالطلاق مثلًا.
  • موانع ذاتية: هي حالات العجز الشّديد التي تحدث للإنسان نتيجة الإصابة بعاهتين من ثلاث، كالصمم والبكم والعمى.

أحكام متعلقة بالأهلية

تعدّ الأحكام الخاصة بالأهلية من قبيل النظام العام؛ فلا يجوز مطلقًا الاتفاق على ما يخالفها، والسبب في ذلك أنّها تؤثّر وبشكل كبير في حياة الشخص القانونية والاجتماعية، وعليه فقد قرّرت العديد من التشريعات القانونية عدم جواز التنازل عنها أو الاتفاق على تغيير أحكامها، فإذا ما أتفق شخص على التنازل عنها لمصلحة شخص آخر، فإن مثل هذا الاتفاق يعد باطلًا بطلانًا مطلقًا, أو إذا ما تم الاتفاق بين اثنين على إعطاء شخص ما أهلية لا تتوفّر شروطها فيه، أو على حرمانه منها، أو التوسّع فيها أو التضيّق منها, كل ذلك لو تم فإنّ أيّ تصرف من هذا القبيل يعد باطلًا، ولا يُعتَدّ به في القانون، ولا تترتّب عليه أيّة التزامات قانونية أو حقوق في مواجهة الآخرين.[٨]

النيابة القانونية أو الشرعية

نصّت التشريعات القانونيّة على أنَّ فاقد الأهليّة أو ناقصها لأيّ سبب من الأسباب مثل: العته أو الجنون أو السفه لزم عليه أَن يكون هنالك من ينوب عنه قانونًا لمباشَرة التصرفات القانونية بالنيابة عنه، وهو ما أطلِقَ عليه بـِ الوليّ أو الوصي، والبعض ذهب إلى تعريف الولاية بأنّها صلاحية الشخص في القيام بالتصرفات القانونية فيما يتعلق بأموال الغير، على خلاف الأهلية التي هي قدرة على التصرف بأمواله فإذا ما انعدمت الأهلية في شخصٍ ما, فإنّ الوليّ يتولّى عنه إتمام الإجراءات القانونية والمالية, وهو ما نصّت عليه المادة 123من القانون المَدنيّ الأردني، حيث جاء فيها "وليّ الصغير هو أبوه ثمّ وصي أبيه ثم جده الصحيح ثم وصي الجد ثم المحكمة أو الوصي الذي نصبته المحكمة"، أمّا الوصي فهو غير الأب والجدّ ممن يملكون صلاحية التصرف بالنيابة عن الصغير، ولكنها تكون وصاية مقيدة بقيود تضعها المحكمة التي قامت بتعيينه, وعليه فإنّ الولاية إمّا أن تكون أصليّة، مثل ولاية الأب أو الجد، أو غير أصلية كولاية الوصي الذي يختاره الأب أو قد يتولّى قاضي المحكمة المختصة تعيينه.[٩]

المراجع[+]

  1. أحمد فوزي أبو عقلين (2012)، عوارض الأهلية(دراسة موازنةفي القانون الفلسطيني والقانون المصري)، صفحة 2. بتصرّف.
  2. "انواع الاهلية وادوارها وعوارضها"، www.mohamah.net، 2016-08-22، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-06. بتصرّف.
  3. "مالمقصود لاهلية الوجوب واهلية الاداء"، www.mohamah.net، 2010-10-04، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-06.
  4. "مالمقصود باهلية الوجوب واهلية الاداء"، specialties.bayt.com، 2010-10-04، اطّلع عليه بتاريخ 2020-06-06. بتصرّف.
  5. عبدالرزاق الشيخلي، حقوق الطفل في الشريعة الإسلامية والنظام السعودي والمواثيق الدولية، صفحة 32. بتصرّف.
  6. احمد فوزي ابو عقلين، عوارض الاهلية دراسة موازنة في القانون الفلسطيني والقانون المصري، صفحة 3. بتصرّف.
  7. محمد علي البدوي الازهري، النظرية العامة للالتزام - الجزء الأول، صفحة 96. بتصرّف.
  8. حمزة حسن محمد الامين، الأهلية وأثرها في التصرفات دراسة أصولية فقهية، صفحة 9. بتصرّف.
  9. د.نبيل ابراهيم سعد، المدخل الى القانون .. نظرية الحق، صفحة 170. بتصرّف.