أنواع الشعر العربي

أنواع الشعر العربي

أنواع الشعر العربي

تنقسم أنواع الشِّعر العربيِّ إلى أربعةٍ هي: الشِّعر الغنائيّ، والشِّعر الملحميّ، والشِّعر المسرحيّ، والشِّعر القصصيّ.


للاطّلاع على تاريخ تطور الشعر العربيّ، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: مراحل تطور الشعر العربي.


الشعر الغنائي

كيف ارتبط الشِّعر العربيّ بالغناء؟

الشِّعر الغنائي مستمر حتى يومنا هذا، وهناك من قال إنَّ الشعر الغنائي هو الشعر الذي غنِّي أو أنَّه الشِّعر الَّذي يمكن تلحينه والطَّرب به، لكن علماء الأدب المحدثين حينما صنَّفوا الشِّعر في ثلاثة أنواع وهي: "التمثيلي والقصصي والغنائي" قصدوا بالنَّوع الثَّالث -أي الغنائي- كلّ ما يقوله الشُّعراء من شعر يعبِّرون به عن خوالج نفوسهم ومشاعرهم وكأنَّهم يتغنَّون بهذه المشاعر، وبهذا يكون الشِّعر العربي كلّه من النَّوع الغنائيّ لأنَّه أكثر ما يكون في العاطفة والشُّعور ونحوهما مما يعتري نفس الشَّاعر.[١]


لقد نشأ الشِّعر نشأةً غنائيَّةً، فقد ارتبطت الموسيقى به منذ بداياته، فنجد من شعراء اليونان من كان يعزف وهو يغنِّي أشعاره كالشَّاعر هوميروس، كما نجد في العصور الوسطى جماعاتٍ ألَّفت الشِّعر وغنَّته ممن عرفوا باسم "تروبادور" وكذلك الأمر في البلاد العربيَّة التي عرفت الشِّعر الغنائيَّ منذ القدم، فإنَّ تاريخ الشِّعر العربيّ شبيهٌ جدًّا بتاريخ الشِّعر اليوناني من حيث الغناء والطُّقوس المرافقة له، فقد كان الشُّعراء يعزفون على الآلات الموسيقية البسيطة أو يغنُّون الأشعار بمرافقة عازف موسيقى، ثمَّ تطوَّر ذلك فيما بعد إلى ما يعرف بالشِّعر الغنائيّ حيث أصبحت ترافق الشَّاعر جوقة كاملة مع رقص وموسيقى أكثر تطورًّا.[٢]


قد تغنَّى الكثير من شعراء العرب في الجاهليَّة بأشعارهم من أمثال المهلهل عدي بن ربيعة المعروف بالزير سالم وامرئ القيس والسّليك بن السّلكة وعلقمة بن عبدة الفحل والأعشى الذي عرف عنه كثرة التَّغني بشعره، بالإضافة إلى الكثير من الأشعار والنُّصوص التي حملت في مضامينها دلالات واضحة على اقتران الشِّعر بالغناء، كما كان الأساس في قول الشِّعر هو تعلُّم الغناء وألحانه، حيث أكثروا في أشعارهم من ذكر الغناء والقيان والأدوات الموسيقية.[٣]


أما في العصر الإسلامي فنجد اتساعًا في الغناء والرَّقص حينها مما أثَّر في تطوُّر الشِّعر الغنائيّ، فقد اشتهر هذا العصر بكثرة الغناء والمغنِّين ولا سيما في الحجاز، وكان أكثر المغنِّين من الرُّوم والفرس وهو ما أثَّر في الغناء العربي بدخول الغناء الفارسي والرومي والألحان الغربيَّة إلى الموسيقى والشعر، كما أثر ذلك في موسيقى الشِّعر الغنائيّ فقلَّ النَّظم على الأوزان الطَّويلة وكثر على سواها كالوافر والسَّريع والمديد والهزج والرَّمل، كما عدَّلوا بعض الأوزان الشِّعريَّة لتتلاءم مع الغناء، وقد انتقل ازدهار الشِّعر الغنائيّ من الحجاز إلى الشَّام والعراق وغيرها، واستمر وتطوَّر الشعر الغنائي في العصر العباسي وبرزت عناية الشُّعراء به إلى ما بعد ذلك.[٤]


من أجمل ما قيل في الشِّعر الغنائي ما كتبه الشَّاعر إبراهيم ناجي في قصيدة الأطلال، والَّتي قال فيها:[٥]

يا فؤادي رحم الله الهوى

كانَ صرحًا منْ خيالٍ فهوَى

اسقِني واشربْ على أطلالِه

واروِِ عنِّي طالَما الدَّمعُ روى

كيف ذاكَ الحبُّ أمسى خبرًا

وحديثًا منْ أحاديثِ الجوى

وبساطًا من ندامى حلم

هم تواروا أبدًا وهو انطوى



للتعرّف على آليّة كتابة الشعر الغنائي، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: كيفية كتابة الشعر الغنائي.


الشعر الملحمي

هل عرف العرب شعر الملاحم؟

هو ما عُرِّف بأنَّه شعر قصصيّ بطوليّ متشعِّب يطول فيه السَّرد، وفيه من المعاني العظيمة الكثير، بالإضافة إلى الحديث عن الخوارق والمطامح البعيدة والآمال الكبيرة، بالإضافة إلى النَّزعة الإنسانيَّة والاتجاه القومي، وهو فضاءٌ رحبٌ للحديث عن أمجاد الأمَّة وتخليد الجماعة والثَّناء عليها لا نقدها، وكثيرًا ما يكون في الشِّعر الملحمي بطلٌ ويكون هذا البطل قدوةً ومثالاً يحتذى به يقود الجماعة إلى النَّصر ويعقدون عليه آمالهم، فالشِّعر الملحميّ إذًا هو ما يروي حادثة أو مجموعة حوادث، وتدور أحداثه حول الحرب وبطولاتها والصِّراع وإثبات الوجود وكلّ ما يشكِّل القدوة للأمَّة والجماعة.[٦]


نشأ شعر الملاحم في وقتٍ كانت فيه الكثير من الأمم تعتقد أنَّ الملك يستمدُّ سلطانه من الله مباشرة مما يعطيه والأبطال السَّائرين معه القداسة، فينسجون حولهم القصص المفعمة بالكثير من التَّقديس والتَّبجيل، وهناك إجماعٌ من الباحثين على خلوِّ الشِّعر العربيّ من الملاحم وخلوِّه من أفكارها تمامًا، إلَّا أنَّ بعض الباحثين التمسوا ملامح لشعر الملاحم في القصيدة العربيَّة، أو ما يشكِّل البذرة الأولى لها وإن لم تكن تلك الملامح تحمل سمات الملحمة بجلاءٍ ووضوح، فقد اهتمَّ الشُّعراء العرب بالوصف أكثر من اهتمامهم بالقصِّ فمالوا إلى الإيجاز، لكنَّنا لو تأمَّلنا في شعر المدائح النّبويَّة والفتوحات نجد فيها شيئًا من الشِّعر الملحميّ، بالإضافة إلى التَّشابه بين بعض أشعار العرب الأخرى وبين الملاحم.[٧]


من أشهر شعراء الملاحم في الوطن العربي بدر شاكر السيَّاب وأدونيس وخليل حاوي ومحمود درويش ومحمد عمران، وربما كانت قصيدة السيَّاب أنشودة المطر من أشهر ما كتب في الملاحم، ومما قال فيها:[٨]

تثاءبَ المساء والغُيوم ما تزال
تسِح ما تسِح مِن دُموعِها الثقال
كأنَ أقواسَ السَّحاب تشرب الغُيوم
وقطرةً فقطرةً تذوبُ في المطر
وتغرقانِ في ضبابٍ مِن أسن شفيف
كالبحر سرَّح اليدين
فوقه المساء دفءُ الشِتاء
وارتِعاشةُ الخريف
ويهطُلُ المطر
مطر .. مطر .. مطر



لقراءة المزيد حول الشعر الملحميّ، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: الشعر الملحمي في الأدب العربي.


الشعر المسرحي

ما علاقة المسرح اليوناني بالشعر الغنائي العربي؟

الشِّعر المسرحيّ فنٌّ مأخوذٌ من المسارح الأجنبيَّة القديمة حيث كان المسرح اليوناني والرُّوماني يعتمدان الشِّعر لغةً للحوار، وبه كتبت كلُّ الأساطير والملاحم الكبرى الَّتي مثِّلت على خشبة المسرح، ولو عدنا إلى تاريخ المسرح وبداياته لوجدناه مختلفًا عن المسرح الذي نعرفه اليوم، فلم يكن الحوار المسرحي بصيغته الحاليَّة ولغته المتداولة، فإنَّ اللُّغة الَّتي كانت تكتب بها المسرحيَّات -وتحديدًا التراجيديَّة منها- هي اللُّغة الشِّعريَّة، حيث كان يعبّر عن الحوار والأحداث وكلِّ شيءٍ بالشِّعر وحده، وقد بقي أثر الشِّعر المسرحي راسخًا في الوسط الثَّقافي العربي في مسرحيَّات أحمد شوقي، وكذلك في مسرحيَّات عزيز أباظة وصلاح عبد الصَّبور وعبد الرَّحمن الشَّرقاوي.[٩]



قد أنكر بعض النُّقاد هذا النَّوع الشِّعريّ على من ألَّفوا به، فنجد الدكتور طه حسين ينكره على عزيز أباظة، ويرفض أن يُكتب المسرح بلغةٍ شعريَّةٍ، وذلك لأنَّ المسرح الأوروبي لم يعد يكتب بالشِّعر بل بالنَّثر مع وجود استثناءاتٍ قليلةٍ لا تلاقي هذا الإقبال الكبير من النَّاس، ورأى طه حسين أنَّ الأفضل للغة الشِّعريَّة أن تتحرَّر من سلطان الشِّعر وقيوده إلى فضاء النَّثر الرَّحب وربَّما كان محقًّا فيما ذهب إليه، إلَّا أنَّ الرَّفض لمجرَّد تقليد المسرح الأوربي فهو رأيٌ فيه من التَّطرُّف والتَّقليد الكثير، أو ربَّما كان رغبة باللَّحاق بركب المسرح الغربيّ الَّذي كان متفوِّقًا على المسرح العربيّ بشتَّى مجالاته وصنوفه.[١٠]


من نماذج الشِّعر المسرحيّ ما كتبه الشَّاعر أحمد شوقي في مسرحيَّة "كليوبترا"، ومما جاء فيها:[١١]

أنا أنطونيو وأنطونيو أنا

ما لروحينا عن الحبِّ غنى

غنِّنا في الشَّوقِ أو غنِّ بنا

نحنُ في الحبِّ حديث بعدنا

رجعتْ عن شجونا الرِّيح الحنون

وبعينينا بكى المزنُ الهتون

وبعثنا من نفَّاثاتِ الشُّجون

في حواشي اللَّيلِ برقًا وسنا




لقراءة المزيد عن الشعر المسرحيّ، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: مفهوم الشعر المسرحي.


الشعر القصصي

ما أسباب ضعف القصة في القصيدة العربية؟

يُراد بالشِّعر القصصيّ ما يروى من الأحداث والوقائع بالشِّعر وأوزانه وموسيقاه، بالإضافة إلى الغلوّ والإطراء الّذين يبعدانه عن التَّأريخ البحت، وهو قديمٌ عند الحضارات الأخرى كالهند واليونان وروما، كما نظم فيه الشُّعراء الغرب المتأخرون من إنكليز وفرنسيين وألمان وإيطاليين، أما بالنسبة للشعر العربي فقد اختلفت أقوال الباحثين حول معرفة العرب لهذا النوع الشعري، فمنهم من قال بها ومنهم من أنكرها، وقد ذهب كبار النقاد من أمثال الجاحظ إلى القول بقلة ما وصل من أشعارهم في هذا السياق، فإن الشعر القصصي موجود في أشعار القدماء بما فيه من تأريخ ونقل للأخبار ورواية للخرافات، إلا أنّهم لم يطيلوا أشعارهم كما أطالها شعراء اليونان وغيرهم.[١٢]


يتداخل الشِّعر القصصيّ مع الشِّعر الملحميّ في نقطة الحكاية، والشِّعر القصصيّ ينقسم إلى نوعين، وهذان النَّوعان هما الملحمة والقصيدة القصصيَّة، ففي النَّوع الأوَّل يروي الشَّاعر الصِّراع بين الإنسان وبين قوى الطَّبيعة وبطولات الإنسان، بينما يروي في النَّوع الثَّاني قصصًا قصيرة تركِّز غالبًا على بطلٍ واحدٍ في كلِّ واحدةٍ منها.[١٣]


قد اختلف الأمر في الشِّعر الحديث، فكتب الشُّعراء الكثير من الشِّعر القصصيّ وكان من أبرزهم الشَّاعر نزار قبَّاني والشَّاعر محمود درويش وأحمد مطر، ومن ذلك ما قاله أحمد مطر في نصِّه النَّاقد "السَّكتة القلبيَّة" والَّتي جاء فيها:[١٤]

لي صاحبٌ في الكليَّة الطِّبيَّة
تأكَّد المخبر من ميولِه الحزبيَّة
وقام باعتقالِه حين رآهُ مرَّةً
يقرأ عنْ تكوُّنِ الخليَّة
وبعد يومٍ واحدٍ
أفرجَ عن جثَّتِه بحالةٍ أمنيَّةٍ
في رأسِه رفسةُ بندقيَّة
في صدرِه قبلةُ بندقيَّة
في ظهرِه صورةُ بندقيَّة
لكنَّنِي حين سألتُ عن أمرِه
حارسَ الرَّعيَّة
أَخبرَني أنَّ وفاةَ صاحبي
قد حدثتْ بالسَّكتةِ القلبيَّة

المراجع[+]

  1. أحمد حسن الزيات، مجلة الرسالة، صفحة 254. بتصرّف.
  2. شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، صفحة 41-42. بتصرّف.
  3. شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، صفحة 43-44. بتصرّف.
  4. شوقي ضيف، الفنُّ ومذاهبُه في الشِّعر العربيّ. بتصرّف.
  5. "يا فؤادي رحم الله الهوى"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 02/02/2021م.
  6. محمود سالم محمد، المدائح النبوية حتى نهاية العصر المملوكي، صفحة 488. بتصرّف.
  7. محمود سالم محمد، المدائح النبوية حتى نهاية العصر المملوكي، صفحة 488-489-490. بتصرّف.
  8. "أنشودة المطر"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 9/2/2021. بتصرّف.
  9. عز الدين إسماعيل، الأدب وفنونه دراسة ونقد، صفحة 136. بتصرّف.
  10. جامعة المدينة العالمية، الأدب المقارن جامعة المدينة، صفحة 224-225-226. بتصرّف.
  11. جامعة المدينة العالمية، الأدب المقارن جامعة المدينة، صفحة 188-189. بتصرّف.
  12. مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، صفحة 95-96. بتصرّف.
  13. ملتقى أهل الحديث، ملتقى أهل الحديث، صفحة 215. بتصرّف.
  14. "السكتة القلبية"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 02/02/2021م.