من هو الأعشى بن قيس

من هو الأعشى بن قيس
من-هو-الأعشى-بن-قيس/

الأعشى بن قيس

من هو صنّاجة العرب؟

هو الشاعر الفحل ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد ابن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، يعود نسبه إلى نزار بن معد بن عدنان، كنيته أبو بصير، ولقبه الأعشى، واحدٌ من شعراء الطبقة الأولى بين شعراء الجاهليّة كما صنّفه ابن سلّام الجمحي في كتابه الطبقات، كان أهل الكوفة يقدّمونه على كلّ شعراء الجاهليّة، قال عنه محمد بن مروان إنّ الأعشى أشعر الناس إذا طرب، كان العرب يسمّونه صنّاجة العرب،[١] والصنّاجة آلة موسيقيّة كانت معروفة عند العرب في ذلك الوقت، وسمّي الأعشى بذلك لجودة شعره،[٢] وقد أدركَ الإسلام إلّا أنّه لم يسلم، وكان عبد الملك بن مروان يحثّ الناس على إنشاد شعره.[٣]


حياة الأعشى بن قيس

كيف كانت أيّام الأعشى؟

كان الأعشى من الشعراء الذين يتكسّبون بشعرهم، بل هو أوّل من تكسّب بشعره كما يذهب طائفة من مؤرّخي العرب، كان كثير التردّد على الملوك وذوي الجاه والسلطان يمدحهم لينال ما في أيديهم من مال ونحوه من الأعطيات، وقد كان يتردّد على آل جفنة الغسّانيّين ملوك الشام، ولكنّه كان أيضًا هجّاء لا يهجو رجلًا إلّا وضعه مهما كانت منزلته عالية، وقد جرّ عليه الهجاء كثيرًا من المتاعب؛ فقد أُسِرَ ذات يوم لأنّه هجا رجلًا من كلب، فصار الناس يعيّرون الكلبي بهجاء الأعشى له، وذات يومٍ أغارَ الكلبيّ على قومٍ كان الأعشى نزيلًا عندهم، فأسرَهُ في جملة من أسَرَ وهو لا يعلم أنّه قد أسرَ الأعشى الشاعر.[٤]


فبينما الأعشى عنده مرّ شُريح ابن السموأل الشاعر المعروف فناداه الأعشى وأنشده شعرًا يذكّره فيه بعهد أبيه ووفائه وغيرته، فكان الكلبي يعرف شُريحًا، فذهب شريح وطلب الأعشى من الكلبي فأعطاه إيّاه، ثمّ فرّ الأعشى بعد أن أخذ ناقةً من شريح، وعندما علم الكلبي أنّه أطلق الأعشى ذهب إلى شريح وطلب أن يراه، فوجده قد فرّ، فسعى وراءه فلم يدركه، ولكنّ مديح الأعشى قد جلب له من النعم أكثر ممّا لقي من الهجاء بكثير، وكانت العرب تهاب الأعشى لسلاطة لسانه ولأنّ شعره يطير بين العرب وينتشر كالنار في الهشيم.[٤]


مسيرة الأعشى بن قيس الأدبية

كيف صار الشاعر الأعشى أستاذ شعراء الجاهليّة؟

لقد ولد الأعشى في قبيلة من أشعر قبائل العرب، وفي قول لحسان بن ثابت إنّها أشعر قبائل العرب، فقد سُئلَ حسان بن ثابت يومًا عن أشعر الناس فقال: "أشاعرٌ بعينه أم قبيلة"؟ فقالوا له بل قبيلة، فقال: "الزّرق من بني قيس بن ثعلبة"، ففي هذه القبيلة التي تعجّ بالشعراء ولدَ الأعشى ونبغَ فيهم، فاتخذ سبيله في الشعر أن يمدح الناس لينال ما عندهم من المتاع والأموال والأنعام والإبل ونحو ذلك من الأعطيات، فصار الناس فيما بعد يقصدون الأعشى ليمدحهم ويعلو ذكرهم بين العرب، فبذلك نال الأعشى منزلة عالية في الشعر، فصار أستاذ الشعراء في الجاهليّة كما أنّ جريرًا هو أستاذهم في الإسلام كما يرى راوية شعر بشّار بن برد.[٥]


ولمّا ذاع صيت الأعشى بين العرب كان الناس يقصدونه ليمدحهم، وأكثر ما ذُكِرَ في ذلك عنه هو أنّ الناس الذين يكون لهم بنات كُثُر كانوا يقصدون الأعشى ليشبّب بهنّ فيعلو ذكرهنّ فيتزوّجهنّ الناس، ومن ذلك ما حدث مع رجلٍ يُقال له المحلّق الكلابي، وكان المحلَّق هذا عنده ثماني بنات، فأشارَت عليه زوجته أن يذهب إلى الأعشى ويعطيه ناقته الوحيدة، فإذا تزوجت بناته فإنّ الله سيعوّضه عنها، فقام إلى الأعشى وكان في سوق عكاظ، فأخذ بخطام ناقته ودعاه إلى بيته، فأظهر بناته أمامه وحكى له قصّته معهنّ، فخرج الأعشى من داره يجرّ الناقة وراءه حتى انتهى إلى الناس، وجعل يمدح المحلَّق على الملأ، ثمّ إنّه قال شعرًا منه:


لَعَمرِي، لَقد لاحَتْ عُيُونٌ كَثيرَةٌ

إلى ضَوءِ نَارٍ في يَفَاعٍ تُحَرَّقُ

تُشَبّ لمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهَا

وَبَاتَ عَلى النّارِ النّدَى وَالمُحَلَّقُ

رَضِيعَيْ لِبَانٍ ثَدْيَ أُمٍّ تَحَالَفَا

بِأسْحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرّقُ[٥]


فلم يقم الأعشى من مجلسه في ذلك السوق هو والمحلَّق حتى تزوجت بناته كلّهنّ، وفي ذلك دليلٌ واضحٌ على منزلة الأعشى الأدبيّة في عصره، وبأنّه وصلَ إلى ما وصلَ إليه بعد زمنٍ طويلٍ من قرض الشعر وعرضه على النقّاد، وقيل إنّه كان من الذين يعرضون شعرهم على النابغة الذبياني في سوق عكاظ شأنه شأن الخنساء، فلا شكّ أنّ كلّ تلك التجارب قد صقلَت موهبة الأعشى التي قد ورثها عن قبيلته، وجعلَتهُ في عداد عظماء الشعر العربيّ الذين أثروا المكتبة العربيّة بأعذب الأشعار وأحسنها وأجودها صناعة.[٥]



الأعشى بن قيس ومدحه للنبي

هل أسلمَ الأعشى؟


ذكر ابن كثير -وغيره من المؤرخين- في البداية والنهاية أنّ الأعشى في آخر حياته اتجه إلى مدينة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قاصدًا النبي -عليه الصلاة والسلام- ليُسلم، وكان قبل أن يتجه إلى المدينة أنشدَ قصيدة في مدح رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول في مطلعها:[٦]


أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةً أَرْمَدَا

وَبَتَّ كَمَا بَاتَ السَّلِيمُ مُسَهَّدًا[٦]


ويضيف ابن عساكر أنّه لمّا كان في مكة أو قريبًا منها إذا بجمعٍ من مشركي قريش يعترضه وقد سمعوا أنّه يريد الإسلام، فسألوه أين تريد؟ فقال إنّه يريد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ليعلن إسلامه، وكان معهم آنذاك أبو سفيان بن حرب وكان سيّد مكّة بعد هلاك رؤوس الكفر آنذاك، فقال أبو سفيان للأعشى: إنّ محمّدًا يمنعك الزنا، فقال إنّه قد كبر ولم يعد به حاجة للنساء، فقالوا يمنعك القمار، فقال ربما يعوضني بما عنده.[٧]


فقالوا إنّه يمنعك الخمر، فقال إذًا أرجعُ فأنهي ما عندي من الخمر ثمّ أعود عامي القادم، فقالوا له إنّهم الآن في هدنة، والغالب أنّه صلح الحديبية، فقالوا إذا كان العام القادم فإمّا أن نكون قد ظهرنا عليه فتبقى عندك وإمّا أن يظهر علينا فتعود وتسلم.[٧]


وأمر أبو سفيان بتجهيزه بمئة إبل قائلًا: "يا معشر قريش، هذا الأعشى والله لئن أتى محمدًا واتّبعه ليُضرمَنّ عليكم نيران العرب بشعره، فاجمعوا له مئة من الإبل"، فجمعوا له مئة من الإبل وأخذها، ولكن في طريقه قرب اليمامة رمى به بعيره فوقع عنه ومات، ودفنَ في مكانه، فكان الفتيان يخرجون إلى قبره ليشربوا عنده، فكانوا إذا أرادوا الانصراف رمَوا ما كان من فضلات شرابهم على قبره.[٧]


والظاهر أنّ الأعشى أراد النبي ليمدحه ظنًّا منه أنّه مثل الملوك وذوي الجاه الذين كان يذهب إليهم ليتكسّب عندهم، وذلك يتّضح في جوابه لأبي سفيان حين قال له أبو سفيان إنّ القمار حرام في الإسلام فقال إنّه يرغب بما في يدَي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكذلك يتّضح هذا الأمر بما قاله في قصيدته تلك إذ قال:[٨]



وَآلَيْتُ لَا آوِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ

وَلَا مِنْ حَفًى حَتَّى تُلَاقِي مُحَمَّدَا

مَتَى مَا تُنَاخِي عِنْدَ بَابِ ابْنِ هَاشِمٍ

تُرَاحِي وَتَلْقَى مِنْ فَوَاضِلِهِ نَدَى[٨]


معلقة الأعشى بن قيس

ما سبب قول الأعشى لقصيدته المعلّقة؟

معلّقة الأعشى هي قصيدة قالها الأعشى من 68 بيتًا نظمَهَا على البحر البسيط، قالها يهجو يزيد بن مسهر أبا ثابت،[٩] وسبب ذلك أنّ يزيد بن مسهر قد حرّض بني سيّار على قتل رجل من بني قيس وهي عشيرة الأعشى، وسبب ذلك أنّ رجلًا من بني كعب بن سعد بن مالك كان ضعيف العقل قد قتلَ رجلًا من بني سيّار، فعندما أرادوا قتله قال يزيد بن مسهر اقتلوا رجلًا خيرًا منه وكان اسمه سعيد، فعندما علمَت قيس بما قاله يزيد بن مسهر قال الأعشى قصيدته تلك.[١٠]


وهي قصيدة جمعَت بين الرقّة والعذوبة والتشبيب والتشبيه والفخر والحماسة، وكلّ ذلك جاء في ثوبٍ قشيب ألبسه الأعشى قصيدته التي جاءت ألفاظها جزلة في نظمٍ مهيب يمتلك القلوب والألباب، فهي سائغة عذبة الألفاظ في المواطن التي ينبغي لها أن تكون كذلك، وشديدة أحدّ من السيف الدمشقي في المواطن التي تتطلّب الشدّة، ويقول في مطلعها:[١٠]


وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُ

وَهَل تُطيقُ وَداعاً أَيُّها الرَجُلُ

غَرّاءُ فَرعاءُ مَصقولٌ عَوارِضُها

تَمشي الهُوَينا كَما يَمشي الوَجي الوَحِلُ

كَأَنَّ مِشيَتَها مِن بَيتِ جارَتِها

مَرُّ السَحابَةِ لا رَيثٌ وَلا عَجَلُ[١٠]


ويقول في هجاء يزيد بن مسهر:


أَبلِغ يَزيدَ بَني شَيبانَ مَألُكَةً

أَبا ثُبيتٍ أَما تَنفَكُّ تَأتَكِلُ

أَلَستَ مُنتَهِيًا عَن نَحتِ أَثلَتِنا

وَلَستَ ضائِرَها ما أَطَّتِ الإِبِلُ

تُغري بِنا رَهطَ مَسعودٍ وَإِخوَتِهِ

عِندَ اللِقاءِ فَتُردي ثُمَّ تَعتَزِلُ[١٠]



اقتباسات من شعر الأعشى بن قيس

إنّ شعر الأعشى حلوٌ عذبٌ وممّا قاله:


  • يقول الأعشى بن قيس في قصيدته "بانت سعاد وأمسى حبلها رابا":


بانَت سُعادُ وَأَمسى حَبلُها رابا

وَأَحدَثَ النَأيُ لي شَوقًا وَأَوصابا

وَأَجمَعَت صُرمَنا سُعدى وَهِجرَتَنا

لَمّا رَأَت أَنَّ رَأسي اليَومَ قَد شابا

أَيّامَ تَجلو لَنا عَن بارِدٍ رَتِلٍ

تَخالُ نَكهَتَها بِاللَيلِ سُيّابا[١١]


  • ويقول الشاعر الأعشى بن قيس في قصيدته "فدى لبني ذهل ابن شيبان ناقتي":


فِدىً لِبَني ذُهلِ اِبنِ شَيبانَ ناقَتي

وَراكِبُها يَومَ اللِقاءِ وَقَلَّتِ

هُمُ ضَرَبوا بِالحِنوِ حِنوِ قُراقِرٍ

مُقَدِّمَةَ الهامَرزِ حَتّى تَوَلَّتِ

فَلِلَّهِ عَينا مَن رَأى مِن عِصابَةٍ

أَشَدَّ عَلى أَيدي السُقاةِ مِنَ الَّتي

أَتَتهُم مِنَ البَطحاءِ يَبرُقُ بَيضُها

وَقَد رُفِعَت راياتُها فَاِستَقَلَّتِ[١٢]


  • ويقول الشاعر الأعشى بن قيس في قصيدته "أتصرم ريا أم تديم وصالها":


أَتَصرِمُ رَيّا أَم تُديمُ وِصالَها

بَلِ الصَرمَ إِذ زَمَّت بِلَيلٍ جِمالَها

كَأَنَّ حُدوجَ المالِكِيَّةِ غُدوَةً

نَواعِمُ يَجري الماءُ رَفهًا خِلالَها

وَما أُمُّ خِشفٍ جَأبَةُ القَرنِ فاقِدٌ

عَلى جانِبَي تَثليثَ تَبغي غَزالَها

بِأَحسَنَ مِنهَ يَومَ قامَ نَواعِمٌ

فَأَنكَرنَ لَمّا واجَهَتهُنَّ حالَها[١٣]

المراجع[+]

  1. أبو القاسم ابن عساكر، تاريخ دمشق، صفحة 327. بتصرّف.
  2. ابن منظور، لسان العرب، صفحة 311. بتصرّف.
  3. أبو القاسِم ابن عساكر، تاريخُ دمشقَ، صفحة 330. بتصرّف.
  4. ^ أ ب أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، بيروت:صادر، صفحة 80، جزء 9. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، بيروت:صادر، صفحة 83، جزء 9. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ابن كثير، البداية والنهاية، صفحة 250. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت ابن عساكر، تاريخ دمشق، صفحة 329. بتصرّف.
  8. ^ أ ب ابن كثير، البداية والنهاية، صفحة 252. بتصرّف.
  9. محمد علي طه الدرة، فتح الكبير المتعال إعراب المعلقات العشر الطوال، جدة:مكتبة السوادي للتوزيع، صفحة 373، جزء 2. بتصرّف.
  10. ^ أ ب ت ث مصطفى الغلاييني، رجال المعلقات العشر، صفحة 55. بتصرّف.
  11. "بانت سعاد وأمسى حبلها رابا"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 22/12/2020.
  12. "فدى لبني ذهل ابن شيبان ناقتي"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 22/12/2020. بتصرّف.
  13. "أتصرم ريا أم تديم وصالها"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 22/12/2020. بتصرّف.

51426 مشاهدة