الشعر في صدر الإسلام

الشعر في صدر الإسلام

الشعر في صدر الإسلام

ما مصير الشِّعر العربيّ بعد ظهور الإسلام؟

عصر صدر الإسلام هو مرحلةٌ تاريخيَّةٌ مهمَّةٌ وفارقةٌ في حياة العرب خصوصًا والحياة العامَّة عمومًا، وبحسب تقسيم الدكتور شوقي ضيف رحمه الله للعصور، فإنَّ العصر الإسلاميَّ يبدأ بظهور النَّبي المصطفى محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وينتهي بسقوط الدَّولة الأمويَّة عام 132هـ، وفيه تكوَّنت الدَّولة العربيَّة وتمَّت الفتوحات الإسلاميَّة. ومن المؤرِّخين من يقسّم هذه المرحلة إلى مرحلتين، فيطلق على الأعوام الممتدة من ظهور النَّبي محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- وحتَّى آخر الخلفاء الرَّاشدين اسم "عصر صدر الإسلام"، ويسمِّي ما بعده بالعصر الأمويّ حتَّى نهاية الدَّولة الأمويَّة في العام الثَّاني والثَّلاثين بعد المئة.[١]


الأدب الإسلاميّ هو التَّعبير الفنِّي الهادف عن الحياة والإنسان والكون وفق الرُّؤية الإسلاميَّة والتَّصور الإسلاميّ، وهو أدبٌ ملتزمٌ ويستمد التزامه من العقيدة الإسلاميَّة، فهو جزءٌ من رسالة الإسلام، حيث يمهِّد الطَّريق لبناء المجتمع الصَّالح، ويدعو إلى العودة إلى الله، فهو مسؤول عن إنقاذ الأمَّة الإسلاميَّة من محنتها آنذاك، وقد حمل هذه المسؤوليَّة أدباء الإسلام الَّذين استمدوا معانيهم من مشكاة الوحي وهدي النُّبوَّة، وهذا التَّأثير يمتد عبر الأزمان ويستمرُّ حتَّى يومنا الحالي وإلى ما بعده، فهو موجَّه إلى الشُّعوب الإسلاميَّة كافَّة أيًّا كانت أجناسها وأيًّا كانت لغاتها.[٢]


قد استمد الأدب في عصر صدر الإسلام موضوعاته من مصادر عدَّة، وفي مقدِّمتها القرآن الكريم لما فيه من معانٍ وأساليب ومعارف، وما له من خصائصَ فنيَّةٍ وبلاغيَّةٍ وفرائد إعجازيَّة، وثاني تلك المصادر هو الحديث النَّبوي الشَّريف مما أُثِر عن النَّبي محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- من قولٍ أو فعل، ففيه تفصيلٌ لمُجمل وشرح لمُختصر وإيضاح لمُبهم في التَّشريع الإسلامي، بالإضافة إلى جمال اللَّفظ وإشراق المعنى فيما أُثِر عن النَّبي من القول، ويُضاف إلى هذين المصدرين الشِّعر الجاهلي وما فيه من معانٍ جميلة وعباراتٍ قويَّة، ومعه الأدب الأجنبي الَّذي وصل من الفرس في الشَّرق والرُّومان في الغرب بفعل الاختلاط بين تلك الثَّقافات الَّتي ولَّدت مصادر جديدةً للأدب.[٣]


كان من الشُّعراء العرب من أدرك الجاهليَّة والإسلام معًا، وهم من عُرفوا بشعراء الإسلام المخضرمين لإدراكهم عهدين متناقضين، وكان منهم من دخل الإسلام فأعرض بعده عن قول الشِّعر، وآثر التَّفرغ لأمور الدِّين والعبادة من أمثال: لبيد و بشار بن عدي بن عمرو بن سيود ومالك بن عمير، ومنهم من استمرَّ في قول الشِّعر كحسَّان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وعدي بن حاتم والنَّابغة الجعديّ والحطيئة وكعب بن زهير والعبَّاس بن مرداس، وغيرهم الكثير ممن تحولوا عن جاهليَّتهم وصاروا إلى الإسلام وذادوا عنه بالشِّعر.[٤]


خصائص الشعر في صدر الإسلام

ما مميِّزات القصيدة العربيَّة الَّتي امتزج فيها الإسلام والشِّعر؟

هناك عدّة تغييرات طرأت على الشعر في صدر الإسلام نتيجة لتأثُّر الشعراء بمن سبقهم، وكان التغيير على النّحو الآتي:

خصائص المعاني

أثَّر الإسلام في الشِّعر فتغيَّرت معانيه في عصر صدر الإسلام عن معانيه في العصر الجاهليّ، ومن هذه التَّغيُّرات الَّتي طرأت:[٥]

  • توظيف المعاني لخدمة العقيدة الإسلاميَّة وتوسيع رقعة الإسلام.
  • اشتمال الشِّعر على معانٍ استمدَّها من القرآن الكريم والحديث الشَّريف، وابتعاده بذلك عن التَّخبط وأصبح أكثر وضوحًا.
  • من أبرز المعاني المتناولة تقوى الله والورع، وهذا لا يعني انفصال المعاني عمَّا كانت عليه في العصر الجاهليّ تمامًا، بل إنَّها تخلَّصت مما نفاه الإسلام فقط وأبقت على ما سواه من معاني المدح بحدوده المعتدلة ومعاني الحماسة في المعارك.


خصائص الأسلوب

لم يقتصر التَّغيير على المعاني، فتغيَّرت الأساليب الشِّعريَّة عن السَّابق، وظهر ذلك من خلال:[٦]

  • تأثَّر الشُّعراء بأسلوب القرآن الكريم والحديث الشَّريف.
  • ابتعاد الأساليب عن الغلظة والجفاف، وتحلَّي أشعارهم بالعاطفة الإسلاميَّة الرَّقيقة.
  • ميل الألفاظ إلى السُّهولة واليسر، وظهور ألفاظ جديدة كالجنَّة والنَّار والثَّواب والكفر والإشراك وغيرها من معانٍ طرحتها المنظومة الإسلاميَّة.
  • ابتعاد الشُّعراء عن الصَّنعة والتَّكلُّف في ألفاظهم وتراكيبهم وميلهم إلى التَّرسُّل والسُّهولة، فتخلّصت أشعارهم من تعقيدات أشعار الجاهلية وثقل ألفاظها.


أغراض الشعر في صدر الإسلام

ما هي الصِّيغة الجديدة للأغراض الشِّعريَّة في صدر الإسلام؟

أدت الظروف الجديدة التي أحدثتها الدَّعوة الإسلاميَّة إلى انحصار الأغراض الشعرية في معظمها في الموضوعات التآتية:


المدح

يهدف إلى رفع راية الإسلام والإشادة به وبالرَّسول الكريم محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم-، ولم يعد الشُّعراء المدَّاحون يسعون بمدائحهم للعطايا والمال، بل كانوا يرجون نشر رسالة الإسلام ليدخل النَّاس في دين الله، ولم تكن المدائح النَّبويَّة شبيهة بالمدائح الجاهليَّة، فلم يمتدح الرَّسول بالكرم والشَّجاعة كما كان شائعًا من قبل، بل بما حمله من هدايةٍ للنَّاس وما أضاء لهم من نور الحق، ومن أجمل ما قيل في مدحه -صلَّى الله عليه وسلَّم- قصيدة "البردة" التي ألقاها كعب بن زهير في حضرة النَّبي الكريم، ومن أجمل أبياتها:[٧]

إنَّ الرَّسول لنورٌ يستضاءُ به

مهنَّدٌ من سيوفِ اللهِ مسلولُ


الهجاء

كثر الهجاء بين شعراء مكَّة وشعراء المدينة بعد هجرة النَّبي من مكَّة، إلَّا أنَّ المعاني المتداولة في هذا الهجاء اختلفت بين الطَّرفين، فكان المسلمون مجدِّدين في معانيهم بالإضافة إلى الهجاء بمعاني الجبن والتَّخاذل والضَّعف فقد دارت معانٍ جديدة حول الكفر والإشراك بالله وغير ذلك من مفاهيم طرحها الدين، ممّا كان له كبير الأثر في المهجوين، وقد قلَّ الهجاء في أشعار المسلمين بعد فتح مكَّة فقد كان الخلفاء الرَّاشدون يمنعون الشُّعراء من سبِّ النَّاس وشتمهم، إلَّا أنَّهم أجادوا في قصائد تظهر دور الشِّعر في الدِّفاع عن الإسلام في قصائد كثيرة منها قول الشَّاعر:[٨]

أَلَا أَبلغْ أَبَا سُفيانَ عنِّي

فَأنتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هواءُ

هَجَوتَ مُحمَّدًا فَأجبتُ عَنهُ

وعندَ اللهِ في ذاكَ الجَزاءُ


الحماسة

اختلف هذا النَّوع في عصر صدر الإسلام عن حماسة الجاهليَّة، فقد تخفَّف مما حظره الإسلام من الغزل المحسوس، والتَّغنِّي باللَّهو والعبث والشَّراب، ولم يعد الشُّعراء يتغنَّون بالثَّأر والإغارة والانتقام، فأصبحوا يتغنُّون بالجهاد والفداء والبطولة في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، كما ذابت العصبيَّات القبليَّة الَّتي كانت في الرُّوح الجاهليَّة وصار شعر الحماسة يصدر عن روح الجماعة الإسلاميَّة والهدف الواحد والمبادئ الواحدة، ومن جميل هذا الشِّعر قول أحدهم يخاطب فرسه:[٩]

أقدمْ حذامَ إنَّها الأساورة

ولا تَغُرَّنَكَ رجلٌ نَادِرَة

أنا القُشَيْريُّ أَخُو المُهَاجِرة

أَضربُ بِالسَّيفِ رُؤوسَ الكَافِرة


الرِّثاء

كتب شعراء عصر صدر الإسلام أكثر المراثي في الرَّسول الكريم محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وفي الخلفاء الرَّاشدين بعد وفاتهم، وأجادوا في قصائد فيها ما فيها من صدق العاطفة ولوعة وحزن، إلَّا أنَّ تلك القصائد لم ترقَ إلى عظم الحدث ولم تصل إلى مستواه وخاصَّة حدث وفاة النَّبي الكريم الَّذي أحدث اضطرابًا في الوسط الإسلاميّ آنذاك، وممَّن كتب في المراثي الشَّاعر حسَّان بن ثابت الذي كتب في رثاء النَّبي وفي رثاء أبي بكر الصِّديق وعثمان بن عفَّان -رضي الله عنهما-، ومن شعره في رثاء الرَّسول قوله:[١٠]

ما بالُ عينكَ لا تنامُُ كأنَّها

كُحِلتْ مآقيها بِكحلِ الأَرمدِ


الإسلام والشعر

هل وقف الإسلام موقفًا معاديًا من الشِّعر؟

أثَّرت الدَّعوة الإسلاميَّة في نفوس العرب، ودفعتهم إلى التَّضحية في سبيل نشر رسالة الإسلام فبذلوا الغالي والرَّخيص فداءً لذلك، ويصوِّر شعر الفتوح الإسلاميَّة في ذاك الأوان التَّغيير الكبير الذي أحدثه الدِّين الإسلاميّ في الارتقاء بالنَّوازع الوجدانيَّة القبليَّة الضَّيقة إلى وجدانٍ واحدٍ وهدفٍ واحد، ويمثِّل شعر الفتوح صورة جميلة للنَّقلة الكبيرة للفكر العربيّ والفروسيَّة العربيَّة في إطارها الإسلاميّ الجديد، كما يكشف هذا الشِّعر عن الأسباب الَّتي نقلت الأمَّة من الفتن والتَّخبُّط والتَّناحر إلى قيادة العالم ورسم خريطته من جديد.[١١]


لم يرفض الإسلام الشِّعر بوصفه فنًّا كلاميًّا، ولم يرفضه بجملته، إنَّما رفض الشِّعر الَّذي غلب عليه الكذب والأذى المتمثِّل في التَّعرُّض لأعراض النَّاس وفضحهم وإهانة الشُّرفاء، فإنَّ سبب رفضه هو الإتيان بما حرَّمه الدِّين الإسلاميّ، وأمَّا ما خلا ذلك من شعرٍ جميل المعنى طيِّب الأثر فقد احتفى به الإسلام حفاوة كبيرة.[١٢]



لقراءة المزيد عن شعر الفتوح، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: تعريف شعر الفتوح.


موقف القرآن من الشعر

أمَّا الآيات البيِّنات الَّتي نفت الشِّعر عن النَّبي، فلم تنفه تحريمًا للشِّعر أو حطًّا من قدره وإنَّما لما فيه من شطحات خياليَّة وغرابة، ومن تلك الآيات قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ}[١٣] فقد كان الصَّحابة يرون النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- يلتفت إلى الشِّعر ويهتم به على أنَّه لم يكن شاعرًا، فجاء قوله تعالى: {إنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ}[١٣] تأكيدًا لسبب نفي الشِّعر وهو بيان إعجاز القرآن الكريم وصدق رسالة النَّبي وصدق الوحي الَّذي هو كلام الله وليس قول الرَّسول العدنان، وكما في الشِّعر كذبٌ وشططٌ وخيال ففيه أيضًا من الحكمة الكثير ومن المعاني السَّامية الوفير، وهو ما دفع النَّبي إلى الالتفات والإلفات إليه.[١٤]


أمَّا قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}[١٥]، فقد دفع الكثير من دارسي الأدب إلى الاعتقاد بأنَّ الإسلام قد أصاب الشِّعر العربيّ في الصَّميم، وقد دفع بالكثير من الشُّعراء للعزوف عن الشِّعر، وهذا فهمٌ ظالمٌ للإسلام، فالشِّعر العربيُّ هو أحد الحجج الَّتي تثبت إعجاز القرآن الكريم وتميِّزه عن غيره من فنون القول، فكيف للقرآن أن يقتل الشَّاهد الذي يؤيِّد إعجازه، ولا بدَّ لبيان مقصد القرآن من إتمام قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا}[١٦]، فقد رفض الشِّعر الذي يدعوا إلى اللَّهو والمجون والذي يعتمد على الكثير من الكذب والنِّفاق، وجعل الإيمان والتَّقوى شرطين لصلاح أمر الشُّعراء.[١٧]


موقف الرسول من الشعر

لقد شجَّع النَّبي محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- على قول الشِّعر ما لم يتعارض ومبادئ الدِّين الحنيف، وقد كان الشِّعر في أثناء الفتوح الإسلاميَّة سلاحًا كلاميًّا ضروريًّا لا يقلُّ عن السَّيف والرُّمح أهميَّة، فقد كان شعراء المشركين يهجون المسلمين والرَّسول الكريم بأشعارهم ويسجلون لأنفسهم البطولات وينكرون عليها الهزائم والضّعف، فكان لا بدَّ للشُّعراء المسلمين من التَّصدي لهم حين كان الشِّعر كبير الأثر في نفوس النَّاس وفي همَّة المقاتلين، وقد شجَّع الرَّسول الكريم ذلك، ومما يؤكِّد هذا قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: "ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بسلاحهم أنْ ينصروه بألسنتهم؟" فتصدَّى لهجاء المشركين حسَّان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة.[١٨]


مما يدعم ذلك أيضًا ما ذكرته السَّيدة عائشة -رضي الله عنها- عن إرسال النَّبي الكريم لعبد الله بن رواحة حتى يهجوا المشركين، لكنَّه لم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك وحسان بن ثابت، وتوعَّد حسان بهجائهم والرَّمي بنسبهم فصدَّه النَّبي عن ذلك لأنَّ له بقريش صلة في النَّسب، فقال له حسَّان: "لأسلَّنك منهم كما تسلُّ الشَّعرة من العجين" فقال النَّبي المصطفى: "إنَّ روح القدس لا يزال يؤيِّدك ما نافحتَ عن الله ورسوله"، ومما ذكرته السَّيدة عائشة قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: "هجاهم حسان فشفى وأشفى" الأمر الَّذي يؤكِّد قبول النَّبي الكريم للشِّعر ما لم يخلّ بأصلٍ من أصول الإسلام وما لم يدع إلى فاحش القول والفعل.[١٩]


موقف الصحابة من الشعر

لقد أنشد الكثير من الصَّحابة الشِّعر في حضرة النَّبي محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وأحاديثهم في الصَّحيحين وغيرهما كثيرة، وقد تخيَّر الصَّحابة من الشِّعر أحسنه وأنشدوه، ممّا كان مشتملاً على توحيد الله والثَّناء عليه ومدح نبيِّه المصطفى مدحًا لا غلوَّ فيه ولا إسراف، وأنشدوا ما فيه موعظةٌ حسنة وفضيلة وشجَّعوا عليه، وجانبوا ما يشتمل على المحرَّمات وما يخلُّ بالعقيدة وما يدعوا للفحشاء والمنكر ونبذوه.[٢٠]


شجَّع الصَّحابة على قول الشِّعر وتعلُّمه بوصفه فنًّا كلاميًّا مهمًّا يعمل العقل وينشِّطه ويحسِّن السَّليقة ويعلِّم الحكمة، ومنه ما ذكر على لسان سيدنا عمر بن الخطَّاب حيث قال: "تعلَّموا الشِّعر فإنَّ فيه محاسن تبتغى ومساوئ تتَّقى وحكمةً للحكماء ويدلُّ على مكارم الأخلاق".[٢١]


كما شجَّع غيره من الصَّحابة على قول الشِّعر، ومن ذلك قول علي بن أبي طالب -كرَّم الله وجهه-: "الشِّعر ميزان القول ورويُّ القوم وكلاهما حسن"، ومما يدلُّ على فضل الشِّعر قول معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- "يجب على الرَّجل تأديب ولده، والشِّعر أعلى مراتب الأدب". وقد قال عبد الله بن عبَّاس: "إذا قرأتم شيئًا من كتاب الله فلم تعرفوه، فاطلبوه في أشعار العرب".[٢٢]


القول بضعف الشعر

ما الأسباب التي دفعت للقول بضعف الشِّعر في صدر الإسلام؟

ثمَّة من قال بِضعف الشِّعر في عصر صدر الإسلام وتراجعه عمَّا كان عليه في الجاهليَّة، وربَّما يرجع ذلك إلى التزام الشُّعراء الصِّدق وبعدهم عن الخيال والكذب، وإنَّ من النُّقاد القدامى من رأى أنَّ الشِّعر بابه الشَّر وأنَّه متى دخل في الخير لان وصار ضعيفًا، وقد ناقش النُّقاد القدامى هذه الفكرة وبحثوا في ظروف العصر فوجدوا اضطرابًا في النِّشاط الشِّعري، وكان من شعراء الجاهليَّة من أضرب عن الشِّعر بعد إسلامه، ومنهم من انحصرت موضوعاته بالمعاني الإسلاميَّة مما جعل الشِّعر أقلَّ مما كان عليه في العصر الجاهليّ، وأقلَّ مما صار إليه في الشِّعر الأمويّ الذي عاد قليلاً إلى الطَّبيعة الجاهليَّة الأولى.[٢٣]


قد انشغل المسلمون بالجهاد ومقاومة المشركين، ولم يجدوا وقتًا كافيًا لتطويل الشِّعر وتجويده فقد صرفوا جهدهم للفعل أكثر من القول، كما أنَّ القرآن الكريم أعجزهم ببيانه وشغلهم ببلاغته فلم ينصرفوا إلى غيره من فنون القول، ومسألة ضعف الشِّعر تبقى جدليَّة يختلف فيها الدَّارسون والنُّقاد القدامى والمحدثون، وإنَّ منهم من شكَّك بنسبة الشِّعر في صدر الإسلام، فقد رأى الدّكتور طه حسين أنَّ الشِّعر الإسلامي هو جزءٌ لا يتجزَّأ من الشِّعر الجاهليّ فأضافه إليه وأشار إلى أنَّه شعرٌ منحول.[٢٤]


قد شكَّك ابن هشام ببعض الشِّعر الذي ورد في السِّيرة النَّبويَّة وأرجع ذلك إلى جهل من سجَّلها بالشِّعر، الأمر الذي جعل الكثير من القدماء والمحدثين يبتعدون عن الخوض فيه ولا سيما شعر الصَّحابة وآل البيت، لأنَّ الأحداث التَّاريخيَّة والأمور الأخرى جعلت الكثير من الخرافات والأساطير تنسج حولهم، ويرى ابن هشام أنَّ الناس استثقلوا ألَّا يكون لهم شعر في خدمة الإسلام كما كان لهم في الجهاد والفداء فنسبوا لأنفسهم أشعارًا لم يكتبوها، وهكذا حام الشكُّ حول الشِّعر في زمن البعثة، الأمر الذي يتطَّلب الحذر من الباحثين في هذا الشِّعر، فإنَّه لا ينكر بجملته، وإنَّ فيما وثَّقه الرُّواة مادَّة جيِّدة تعصم الباحث من الضَّلال في هذا الكمِّ الكبير من الإرث الشِّعري.[٢٥]


أبرز شعراء صدر الإسلام

من هم أشهر الشّعراء المؤثرين في عصر صدر الإسلام؟

برز في صدر الإسلام مجموعة من الشعراء الذين دافعوا عن رسالته وعن النبي المصطفى محمد ومن أشهرهم:


حسان بن ثابت

لقد كان أكثر شعره في الهجاء، وما سواه في الافتخار ومدح النَّبي الكريم محمَّد والغساسنة والنُّعمان بن المنذر ومن سواه من أشراف العرب، كما عنيت أشعاره بوصف مجالس الخمر واللَّهو، إلَّا أنَّه ترك ذلك بعد إسلامه والتزم بمبادئ الدِّين، فصار شعره شديد التَّأثر بالقرآن الكريم والحديث الشَّريف وصبَّت قصائده في موضوعٍ واحدٍ هو الدَّعوة الإسلاميَّة، ومن شعره في مدح النَِّبي المصطفى قوله:[٢٦]

نبيٌّ أتانَا بعدَ يأسِ وفترةٍ

منَ الرُّسلِ والأوثانُ في الأرضِ تُعبدُ

فأَمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا

يلوحُ كما لاحَ الصَّقيلُ المهنَّدُ

وأنذرنَا نارًا وبشَّرَ جنَّةً

وعلَّمنَا الإسلامَ فاللهُ نحمدُ


كعب بن زهير

كان كعب كثير الإنتاج الشِّعري ومقدَّمًا في طبقات الشُّعراء، ومعه أخوه بجير ويفوقهما أبوهما زهيرٌ صاحب إحدى المعلَّقات السَّبع، وكان كعب قبل إسلامه ممن هجوا رسول الله ثمَّ تاب عن ذلك وأتى ليستسمح النَّبي محمَّدا -صلَّى الله عليه وسلَّم- ويعلن توبته فقبلها النَّبي الكريم، وأنشد كعب قصيدته المشهورة في مدح النَّبي، فلمَّا فرغ منها خلع النَّبي بردته الشَّريفة وأعطاه إيَّاها فسمِّيت القصيدة بالبردة، ومما قال فيها:[٢٧]

نُبِّئتُ أنَّ رسولَ اللهِ أوعدَني

والعفوُ عندَ رسولِ اللهِ مأمولُ

مهلًا هداكَ الَّذي أعطاكَ نافلةَ ال

قرآنِ فيها مواعيظٌ وتفصيلٌ

لا تأخذنِّي بأقوالِ الوشاةِ وإنْ

كثرتْ عنِّي الأقاويلُ


الخنساء

أسلمت الخنساء في الخامسة والخمسين من عمرها، وكان الرَّسول يستمع إلى شعرها ويعجب به حتَّى أنَّه وصفها بأشعر النَّاس، وقد كانت أشعر نساء العرب وأشعر من الكثيرين من رجالها، وأكثر ما اشتهر من شعرها في بكاء أخويها صخر ومعاوية ووالدها، وشاركت المسلمين في المعارك وكذلك شارك أبناؤها الأربعة واستشهدوا جميعًا فصارت أمَّ الشُّهداء، ومن شعرها في رثاء أخويها:[٢٨]

أبكي على أخويَّ

والقبرِ الَّذي واراهما

لا مثلَ كهلي في الكهــو

لِ، ولا فتىً كفتاهما



لقراءة المزيد عن شعر الخنساء، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: شعر الخنساء في الإسلام.


علي بن أبي طالب

هو أبو الحسن، علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، هو ابن عم النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وصهره أيضًا وأحد أصحابه، وهو رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد ولد في مكة وأسلم قبل الهجرة وكان ثالث من دخلوا الإسلام أو ثانيهم.[٢٩]


كان علي بن أبي طالب -كرَّم الله وجهه- ممن قال الشِّعر فأجاد، وقد أُثِرَ عنه شعرٌ في الحكمة والخلق الكريم وكثرت الأقاويل في صحَّة الأشعار المنسوبة إليه، كما كتب في زوجه فاطمة الزَّهراء ابنة خير خلق الله محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم-، ومن ذلك قوله حين رآها تستاك بسواكٍ مصنوعٍ من الأراك:[٣٠]

حظيتَ يا عودَ الأراكِ بثغرِها

أما خفتَ يا عودَ الأراكِ أراكَ؟

لو كنتَ من أهلِ القتالِ قتلتُكَ

ما فازَ منِّي يا سواكُ سواكَ


أبو محجن الثقفي

هو عمرو بن حبيب وقيل مالك بن حبيب، وقيل: عبد الله، وهو صحابي له سماع ورواية، ومنهم من أنكر روايته ونفاها، وقد كان فارسًا شجاعًا أبلى في القادسية بلاء حسنًا وكان شاعرًا بطلاً، لكنه كان يشرب الخمر وجلده عمر بن الخطاب في ذلك مرات.[٣١]


قد أسلم حين أسلمت قبيلته "ثقيف"، وقيل إنَّ سيدنا عمر نفاه وسجنه لشربه الخمر، لكنه عفا عنه بعد بلائه في القادسية فترك الخمر فيما بعد، وشارك في الفتوحات والمعارك وكتب شعرًا كثيرًا في الحماسة والحكمة، ومن جميل ما وصل من أشعاره قوله:[٣٢]

لا تسألِ النَّاسَ منْ مالي وكثرته

وسائلِ النَّاسَ عن حزمِي وعنْ خلُقِي


عمرو بن معد يكرب

هو أبو ثور عمرو بن معد يكرب الزبيدي المذحجي، أسلم وصحب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وارتد بعد الوفاة النبي ثم عاد للإسلام، وكان شاعرًا مجيدًا وفارسًا شجاعًا حتى لُقّب بـ "فارس العرب" شارك في الفتوح الإسلامية وأظهر شجاعة وشدة.[٣٣]


كان عمرو بن معد يكرب صحابيًا، كما كان من الشُّعراء الَّذين عنوا بمسائل الحروب في أشعارهم عنايةً خاصة، ومن أجود ما قاله في وصف الحرب:[٣٤]

الحربُ أوَّلُ ما تكونُ فتيةً

تسعى بزينتها لكل جهول

حتَّى إذا حميتْ وشبَّ ضرامُها

عادتْ عجوزًا غير ذاتِ حليلِ

شمطاءُ جزَّتْ رأسها وتنكَّرتْ

مكروهة الشَّمِّ والتَّقبيلِ


دور الشعراء الصعاليك في شعر صدر الإسلام

كيف أصبحت حياة الصَّعاليك في ظلِّ الدَّعوة الإسلاميَّة؟

الشُّعراء الصَّعاليك لقبٌ لفئة من الشُّعراء في الجاهليَّة، ممن اشتهروا بالإغارة على القوافل وقطع الطُّرقات والقتل والسَّبي، ومن أشهرهم ثابت بن أوس الأزدي الملقَّب بـ "الشَّنفرى" وثابت بن جابر الفهمي المشهور بـ "تأبَّط شرًّا" وعروة بن الورد والسَّليك بن السَّلكة والحارث بن ظالم المري وحاجز بن عوف الأزديّ والخطيم بن نويرة وفضالة بن شريك الأسديّ وصخر الغي وأخوه الأعلم الهذلي، وقد ترك هؤلاء شعرًا جيِّدًا رفيعًا، فيه الكثير من القوَّة والعاطفة وسعة الخيال، وبه من الحكمة والشَّجاعة الوفير.[٣٥]


قد كان من الشُّعراء الصَّعاليك من أدرك الإسلام وأسلم في حياة الرَّسول الكريم محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم-، كأبي خراش وأبي الطَّمحان القيني ولبيد وعروة بن الورد وفضالة بن شريك وغيرهم ممن نقرأ عنهم في كتب الصَّحابة من أمثال "الإصابة" لصاحبه ابن حجر و"أسد الغابة" لصاحبه ابن الأثير.[٣٦]


هذه الفئة يمكن تسميتها بالصَّعاليك المخضرمين، وإذا درسنا نتاجهم الأدبي سنجده مختلفًا عن غيره من شعر الصَّعلكة، فنجد الأثر الإسلاميّ واضحًا في شعرهم بعد إسلامهم، كما اختلفت موضوعاتهم عما عرفت به وما وسم به الصَّعاليك إلَّا أنَّها لم تخل تمامًا من ذلك.[٣٧]


فقد أثَّر الإسلام في نفوسهم، وغير أوضاع الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة فلم يعد للتَّصعلك مساحة في حياتهم، وانحصرت موضوعات صعاليك الإسلام في الموضوعات العامَّة تقريبًا كالمدح والهجاء والرِّثاء.[٣٨]


  • من شعرهم في المدح قول أبي الطَّمحان يمدح يزيد بن عبد الملك:[٣٨]

يكادُ الغمامُ الغرُّ يرعدُ أن رأى

مُحيَّا ابنِ مروان وينهلُّ بارقُه

يظلُّ فتيتَ المسلكِ في رونقِ الضُّحى

تسيلُ بهِ أصداغُه ومفارقُه


  • من شعرهم في الهجاء ما قاله فضالة بن شريك يهجو عاصم بن عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه-:[٣٨]

فلولا يدُ الفاروقِ قلَّدتُ عاصمًا

مطوَّقةً يخزى بها في المواسمِ
لقراءة المزيد عن شعر الصعاليك، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: خصائص شعر الصعاليك.

المراجع[+]

  1. مجموعة مؤلفين، أرشيف منتدى الفصيح. بتصرّف.
  2. مجموعة من المؤلفين، أرشيف منتدى الألوكة. بتصرّف.
  3. مجموعة مؤلفين، أرشيف منتدى الفصيح. بتصرّف.
  4. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. بتصرّف.
  5. منهج مدرسي، الأدب العربي وتاريخه، صفحة 88. بتصرّف.
  6. منهج مدرسي، الأدب العربي وتاريخه، صفحة 89. بتصرّف.
  7. منهج مدرسيّ، الأدبُ العربيّ وتاريخُه، صفحة 82. بتصرّف.
  8. منهج مدرسي، الأدب العربيّ وتاريخه، صفحة 82. بتصرّف.
  9. النعمان عبد المتعال القاضي، شعر الفتوح الإسلاميَّة في صدر الإسلام، صفحة 234. بتصرّف.
  10. منهج مدرسي، الأدب العربي وتاريخه، صفحة 101. بتصرّف.
  11. النعمان عبد المتعال القاضي، شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام، صفحة 9-10. بتصرّف.
  12. عبد الكريم يونس الخطيب، التفسير القرآني للقرآن، صفحة 200-201. بتصرّف.
  13. ^ أ ب سورة يس، آية:69
  14. عبد الكريم يونس الخطيب، التفسير القرآني للقرآن، صفحة 10. بتصرّف.
  15. سورة يس، آية:224-225-226
  16. سورة الشعراء، آية:227
  17. عبد الكريم يونس الخطيب، التَّفسير القرآنيّ للقرآن، صفحة 199-200. بتصرّف.
  18. علي بن محمد الخزاعي، تخريج الدلالات السمعية، صفحة 222. بتصرّف.
  19. علي بن محمد الذراعي، تخريج الدلالات السمعية، صفحة 223. بتصرّف.
  20. مجموعة من المؤلفين، فتاوى الشبكة الإسلامية، صفحة 320. بتصرّف.
  21. البحيري، التاسع من فوائد أبي عثمان البحيري، صفحة 93. بتصرّف.
  22. ابن الأحمر، أعلام المغرب والألأندلس في القرن الثامن، صفحة 37. بتصرّف.
  23. محمود سالم محمد، المدائح النبوية حتى نهاية العصر المملوكي، صفحة 59. بتصرّف.
  24. محمود سالم محمد، المدائح النبوية حتى نهاية العصر المملوكي، صفحة 60. بتصرّف.
  25. محمود سالم محمد، المدائح النبوية حتى نهاية العصر المملوكي، صفحة 65. بتصرّف.
  26. مجموعة مؤلفين، أرشيف منتدى الألوكة. بتصرّف.
  27. ابن كثير، البداية والنهاية، صفحة 136. بتصرّف.
  28. ملتقى أهل الحديث، أرشيف ملتقى أهل الحديث، صفحة 102. بتصرّف.
  29. "علي بن أبي طالب"، مكتبة نور، اطّلع عليه بتاريخ 10/2/2021. بتصرّف.
  30. ملتقى أهل الحديث، أرشيف ملتقى أهل الحديث، صفحة 422. بتصرّف.
  31. عبد القادر البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، صفحة 405. بتصرّف.
  32. عبد القادر البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، صفحة 407-408-409. بتصرّف.
  33. "عمرو بن معد يكرب الزبيدي"، مكتبة نور، اطّلع عليه بتاريخ 10/2/2021. بتصرّف.
  34. أحمد حسن الزيات، مجلة الرسالة، صفحة 45. بتصرّف.
  35. مجموعة من المؤلفين، أرشيف منتدى الفصيح. بتصرّف.
  36. يوسف خليف، الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، صفحة 168. بتصرّف.
  37. يوسف خليف، الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، صفحة 343. بتصرّف.
  38. ^ أ ب ت يوسف خليف، شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، صفحة 254. بتصرّف.