موضوع عن الصبر

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:٥٧ ، ١٢ أبريل ٢٠٢١
موضوع عن الصبر


مفهوم الصبر

يعيش الإنسان حياته بين عسر ويسر، وتمر به لحظات من الحياة تكون فيها مملوءة بالسعادة والتفاؤل والخير الوفير، ويقابلها لحظات متعبة ومرهقة، فيها من الهموم والمشاكل ما يتعب قلبه ويضني روحه، وأفضل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان في هذه اللحظات العسيرة هو الصبر، وأن يعلم أنّ دوام الحال من المحال، ولا بدّ بعد كل شدة من فرج قريب، وما عليه إلا أن يصبر ويتحمل ويحتسب أمره عند خالق الأكوان والقادر على كل شيء.


إنّ مفهوم الصبر يرتبط بقوة الإرادة، والقدرة على ضبط النفس، وتحمل الصعوبات والمشاق والعثرات التي تواجه كل إنسان في حياته، ومن المهم التركيز على أنّ الإنسان الصابر هو لاإنسان الذي يتحمل كل الصعوبات بقلب صافٍ وروح نقية مبتسمة، فلا يمكن أن يصبر ووجهه مكفهر عابس، أو أن يعامل الناس من حوله بغضب وعنف، وحجته في ذلك أن ضغوطات الحياة صعبة وأنه يصبر ويتحمل، فهذه ليست أخلاق الصابرين.


الصبر يعني توكيل الأمر لله تعالى، ومعرفة أنّ كل ما أراده الله وقع، وكل ما وقع أراده الله، وأن كل أمر يحصل للإنسان من خير أو شر هو لحكمة بالغة من عند الله تعالى، فإذا ما كان هذا اليقين يملأ قلب الإنسان سيكون قادرًا على الصبر وتحمل كل ما يواجهه في الحياة بروح طيبة ودون أن تظهر ملامح الحزن أو الاستياء أو الخوف من القادم، وإنّ هذا الصبر هو الصبر الحقيقي الذي يساعد الإنسان على عيش الحياة عيشًا صحيحًا ومستقرًا.


إضافة إلى أن الصبر هو واجب على الإنسان في المصائب التي تواجهه في الحياة، ومن المهم أن يُحاول نقل هذه القيمة وهذا الخُلُق للناس من حوله، ويحاول أن يوصل إليهم مفهوم الصبر بطريقته الصحيحة، حتى يتمكن الجميع من العيش باستقرار وطمأنينة، وإن هذا الأمر يحتاج جهدًا كبيرًا من الإنسان، لأنه سيحاول أن يخفف من أعباء الحياة عن الناس من حوله، ولكن بالمقابل له أجر عظيم في الدنيا والآخرة.

أشكال الصبر

إنّ للصبر في الحياة وجوه عدة وأشكال مختلفة، وتشمل كل تفاصيل حياة الإنسان من أصغرها إلى أكبرها، ومن أشكال الصبر في الحياة أن يصبر الإنسان على طاعة الله تعالى، والابتعاد عن المنكرات وفعل العبادات الواجبة، وبذلك يكون قادرًا على مجاهدة الشيطان والابتعاد عن وساوس الشيطان التي تجعله يضل الطريق، ويبتعد عن جادة الصواب، وهذا الصبر هو أعظم صبر يمكن أن يقوم به الإنسان، ومن خلاله يمكن أن يصبر على كل ما قد يواجهه في الحياة.


من أشكال الصبر أيضًا أن يصبر الإنسان على تربية أولاده والعمل خارج المنزل لينفق على العائلة ويؤمن لها مستلزماتها، فكثيرًا ما يضطر الرجل أن يحرم نفسه ملذات الحياة ولحظات سعادتها حتى يكفي بيته ويؤمن لعائلته حياة كريمة ومريحة، وهذا فيه صبر كبير على العمل وتعبه، أيضًا صبره في المنزل على الأولاد وأخطائهم، وتربيتهم وتقصيرهم في واجباتهم المدرسية، وهذا كله صبر يُؤجر عليه إذا كان صبره مترافقًا مع أخلاق حسنة مع أولاده وزوجته.


ولْيعلم كل إنسان أنه لا سعادة كاملة في هذه الحياة، فقد يكون الإنسان ممن ضُيّق عليه في رزقه المادي، ويُحاول دائمًا ويسعى أن يحسّن ظروفه المعيشية لكن لا يستطيع، وهنا لا بد من الصبر والتأكد أن الرزق ليس بالمال فقط إنما الرزق له وجوه عدة مثل الأبناء البارّين والزوجة الصالحة والصاحب الصالح، وغيرها من تفاصيل الحياة المهمة أكثر من المال، وإنّ هذا شكل من أشكال الصبر التي يمكن للإنسان أن يتحلى بها كي يستمتع بحياته ويرضا بما قُسم له في الحياة من رزق.


قد يكون الصبر أيضًا من خلال تحمّل أذى الجار وإساءته لك، فمن المهم أن يحافظ الإنسان على أخلاق الدين الإسلامي، فلا يعامل الناس بالمثل، بل يعاملهم بأخلاقه التي فُرضت عليه، فقد يتسبّب بعض الجيران بالأذى للإنسان ويضرونه وهو باستطاعته إيذاءهم أو الرد عليهم، إلا أنه يكظم غيظه ويصبر على أذاهم، وهذا نوع من الصبر يحتاج مجاهدة للنفس، وقوة كبيرة للتحمل وله أجر عظيم عند الله تعالى، فهنيئًا لمن استطاع أن يتحلى به.

ثمرات الصبر

إنّ الصبر فيه الكثير من مجاهدة للنفس وقوة كبيرة في التحمل وضبط النفس وكظم الغيظ إلا ثمرات الصبر ونتائجه تستحق كل هذا العناء والمكابدة، وأول ثمرة من ثمرات الصبر أن الإنسان يشعر بنوع من الهدوء النفسي الداخلي، وتسيطر على حياته صِبغة الطمأنينة والاستقرار، فلا يقلق من المجهول، ولا يحزن مما حصل، بل يتعلم كيف يصبر ويرضى بقضاء الله وقدره، وفي الوقت نفسه يحاول أن يغير أحواله للأفضل إن استطاع لذلك سبيلًا.


عندما يتحلى الإنسان بقيمة الصبر فإنه سيصبح مثلًا أعلى وقدوة لكل من حوله، ويتعلمون منه المعنى الحقيقي للصبر، ويتمنون أن يكونوا مثله لا يجزعون ولا يهلعون من أصغر مصيبة تحصل لهم، أو من أبسط خبر سيئ يمر بحياتهم، وهذا أمر يعود بالفرح والسرور على الإنسان الصابر نفسه، إذ إنّه سيشعر بالرضا الداخلي ويعلم أن الطريق الذي يمشي به؛ أي طريق الصبر، هو الطريق الصحيح والذي ينبغي أن يكون عليه كل الناس، فيزداد تمسكًا بالصبر.


من المهم أن يعلم الإنسان الصابر أنّ صبره سينعكس على كل نواحي حياته، فعندما يصبر على معاملة الناس ويحترمهم فهذا سيجعل له الكثير من المحبين، وسيحترمه كل أصدقائه وجيرانه، ويعرفون أنّه إنسان ذو خلق رفيع ونبيل، فيعاملونه بأخلاق حسنة ويتجنبون الإساءة له، بل على العكس يكرمونه ويعاملونه بكل لطف ولين وخلق كريم، وهذا أمر فيه راحة وطمأنينة للإنسان الصابر، وفيه خير يعم حياته الاجتماعية كلها.


من أهم ثمرات الصبر أن الإنسان ينال رضا الله تعالى، وكسب الفوز بالجنة والنجاة من النار، وقد ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الكثير من الشواهد عن فضل الصبر وعظيم ثمرته على الإنسان، وهذا وحده أمر كافٍ ليتمسك الإنسان بالصبر ويسعى إليه بكل ما يملك من قوة، فما الحياة إلا بضعة أيام تنقضي، ولا يبقى للإنسان منها إلا خُلقه وأعماله وتصرفاته التي تُعرض يوم القيامة وتكون سبيلًا لأن يدخل الجنة وينعم بلذاتها، أو أن يهوي في نار جهنم.


فكل ثمرة من ثمرات الصبر فيها الخير الكثير الذي يعود على الفرد أولًا وعلى المجتمع ثانيًا، وهذا يؤكد على أهمية الصبر ودوره في بناء المجتمعات وزيادة أواصر المحبة والاتفاق بين أفرادها.

الصبر في الإسلام

إنّ الصبر في الإسلام أمر عظيم ومهم، وقد تجلى من اللحظة الأولى التي بدأت فيها رحلة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- بنشر الدين الإسلامي، فقد صبر كثيرًا على أذى الكفار وتكذيبهم له، وما نعتوه به من نعوت لا تليق بمكانته وعظيم فضله، وكان دائمًا بسّامًا ومستبشرًا، حتى عندما تعرض لأشد أنواع التعذيب من الكفار دعا لهم الله أن يهديهم ويرشدهم لأنهم لا يعلمون ما يفعلونه، فما أعظمه من نموذج للصبر وتحمل الأذى وكظم الغيظ.


إنّ الصبر في الدين الإسلامي له أوجه عدة فهو تحمّل كل الابتلاءات والصبر عليها مع الدعاء لله تعالى والتضرع له، وهذا كله له أجر عظيم عند رب العالمين، والصبر أيضًا يعني كظم الغيظ وعدم التكلم بقسوة أو حدّة مع الآخرين وإن أساؤوا لنا، وكاظم الغيظ أيضًا مكانته عظيمة جدًا يوم القيامة، ومن وجوه الصبر في الإسلام أن يتمالك الإنسان نفسه عند الغضب، ويستطيع أن يتحكم بكل كلمة يتفوه بها وبكل حركة يتحركها.


ما أعظم الإسلام وهو ينشر الأخلاق الفاضلة التي تدلّ على عظمة الدين الإسلامي! وتبيّن أنه دين يصلح لكل زمان ومكان ولكل إنسان، ومن تحلى بأخلاقه عاش بسلام وأمان واطمئنان، فالصبر أمر عظيم تترتب عليه أمور أخرى مهمة، فالإنسان الصابر سيكون ذا خلق حسن ويُعامل الناس بعطف، وسيكون رحيمًا مع الضعفاء والمظلومين، وسيكون حكيمًا مع المسيئين والمقصرين والمتخاذلين والظالمين، وسيحفظ الحقوق ويصون الأمانات.


ما أعظم قيمة الصبر التي نادى بها الدين الإسلامي وأمر بها في كل موقف من مواقف الحياة! وما ذلك إلا لأنها مفتاح لكثير من الأخلاق الفاضلة التي تنتج عنها، ولكل ذلك أجر عظيم وثواب كبير يناله الإنسان المسلم في الدنيا وفي الآخرة، وإنّ الله تعالى لم يأمر المسلمين بأمر إلا لأنه هو العليم الخبير الذي يعرف ما فيه خير للمسلمين وللإسلام، ولو يمتثل المسلمين للتحلّي بالصبر في حياتهم، لصارت حياتهم أفضل وأجمل ومملوءة بالرضا والقناعة والراحة.