من هو هيرودوت العرب

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٢٥ ، ١٤ سبتمبر ٢٠٢٠
من هو هيرودوت العرب

من هو هيرودوت العرب

هيرودوت الرحالة الإغريقي الملُقّب بأبو التاريخ، هو مؤرخ مشهور في القرن الخامس قبل الميلاد، اشتهر برحلاته ووصفه لأماكن كثيرة زارها حول العالم، وخاصة حول البحر الأبيض المتوسط،[١] وقد أطلق اسمه لقبًا بهيرودوت العرب على مؤرخ ورحالة عربي مشهور هو أبو الحسن المسعودي، واسمه علي بن الحسين بن علي، ويُعتقد أنه من أحفاد الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، وهو ومؤرخ واسع الاطلاع ورحالة جاب بلاد الدنيا، ولد ونشأ في مدينة بغداد وقد أقام آخر حياته في مصر وتوفي في القاهرة، وقد كان شيعي المذهب وكذلك يميل لمذهب الاعتزال، ومن مؤلفاته: "مروج الذهب"، "أخبار الزمان ومن أباده الحدثان" وهو كتاب في التاريخ بحوالي ثلاثين جزءًا، ولم يتبقى منه سوى الجزء الأول، وكتاب "أخبار الخوارج"، وكتاب "ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور" وكتاب "سر الحياة" و"السياحة المدينة"، وغيرها من كتب جمع فيها السياسة والاجتماع والدين والتاريخ والجغرافيا.[٢]

سيرة المسعودي

أين وُلد المسعوديّ؟

ولد المسعودي في مدينة بغداد سنة 283 للهجرة [٣]، ولكن يقول الدكتور عبد الرحمن حسين العزاوي في كتابه "المسعودي مؤرخًا، أنه مولود في بابل، كما ذكر ذلك كتاب ومؤرخين آخرين استنادًا إلى كلام للمسعودي ذاته: "وأوسط الأقاليم الإقليم الذي ولدنا به، وإن كانت الأيام أناءت بيننا وبينه وساحقت مسافتنا عنه، وولدت في قلوبنا الحنين إليه، إذ كان وطننا ومقطننا، وهو إقليم بابل"، لكن نشأته العلمية كانت في بغداد.[٤]

أما أسرته ونسبه فقد كان جده الأكبر هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والذي كان ذا مكانة عظيمة في قلوب الناس في العراق، فكانت الناس تجتمع إليه في زمن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه ليحدثهم بسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحاديثه الشريفة، وبذلك عاشت عائلة ابن مسعود في العراق، منخرطة في ميادين العلوم والأدب، بعيدًا عن المشاكل والصراعات السياسية التي عمت البلاد كل فترة وأخرى في العصرين الأموي ثم العباسي، لكن المسعودي كان على المذهب الشيعي، مما أثر على روايته التاريخية وسمعة كتاباته بخصوص الشؤون السياسية، توفي في 346هـ/ 957م بالقاهرة.[٤]

لقب المسعودي

إلى أيّ قبيلة يعود نسب المسعوديّ؟

اشتهر المسعودي بالتاريخ والعلوم الطبيعية والرحلات والجغرافيا، فكان بذلك أشبه ما يكون بالمؤرخ هيرودوت الإغريقي، فأطلق عليه لقب هيرودوت العرب، كما عُرف كذلك بلقب "قطب الدّين"، وشهرته المسعودي هي نسبة إلى عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه، هذا ما ذكره بعض علماء التاريخ، مثل مؤلف كتاب "فوات الوفيات"، كما يلقب أحيانًا بالهذلي نسبة إلى قبلية هذيل العربية الشهيرة التي يعود نسب الصحابي عبد الله ابن مسعود إليها.[٥]

وذكره أبو علي في مؤلفه عن الرجال: "المسعودي هذا من أجلّة العلماء الإماميَّة، ومن قدماء الفضلاء الإثني عشرية"، والإمامية الإثني عشرية هي الفرقة الشيعية الأشهر التي تعتقد بأن لعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه اثني عشر خليفة، وذكره السيد ابن طاووس في كتابه "النّجوم" في معرض ذكر العلماء بالنجوم من الشيعة: "ومن أفضل الموصوفين بعلم النّجوم، الشّيخ الفاضل الشّيعي عليّ بن الحسين بن عليّ المسعودي، مصنِّف كتاب "مروج الذّهب"، وله تصانيف جليلة ومنزلة في العلوم والتّواريخ والرياسة كبيرة".[٥]

رحلات المسعودي

كيف وصف المسعوديّ مخاطر البحار؟

كان المسعودي كثير الترحال، حيث سافر في رحلات عديدة وطويلة داخل العالم الإسلامي وخارجه، فارتحل في بلاد فارس وخراسان، وعرّج على الهند والسند، وأقام فيها مدة طويلة وأفاض فيها الوصف الدقيق، إضافةً إلى زيارة مناطق في قارة آسيا مثل سجستان وطبرستان، كما أنه ارتحل في بلاد الشام وشرق إفريقيا ووادي النيل، وفيها أقام سنوات عديدة، حيث كتب بعضًا من مؤلفاته: "مروج الذّهب" و"التنبيه والإشراف".[٦]

واكتسب من كثرة ترحاله اطلاعًا واسعًا في الواقع إضافة لاطلاعه الواسع بالعلم النظري والقراءة، فجمع من ذلك مرونة كبيرة في التفكير وخبرات عملية رفيعة المستوى، فاستطاع دمج المشاهدة بالعلم النظري، مثل قوله "إن بحر الصين والهند وفارس واليمن متصلة مياهها غير منفصلة إلا أن هيجانها وركودها يختلف لاختلاف مهاب رياحها"، وقد أسهب في شرح أحوال البحار، فتحدث عن أمواجها واضطرابها، وظلمات البحار وأهوالها، وبخاصة أن عصره كانت فيه السفن ذات إمكانيات محدودة، كما تضمنت كتبه الكثير من وصف بلادٍ بعيدة مثل الزنج والصين، وما فيها من قفار وجبال وبدائع المجتمعات وعاداتهم.[٦]

وبذلك تتجلى فائدة الاطلاع والترحال، بما اشتملت عليه من أغرب المشاهد والعجائب والظواهر والأحداث في كثير من أرجاء بلاد الشرق والغرب، كما يذكر عن رحلاته العديد من أحواله مع مواجهة المغامرات وما فيها من المخاطر والعقبات وكيف واجه الصعاب، فقد وصف أحد مخاطر البحار: "لقد ركبت عدة من البحار، كبحر الصين والروم والقلزم وغيرها وأصابني فيها من الأهوال ما لا أحصيه كثرة".[٧]

وأخذ يذكر أنواع الأسماك ويحاول تقدير طول البحر وعرضه وأحوال المد والجزر بوصف لغوي دقيق، فهو مؤرخ وجغرافي ورحالة بارع بفنون الوصف والسرد التاريخي بأسلوبه المشوق، فقدّم بذلك أمتع المؤلفات أسلوبًا وأغناها فكرًا في تاريخ الحضارة الإسلامية، وبالغوص في مؤلفاته نجد فيها أثرًا كبيرًا لرحلاته، خاصة المؤلفات الجغرافية والأنثروبولوجية، حيث كان يهتم بالربط الزماني والمكاني، فكتب عن أخلاق المجتمعات وتأثير وطبيعة البيئة فيها، في رحلة استمرت أكثر من خمسة وعشرين عامًا وهو يطوف أرجاء العالم في رحلة متواصلة، وقد جعل ذلك الغرب يهتمون بكتب المسعودي ويترجمون مؤلفاته.[٧]

إنجازات المسعودي العلمية

ما هي اللغات التي أتقنها المسعوديّ؟

قدم المسعودي الكثير جدًا من الإنجازات العلمية الواسعة والمتنوعة، فهو موسوعة متنقلة مثل كثير من علماء عصره، فهو مؤرخ وفلكي وجغرافي وناسب وإخباري وفيلسوف وأديب، وله إلمام بكثير من اللغات، كالفارسية والبيزنطية والهندية وغيرها، وله اطلاع واسع وعريض على كثير من علوم وثقافات عصره، وذو أسلوب بارع ومشوق في الوصف والكتابة.[٨]

كما تمكن المسعودي من وصف الزلازل، في كتاب "مروج الذهب"، وقدم وصفًا مميزًا للبحر الميت، كما كتب عن طواحين الرياح القديمة التي ابتكرتها بعض شعوب العالم الإسلامي قديمًا، وقد استُفيد من علومه على مستوى العالم، وقيل أنه بدأ بوضع نظرية مشابهة لنظرية التطور، فقد كتب عن ظاهرة الانحراف الوراثي في النباتات مثل الحمضيات، وذلك بعد انتقال زراعتها من السند إلى مصر، وقام بتوثيق أوصاف هذه الطفرات أو التغييرات الوراثية في أشكال الليمون.[٩]

كما له منجزات كبيرة في مجال تقديم أوصاف المجتمعات والشعوب في عصره، حيث إن معظم التاريخ الرسمي هو التاريخ العسكري والسياسي، ولكنه قدّم تاريخًا اجتماعيًا عن شعوب المناطق التي طاف بها، فذكر أعراقهم وصفات أجناسهم، وكثيرًا من عاداتهم وتقاليدهم، وحرفهم اليدوية وطريقة أكلهم وملابسهم وأماكن سكناهم وبيوتهم، وفي كتابه الآخر "التننبيه والاشراف" تمكن من تسجيل سبق على العلوم الغربية الحديثة، بوصف أثر البيئة الطبيعية والمناخ على الإنسان والمجتمعات، وكان مثل باقي علماء الجغرافيا متأثرًا بنظرية الأقاليم السبعة.[٩]

منهج المسعودي في اختيار المادة التاريخية

من هي الشخصيّات التي تأثّر بها المسعوديّ؟

كان المسعودي متأثرًا بمن سبقه من علماء وأعلام القرن الثالث الهجري، وهي شخصيات واسعة الشهرة في مجالات كتابة التاريخ والرحلات الجغرافية، وكذلك توثيق العلوم والظواهر بالرحلات والسفر، ولكنه في نفس الوقت كان مجددًا ولم يكتفِ فقط بالتقليد، وكان من أبرز من تأثر بهم: اليعقوبي وهو من أشهر المؤرخين التقليديين، وكذلك محمد بن جرير الطبري المؤرخ الشهير صاحب كتاب "تاريخ الأمم والملوك"، وأبو العباس أحمد بن إسحاق بن جعفر اليعقوبي، إضافةً إلى أحمد بن يحيى البلاذري، وابن قتيبة الدينوري، وغيرهم، ولكنه أدرك ما يوجد من مآخذ وعيوب في منهجية البحث والعمل في مؤلفات وعلوم هؤلاء العلماء، وهو ما كتب عنه أيضًا ابن خلدون بعده بعدة قرون بقوله: "وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم على مجرد النقل غثَّاً أو سمينًا، لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلُّوا عن الحق وتاهو في بيداء الوهم والغلط".[٤]

فحاول المسعودي الاقتراب من ما يسمى منهج التحليل التاريخي، وحاول تعقب أثر الدوافع النفسية والأسباب، كما أنه لم يأخذ ما تم تداوله من أخبار ومعلومات على محمل التسليم الأعمى، فحاول بذل الجهد في اختبار وتحليل ومقارنة هذه التواريخ والروايات، فلم يترك أي شيء مما شاهده أو عرض أمامه أو استرعى انتباهه من مرويات وظواهر طبيعية وأديان وثقافات وعادات وتقاليد، إلا أخضعه للتحليل والنظر، محاولاً أن يكون حياديًا وبعيدًا عن التعصّب في تسجيل تاريخه، وقد قال عن نفسه في مقدمة كتابه الشهير "مروج الذهب": "لم أنتصر فيه لمذهب ولا تحيزت إلى قول، ولا حكيت عن الناس إلا مجالس أخبارهم، ولم أعرض فيه لغير ذلك"، لكن ذلك أيضًا بقي محل نظر وتشكيك من علماء آخرين ذوي تمكن وشهرة كبيرة مثل ابن تيمية وغيره من المؤرخين الكبار.[٤]


مؤلفات المسعودي

لماذا لم يحفظ التاريخ كافّة ما أنجزه المسعوديّ؟

ترك المسعودي عددًا كبيرًا من المؤلفات والكتب، فمنها ما وصل إلينا كاملًا، ومنها ما فُقد في جملة ما فقد من الكتب والتراث الإسلامي بسبب الغزو المغولي وغير ذلك من ظروف وأسباب، وهذه الكتب بعضهما مطبوع وبعضها لا يزال مخطوطًا، كما توجد كتب منسوبة له تدور حول نسبتها إليه الشكوك، ومن أهم هذه الكتب:

مروج الذهب

يعد كتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر" من أشهر كتبه، وفيه تفصيلٌ جيد في الموضوعات، ولكن بدون إحاطة شاملة مكتفيًا بانتقاء درة من كل عقد، كما تعرّض أحيانًا لما يختلف حوله العلماء من مسائل، فيذكر أقوالهم وبعض حججهم، ويترك تفصيل ذلك إلى كتب أخرى صنفها في هذا المجال، وقد جمع محتوى كتابه هذا وغيرها من كتبه الأخرى من مصدرين: أحدها خلاصة بعض كتب علماء سابقين مختصين بالتدوين، وقد ذكر بعضًا من هذه الكتب في مقدمة هذا الكتاب، وأشار إلى مدى أهميتها له، والمصدر الثاني هو غالبًا عندما يكتب عن عادات بعض أهل البلدان، وهي من أحاديث الناس وقصصهم التي يتوارثونها كابرًا عن كابر.[١٠]

الملوك وأهل الديارات

وهو عبارة عن تلخيص لكتاب آخر له ولكنه مفقود بعنوان "أخبار الزمان"، وهو موسوعة كبيرة في العلوم والتاريخ والجغرافيا، حيث تمت ترجمته إلى العديد من اللغات مثل الفارسية والإنجليزية والفرنسية، ويذكر بعض علماء الجغرافيا المتأخرين أنهم رأوا كتاب "أخبار الزمان" الأصلي المفقود بحوالي ثلاثين مجلدًا، وقد عُثر منه على جزء واحد فقط، ويُعتقد أنه منسوب إليه، لأن أسلوبه مختلف عن أسلوب المسعودي المعروف.[١١]

التنبيه والأشراف

وهذا الكتاب يتطرق لموضوعات كثيرة ومتنوعة، من الأفلاك وهيئات الكواكب إلى النجوم، مرورًا بعناصر المادة وتركيباتها حسب العلم القديم في ذلك الزمان، كما يعرّج على ذكر أقسام الأزمنة والفصول الأربعة، ومنازل الرياح واتجاهات هبوبها، وحتى عن كروية الأرض وشكلها، وشروحات حول السنة القمرية والشمسية والفروقات بينهما، وقد ترجم الكتاب إلى الفرنسية وغيرها.[١١]

سر الحياة

وهو كتاب علمي محض، يدور حول أسرار الطبيعة والخلق والحواس الخمسة، ويعد من أنفع ذخائر كتب العلوم القديمة،[١١] كما أن له كثير من المؤلفات الأخرى في التاريخ والفلسفة وعلم الأخلاق والأنساب، منها "المسائل والعلل في المذاهب والملل"، و"معادن الجوهر في تحف الأشراف"، ولكن توجد انتقادات كثيرة حول مصداقية وحيادية رواياته بما يتعلق بالشؤون السياسية، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية على سبيل المثال أن كتابه "مروج الذهب" قد احتوى على بعض الروايات المكذوبة، ووجوب تدقيقها لمعرفة صحتها، فقال عنه في كتاب "منهاج السنة": "وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله تعالى فكيف يوثق بحكاية منقطعة الإسناد".[١٢]

المراجع[+]

  1. "هيرودوت"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  2. "المسعودي"، al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  3. "المسعودى"، arz.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث "المسعودي .. المؤرخ والرحالة والبحاثة"، www.taree5com.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  5. ^ أ ب "المسعودي الهذلي المؤرِّخ الشَّهير"، arabic.bayynat.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  6. ^ أ ب "المسعودي الهذلي المؤرِّخ الشَّهير"، arabic.bayynat.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  7. ^ أ ب "تراث الرحالة المسعودي"، platform.almanhal.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  8. الدكتور حسين عاصي، أبو الحسن المسعودي المؤرخ والجغرافي جزء 8 سلسلة أعلام المؤرخين، صفحة 3-4. بتصرّف.
  9. ^ أ ب "المسعودي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  10. "مروج الذهب ومعادن الجوهر"، www.goodreads.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  11. ^ أ ب ت "المسعودي"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-26. بتصرّف.
  12. "كتابا المسعودي وابن الأثير في الميزان"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.