من هي خاتون

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٣٠ ، ٢٧ يناير ٢٠٢٠
من هي خاتون

دول بلاد ما وراء النهر

إنّ لفظ بلاد ما وراء النهر أطلقه العرب بعد الفتوحات الإسلاميّة على المناطق الواقعة ما بين نهري سيحون وجيحون، والنهر الذي يقصدونه هو نهر جيحون بالتّأكيد، وهذا النهر يشكّل الحدّ الفاصل بين منطقتين جغرافيّتين مختلفتين اجتماعيًّا، إحداها تتكلًم الفارسيّة والأخرى تتكلّم التّركيّة، وقد قُسِّمَت تلك المناطق إلى تقسيمات إداريّة كي تسهُلَ إدارتها، وإنّ من أبرز الأقاليم في تلك المنطقة هناك إقليم الصغد وخوارزم والصغانيان والختل وإشروسنة وفرغانة والشاش وإيلاق وغيرها،[١] وقد قامت في تلك المناطق عدّة دول شبه مستقلّة عن الإدارة المركزيّة في عاصمة الخلافة، يُذكر منها: الدولة السامانيّة والدولة القرخانيّة والدولة الغزنويّة والدولة السلجوقيّة وغيرها، ومن تلك المناطق جاء لقب الخاتون الذي صار فيما بعد متداولًا في البلاد العربية.[٢]

من هي خاتون

إنّ لقب الخاتون هو من الألقاب الطارئة على الثقافة العربيّة، فهو لقب لا أساس له في اللغة العربيّة وغير مذكور في المعاجم القديمة كمعجم لسان العرب مثلًا، بل هو لقب جاء من بلاد ما وراء النهر غالبًا، وكان هذا اللقب يُطلَقُ على المرأة الشريفة الأصل، العالية المقام، وكانت تحمل هذا اللقب نساء الملوك؛ أي: زوجاتهم،[٣] وإنّ من أبرز من حملت هذا الاسم قديمًا كانت السيّدة تركان خاتون، وهي سلطانة خوارزميّة تنتمي إلى قبيلة القانقلي، وكانت والدة السلطان محمد خوارزم شاه الثاني، وقد عاصرت غزو المغول لبلاد ما وراء النهر وغادرت غرغانج -وهي عاصمة خوارزم- قبل سقوطها بيد المغول، وقد انتهت حياتها سجينة في سجون جنكيز خان وماتت هناك،[٤] وكانت تركان تسيطر على الدولة بنفسها، وكان ابنها لا يملك من أمره شيئًا سوى النزول عند رغباتها، وهذا الأمر جعل دولة ابنها في مهب الريح؛ إذ كان جنودها وعشيرتها -وهم من أتراك سهل القفجاق- يسيطرون على ولايات خوارزم بطريقة تشبه سيطرة المرتزقة على أطراف الدولة، فلم يكن بيد السلطان محمد من أمر سوى النزول عند رغبات والدته المتسلّحة بمرتزقة مارقين من كل حدب وصوب.[٥]

نساء حملن لقب الخاتون

إنّ لقبَ الخاتون قد دخل البلاد العربيّة الإسلاميّة من طريق بلاد ما وراء النهر كما مرّ آنفًا، واللواتي حملنَهُ كُثُر، ومنهنّ السيدة تاج الدين خاتون وكانت والدة السلطان سنجر آخر سلاطين السلاجقة العظام، وكانت جارية للسلطان ملكشاه بن ألب أرسلان، ومن مناقبها أنّها كانت تُرسل الجِمال مُحمّلة بالصّدقات إلى مكّة في مواسم الحج لتوزّعها على الفقراء، وقد تعرّضت للأسر عندما نشبت حرب بين أبناء ملكشاه على العرش، فافتداها ابنها سنجر بما لديه من أسرى وأطلق سراحها من بركياروق الذي كان قد أسرَها، وكذلك هنالك من لمع اسمها كثيرًا حتّى ظنّ النّاس أنّها وحدَها من حمل لقب خاتون؛ لشدّة ما حقّقته من إنجازات جعلت اسمها يتخلّد في التّاريخ، وهي الخاتون عصمة الدين ابن الأمير مُعين الدين أنُر حاكم دمشق، وستقف معها الفقرة القادمة.[٦] وأيضًا ممّن حملن لقب الخاتون هناك عصمة الدين خاتون، أو الخاتون، وهي ابنة الأمير مُعين الدين أُنُر أو أنور حاكم دمشق، وكلمة خاتون في أصلها تُلفظ خواتون، وتعني زوجة الأمير أو زوجة الملك، ولعلّها لُقّبت بهذا اللقب بعد زواجها من نور الدين زنكي.

وقد ولدت الخاتون في بيت مجاهد كبير وقائد عسكري يحمل هم الأمّة على عاتقه، فكانت ظروف نشأتها عاملًا فاعلًا في تكوين شخصيّتها، تزوّجها نور الدين محمود لسبب ربما يكون سياسيًّا كما جرت العادة بين الحكّام في المصاهرة لتوحيد الأمّة، فكان زواج نور الدين من ابنة حاكم دمشق سببًا في توحيد دمشق وحلب بهدف توحيد جهود المقاومة والجهاد ضد الاحتلال الصليبي، وبعد وفاة والد خاتون تولى القيادة نور الدين محمود فوحّد الإمارتين -حلب ودمشق- تحت رايته إلى أن توفّي، فخلفته خاتون مُسيّرة لأمور الدولة بصفتها أميرة المنطقة، فاستغلّ حاكم بيت المقدس آنذاك نوري الأوّل ما يحدث من ارتباك أمر المسلمين فحاصر بانياس إلى أن تدخّلت عصمة الدين خاتون ودفعت له مبلغًا كبيرًا من المال مقابل فكّ حصاره عن بانياس، وفي هذه الظروف توجّه القائد العسكري الفاتح صلاح الدين الأيوبي إلى بلاد الشام لحل النزاعات، فتزوج من عصمة الدين خاتون التي قبلت بهذا العرض في سبيل إعادة توحيد صفوف الأمّة، ولكن لم يُكتب لها أن تُكحّل عينيها بتحرير بيت المقدس على يد زوجها صلاح الدين الذي تمّ بعد موتها بعامين، ولكنّها قد ساهمت فيه على نحو كبير ومهّدت له، ودفعت من أجل ذلك جهودًا وأموالًا طائلة.

قال عنها عماد الدين الأصفهاني المؤرّخ والكاتب المشهور: "أعفُّ النساء وأجلّهنّ وأعصمهنّ في الصيانة، أمرها نافذٌ ورأيُها فاضل، ساهمَت في الكثير من الإصلاحات وأكثر من ذلك في بناية الدور التعليمية والدينية آنذاك"،[٧] وأخيرًا ممّن لُقّبت بلقب الخاتون هناك صفوة الدين بادشاه خاتون بنت محمّد وهي من بني بُراك في كرمان، وهي ابنة قطب الدين محمد بن تاينكو ابن بُراك الحاجب، وقد ماتت سنة 693هـ.[٨]

المراجع[+]

  1. أ. م. د. نزار عبد المحسن جعفر الداغر (2018)، "ممالك بلاد ما وراء النهر وموقفها من الأحداث السياسية في العصر الأموي من سنة 54هـ إلى سنة 132هـ"، أبحاث البصرة للعلوم الإنسانية، العدد 1، المجلد 43، الصفحة 555. بتصرّف.
  2. سعاد هادي حسن إرحيم الطائي (2016)، القراخانيون .. دراسة في أصولهم التاريخيّة وعلاقاتهم السياسية ودورهم في الحياة العلمية (الطبعة الأولى)، دمشق: دار صفحات، الصفحة 49 وما بعدها. بتصرّف.
  3. "تعريف و معنى خاتون في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 15-01-2020. بتصرّف.
  4. "تركان خاتون"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 15-01-2020. بتصرّف.
  5. "أتراك قنقلي"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 15-01-2020. بتصرّف.
  6. "السلطان سنجر .. آخر السلاجقة العظام"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 15-01-2020. بتصرّف.
  7. "من هي خاتون"، www.arageek.com، اطّلع عليه بتاريخ 15-01-2020. بتصرّف.
  8. المستشرق زامباور (1980)، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الرائد العربي، الصفحة 356. بتصرّف.