مفهوم التجديد في الشعر العربي

مفهوم التجديد في الشعر العربي
مفهوم التجديد في الشعر العربي

الشعر العربي

الشعر العربيّ وهو عزُّ العرب ومفخرتهم، ولا يكون الشعر عربيًّا إلا إذا كُتب باللغة العربية، وقد أُطلق عليه العديد من التَّعريفات إلا أنَّهم اصطلحوا على أساسيَّات فيه لا بدَّ من وجودها حتى يكون شعرًا، فأوَّل تلك التَّعريفات أنَّ الشعر هو الكلام الموزون المقفّى الذي يحمل معنى، وعرَّفه الشريف الجرجاني على أنَّه كلام مقفًى موزون على سبيلِ القصد والقَيد الأخير، فكان للشعر دورُه العظيم في الحياة الاجتماعيَّة والسياسيَّة والأدبيّة، فبيتٌ واحدٌ من الشعر كفيلٌ بأن يقلب الأمور رأسًا على عقب، إلا أنَّ البقاء على تلك الحال كان ضربًا من المستحيل، فأُجريت بعض التَّعديلات على الشّعر تحت مفهوم "التجديد" ممّا أدّى فيما بعد إلى ظهور الشعر الحر وقصيدة والنثر وغيرها من أنواع الشعر الحديث، على أنَّ التّجديد لم يكن في الشكل الخارجيِّ فقط بل كان أيضًا في المَضمون، وفيما يأتي سيقف المقال على مفهوم التجديد في الشعر العربي ومظاهره.[١]

مفهوم التجديد في الشعر العربي

التزمَ العرب أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي في أشعارهم، فكانت القصيدة تخرج من بين يديهم وكأنَّها قطعةٌ من الذَّهب الموشَّح بماء الفضة ونفحات الأريج، إلى أن ظهرت جماعةٌ في خمسينيَّات القرن الماضي تدعو إلى الخروج عن الوزن والقافية وتكتفي بأنَّ الشعر هو كلُّ ما يُلامس الروح من المعاني، ويُعبِّر عمَّا في الدَّواخل فكان الخطوة الأولى في التجديد هي التمرد على الوزن والقافية[٢]، أمَّا كلمة التجديد حسب معجم المعاني في اللغة العربية فهي مصدر من جدَّد، أمَّا التجديد في الأدب فهو أن يُؤتى بما ليس مألوفًا من المواضيع والأساليب والأفكار في الموضوع المُجدَّد فيه، أو التَّعديل على الأفكار الحاليَّة الرَّائجة بحيث تبدو وكأنَّها مبتكرةً حديثة، والتَّجديد في كلِّ شيءٍ هو توقّده ومحاولة بعث الروح فيه من جديدٍ وتنشيطه، فيُقال هذا الرَّجل جدَّدَ الشيء أي صيَّره جديدًا، واسم الفاعل من التجديد هو المُجدِّد واسم المفعول هو المُجدَّد[٣]، فبذلك يكون التجديد في الشعر العربي هو خروج الشعر عمَّا هو مألوفٌ سواء كان ذلك من حيث الشكل أو المضمون، ولم تكن تلك العملية وليدة يومٍ ولحظة، بل انقسم علماء العربية ما بين مؤيّد لتلك الفكرة ومُدحِضٍ لها، وبعد أن تمَّ توضيح مفهوم التجديد في الشعر العربي لا بدَّ من الوقوف على مظاهره، وفيما يأتي سيكون ذلك.[٢]

مظاهر التجديد في الشعر العربي

إنَّ التجديد في الشعر العربيّ لا يعني أنَّ الشعر قد خضع لمسحةٍ من ماردٍ عظيمٍ فتغيَّر ما بين ليلةٍ وضحاها، بل إنَّ التَّجديد في الشعر العربي قد بدأ منذ زمن الجاهليَّة عندما كان الأعشى يصف الخمرة ومجالس الشرب والمجون وهو ما لم يكن رائجًا عند العرب إلا أنَّهم تأثروا فيه بالفرس والروم، وانتقل الشعر إلى منحًى آخر مع ظهور الإسلام ليكون تجديدًا في المضمون عندما تراشَقَ الشعراء بنبال القصيدة فهذا يُمجِّد الله وونبيه ويدعوا إلى الثبات في سبيل الله، والآخر ما زال في طور الدفاع عن الآلهة والوثنيَّة، ومع أنَّ ذلك التجديد لم يكن عميقًا إلا أنَّه يُعدُّ تجديدًا في المضمون على كلِّ حال، ومع انتشار الإسلام في الآفاق وظهور الدَّولة الأمويَّة ساد الرَّخاء في مجتمعاتٍ دونًا عن غيرها فانقسم الشعر إلى شعر الأغنياء والمُترفين وشعر الفقراء البائسين، ومن أهمِّ من جسَّد التجديد في الشعر الأمويّ في طبقة المرفين هو عمر بن أبي ربيعة عندما تخلَّى عن فكرة الغزل العذريّ ليكون مُحبًّا ومحبوبًا ومتغزلًا بالعديد من الفتيات، أمَّا شعر الفقراء البائسين فيُجسده جميل بن معمر في حبِّه لبثينة.[٤]

واستمرَّ التَّجديد بعد ذلك في العصر العبَّاسي ليتوافق مع متطلبات الحياة العصرية الجديدة وقتها، فمن غير المعقول أن يبقى الشاعر العبَّاسيُّ مرتبطًا بما أتى به الفراهيدي من أوزانٍ وهو الذي تجدّدت مظاهر حياته لتكون أكثر رخاءً وترفًا، فمال العباسيون بدايةً إلى الأوزان القصيرة والمجزوءة التي تُغنَّى بشكلٍ سهلٍ عذبٍ أنسب لحياة الترف والقصور من تلك الأوزان الطَّويلة التي لن تكون جيدةً لمثل تلك المقامات، وتلاؤمًا مع الحياة الجديدة ذات الرَّفاهيَّة العالية فقد تصرَّف الشعراء في الأوزان لتتناسب مع ما يطلبونه، وأقدموا على استحداث أوزانٍ أخرى جديدة فكان عبد الله بن هرون بن السميدع البصري أول من أقدم على ذلك الفعل، وكان ممن ذاع صيته في ترك نفسه على سجيَّتها في اتّخاذ أوزان جديدة والنسج عليها أبو العتاهية الذي يقول فيه أبو الفرج الأصفهاني: "وله أوزان لا تدخل في العروض"، ويُضيف فيه أبو قتيبة: "وكان لسرعته وسهولة الشعر عليه ربما قال شعرًا موزونًا يخرج به عن أعاريض الشعر وأوزان العرب"، ومع التجديد في الوزن كان لا بدَّ من أن يكون هناك تجديدٌ في القافية، فجدد العباسيون في القافية كما جددوا في الوزن، وبذلك كان لهم أثرهم في التجديد في الشعر العربي.[٥]

ثمّ انتقلت حركة التجديد في الشعر العربي تبعًا لمتطلّبات الحياة ومعطياتها وتجلَّى ذلك مليًّا في الأندلس، فهي المدينة التي نسجوا فيها الأغراض الشعريَّة بنفَسٍ جديد، وطوَّروا في الرِّثاء ليكونَ رثاء مدنٍ وبلادٍ لا رثاءَ أشخاص، وبما أنَّ البيئة الأندلسية وطبيعتها كانت من أجمل المدن كان لا بدَّ من ظهور شعرٍ يتوافق مع ذلك الجمال، فظهر فنُّ الموشَّحات والأزجال في الشعر الأندلسي، وكانت المرأة عندهم صورةً من صور المحاسن في الطَّبيعة، إذ دائمًا ما يكون للرخاء دوره في نسج الشعر، فيقول في ذلك المقري: "إنهم إذا تغزلوا صاغوا من الورد خدودًا، ومن النرجس عيونًا، ومن الآس أصداغًا، ومن السفرجل نهودًا، ومن قصب السكر قدودًا، ومن قلوب اللوز وسرر التفاح مباسم، ومن ابنة العنب رضابًا"[٦]

وظلَّ التجديد يظهر على استحياءٍ فتارةً يكون في الغرض وأخرى في المضمون وثالثة في القافية، إلى أن أُميط اللثام عن أهمِّ مظاهر التجديد في الشعر العربي التي شكَّلت نقلةً نوعيَّةً في الشعر العربي، وهي ظهور الشعر الحر الذي شكَّل محاولةً مهمَّةً وجادَّةً في ميدان تطوير الشعر العربي، فظهر له الكثير من الأنصار كونه نوعًا جديدًا من الشّعر يُلغي فكرة الرّتابة والجمود التي عُهِدت في القصائد المتمسكة بالحُلّة القديمة، وظهرت العديد من المدارس التي أيَّدت وناصرت الشعر الحر، على أنَّه لم يظهر منذ المرة الأولى باسم الشعر الحر، بل مرَّ في العديد من الأطوار مثل الشعر المرسل والشعر الجديد وشعر التفعلية إلى أنَّ اتَّخذ شكله الأخير وأُطلق عليه اسم الشعر الحر، وستقف الفقرة القادمة للحديث عن أهمِّ المجدّدين في الشعر العربي.[٧]

المجددون في الشعر العربي

إنَّ التجديد الحقيقيَّ في الشعر العربي جاء على خلفية ظهور العديد من المدارس الشعرية، فكانت كلّ واحدةٍ من تلك المداس تتخذ لنفسها طريقًا معاكسًا عن الأخرى، فمنها من جعل الشعر داعيًا للمثاليات ومنها من جعله رائدًا في الرومانسية إلى حين ظهور المدرسة الواقعية أو ما يُعرف باسم مدرسة الشعر الجديد، وكانت من أهم الأهداف التي تسعى إليها تلك المدرسة هي التَّعبير عن الإنسان ومشاعره وعواطفه وآماله وآلامه دون الميل إلى التَّكلف والتنميق، ومن أهمِّ الدَّوافع لظهور المدرسة الواقعية هو الرَّد على المدرسة الرومانسية، وأوَّل من قام على تأسيس هذه المدرسة هما الشاعران الكبيران بدر شاكر السيَّاب والشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة.

وراقت أفكار تلك المدرسة للعديد من الشعراء الآخرين الذين وجدوا أنفسهم دعاةً لها ومن أهمهم أمل دنقل وصلاح عبد الصبور ونازك الملائكة وعبد الباسط الصوفي ومحمد الفيتوري ومحمود حسن إسماعيل وأحمد عبد المعطي حجازي، ومن أهم ميِّزات شعر المجددين أنَّه يميل إلى الرمزية بشكلٍ كبيرٍ وذلك مما يخدم الشاعر في المعاني التي يُريد إيصالها للقارئ خاصَّةً إن كانت سياسية، وإدراك معنى القصيدة بذلك الشكل يتوقف على مدى فهم القارئ لها، وقد عمد المجددون إلى استخدام الشعر كواحدٍ من الأدوات التعبيرية التي تأتي عفو الخاطر دون الحاجة إلى التكلف أو الترصيع، مائلين إلى استخدام بعض الإشارات من الأحداث التاريخية التي تخدم جوهر مطالبهم، مستعملين العديد من الرموز الأسطورية القديمة أو الديانات اليونانية أو الوثنية مُشيرين فيها إلى ما يريدونه، على أنَّ ذلك الغموض والإبهام في القصائد لا يأتي من كون استخدامهم للكلمات الصَّعبة على الإطلاق إذ تمتاز مفرداتهم بسهولتها ووضوحها، إلا أنَّ صعوبة الفهم في بعض الأحيان قد تنبع من فك الرمز وماذا يقصد الشاعر المجدد من ورائه، وبذلك يكون قد تمَّ الحديث عن مفهوم التجديد في الشعر العربي ومظاهره، وأهم الشعراء المجددين وما الأسلوب الذي عكفوا على اتّخاذه.[٨]

المراجع[+]

  1. "شعر عربي"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-12. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "مفهوم الشعر بين التجديد والتبديد"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-12. بتصرّف.
  3. "تجديد"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-12. بتصرّف.
  4. "تقليد وتجديد"، www.hindawi.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-12. بتصرّف.
  5. "الاوزان والقوافي"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-12. بتصرّف.
  6. "تاريخ الشعر العربي في الأندلس"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-12. بتصرّف.
  7. "الشعر الحر الجزء الأول"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-12. بتصرّف.
  8. "الشعر الحر"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-12. بتصرّف.

255 مشاهدة