مفهوم التاريخ عند ابن خلدون

مفهوم التاريخ عند ابن خلدون
مفهوم التاريخ عند ابن خلدون

التاريخ

التاريخ حسب أقرب الأفهام العامّة المتفق عليها هو أخبار الماضي بما فيه ومن فيه، والحق إن لفظة التاريخ واحدةً من أكثر الألفاظ التي لطالما أثارت الجدل ولا تزال، ذلك لما تحويه من معانٍ عدةٍ، وسيلًا من الجدل قلما ينتهي إلى اتفاق، فالتعريف بداية الكلام هو أصلًا أشهر خلافٍ حول مفهوم التاريخ، فمن المؤرخين من يرى إن التاريخ لا يعدو كونه خبرًا وحكايةً، ومنهم من يرى أنّه: "عمليةً طويلةً مكّنت البشرية من إحراز تقدمٍ في سبيل معرفة الإنسان لنفسه"، لكن هذا المقال بصدد مناقشة واحد من أهم تعريفات التاريخ، وهو لابن خلدون، ذلك الذي لاقى الإشادة من العجم والعرب، على ذلك، سيتمّ التعريف بابن خلدون، والحديث حول مفهوم التاريخ عند ابن خلدون.[١]


ترجمة ابن خلدون

هو عبد الرحمن بن محمدٍ بن خلدونٍ، المكنى أبا زيد، والملقب بولي الدين، يشتهر باسم ابن خلدون عادةً، وهو يماني حضرمي كما في جمهرة الأنساب لابن حزم، ولد عام 1332 للميلاد في تونس ونشأ فيها وتلقى تعليمه حتى الثامنة عشر على يد مشايخها، ثم انتقل منها إلى الأندلس وعاش في أغلب بلاد شمال إفريقيا؛ يعدّ ابن خلدون واضع علم الاجتماع، وهو واحدٌ من جهابذة المؤرخين المسلمين، حيث ترك -رحمه الله- إرثًا معرفيًا واسعًا وكبيرًا، كما شغل في حياته العديد من المناصب والوظائف، حتى توفي -عليه رحمة الله- في العام 1406 ميلاديًّا.[٢]


مفهوم التاريخ عند ابن خلدون

كتب ابن خلدون في عديد المجالات وبرع فيها، وكان له -رحمه الله- في التاريخ إسهامًا عظيما، ويشار هنا إلى كتابه "كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" ورغم أنه سبقه كبارٌ من المؤرخين أمثال الطبري والمسعودي في الكتابة، إلا إن له مكانةً عليّةً في هذا المجال.[٣]


لعلّ من المفيد هنا أن يُنقل عن ابن خلدون بعض تعريفه للتاريخ، ليتسنى بعد ذلك مناقشة مفهوم التاريخ عند ابن خلدون، حيث يقول: "إن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال... إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبارٍ عن الأيام والدول، والسوابق من الأيام الأوَل ... وفي باطنه نظرٌ وتحقيقٌ، وتعليلٌ للكائنات ومبادئها دقيق، وعلمٌ بكيفيات الوقائع وأسبابها عميقٌ، فهو لذلك أصيلٌ في الحكمة عريق، وجديرٌ بأن يُعدّ في علومها وخليق.[٣]


يستنبط ابن خلدون طبيعة التاريخ ووظيفته، ويضفي لذلك بعدًا فلسفيًا عميقًا، فهو يرى التاريخ وينظر إليه على أنه يبحث في طباع البشر والأسس التي عليها بنيت مجتمعاتهم، كما إنه -التاريخ- يفعل ذلك كله عن طريق الإخبار بأحوال الماضي وأخباره، أي التعريف الذي يفهمه ويعنيه الكثيرون.[٤]


ينظر ابن خلدون للتاريخ من منظورين مختلفين، فهو تارةً يراه فنًا من الفنون، والفن يعني: "الضّرب من الشيء" كما في لسان العرب، أي بعضه، ما يجعله دون مرتبة العلم وأقلّ منه مكانةً، لكنه في تارةٍ أخرى يراه علمًا قائمًا بحد ذاته، ولذا تراه ابتدأ تاريخه بعد المقدمة بفصل أسماه "في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه..."[٤]


منهجية ابن خلدون التأريخية

سبقت الإشارة إلى تاريخ ابن خلدون، حيث عمل -رحمه الله- في تأريخه ذاك على مبادئ تختلف عمن سبقه وعاصره من المؤرخين، وتنبع مبادئه في أساسها ممّا يوحي به تاريخه المذكور وفصله السابق الإشارة إليه حول أهمية التاريخ وفضله، فهو يرى إنه لمن الضروري وقبل نقل المعلومة التاريخية، أن يقوم المؤرخ بدراستها واختبارها، فراح ابن خلدون يخضعها ضمنيًا لأسئلةٍ وتعليلاتٍ يبحث من خلالها الدوافع والأسباب والغايات، ثم يتعدى ذلك كله ليعرض الرواية على المنطق فيسأل عن الكيفية.[٣]


الملاحَظ في مفهوم التاريخ عند ابن خلدون أنه تعدى فكرة السردد القصصي، والحكاية المنقولة اعتباطًا في بعض الأحيان، ويرى إن كثيرًا من "المتطفلين" أدخلوا إلى التاريخ ما ليس فيه أصلًا، ليخلص إلى معيارٍ يقيس به حقيقة الأخبار والروايات، وكان معياره يتمثل بالعمران البشري وانطباعه في أحوال أهله، ثم إن لم يك للخبر أساسًا رده إذ يكون حينها من دسائس الأخبار ومكذوب الروايات.[٣]

المراجع[+]

  1. حسين مؤنس (1984)، التاريخ والمؤرخون (الطبعة 1)، القاهرة- مصر: دار المعارف، صفحة 11،12،15. بتصرّف.
  2. علي وافي، عبدالرحمن بن خلدون حياته واثاره ومظاهر عبقريته (الطبعة 1)، القاهرة- مصر: مكتبة مصر، صفحة 9،10،12،13،14،131. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث عبدالرحمن بن خلدون (2001)، مقدمة ابن خلدون (الطبعة 1)، بيروت- لبنان: دار الفكر، صفحة 6،7،13، جزء 1. بتصرّف.
  4. ^ أ ب حسين مؤنس (1984)، التاريخ والمؤرخون (الطبعة 1)، القاهرة- مصر: دار المعارف، صفحة 13،14. بتصرّف.

432 مشاهدة